أفظع من غوانتنامو بقلم : الصحبي صمارة
Pire que Guantanamoأفظع من غوانتنامو
اتخذت مكاني صحبة صحفيين من إذاعة الـ ب.ب.س البريطانية إلى جانب سائق سيارة تاكسي من شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة باتجاه الضاحية الجنوبية للعاصمة وتحديدا منطقة بئر الباي الشاطئية. كانت الساعة تشير إلى السابعة مساء وقليل من رذاذ المطر يبلّل الطريق الذي اكتسحته ظلمة ليلة شتوية حزينة وكان الزميلان "دافيد" و "جون" يشعران بقليل من الرّهبة جرّاء حشد من البوليس السياسي الذي يرابط أمام النزل الذي يقيمون به مقابل مبنى وزارة الداخلية لكنهما مصرّان على الوصول إلى المكان الذي تفصله عن العاصمة 15 كم.
انتابتني مشاعر متضاربة بين الخوف من عدم الوصول بمجرّد اعتراض طريقنا وإيقافنا، وبين الشعور بغصّة الإحساس بالانتماء إلى بلاد تستقبل الأجانب ليدافعوا عن أبنائها أمام العالم وليزوروا عائلة ألمّت بها مأساة، لم تحسب لها من قبل حسابا. كانت المهمّة الأساسية للصحفيّين هي إجراء محادثة مع والدة المواطن التونسي هشام السليتي المعتقل في قاعدة "غوانتانامو " بشبه الجزيرة الكوبية منذ العام 2002. ما أزعجني هو احتمال منعنا من إنجاز الحوار مع الأم محرزيّة والتي تنتظر بشوق الثكالى من يأتي من أي بلاد من العالم ليحدّثها عن ابنها الذي لم تره عينها منذ سنة 1993.
وصلنا إلى ببئر الباي وكان قد سبقنا مناضل حقوقي شاب اسمه " كريس"، وهو الآخر انجليزي الجنسية، من منظمة "ريبريف" صحبة محام أمريكي تطوّع للدفاع عن تونسيين آخرين معتقلين صحبة هشام السليتي بغوانتانامو، دخلنا المنزل البسيط الواقع في حيّ سكني متواضع، أسرة تذبح حزنا على واحد من أبناء بلد شرّدهم حكّامه لتلمّهم أنظمة تستعمر العالم تحت شعارات الحرب على الإرهاب.
عندما استقبلتنا الأم محرزيّة كانت تبكي وتبتسم في نفس الوقت، كانت دموعها تغطي خدّيها فيما ابتسامتها تؤدّي واجب الضيافة وعندما نطقت بلهجتنا التونسية " أشني أحوالك أمي محرزيّة لا باس " اتسعت مساحة الابتسامة على وجهها
واشتدّت غصّة الدمع في حلقها وقالت : " تتكلّم بالعربي يا خي إنت تونسي ؟" صعقتني لحظتها رائحة الغربة. كم تعاني هذه الأم الوحشة حتى تستغرب أن يزورها ابن بلدها ليتحدّث معها عن مأساتها. أحسست لحظتها أن 10 ملايين من التونسيين يغيبون عن أوجاع بعضهم الحقيقية ولا يجتمعون إلاّ على أوجاع المسلسلات في التلفاز وقلت بيني ونفسي لقد غرّبنا النسيان، نسيان بعضنا البعض وتجاهل معاناتنا رغم أنّ معاناتنا هي الشيء الوحيد الذي يوحّّدنا.
عرّفت العائلة على ضيوفها وتعرّفت كضيف قادم من بعيد أفلت صدفة من بين براثن الاستبداد والرّعب كضيف يتخفّى بالظلام ليترجم للأجانب أوجاع أهله، تعرّفت على "عمّ علي" والد هشام وعلى أشقائه وأبناء أشقائه. عائلة بسيطة جدّا أرهقها الجرح الذي غلّفته الدموع المحبوسة في العيون وأرهقها أكثر وأكثر أن من يحكمون البلاد ينظرون بعين التشفّي لما يعانونه بل ينتظرون عودة الابن المعتقل في السجن الأمريكي الكبير ليلتحق بزنازين الوطن الصغير والفرق بين السجنين هو أنه هناك يمكن الحديث عن هشام وذكر اسمه في الشارع الأمريكي بل في كل شوارع العالم إلا في شوارع بلده الأصلي حيث ستستقبله زنزانة لا يعرف مكانها.
كانت كلّ العائلة متعلّقة بعيونها وقلوبها بما يجري من حديث حتى ابن العاشرة تلميذ المدرسة الطفل " حسام " كان يتابع الحديث من على كرسي بلاستيكي علّه يفهم ما يجري ويجد إجابة لسؤال " لماذا تسجن أمريكا عمّه الذي لم يره إلاّ في الصورة؟". وجاء السؤال الذي كنت أخشاه ويخشاه قلب الأمّ الثكلى والمقهورة بجانبي : " هل تريدين لابنك أن يعود إذا أطلق سراحه؟ هل تريدين أن تري ابنك وتحضنيه ؟ ما أفظع هذا السؤال. أحسست بالغثيان مقتا على أمّ لا تستطيع الصراخ بصوت عال " أريد أن أحضن ابني، أن أشمّ رائحته، أن أبكي على كتفه " رغم سنوات الغربة والسجن لأنها تخاف أن عودته إلى وطنه تعني رحيله إلى الأبد بعد أن سمعت عن العائدين مثله والذين اعترضتهم قطعة قماش سوداء لتعصب عيونهم وتحملهم إلى المجهول.
ردّت الأمّ بجوارح منهكة وقلب معصور " أطلب من الحكومة الأمريكية أن تطلق سراح ابني لأنه لم يذنب ولم تكن له علاقة بالإرهاب ولم يضرّ الشعب الأمريكي في شيء ".
غادر هشام السليتي التراب التونسي بطريقة قانونية سنة 1993 واستقرّ للعمل وكسب الرّزق ليعين والده الطاعن في السنّ ثمّ انتقل إلى بلجيكيا صحبة أحد أقاربه لسوء ظروف المهاجرين في إيطاليا وبعد فترة قصيرة لم تسمع أخباره إلاّ عندما طرق باب المنزل أعوان الأمن وأخبروها أن ابنها المهاجر معتقل في غوانتانامو بتهمة التخطيط والمشاركة في الإعداد لعمل إرهابي يستهدف مصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي ترعى " الحرّية " في العالم.
الحكومة التونسية لم تحرّك ساكنا إزاء ما يحصل من انتهاك لحقوق الإنسان وسلب لحرّية مواطنيها في المعتقل الأمريكي بل سعت بكل ما أوتيت من قوّة إلى محاصرة كل المنظمات وكلّ النشطاء الحقوقيين الذي طالبوا بإطلاق سراح المعتقلين من سجن غوانتانامو كما أكّدت على مساندتها للخيارات الأمريكية وأصمّت آذانها عندما أعلنت منظمات من كلّ العالم عن إمكانية إطلاق سراح المعتقلين إذا ما طالبت الدول بعودة مواطنيها وكلّفت محامين بالدفاع عنهم.
هشام السلّيتي وبقية التونسيين المعتقلين في غوانتانامو انتظروا إلى أن يئسوا تماما من إمكانيّة تدخّل الحكومة التونسية بل أصبحوا في حالة رعب كبير من تسليمهم إلى بلدهم لأنّه لا شيء أفظع من غوانتانامو سوى ما يمكن أي يتعرّضوا له في وطنهم. ولو كان معتقل أمريكي وحيد ارتكب فعلا جرما بتونس وعوقب من أجله لتحرّكت الولايات المتحدة الأمريكية بكلّ ولاياتها مطالبة بمحاكمة عادلة وبإطلاق سراحه ولأرسلت أساطيل من المحامين والديبلوماسيين للتحقق من سلامته.
التونسيون المعتقلون في غوانتانامو يتخاطبون بالصراخ من وراء الحواجز المعدنية لكنهم لم يروا بعضهم أما التونسيون الموجودون في الشوارع التونسية فلا يتخاطبون من وراء الحواجز المعنوية بل منغمسون في عمق الخوف اليومي والخبز اليومي ويشتدّ الزحام على الخبز الذي ازداد شحوبا وضعفا فيما ازداد الخوف قوّة وهيمنة.
اعتذرنا لهذه العائلة لأننا حرّكنا أوجاعها وتركنا صور هشام بيدي أمه المتوجّعة ليستقبلنا الطريق المظلم والبارد وبقينا ننتظر سيارة تاكسي أكثر من نصف ساعة فيما لم أسمع عبارة تذمّر واحدة من الصحفيين الذين سخّرا جهدهما ومالهما وسافرا آلاف الكيلومترات ليحملا أنات أمّ تونسية نسيها التونسيون كما نسوا أنفسهم. ولم يتطوّع أي من أثرياء هذا البلد الذين يرفلون في البذخ لإعانة هذه العائلة التي فقدت عائلها ولم تفكر حكومة هذا البلد أن أولئك المعتقلون يحملون جنسيّتها وهويّتها وأنّها ملزمة بالدفاع عنهم ورعايتهم.
انا اسئل مالحل؟؟؟
صابر | 28/06/2008, 22:58
face you
احمد | 07/06/2008, 15:18 [ الرد ]