الاسم: زياد السعودي
مجموعةقصصية
اقترفتها وانا ابحث
في ذاكرة الزمان والمكان
الجمر البارد
عندما تخرج صابر من الجامعه ، لم يكد يشعر باللحظة الفاصله بين كونه طالبا وكونه الان يحمل درجة علمية في علوم الارض ( جيولوجي ) ، فقد اخذ شهادته من مسجل الكلية ومشى بخطى ثقيله وتماوجت بخاطره الصور وتذكر اليوم الاول الذي جاء فيه الى الجامعة ، فعندما دخل بوابتها شعر بانه يدخل بوابة المستحيل ، تذكر والده وهو يشد على الكلمات حين قال له :
ـ كن انت الذي نعرف وتذكر ان المدينة تبتلع الغرباء ، فحاذر من مفاتنها واياك ان تجرفك تياراتها المخيفه .
صلى والده العشاء واشار عليه بالنوم فمشوار الغد طويل والخط الصحراوي لا يرحم. ازاح النهار قبعة الليل السوداء وصابر يتماوج بين الصحو والنوم فتنحنح والده ـ وهذه عادته عندما يتوضا ـ وقبل ان يصلي الفجر نادى على صابر بصوته الدافي:
ـ قم يا ولدي انه يومك ....
عندما دخل صابر العاصمه من جهتها الجنوبيه بدى له ان الافق قد ازاح ستار الغبار عن هذه المراة التي تشبه حقيبة السفر فقد احس على الفور انه يدخل عالما جديدا وحياة لم يعشها من قبل . بهرته الاضواء واللافتات المعارض والبقالات والشوارع والارصفة والحسناوات ورغم ذلك تملكه شعور بالغربة فاينما ادار وجهه راى جنوبا حزينا واناس يختلفون عن اهل قريته وعن والده الذي مانفك يردد على مسامعه
ـ يا بني نحن غرباء عن هذه الدنيا وضيوف عليها الى اجل فلا تجعلها كل همك .
في السنة الاولى من سنوات دراسته اقتلعته رياح الحزن والاسى فقد توفي والده وهو يصلي صلاة الفجر وبعد ايام قليلة توفيت والدته لكي يظل صابر وحيدا مجروحا يبكي بكاءا جافا وحارقا حتى اعاب الناس ذلك عليه وظنوا ان المدينة شوهته فاصبح بلا قلب وبلا دموع وكانه ثلج لا يعرف الاحتراق !!!!!. توقف به شريط الذكريات ليجد نفسه امام مقهى (السنترال) الذي اعتاد التردد عليه وبقي هناك حتى منتصف الليل يشرب القهوة ويدخن بشراهه ثم ترك المقهى وعاد الى غرفته واستاذنه ذهنه في شطحة اخرى على شريط الذكريات.... جمانه كانت تشبه البحيرة الطازجه تمتليء حيوية وانوثة ...
ـ جمانة يا حبة القلب ويا اخر جبهاتي عندما تضيق بي الدنيا وتسود الامور فان الكرة الارضية تاخذ بعيني شكل انثى هي انت
ـ اه يا صابر انك غريب وكل غريب جميل . اشعل سيجاره بريئه وتابعت جمانه كلامها :
ـ اعترف لك يا صابر رغم سذاجتك احيانا وبذائتك احيانا اخرى الا اني اجدك رجلا تشبه الريح او لعلك قبطان نحر سفينته على شاطيء الغربة وباع اخشابها لاجل سيجارة . ـ كيف لم افهم ؟؟!!
ـ ردت حمانه وهي تنظر نحو الافق ...بل تتجاهل فهمي اذ ان بين جوانحك نفسا تمردت على الاشياء ونصبت من نفسها ملكة على الازقة والشوارع
قال صابر بحرقه ..
ـ ماخترت هذه النفس لذا اقسم انني سابقى هكذا متمردا حد الجنون مستهترا كاني لم اسمع بالجد يوما فان لم يعجب الناس هذا واعابوه علي فاني عندها ساصادق الارصفه والبهائم والظلام .
ـ ولكن عليك ان تدرك ان للزمن منطقه وللايام سنتهافالى متى ؟؟؟ اجاب صابر قاصدا انهاء الحديث
ـ لست ادري ..تعالي نتجول قليلا... نظرت جمانه اليه بصمت رهيب وكانها مدينة هدأت فجاة أمعنت النظر الى عينيه.. كانت تودعه بحرقه احسنت اخفاءها واخفق صابر قرائتها .. وجدت جمانه من يربا لها صدع امبراطوريتها من خلال زواج سريع ومدروس من شخص ميسور اوفر حظا من صابر الذي ظلت نفسه قلقة متوترة لا تعرف الهدوء وبقي دائم العبث بكل ما تصل له يداه وكانه يبحث عن شيء ما لا يدري اين اضاعه وقد تشرنق الجليد حول ضلوعه وشدته رطوبة الحياة الى جمر بارد الى ثلج فوق احتمالات الحريق