مجموعةقصصية
اقترفتها وانا ابحث
في ذاكرة الزمان والمكان

ذاكرة مثقوبة
03 تشرين ثاني, 2006

ذاكرة مثقوبة

 

 

 

بلدية الخربة ترحب بكم -

... اوقف سيارته قرابة الشاخصة واسلم وجهه لاندياح الريح القوية ، اشتد عليه السعال وراح ينظر من اعلى التلة الى تلك القرية من خلال ذاكرة مثقوبة ...

غادرها طفلا بعد ان حرم من صنوبرها، تينها، وعيون مائها العذب، وهو الذي ولد في بيت من بيوتاتها الطينية ، غادرها مطرودا هو ووالده " طبيب العرب " فقد اخفقت اعشابه للمرة الاولى في علاج احد ابناء وجهاء القرية الذي وافته المنية ، لتبدا رحلة اغتراب صابر الحالكة .

 

في تلك القرية .. كان الناس يعيشون كما اتفق .. صباحاتهم كئيبة مليئة بالغيبة والنميمة ، وامسياتهم استكمالا لصباحاتهم ، وصابر يحلق بعيدا عن كل هذا ، وتحت شجرة توت قديمة كان يزرع ليل ليلى بالقوافي والاغنيات ويستلهم من حضورها شكلا اخر للحياة .

 

ـ انه الرحيل يا صابر !! اشعر بان روحي تنتزع مني !!

 

استل صابر نايه الحزين من جنبه واسلم كتفه لجذع " التوتة " ، وراح ينفخ فيه بكاءه الجاف واشتعال أنينه..

 

" يا سفرهم اه يا سفرهم كان بعز الليل وكان القمر غايب "

 

التفت حوله لم يعد هناك غير بقاياه والناي اذ ذاك دوت صرخة محمومة اخترقت الوديان المؤدية للقرية

ـ ليلى ........ ليلى سأعود يا ابنة القلب سأعود

ودخل صابر القرية من جهتها الجنوبية ، ورغم مرور عقدين لا زالت تحتفظ ببعض ملامحها ، على هذه الزاوية كان الحلاق " ابو داود " يفتح كرسيه وتستسلم الرؤوس لماكينتة ، كان الاولاد يتلمسون رؤوسهم بعد الحلاقة تعتريهم ضحكة غريبة.

وهذه بقالة " ابو ركاد " الذي ما انفك يعزو اسباب تدهور مشروعه الى ان الاولاد يشترون بقرش ويسرقون بخمسة مستغلين ضعف بصره .

وهناك على تلة منعزلة بقايا منزل " ابو عوينة " يقبع منفردا فهو صاحب قدرة على الحسد والحاق الاذى بلحظة عين .. استصدروا فتوى و صلوا عليه صلاة الجنازة رغما عنه تفاديا لشره وهو حي يرقد امامهم مذعورا دون حراك ، انتهت حياته بانتهاء صلاتهم دفنوه وحمدوا الله على نهاية شره وحسده لكنهم ظلوا يخشون الاقتراب من منزله ، ظنا منهم ان روحه لا زالت هناك تهدد وتتوعد كل من شارك في الصلاة عليه .

اوقف سيارته امام منزل ابو صايل المختار حيث كان القرار

 

ــ يا ابو صابر الجماعة مصرين على "الجلوة " حاولنا معهم بدون فايدة ... والله انك خسارة كبيرة للقرية

ــ صايل ما بقدر اعيش برات القرية ... رغم ان العالم يتسع بعد الخروج من ممراتها الا اني اشعر بالاختناق

ــ ولا يهمك رح نتابع ونظل وراهم بلكي ترق قلوبهم سنة زمان بتهدى النفوس ..

ــ اللعنة على الشيح والبابونج واللبخة ، اللعنة على الخشب والجبيرة ، اللعنة على الحبة السمرة ومخاط الكي

اللعنة علي.

ــ اهي القرية ؟ يا صابر ام ليلى ؟

ــ القرية ليلى يا صايل !!!

 

العيون تحملق في هذا الزائر والشفاه تتمتم ..

- هذا اكيد مندوب الحكومة جاي عشان الشارع اللي طالبنا فيه من سنوات

- لا يا جماعة بدو يكون خبير جاي عشان الاشعاعات اللي بيحكو عنها

- هذا من اثرياء المدينة جاي يشتري ارض ويحفرلو بير مثل اللي سبقوه مع انه كل ما نراجعهم بيقولو ممنوع حفر الابار !!

ـ يا عمي شايفين كيف مشخص اكيد الدكتور الجديد .... اثار هذا الاستنتاج حفيظة عزمي الممرض في عيادة القرية الوحيدة .

 

تحدث صابر الى عدد من سكان القرية بحذر استفسر وتقصى بذكاء ثم غادر متجها الى شجرة التوت .. وما ان وصلها حتى ترجل من السيارة اخرج نايه واسلم كتفه لجذع " التوتة " وراح ينفخ فيه اشواقه واشتعال حنينه

"سافروا ما ودعوني ... سيبوني وراحواا "

وراح ينظر من اعلى التلة الى تلك القرية من خلال ذاكرة مثقوبة ...

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba