عطر الياسمين

مظلتي ..قصة قصيرة جدا

مظلتي
بقلم ياسمين محمد

ترجلت ُمن الحافلة بسرعة ..فالمطر كان دائما يهبط غزيرا على شعري ..تحسست ُبيدي مظلتي وقلت لنفسي هذه المرة لن أتبلل سيبقى شعري جافا،
في تلك اللحظة لمحته بطرف عيني بثياب تملؤه الثقوب يقبع على قارعة المحطة منغرسا فيها بعمق .. كان يحمل بيده صحنا نحاسيا والشعر المبلل يغطي معظم وجهه ، ركضت نحوه وضعت ما وجدت من نقود قليلة كنت مفلسة تقريبا فرحلت ُوالمظلة في يدهِ الأخرى بابتسامة مبللة بالمطر تعلو ثغري ..

قصة قصيرة (أرقام مجهولة) بقلم ياسمين محمد

أرقام مجهولة


كنت أسمع صوتها بصعوبة عبر سماعة الهاتف فلم أعرف في البداية ما إذا كانت تضحك من الفرح أم تبكي من الأمل وهي تخبرني بأنها أخيرا وجدته ..وطلبوا منها أن تأتي لتتعرف عليه إلى أن قالت بصوت منتحب أصبح رقم .. مجرد رقم من الأرقام المجهولة .. هل فهمتِ الآن هل فهمتِ لماذا عدت ؟!

أعادتْ لذاكرتي ذلك اليوم الذي قررت فيها فجأة أن تحزم أغراضها لتسافر عائدة للوطن المأسور .. حاولتُ كثيرا أن أثنيها عن السفر ولكن محاولاتي كانت عبثا .. قالت لي : كيف تطلبين مني أن لا أسافر للبحث عنه كيف تطلبين مني ألا أعود لوالدتي المفطور قلبها على أخي المفقود منذ شهر ..كيف ؟؟..وأنا التي لا أستطيع النوم فالكوابيس تدفعني دفعاً للسفر ..أنا كطائر خارج السرب ..يريد العودة للأهل والوطن ..
قلت : ولكن ذهابك يعني موت محتم ألم تسمعي الأخبار؟ ألم تري الباص الذي تفحم براكبيه ؟ّ!
قالت: أفضل الموت على ثرى بلدي ولا أن أموت على أرض غريبة كما أن القدر بيد الله .. سرحتْ قليلا وهي تقول لا بد أن أعود من أجل والدتي وأخوتي ..هم بحاجة لي هناك وأنا أيضا بحاجة لهم ..
حاولتُ بدافع الخوف والأنانية ..أن أغير رأيها ولكن إصرارها كان أقوى وهي تقول لابد أن أعرف أين أخي أخشى ..أخشى .. أجهشت ببكاء مرير ..وهي تردد ..تعرفين ..تعرفين ..!!
في تلك اللحظة .. كان المذيع يقرأ نشرة الأخبار معلنا عن اكتشاف 50 جثة مجهولة الهوية بالقرب من مكب نفايات في نفس المدينة التي تقطن فيه عائلتها .. رأيت حينها هلعا ..ودموعا تغرق عينيها ... ويدها تسرع مرتجفة لحمل حقيبة السفر ..

في كل مرة أغفو فيها للنوم أراها في أحلامي رقما مجهولا .. فأستيقظ من نومي بفزع ..
يا الله ..الأرق يقتلني .. يقتلني حقاً ..

إصحى يانائم ..إعصار قادم ..

إصحى يانائم ..إعصار قادم ..

بقلم /ياسمين محمد
24/3/2008م


كل يوم تشرق الشمس عليه ( فالشمس لايمل الشروق في الأيام العصيبة ) .. وهو على حاله لا يزال كما هو ..نائم في سبات عميق ..

أشعة الشمس الحارقة تأبى إلا أن تخترق أعماق جلده السميك .. ويأبى هو إلا أن يكون هامداً كالجثة التي بلا روح .. يراه الرائي ضخم .. حدوده من الأقصى إلى الأقصى ( كمارد عملاق ولكنه أصم أعمى أبكم .. فقد نسي لغته )

من بعيد صوت أم تناديه .. أن استيقظ فأنا كل يوم أموت .. زوجي شهيد وابني مسجون ورضيعي جائع مريض .. أبي في خيمة عاش .. يريد العودة لبيت الطفولة .. وجدي يحتفظ بمفتاح بيتنا الذي كان .. وهو يبكي جدتي (المتوفاة) .. فقد نست خبزها في التنور (ظنت أنها ستعود) .. وأن خبزاتها لن تحرقها نار الشيطان ..

بكاء الطفل الرضيع يناشده رضعة حليب .. لكن الشخير أضاع صوت اليتيم ..في أعماق بئر سحيق ..( كصوت صدى ).. فشخيره الذي يصم الآذان .. لا يتوقف ابداً.. مجرد ضجيج في الهواء .. فضميره نائم ولا يعرف كيف يستفيق ؟!
بألم ..يصرخ العجوز الذي سكن الخيمة في وطن غير الوطن .. بصوت المستنجد المتأمل خيراً.. أن إصحى يا نائم اليوم لا غداً... فلم يبقى في العمر وقت يضيع .. أريد أن أعود لشجرة الزيتون وداري الذي يحويه ..

ليستغرق الأخ في مزيد من الصمت ومزيد من النوم ... ..!!
فلم يسمع صوت استغاثة أخوته .. ولاعجب .. فالأخ لحق بأخيه الذي لحق بأخيه المأسور منذ 60 عاما .. وهو غافل ..

يقال (الخبر حقيقة وليست بشائعة ) .. أن أخ آخر في حُكم أن يلحق بالأخوة خلف قضبان الأسر ربما غدا أو بعد غد ..

ليصير لنا كل عام ..أخ وراء قضبان سجان حقير ...وكلما علا صوت السجين ..أن فكوا الأسير .. سمعتُ النائم يرد بتثاؤب أني لا أريد الإستيقاظ فما أجمل النوم البليد ...

(الأخ بصوت حزين .. يذكره بأيام المجد الذي كان): ياأخي أما فيك بقايا روح ..يعيد لنا ذكريات الماضي التليد ..
ولكن وياللعجب .. صوت الشخير هو الذي يشق صمت السكون المريب .. بينما السماء تنبأ بإعصار قريب ..
____

ينادي منادٍ .. في فجر يوم غائم ..
إصحى يانائم ..إعصار قادم
صوت شخير .. يتبعه .......
 
A service provided by Al Bawaba