مجموعةقصصية
اقترفتها وانا ابحث
في ذاكرة الزمان والمكان
ضجيج لا ينتهي
قال لي وهو يداعب شعيرات قليله يحاول جاهدا ان يغطي بها جلدة راسه المتصحره والتي تجعله يبدو رجلا قد تجاوز الاربعين مع انه لم يبلغ عتبات الثلاثين بعد:
ــ لقد اكتشفت يا صديقي ان السعادة كذبة قذره والقراءة السريعه لواقع الحال اصبحت فوق احتمال جهازي العصبي حتى يجدر بي ان اسمي خلايا ي العصبيه بالخلايا الخشبية والخشب في احسن حالاته يطفو فوق الماء والماء لا لو ولا طعم ولا رائحة وهكذا اصبحت حياتي .
فركت عيني الصغيرتين ـ واللتين كانتا منفذا للهجوم علي من قبل صديقي اذا تبجحت بوسامتي ـ لاطرد بقايا فلول النوم المستوطنة فيهما وقلت له :
ــ انت متشائم ولا تؤمن بالصراع مع الحياة الذي بواسطته تصبح الحياه ممكنه وذات جدوى ......
رد قائلا وهو يلتهم السجائر التهاما :
ــ اتريدني ان اصنع قاربا وانا لا املك شهوة البحر ؟؟؟!!!؟؟؟........
ثم انا لا اومن بالصراع المجاني المملوء بالجنائزية ولا اريد ان العب دور ثور المزرعه في هذه الحياة .......
قلت له وقد ضقت ضرعا :
ــ انت هكذا تملؤني بكلماتك البربرية وكانني لعنة سراب ولا يتغير فيك شيء سوى وجهك الذي بات مثل قرية هجرها اهلها .....وتنسى انك بقليل من التفاؤل تسقط اكبر قلاع المراوغة وصولا الى لحظة سعادة تهزم بها الشيخوخه التي تقتحمك .
صمت هنيهة وابحر بنظراته بعيدا لا ادري الى اين .........وقال :
انني احسدك لانك وفقت الى حد ما في ان تقيم علاقة طيبة مع الحياة ..... اما انا فعلاقتي الوحيدة الناجحة حد العجب فهي مع الحزن والدموع .
قلت له :
ــ لكن للزمن منطقه وللايام سنتها .....................فالى متى ؟؟؟؟؟
قال :
ــ لست ادري .... ولكن هيا نترك هذه الغرفة اللعينه فاني احس روحي تكاد ان تغادر تلك الفوضى المسماة الجسد ...
وخرجنا الى الشارع وصديقي يلفه صمت رهيب مع ان بداخله ضجيجا لا ينتهي
بعيدا عن الحب قريبا من الطابون
والطابون معبد ريفي قديم لصناعة الخبز
والخبز اختراع عربي للتحايل على الهامبرغر
والهامبرغر اغنية غربية لحنها " ملطوش "
من الموسيقار العربي
اسعد اللي مالوش دعوه
اسف اطلت عليكم
لما كان مجلس الامن مملوكا مطلوق اليد في الجسد العربي
ولما كانت استمالة هذا المملوك لصالح النبض العربي صعبه ومستحيله
ولما فشل القانون الدولي ...
ولما فشلت المحاولات المنفعله واللامنفعله ..من احراز تقدم
واستنادا الى رصيد وافر من احاديث جدتي ابتداءا من الشاطر حسن
مرورا بالغولة وانتهاءا بالحجابين السحرة
اخذت على عاتقي ان اصنع حجابا ( ما يخرش الميه ) لذلك المجلس المملوك
وشددت الرحال الى شيخ مشايخ الحجابين السحره في كهوف جبال الطلاسم في بلاد الواق واق
ما ان وصلته ... واعلمته حاجتي حتى اشعل ناره وراح ينثر عليها البخور
ليبادرني باسئلته التقليدية على نحو اسم ام المجلس وشيء من اثره ..
اخبرته ان امه تشتتنا وقلة حيلتنا ومرضعته الصهيونية وعرابه المعسكر الاوحد
واخرجت له نصوص قراري (242) (338) وبعض نصوص القرارات التي اتخذت بحق العراق وليبيا
فتح كتابه الضخم المغلف بافتتاحيات كم هائل من الصحف العربيه ونثر المزيد من البخور على النار
واخذ يتمتم بلغة غير مفهومة ...تصبب عرقه ..وعرقي انا ايضا ..واستمر بنثر البخور على النار
حتى ظننت ان البخور ربما يكون السبيل الوحيد للتحكم بالمجلس المحكوم .
ذهب الشيخ فيما يشبه الاغماءة ثم دون على ورقة عبارات متشابكة ولفها جيدا بخرقة بالية
واعطانيها وقال مشددا على الحروف :
خذهذا الحجاب ( بله واشرب ميته ) واستطرد قائلا :
يا بني هذا المجلس لا يصلح معه لا سحر ولا نثر ولا شعر ولا زفت انه كابوس لذا عليك بالطب النفسي
اجمع جميع اطباء النفس الذين راجعتهم بان علي ان اعود من حيث اتيت وان اتوجه بالدعاء لله
بان لا يستصدر مجلس الامن قرارا بفرض الحصار ــ بجميع انواعه ــ علي عقابا لي على ما بدر مني
عدت ادراجي ... على فكره لا زلت املك الحجاب ...
القفز فوق الاحلام
ـــــــــ
كان المساء متثاقلا حزينا والليل صعلوكا يراود طرقات المدينه عن نفسها ، واضواء الشوارع تمادت في تالقها كانها ارملة فارقت ليالي الحداد وبدات الشوارع تخلو شيئا فشيئا من المارة وباعة الارصفه ، وخفت حركة السيارات حتى بدت المدينه مثل مراهقة تهيء نفسها للنوم وتعد سريرها ليحتضن جسدا يعج بالليل والسهر واب .
انتصف الليل وفي منتصف الليل تكون الاشياء قد اخذت نصف سكرها من الدنيا وتكون القلوب قد اخذت تتثاءب نحو البعيد الذي يمنحها الدفء الغريب لتطير كالفراش اللعوب ، هذا ما احسست به وقد سئمت من الدنيا كما يسام الغريق في عرض البحر .
في تلك اللحظات احسست باننب اقترب من النهايه تلك التي اتمناها لنفسي ولا اتمناها لغيري هذه النهايه المجهوله اقتربت من حرارتها القاتله وسكنتني الغربة من جديد غربة اصقاعها مظلمة وشمسها تزرع بداخلي الموت ، وانا السيد بلا سياده ورجل بلا مطر ، ونهر تمرد على كل البحار فتحولت اسماكه الى حجارة ودع وتحجرت بداخله حوريات الماء فانعكس القمر النهري على سماء الجوع بداخلي فقلت اه تتبعها اه .
دلفت الى غرفتي المختبئة في احد الازقة ركضت نحو سريري الذي ما ان الامسه حتى يئن كانه كهل اعياه الربو ، استاذنت ذهني المثقل بالهموم في شطحة على شريط ذكريات حبلى بالسموم .....
طفولتي تلك العراء اللانهائي ، حياتي تلك المزيج من التمرد والخوف ، حاجتي لكل شيء دون ان يتوفر شيء ، الحزن صديقي الدائم ،ايامي التي تشبه خيمة قائد مهزوم .....احسست بصداع عنيف ، اخذت ابحث بين كتبي واوراقي المتناثره عن مهديء ما لم اجد ،
خرجت الى الشارع وكانني جمل يحتضر ، كانني ليل جزع يفتش في الطرقات عن بقية نهار ، شاء القدر ان اجد صيدليه مناوبة في ذلك الهجيع المتاخر من الليل لكنه ماشاء ان يكون في جيبي المهمل ثمن حتى رغيف خبز ، عدت الى غرفتي تماوجت ما بين الصحو والنوم حتى قفزت الى حلم جميل يعج بالدفء والدنانير والحياة المترفه ، حيث املك كل شيء ويتوفر كل شيء .
طرقات خفيفه على الباب ظلت تتواصل شيئا فشيئا كم تمنيت ان تتسق هذه الطرقات مع مجريات الحلم ثم تمنيت ان يعدل الطارق عن طرقاته ويذهب لحال سبيله .
توالت الطرقات الخفيفه كانها قطرات مطر تتساقط من مزراب قديم فيحدث وقعها على الارض ما يشبه الموسيقى المجهدة ، نهضت من فراشي لاقفز من حلمي الجميل على صوت صاحب الغرفة الذي جاء مع الصباح ليطلب ايجار الغرفة المكسور علي منذ ثلاثة اشهر !!!!!!
انها افقية الحياة التي لا تقبل اية حالة عاموديه الا من خلال القفز فوق الاحلام
ذاكرة مثقوبة
بلدية الخربة ترحب بكم -
... اوقف سيارته قرابة الشاخصة واسلم وجهه لاندياح الريح القوية ، اشتد عليه السعال وراح ينظر من اعلى التلة الى تلك القرية من خلال ذاكرة مثقوبة ...
غادرها طفلا بعد ان حرم من صنوبرها، تينها، وعيون مائها العذب، وهو الذي ولد في بيت من بيوتاتها الطينية ، غادرها مطرودا هو ووالده " طبيب العرب " فقد اخفقت اعشابه للمرة الاولى في علاج احد ابناء وجهاء القرية الذي وافته المنية ، لتبدا رحلة اغتراب صابر الحالكة .
في تلك القرية .. كان الناس يعيشون كما اتفق .. صباحاتهم كئيبة مليئة بالغيبة والنميمة ، وامسياتهم استكمالا لصباحاتهم ، وصابر يحلق بعيدا عن كل هذا ، وتحت شجرة توت قديمة كان يزرع ليل ليلى بالقوافي والاغنيات ويستلهم من حضورها شكلا اخر للحياة .
ـ انه الرحيل يا صابر !! اشعر بان روحي تنتزع مني !!
استل صابر نايه الحزين من جنبه واسلم كتفه لجذع " التوتة " ، وراح ينفخ فيه بكاءه الجاف واشتعال أنينه..
" يا سفرهم اه يا سفرهم كان بعز الليل وكان القمر غايب "
التفت حوله لم يعد هناك غير بقاياه والناي اذ ذاك دوت صرخة محمومة اخترقت الوديان المؤدية للقرية
ـ ليلى ........ ليلى سأعود يا ابنة القلب سأعود
ودخل صابر القرية من جهتها الجنوبية ، ورغم مرور عقدين لا زالت تحتفظ ببعض ملامحها ، على هذه الزاوية كان الحلاق " ابو داود " يفتح كرسيه وتستسلم الرؤوس لماكينتة ، كان الاولاد يتلمسون رؤوسهم بعد الحلاقة تعتريهم ضحكة غريبة.
وهذه بقالة " ابو ركاد " الذي ما انفك يعزو اسباب تدهور مشروعه الى ان الاولاد يشترون بقرش ويسرقون بخمسة مستغلين ضعف بصره .
وهناك على تلة منعزلة بقايا منزل " ابو عوينة " يقبع منفردا فهو صاحب قدرة على الحسد والحاق الاذى بلحظة عين .. استصدروا فتوى و صلوا عليه صلاة الجنازة رغما عنه تفاديا لشره وهو حي يرقد امامهم مذعورا دون حراك ، انتهت حياته بانتهاء صلاتهم دفنوه وحمدوا الله على نهاية شره وحسده لكنهم ظلوا يخشون الاقتراب من منزله ، ظنا منهم ان روحه لا زالت هناك تهدد وتتوعد كل من شارك في الصلاة عليه .
اوقف سيارته امام منزل ابو صايل المختار حيث كان القرار
ــ يا ابو صابر الجماعة مصرين على "الجلوة " حاولنا معهم بدون فايدة ... والله انك خسارة كبيرة للقرية
ــ صايل ما بقدر اعيش برات القرية ... رغم ان العالم يتسع بعد الخروج من ممراتها الا اني اشعر بالاختناق
ــ ولا يهمك رح نتابع ونظل وراهم بلكي ترق قلوبهم سنة زمان بتهدى النفوس ..
ــ اللعنة على الشيح والبابونج واللبخة ، اللعنة على الخشب والجبيرة ، اللعنة على الحبة السمرة ومخاط الكي
اللعنة علي.
ــ اهي القرية ؟ يا صابر ام ليلى ؟
ــ القرية ليلى يا صايل !!!
العيون تحملق في هذا الزائر والشفاه تتمتم ..
- هذا اكيد مندوب الحكومة جاي عشان الشارع اللي طالبنا فيه من سنوات
- لا يا جماعة بدو يكون خبير جاي عشان الاشعاعات اللي بيحكو عنها
- هذا من اثرياء المدينة جاي يشتري ارض ويحفرلو بير مثل اللي سبقوه مع انه كل ما نراجعهم بيقولو ممنوع حفر الابار !!
ـ يا عمي شايفين كيف مشخص اكيد الدكتور الجديد .... اثار هذا الاستنتاج حفيظة عزمي الممرض في عيادة القرية الوحيدة .
تحدث صابر الى عدد من سكان القرية بحذر استفسر وتقصى بذكاء ثم غادر متجها الى شجرة التوت .. وما ان وصلها حتى ترجل من السيارة اخرج نايه واسلم كتفه لجذع " التوتة " وراح ينفخ فيه اشواقه واشتعال حنينه
"سافروا ما ودعوني ... سيبوني وراحواا "
وراح ينظر من اعلى التلة الى تلك القرية من خلال ذاكرة مثقوبة ...
طير جنة ،،
عندما شعرت بتباطؤ حركة الجنين داخل احشائها ، قررت ان تتمشي مخترقة ما تيسر امامها من ممرات المستشفى ،وما كان لهذا ان يوقف سرعة تباطؤ حركة الجنين ،واذ ذاك سافرت الدموع على وجنتيها الذابلتين .
بعد منتصف الليل بقليل ،وحدها في اروقة طابق قسم التوليد ، وبقايا جنين متعب عاش في احشائها تسعة اشهر هي كل عمره ليعلن الرحيل وليكتمل بداخلها وجع لا يقال ...واه من وجع لا يقال .
شعرت بان روحه تنسحب منها خلسة ، قتلها اختناقه بداخلها ، اخذت نفسا عميقا في محاولة يائسة منها علها تمده بقليل من الهواء ليبقى ...!! لتبقى !! ، اقفلت عينيها المتعبتين بشدة غادرتها روح الجنين التي تخلقت بداخلها ردحا من شهور، شعرت (بالم في الحائط) نز الدمع الجارح من اطراف عينيها صرخت بصمت وبصوت قطعه الالم
ــ احتسبتك عند الله ولا حول ولا قوة الا بالله .
ظلت تررد هذه العبارة ولم تتمالك قواها واسلمت نفسها لمقعد في ردهة المستشفى وتلمست بطنها بيدها المرتجفة في محاولة اشد ياسا من سابقتها علها تستشعر ما يدل على بقايا حياة لطفل تمنته وتتمناه منذ سنين لكن الرياح لم تابه لشهوة الامومة ، كانت ليلة قاسية وطويلة والالم سيد الموقف .
كان صباح اليوم التالي كئيبا ، سالها شقيقها :
ــ ماذا قال الطبيب اليوم ؟
ــ يقول ان نبضه يتلاشى ، وان هناك سوائل في جوفه ...اما انا فقد احتسبته عند الله .
ضاقت الدنيا في وجه شقيقها حتى باتت على شكل حذاء ...اتجه الى الطبيب الذي اكتفى بهز راسه معزيا وعاد الى شقيقته مخفيا شعوره بالاسى والمرارة
قالت لزوجها لطفي الذي كان يعلم ان طفلهما يصارع الموت من بداية الشهر الثامن :
ــ اريد ان الده ولادة طبيعية فقد علمت ان اجري عند الله اعظم !! فما هو الا طير من طيور الجنة .
قال زوجها غاضبا :
ــ هذا خامس طير ...وكاننا تعهدنا طيور الجنة !!!!
قالت له
ــ استغر الله وقل لا حول ولا قوة الا بالله
بعد ان خرجت من غرفة الولادة سالت الممرضة لماذا لم يصرخ ابني كما يفعل الاطفال عند خروجهم للحياة ؟؟
قالت الممرضة
ــ " الله يعوض عليكي "
اجتاحها حزن شديد وغرق وجهها في بحر الدمع وقالت :
ــ دعوني الان ...دعوني اغسله بدمعي واكفنه باهاتي واوسده لوعتي
قالت هذه الكلمات وغابت عن الوعي ....
هذه قصة ام ( قصي وهبة ) قصي يبلغ من العمر (15) سنة وهبة (5 ) سنوات زوجها لطفي يعمل حاليا ممرض في قسم التوليد في احد المستشفيات ...شقيقها كتب هذه السطور ويقال انه يتصفح حكايا حاليا .....
الجمر البارد
عندما تخرج صابر من الجامعه ، لم يكد يشعر باللحظة الفاصله بين كونه طالبا وكونه الان يحمل درجة علمية في علوم الارض ( جيولوجي ) ، فقد اخذ شهادته من مسجل الكلية ومشى بخطى ثقيله وتماوجت بخاطره الصور وتذكر اليوم الاول الذي جاء فيه الى الجامعة ، فعندما دخل بوابتها شعر بانه يدخل بوابة المستحيل ، تذكر والده وهو يشد على الكلمات حين قال له :
ـ كن انت الذي نعرف وتذكر ان المدينة تبتلع الغرباء ، فحاذر من مفاتنها واياك ان تجرفك تياراتها المخيفه .
صلى والده العشاء واشار عليه بالنوم فمشوار الغد طويل والخط الصحراوي لا يرحم. ازاح النهار قبعة الليل السوداء وصابر يتماوج بين الصحو والنوم فتنحنح والده ـ وهذه عادته عندما يتوضا ـ وقبل ان يصلي الفجر نادى على صابر بصوته الدافي:
ـ قم يا ولدي انه يومك ....
عندما دخل صابر العاصمه من جهتها الجنوبيه بدى له ان الافق قد ازاح ستار الغبار عن هذه المراة التي تشبه حقيبة السفر فقد احس على الفور انه يدخل عالما جديدا وحياة لم يعشها من قبل . بهرته الاضواء واللافتات المعارض والبقالات والشوارع والارصفة والحسناوات ورغم ذلك تملكه شعور بالغربة فاينما ادار وجهه راى جنوبا حزينا واناس يختلفون عن اهل قريته وعن والده الذي مانفك يردد على مسامعه
ـ يا بني نحن غرباء عن هذه الدنيا وضيوف عليها الى اجل فلا تجعلها كل همك .
في السنة الاولى من سنوات دراسته اقتلعته رياح الحزن والاسى فقد توفي والده وهو يصلي صلاة الفجر وبعد ايام قليلة توفيت والدته لكي يظل صابر وحيدا مجروحا يبكي بكاءا جافا وحارقا حتى اعاب الناس ذلك عليه وظنوا ان المدينة شوهته فاصبح بلا قلب وبلا دموع وكانه ثلج لا يعرف الاحتراق !!!!!. توقف به شريط الذكريات ليجد نفسه امام مقهى (السنترال) الذي اعتاد التردد عليه وبقي هناك حتى منتصف الليل يشرب القهوة ويدخن بشراهه ثم ترك المقهى وعاد الى غرفته واستاذنه ذهنه في شطحة اخرى على شريط الذكريات.... جمانه كانت تشبه البحيرة الطازجه تمتليء حيوية وانوثة ...
ـ جمانة يا حبة القلب ويا اخر جبهاتي عندما تضيق بي الدنيا وتسود الامور فان الكرة الارضية تاخذ بعيني شكل انثى هي انت
ـ اه يا صابر انك غريب وكل غريب جميل . اشعل سيجاره بريئه وتابعت جمانه كلامها :
ـ اعترف لك يا صابر رغم سذاجتك احيانا وبذائتك احيانا اخرى الا اني اجدك رجلا تشبه الريح او لعلك قبطان نحر سفينته على شاطيء الغربة وباع اخشابها لاجل سيجارة . ـ كيف لم افهم ؟؟!!
ـ ردت حمانه وهي تنظر نحو الافق ...بل تتجاهل فهمي اذ ان بين جوانحك نفسا تمردت على الاشياء ونصبت من نفسها ملكة على الازقة والشوارع
قال صابر بحرقه ..
ـ ماخترت هذه النفس لذا اقسم انني سابقى هكذا متمردا حد الجنون مستهترا كاني لم اسمع بالجد يوما فان لم يعجب الناس هذا واعابوه علي فاني عندها ساصادق الارصفه والبهائم والظلام .
ـ ولكن عليك ان تدرك ان للزمن منطقه وللايام سنتهافالى متى ؟؟؟ اجاب صابر قاصدا انهاء الحديث
ـ لست ادري ..تعالي نتجول قليلا... نظرت جمانه اليه بصمت رهيب وكانها مدينة هدأت فجاة أمعنت النظر الى عينيه.. كانت تودعه بحرقه احسنت اخفاءها واخفق صابر قرائتها .. وجدت جمانه من يربا لها صدع امبراطوريتها من خلال زواج سريع ومدروس من شخص ميسور اوفر حظا من صابر الذي ظلت نفسه قلقة متوترة لا تعرف الهدوء وبقي دائم العبث بكل ما تصل له يداه وكانه يبحث عن شيء ما لا يدري اين اضاعه وقد تشرنق الجليد حول ضلوعه وشدته رطوبة الحياة الى جمر بارد الى ثلج فوق احتمالات الحريق
| ||||||||||||||
| w w w . A r a b i c S t o r |
افاق صابر من نومه كاللعنه ..شظفا .. وكعادة صباحية تاتي كاستحقا ق لما قد مضى من الليل اراد الوصول الى الحمام .....لم يستطع ان يخطو الخطوة الاولى لم يستطع تقديم قدمه اليمنى ولا اليسرى .. ، ارتبك!! اصابه الذعر!! وجد نفسه مضطرا للقفز بكلتا القدمين كما الكنغر قفز الى الحمام كيفما اتفق اغتسل وعاد الى الغرفة قفزا !! اراد الخروج وقد اكتسحت جبينه قبائل من التقطيب والذعر خرج قفزا وهمه ان يصل الى اقرب طبيب الى اقرب مستوصف.
توقع ان يستغرب الناس قفزه لكنهم لم يفعلوا كانوا جميع يقفزون اخترق الشارع الفرعي المؤدي الى الشارع الرئيسي ... هناك كانت سياره فارهة مسرعه صدمت طفلا يقود دراجة هوائية... يحمل ارغفة من الخبز سقط الطفل تناثرت الارغفة نزل السائق ازال اثار دماء الطفل عن مركبته بتقزز مستخدما جزءا من قميص الطفل الذي خرى مغشيا عليه وقفز الى سيارته متاففا
تمنى صابر لو تعود اليه القدرة على المشي ليركض باتجاه الطفل وينقذه دون جدوى قفز باتجاه الطفل اذ ذاك قفز بعض الماره باتجاه الطفل شعر صاحبنا بالارتياح وما ان وصل القاقزون الى منطقة الحادث حتى بداو يتنازعون على نهب ارغفة الخبز المتناثره ثم كان ان غادروا قفزا والطفل لا زال مطروحا على جانب الطريق ...مضرجا بدمائه
رجل كهل يقترب من الطفل قافزا ببطؤ مرده ما انقضى من العمر..ها هو يحمله بين ذراعيه برحمة وحنان ليضعه جانبا وياخذ رغيفا كان تحته ويترك الطفل ويواصل قفزه ولكن بسرعة فائقة مردها ربما ما تبقى من العمر.. . .
اراد صابر ان يواصل قفزه نحو الطفل ...اذ ذاك جاءت سيارة اسعاف وقفت على جانب الطريق ..ممرضان يرتديان الزي الابيض يقفزان يخرجان حمالة وضعا عليها الدراجه الهوائية وقفزا الى السيارة وغادرا منطقة الحادث على عجل . واسقط بيد صاحبنا لم يدري ماذا عليه ان يفعل ؟؟...
ها هي المركبات تطلق ابواقها بصورة جنونيه اتجه صاحبنا الى اقرب مركبة سال سائقها لماذا تطلقون الابواق ؟؟؟ هل هناك عرس ما لاحد ما ؟؟؟ اجابه السائق لا ادري رايتهم يطلقون ابواقهم ففعلت مثلهم اسال الذي في الامام لعله يعرف . وقفز صاحبنا من مركبة الى اخرى الى اخرى يسال نفس السؤال ويحصل على نفس الاجابة حتى وصل الى المركبه رقم ربما 100 وكانت اول مركبة في الطابور سال سائقها عن سبب اطلاق الابواق فقال له انا اقود مركبة لبيع اسطوانات الغاز كما ترى واطلق الابواق لتنبيه الناس والرزق على الله!!! وما دمت قد قلت عرس فمن واجبي ان اجامل اخرج مسدسه واطلق عدة عيارات ناريه اتجهت نحو النوافذ المطلة على الشارع سقط على اثرها عدد من الجثث
احس صابر بدوار اتجه قفزا نحو شرطي يبكي و يخالف احدى المركبات ساله صابر ان يتدخل في الطفل الحادث وفي الجثث المتساقطه لكن الشرطي استمر في تحرير المخالفه على عجل والبكاء على مهل ساله صابر عن سبب البكاء قال الشرطي هذا السائق توقف في مكان ممنوع فيه الوقوف ، اما بكائي فسببه ان العجل الامامي للمركبة يقف حاليا على قدمي ويسبب لي الم شديد ناهيك عن الام القفز المزمنة غير ان الواجب هو الواجب .
ترك صابر الموقف برمته وتوجه الى اول عيادة دخلها وجد كل من فيها يقفزون مرضى واطباء وزوار عاد الى الشارع قفزا نظر الى الجانب الاخر
كان الطفل الصغير اياه يمسح الدماء من على جبهته ويزيل الاتربه من على ملابسه ويمشي بشكل طبيعي وعلى محياه بقايا دماء ودهشه على شكل تساؤل لماذا يقفزون كالكناغر ؟؟؟ !!!!
دوى صوت سيارة الإسعاف.... وهي تلتهم شارع ( اللاجدوى) المؤدي إلى مستشفى ( لما بدى يتلوى الأندلسي) ، وطغى علىالحان الطمأنينة التي كانت تلف الشارع ، جمع غفير مذعور يجري خلف سيارة الإسعاف يتقدمهم صابر فاغرا فاه :
ـــ" يا ناس الحقو!!! الجغرافيا داست التاريخ....!!!"
صمت حزين... أسدل أستاره على شارع اللاجدوى... مرده الحادث الجلل الذي تعرض له تاريخهم الحبيب ، فقد خلى الشارع من المارة وباعة الأرصفة وتواجد الناس أطفالا ، شبابا وشيبا أمام المستشفى...
في المستشفى... وفي غرفة جانبية..رقم ( 101 ) . رقد التاريخ مثخنا بالجراح!! متغذيا "بجلوكوز" الجماهير!! تجلس إلى جانبه ممرضة ترتدي زيا أندلسيا!! وتحيك بسنارتها علما اسودا !! على باب الغرفة وضع مكتب مزود" بتلفون" "وفاكس" "وكمبيوتر" "وإنترنت" واتصال مباشر مع منتديات سحر الشرق
خلف المكتب يجلس رجل متكرش يدخن " المارلبورو " بشراهة ، يضع على صدره يافطة مكتوب عليها ( جمعية التاريخ يعيد نفسه " ) يقوم بالرد على استفسارات الجماهير حول صحة التاريخ.
أشارت التقارير الأولية أن التاريخ يعاني من ارتفاع في الضغط نتيجة إلى عدة تفجيرات في الجسد العربي استخدمت فيها أملاح ( TNT ) ,ونقلا عن جدتي عن جدتها " عن نوبل الملح يرفع الضغط .
وبلغت حرارته الف" دولار" ناتجة عن التنكيل بشعب بأكمله من قبل محرفي التوراة وقتلة الأنبياء والأطفال....
في اليوم التالي تناولت وسائل الاعلام المنفعلة واللا منفعلة خبر حادث التاريخ الجلل وشجبت واستنكرت ايما استنكار وشجب !!!
وذهبت وسا ئل اعلام العدو و حلفاء الصهاينة.. الى اتهام التاريخ بانه كان يقود عربة الامة وهو في حالة سكر شديد !!! خرج صابر من المستشفى وهو يصيح بصوته المفجوع :
ـــ " يا عالم... يا ناس ... يا هو "...
التاريخ يعاني من نزيف داخلي !!!!
وبانتظار اخر التقارير حول صحة التاريخ... وفي صحة التاريخ.!!!!
عندما تتحسن الظروف ؟؟
كان صابر قد اعلن عن ميلاده بصرخات قوية متتابعة اشعرت ذويه بالقلق والحيرة ليبدأ مشوار طفولته فيرضع.. ويفطم على صوت ماكنة الخياطة حيث كانت والدته تخيط بها مراييل المدارس واوجه الفرشات وما يتيسر لها من اعمال خياطة .
كان يحوم حول تلك الماكنة ربما لارتباطها برضاعته وفطامه حتى انه سقط ذات يوم وشج طرفها راسه ، ربما كان لا بد من ذلك الحادث حتى يتصالح مع ضجيجها الذي كان يسكن جغرافيتة راسه
صابر كان الطالب الوحيد الذي يكره جرس نهاية اليوم الدراسي !!! لانه يفضي به الى وجبة سريعة قبل ان يصبح فرش الكعك رفيقه على امتداد ساعات النهار وبعض ساعات الليل .
كان يجد في احاديث النساء ما يخفف عنه:
(ما شاءالله على صابر الاول على صفه والفائز بكل نشاطات مدرسته والبائع والعتال والشاعر والفنان ... " يا ريت اولادنا مثله " ما شاءالله عليه !! )
هدى ابنة " الست بهيرة المرعبه " مديرة مدرسة البنات في الحي ،هدى التي كان يتبارى في ودها سامي ابن الضابط ، ورياض " اللي عندهم سيارة " ومحمد موسى ابن التاجر الثري وايمن الذي يعمل والده في وزارة مهمة، ومعتز ابن مذيع التلفزيون ، بالاضافة لصابر ابن الحارس العشاق على اختلاف ظروفهم كانوا في سن الخامسة عشرة، تلك السن التي تتبلور فيها شخصية الفرد... وهدىكانت تلك البحيرة الطازجة ما انفكت كما الفراشة تحوم حول صابر وتتلقف اخباره .
آما ما كان من امر ثلة العشاق فقد كانوا يجلسون على حائط حديقة منزل " الست بهيرة " وأقدامهم تتدلى نحو الشارع استعدادا للهروب اذا ما رأوا والدة هدى قادمة وهم يتقربون من ابنتها بوايل من النظرات والكلمات المعسولة، اما صابر وبحكم انه بائع كان يدخل الى الحديقة حيث تتهادى هدى الى أرجوحتها وفي عالم الخيال لم يكن يرى نفسه بائعا !!
ـ صابر ايها الفريد " يا للي مثلك ما ولدت دايه ... اذهب الى ابنتي هدى في الحديقة اعطها ما تريد من الكعك هي وصويحباتها ثم عد الي كي اعطيك الثمن ، وكان صابر يفعل غير انه لم يكن ليعود للست بهيرة لاخذ ثمن بضاعته وذات مرة سالته بهيرة :
ـ لماذا وفي كل مرة لا تعود الي كي اعطيك ثمن ما تشتريه هدى وصويحباتها ؟؟
أجابها صابر مبتسما : كنت أنتظر ان يصبح المبلغ ربع دينار حتى اتفادى موضوع البحث عن فكه ..
وابتسمت هدى واكتفت الست بهيرة بتحذيره ان لا يفعل هذا مرة اخرى وهي لا تدري انها بذلك تحرمه من اجمل طقوسه مع هدى .
عندما تتحسن الظروف ؟؟ لم يستطع صابر رغم ثقافته واطلاعه من ادراك ابعاد هذه الكلمات فلقد حفرت بداخله ككلمات مبهمة يرد بها والده على سؤاله المتكرر :
متى يا ابي اكف عن البيع ؟؟
فلقد لوحتني شمس اب واعيتني رياح تشرين وسكنني صقيع كانون وملتني الأرصفة والشوارع وضاق بي حذائي فالى متى ؟؟ وتاتي كلمات والده في حضرة دموع امه
ــ عندما تتحسن الظروف يا بني !!
وكان ان عقدت المدرسة مسابقة لحفظ القران واحكام تجويده الكل يستعد بما اوتي من قوة وقدرة وجاه... للفوز بهذه المسابقة وعندما يُسأل صابر عن استعداداته يقول ربما لن اشترك فالوقت يملكني ولا املكه .
وذات يوم اتى احد زبائنه ليشتري منه كعكة بالجبن وهو ينصب فرشه ... على احد الارصفة فاستغرب وجود القران الكريم معه فاستفسر وعلم ما وراء هذا الامر فاشار على صابر ان يذهب الى المسجد الحسيني بعد صلاة العصر وفعل صابر ليلتقي هناك بالشيخ " المحسيري " الذي ساعده على حفظ القران والدراية بأحكام تجويده وتلاوته حسب القراءات السبع
كان انتباه صابر موزع ما بين الشيخ وبين العربة التي تحمل بضاعته والتي كان يركنها عند بوابة المسجد في مكان يجعلها على مرمى نظره خاصة اذا تبقى من البضاعة ما تعذر بيعه وكما هو معروف لا عودة للبيت الا بانتهاء البضاعة .
في يوم الحسم بحضور مدير التربية ومدير المدرسة والاساتذة ولجنة من وزارة الاوقاف وامام الحي ووالد صابر ووالدته واخته فوزية وذوي المشتركين والست بهيرةبالاضافة لجمع غفير من اهل الحي ، اتى دور صابر وقرا الجزء الذي طلب منه حسب القراءات السبع مع ان هذا لم يكن مطلوبا فكان فوزه امرا بديهيا في ظل دهشة الجميع وبالذات لجنة التحكيم التي انهمرت على صابر بالاسئلة وهو يجيب وكانه يغرف من معين وهم بذلك يريدون ان يقفوا على ما لدى صابر من معرفه بعد ان ادركوا هم والحضور ان لا منافس له وترددت في اروقة المبنى تمتمات الحضور :
ـ ما شاءالله ،،، اللهم صلي على سيدنا محمد ...
واعلنت النتيجة رسميا بفوز صابر الذي صرخ بصوته الجهوري والدموع تتطاير من عينيه دون ان تلامس خديه وسط استغراب الحضور : كعك ...كعك ... كعك
نعم لقد كان فتى تلك الليلة قضاها مزهوا بنصره برفقة اصدقائه ، وعندما عاد الى البيت تفاجا بعربته محطمة سكنه الخوف ودخل الى المنزل وما ان وقعت عينا والده عليه حتى ركض والده والدموع تكتسحه وامه واخته فوزية تجهشان بالبكاء ، لوهلة ظن ان دموع والده دموع غضب فتراجع الى الخلف لكن اقدام والده كان اقوى من احجامه فضمه والده الى صدره ضمة لطالما تمناها صابر وقال له بصوته الباكي :
ـ لا بيع بعد اليوم يا صابر ... لا بيع بعد اليوم يا بني
وقف صابر مدهوشا ، وقبل يد والده ودموع الفرح تتساقط على يد والده واتجه نحو امه يعانقها وهو يصرخ بصبيانية :
ـ لا بيع بعد اليوم !!! يا امي ...
لا بيع بعد اليوم يا ابي !!!
لا بعد بعد اليوم يا فوزية !!
سيتوقف ابن الضابط وابن اللحام وابن المذيع.... عن التهكم علي ...
وعاد الى ما تبقى من العربة ليكمل تحطيمها بشكل احتفالي وخرج معظم الجيران على صوته الفاغر :
ـ لا بيع بعد اليوم لا بيع بعد اليوم ،،،،
ونام صابر نوما هنيئا لم يذقه من قبل نام وهو يحتضن جائزته
في اليوم التالي كان صابر يحمل فرش الكعك على راسه وينادي وهو يخترق الازقة والشوارع : كعك ... كعك ... كعك ...