أقاصيص

الأحدب

-1-" صمت الأحدب عذاب ، وكلامه غير مباح ، والسجن سجنان : سجن  الروح .. وسجن الحقيقة ".-         ولكن ، هل من انفصال بين الروح الحقيقة ؟"      أجيبي أيتها الغجرية …… أجيبي.نهض وأخذ يقرع الأجراس بقوة : -         أجيبي  …… أجيبي.-2- الغجرية لن تعرف صهيل روحه ……… والحياة كذلك .-  وقرع الأجراس …    هل يطفئ اللهيب ؟.الغجرية والحياة تنكران الحقيقة …  روحاهما صدئتان.- وأنا ؟.اقرع أجراسك  بصمت.- لم يعد الصمت يكفي .لا دواء لك سوى الصمت .- صمتي عذاب .أخف وطئاً من البوح . - كلاهما حريق يا أبتِ     كلاهما حريق .                                   وغادر حجرة رئيس الدير مبتعداً. -3-          عندما أحب الأحدب الحياة ، ورأى جمالها بعينٍ لم  يره فيها أحد ، لم يكن بحسبانه أنها ستلقي في وجهه التراب لتقول له :- أيها الغبي … أفلا نظرت لقبح خلقتك  واحديداب ظهرك أولاً قبل أن ترى جمالي ؟.        بكى حينها ……   وعاد ليقرع الأجراس ، من يومها عرف حقيقة جمال الحياة .-4-    عندما قرع الجرس ، انطلق الرنين في الفضاء وجاءه الصوت :- جوهرك هو الأصل أيها الأحدب ، حقيقتك هي الجمال، جمالك الحقيقة المحضة .       ترك الحبل وجلس يبكي :_ ولكني المنبوذ يا صديقي ……   ولكني المهجور . -5-    قبل أن يموت رئيس الدير ، أوصى بأن يقوم الأحدب بمراسيم الصلاة على جثمانه .صاح الرهبان :_  ولكنّه المشوه يا أبانا ……  حتى أنه لا يعرف سوى قرع الأجراس ………  والبكاء .قال رئيس الدير : -  هو الأجدر بها بينكم .-         لماذا يا أبانا ؟!.-لأنه عرف الحقيقة .-6-        عندما فرغ المشيعون من دفن رئيس الدير ، انكب الأحدب على القبر :-         يا أبت … تأويل رؤياي لم يأت بعد ، وقد بلغت من العمر عتياً ؟.        جاءه النشيد من خلال التراب :- لقد سجدت الحقيقة في قلبك ……    وأشرقت بها ذاتك . -7-كانت الأجراس تفح ألسنة النيران من أعماقها ، وتلفح وجهه ، كان مقيداً إلى أعمدة الكنيسة ، يصرخ وليس من مجيب ، ينادي ولكن دون صوت .   واستيقظ  فزعاً من نومه ،وتناول كأس الماء ليطفئ حريق حلقه. -8-جاء أحد الرهبان إلى فراش الأحدب ، ولما لم يجده أخذ يبحث عنه ، وانتشر النبأ في أرجاء الدير ، لقد رحل الأحدب ؛ حمل صرته على ظهره ، وترك قرع الأجراس ، وانطلق في البرية، ولم يعرف أحد من الرهبان خط مسيره .  -9-قالت له الغجرية :-         لم تكتشف بعد من حولك ، انت ساذج فقط ، ألم أقل لك من قبل : لم تزل طفلاً صغيراً ؟.تساءل :-         أتجتمع السذاجة والحقيقة معاً ؟.-10- أمطرت السماء بغزارة فأخذ يجري تحت قطرات المطر حتى ابتل تماماً ، وأخذ يصرخ :-  يا أنا …… ألم تعرفني بعد ؟ ، أنا هو  ……… ذاك   اللايدري من هو …… يا حقيقة …اسكني أضلعي … فقد تأججت ناراً  واصطلت حتى كلّت ..  آه .. يا أنا .واستمر يركض .-11-لما رأى النون في البحر ؛ أخذ ينادي :-         يا يونس بن متّى ، من أنا بجانبك ، لقد لفظك الحوت في النهاية ، ولم  يلفظني بعد .. … .. ولكن .. من أنا إلى جانبك ؟.ونزل من الزورق ، وجلس فوق صخرة بجانب الشجرة ؛ وقال : -         الجهل بالحقيقة عذاب ؛ والعلم بها نار ، وأنا بينهما غريق محترق .-12-       - كيف يقرع الأجراس للآخرين من لا يسمعها ، كيف يعطي الفاقد ما لا يملك ؟!.-         ولكنهم  صمٌ بكم ٌ عميٌ ، فهم لا يعقلون ؟.-         يا غبي ، الواقع أقوى منك ، أنت ضعيفٌ هش ، هشٌ جداً ، تبكي بلا فائدة …… يا أخي تأقلم مع الواقع .                         هرب الأحدب ، واختفى في كهفه .                                                  

 من مجموعة " يوسف في البئر " الصادرة بدعم من وزارة الثقافة الأردنية 2008

تهانينا!

إذا كنت تستطيع قراءة هذا المقال فهذا يعني أن عملية التسجيل قد تمت بنجاح و يمكنك البدء بكتاية مقالاتك الخاصة فوراً.
 
A service provided by Al Bawaba