اسلاميات

14 ايار, 2008

جدل حول القبض والسدل في الصلاة

عام — بواسطة التهامي عوماري @ 12:58
جدل مغربي حول القبض والسدل في الصلاة!المغرب     ـ     حسن الأشرف تحرص وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب في كل فرصة سانحة لها أن تشير على أئمة المساجد بضرورة السدل أثناء القيام عند الصلاة، حتى يتبعهم المصلون، اقتداء بالمذهب المالكي الذي يتبعه المغاربة مذهبا رسميا منذ عشرات السنين، حتى أنها ـ أي الوزارة المعنية ـ أصدرت منذ بضعة أشهر مذكرة رسمية توجه فيها أئمة المساجد بأن يحرصوا على الصلاة بالسدل وإرشاد الناس إلى هذه السنة.
القبض هو المندوب
والعجيب أن الموقع الالكتروني للوزارة نفسها ـ التي تسهر على تدبير الشؤون الدينية للمغاربة ـ يتضمن عكس توجهها الفعلي بالإشارة إلى أن القبض هو المندوب بالقول: "من مندوبات الصلاة القبض، وهو وضع اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر أثناء القيام، وقد عده القاضي عياض وابن رشد الجد وابن جزي من مندوبات الصلاة، وألف فيه المسناوي رسالة قيمة، كما ألف فيه الشيخ محمد المكي بن عزوز المالكي التونسي (ت 1916 م) رسالة "هيئة الناسك في أن القبض في الصلاة هو مذهب مالك". لكن يردف الموقع الناطق باسم الوزارة: "وما روي عنه من كراهته خاص بما إذا قصد به الاعتماد كما حقق ذلك غير واحد من علماء المذهب، واشتهر عند متأخري المالكية سدل اليدين في الصلوات المفروضة، وعليه مشى خليل في المختصر، وابن عاشر في المرشد المعين وغيرهما، والخطب في ذلك سهل".
لينقشه على رخامة
وسبق لعلماء مغاربة كبار أن ناقشوا مسألة القبض والسدل في الصلاة، وما هو المندوب بينهما. ومن هؤلاء الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله الذي كان يرى بالقبض في الصلاة لدى المالكية، فأفتى في المسألة بالقول: "لسنا بصدد تبيين سنية وضع اليمنى على الشمال في الصلاة، فقد سبق إلى بيان ذلك كثيرون منهم المسناوي، والشيخ المكي بن عزوز، وسيدي محمد بن جعفر الكتاني، وشقيقنا أبو الفيض". ويضيف الشيخ قائلا: "بلغني عن شيخنا بالإجازة الشيخ أبي شعيب الدُكَالـي رحمه الله أنه قال متحديا لمن يتعب لإرسال اليدين: "من وجد حديثا ولو ضعيفا يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرسلا يديه فلينقشه على رخامة وأنا أعطيه بوزنها نصبا"، وهذا أشد ما يكون في التحدي..ويرى حافظ آخر هو الشيخ أحمد الغماري أن "الرواية المشهورة في المذهب التي هي شاذة عن باقي الروايات عن مالك الموافقة لمقتضى الأحاديث في القبض، فليس فيها دليل على سنية السدل عند مالك، بين ذلك الحافظ الغماري في سفره الماتع النافع "المثنوني والبتار" فقال : "أما رواية ابن القاسم التي هي منشأ غلط من عزا إلى مالك القول بالإرسال، ليست هي واردة في سنية وضع اليمين على الشمال أصلا، بل هي واردة في الاعتماد على اليدين للاستراحة والاستعانة على طول القيام كما قال القاضي عبد الوهاب والباجي والطرطوشي وعياض وابن رشد وجماعة كثيرون".
لازال مالك يقبض حتى قبضه الله
وسبق للعلامة المغربي المرحوم محمد حدو أمزيان أن أفتى في مسألة القبض والسدل بالقول: "من السنن التي لزمها الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة التابعون وهي مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فقد أخرج الإمام مالك في الموطأ حديثين في سنية القبض: الأول من كلام النبوة، إذا لم تستح فاصنع ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيل الفطر والاستيناء بالسحور، والثاني كان الناس يؤمرون بأن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.وقد سجل المؤرخون لحياة مالك أنه لم يصل أبدا بالسدل. فقد قال بن عبدالبر شارح الموطأ: "لازال مالك يقبض حتى قبضه الله" وكذلك سجلوا على الأئمة أنهم كانوا يقولون بسنية القبض في الصلاة ويمارسونها عملا إلا مذهب الشيعة الإمامية وحدهم، فهؤلاء يسدلون نظرا لاختلاف مصادرهم في الأحكام في بعض المجالات، لهذا جاء في نص الفتوى القبض في الأصل هو السنة عند جميع المذاهب، غير أن الصلاة لا تبطل بتركه، ولا داعي لإثارة فتنة حول هذا الموضوع، غير أنه مما يؤسف له هنا أيضا أن بعض من كتبوا في موضوع القبض والسدل جعلوا الصلاة بالقبض شعار المنافقين واليهود، ومسوا بحرمات النبي عليه الصلاة والسلام، فوصفوه بانتحال القبض وبمدارة اليهود فيه، وكأنه صلى الله عليه وسلم أحد المهرولين ممن نراهم في ساحة الصحافة أو غيرها مما يتملقون"..
رجحان السدل في الصلاة
غير أن عالما مالكيا آخر هو العلامة محمد المحفوظ بن محمد الأمين الشنقيطي فله رأي بالسدل ويعضده بما يلي: "إننا ننبه على الجميع على أن علماء المذاهب الأربعة لم ينقل عنهم قول بكراهة السدل في الصلاة، وإنما هو دائر عندهم بين الإباحة والندب بخلاف القبض، فإن فيه قولاً بالكراهة وقولاً بالمنع معترفاً بهما بجانب القول بندبه والقول بإباحته، وعليه فإن الحديث المتفق عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات.." الخ.. هذا الحديث يظهر كون القبض من المشتبهات التي من تَرَكها فقد استبرأ لدينه وعرضه، لأن القبض فيه شبهة التحريم بجانب شبهة الندب والطلب، وقد أوضح ذلك العلامة محمد السنوسي في كتابه شفاء الصدر باري المسائل العشر). وإذا زدنا على ذلك كونه نقل عن الإمام الشافعي أنه قال إن القصد من وضع اليمنى على اليسرى هو تسكينهما عن العبث وأن المصلي الذي لا يعبث بهما في الإرسال فليس مطلوباً منه وضع إحداهما على الأخرى"، فهذا يظهر منه أنه لا يرى القبض من السنة لترك العبث بالأيدي".
معركة هامشية
أما الدكتور مولاي عمر بنحماد، أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، فيرى المسألة من زاوية أخرى يعتبرها هي الأصل في موضوع النقاش حول السدل أو القبض في الصلاة، فهو يجد أن القضية أكبر من سدل أو قبض، فالاهتمام ـ حسب بنحماد ـ يجب أن يكون منصبا على قضية أخطر وهي ترك الصلاة أصلا، أما السدل أو القبض فلا يتجاوز وقت القيام في الصلاة، وباقي حركات الصلاة ليس فيها سدل أو قبض، فلا ينبغي ، يقول مولاي عمر، أن نولي للمسألة كبير اهتمام ولا أن نضيع فيها الجهد والطاقة، ونتيه في نقاشات تؤدي إلى الخلاف أكثر من الوحدة، في حين نترك الأصل وهو ترك الصلاة، هذا هو الأساسي، كيف يجب أن نحث غير المصلي على الصلاة.ويردف مولاي عمر بنحماد أن من يرغب في إثارة مثل هذه القضايا: هل السدل أو القبض هو الأرجح، فإنما يجر المسلمين إلى معارك هامشية بدل الانكباب على الجوهر.

تعليقات


اضافة تعليق



authimage



A service provided by Al Bawaba