مجموعةقصصية
اقترفتها وانا ابحث
في ذاكرة الزمان والمكان

الملثم
03 تشرين ثاني, 2006

 

 

 

لم يكن وسيما، أدرك هذا مبكرا فارتاح وأراح، لكنه في صبيحة ذلك يوم _ حين استيقظ من نوم زخر بالكوابيس التي قطّعها ارق نزق _ حدق في المرآة فهاله ما رأى فها هو أمام وجه بُعثرت ملامحه...اذ فقد السيطرة على فمه الذي انزاح الى أقصى يسار وجهه وجحظت عينه اليمنى وضمرت الأخرى في شبه إغفاءة وشعر بثقل النطق، قفزت إلى ذهنه صورة وجه احدب نوتردام فاسقط في يده.

تلثم ليخفي ما كان من أمر خارطة وجهه، وسارع لمراجعة الطبيب الذي اخبره انه مصاب بالتهاب العصب السابع ، ووصف له مجموعة من الأدوية ليعود صاحبنا إلى غرفته معتكفا مواظبا على تناول العلاجات متقيدا بتعليمات أخرى أفضى بها الطبيب إليه لمدة أسبوع كانت شخوصه فمه المنزاح، لسانه المتدلي، عينه الجاحظة والأخرى الضامرة.

لم يلمس أي تحسن، قيل له انه مصاب بالفالج وليس له إلا الطب البديل، وبدأ المشوار، فهذا خبير يصف له دواءً ليدهن به وجهه، كاد من نتانة رائحة مكوناته أن يفجر له وجهه، وذاك خبير يصف له زجاجة فيها ماء مخلوط بنباتات لها أسماء عجيبة، وخبير يخضعه لتمارين وجه مرهقة كادت أن تلوي رقبته.

أرشده البعض الى " عبيد أبو زرقة " ، ورغم ما عرف عنه من سحر وشعوذة إلا أن رعونة سببها حاجة صاحبنا جعلته يشد الرحال إلى مضارب " عبيد " وفور وصوله دخل إلى بيت الأخير برجله اليمنى واستعاذ بالله في سره من شر عبيد وشروره كما نصحوه، إذ ذاك شاهد كهلا نحيفا قاسي الملامح كثيف الحاجبين  نشيط الحركة يتجه إليه صارخا :

ـ اغرب عن وجهي.. أي شرور تستعيذ بالله منها وأنت القادم إلي بوجه مسخ يا ابن " حليمة ".

دب الرعب في أوصال ابن حليمة بعد أن خبر بعض قدرات هذا الكهل الضئيل وحاول ان يعتذر من الكهل متغلبا على  ثقل النطق   ..

ـ هم قالوا لي أن افعل.. وما أنا إلا غريق يتعلق بقشة، اعتذر منك يا شيخي الجليل.

 اطلق ضحكة شيطانية

ـ جليل ؟!!  أعجبتني يا فتى، هلم لا باس عليك .

وبعد طقوس مرهقة  مارسها الكهل وحوار بلغة سيريالية مع أشخاص غير موجودين قال له :

ـ ان من فعل بك ما ترى " جني مجوسي يدعى " صيحون " يعشق جنية تدعى " ميريام " كانت قد تغزلت بك وانت تعبر من امامهما فاغتاظ منك وسوف أمنع شره عنك.

ـ افعل يا شيخي ولك ما تطلب

نفخ الكهل أوداجه وارتسمت على وجهه علامات الغضب وقال :

ـ انا لا آخذ أي مقابل .. ولك ان تعطي الحاضرين ما تجود به نفسك

دار الشيخ حول صاحبنا عدة دورات وصفع وجهه عدة صفعات بيده تارة وبحذائه تارة وصاحبنا مستسلم لطقوس الشيخ في حمام من العرق، أعطاه زجاجة يستنشقها وقال له

ـ هيا اذهب ولا تعد إلي

ـ هل سأشفى يا شيخي ؟

 ـ هيا.. هيا.. هيا.. إذهب.. إذهب.. إذهب.. ولا تعد إلي

ترك صاحبنا ما جادت به جيبه، تلثم وهرول مسرعا ليعود إلى غرفته وينكمش على نفسه كأنه قط بلله المطر.

لم يلمس أدنى تحسن فقد انقضى شهر كامل وهو على ما هو عليه...

 وكان ان رافقه صديقه الى طبيب أعصاب مشهور وهناك خضع لجلسة علاج بالأشعة ووصف له الطبيب بعض الأدوية وما كاد أن ينقضي الأسبوع الأول حتى عاد وجه صاحبنا إلى ما كان عليه ورغم فرحه الغامر بالشفاء الا انه كثيرا ما يتلمس فمه فور استيقاظه من نومه ويستعيذ من شر عبيد وشروره .

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba