الفصام :قـد يكون موجوداً بصورةٍ أكثر مما نتوقع بين العاملات المنزليات والسائقين:Psychophrenia: هل نجحت الصحافة السعودية ؟.. نعم.. والتفاصيل بالداخل: السياسة في فهم الاقتصاد .. وبالعكس: عن دار الغاوون: لماذا يحب المصريون صلاح عبدالصبور؟
23 تموز, 2010

 

قد يكون موجوداً بصورةٍ أكثر مما نتوقع بين العاملات المنزليات والسائقين

الفُصام.. مرض الفقراء !


يُصيب مرض الفُصام الأشخاص من الطبقة الدنيا - الفقراء - بشكلٍ أكبر

د.ابراهيم بن حسن الخضير

    مرض الفُصام، واحد من أكثر الأمراض العقلية والنفسية شراسةً، وربما يكون ألمرض العقلي الأول والأخطر بين الأمراض النفسية والعقلية. وضعت منظمة الصحة العالمية، مرض الفُصام بأنه المرض الأول بين الأمراض العقلية والنفسية التي تسبب في الإعاقة العقلية بين الشباب في سن 18 إلى 45 عاماً.

مرض الفُصام هذا يبدأ عند الأشخاص عادة في سن المراهقة وبداية سن العشرينات. ومعدل أصابة المرض بين الرجال والنساء متساوية، وإن كان يبدأ عند الرجال في سنٍ أصغر منه عند النساء، حيث يتأخر بدء المرض إلى سن الثلاثين أو ما حولها عند النساء بينما يبدء في سن المراهقة.

مرض الفُصام يبدأ عند الشخص بطرقٍ مختلفة. أكثر ما يكون بداية المرض عن طريق أن يبتعد الشاب - أو الفتاة - عن أهله، وينزوي، وينعزل عن الأصدقاء والأقارب، ثم يبدأ الشاب في الحديث بأفكار غريبة، قد تكون دينية أو فكرية فلسفية عن الحياة أو الأدب. هذه الأحاديث مع الشاب الذي بدأ مرض الفُصام عنده قد تكشف بأن هناك شيء غريب في فكر وسلوكيات هذا الشاب أو الفتاة. عادةً لا يعرف الأهل سبب هذا التغّير وتعتريهم الحيرة في تفسير التغيّرات في تفكير وسلوك الشاب - أو الفتاة - وقد لا يخطر على تفكيرهم بأن أبنهم أو أبنتهم مصابون بمرض عقلي خطير؛ هو مرض الفُصام.


المرض الأول بين الأمراض العقلية والنفسية التي تسبب في الإعاقة العقلية بين الشباب في سن 18 إلى 45 عاماً

بعد ذلك قد يبدأ المريض بالفُصام بسلوكيات تكون أشد خطورةً مثل أن يسمع أصواتاً لأشخاص غير موجودين في الحقيقة، وهذا يُعرف بالهلاوس السمعية. والهلاوس السمعية واحد من أكثر الأعراض الذُهانية لدى مرضى الفُصام. في هذه المرحلة يبدأ قلق الأهل. قد يُفسرون سماع ابنهم لأصواتٍ بأنها قد تكون مس من الجن!

في هذه المرحلة، وبهذا التفسير، يبدأ الأهل رحلةٍ بين المعاُلجين الشعبيين والقراّء ومن يُخرج الجن!

ما يُسمى بإخراج الجن قد يكون قراءة بعض الآيات القرآنية فقط، وهذا قد يكون أمراً محموداً، فهو لا يُلحق ضرراً بدنياً بالمريض وإن كان يؤخر ذهاب المريض إلى الطبيب النفسي، خاصةً إذا طلب القارئ من الأهل عدم أخذ المريض إلى الأطباء النفسيين أو إلى أي خدمات للصحة النفسية.

المشكلة إذا كان من يدّعي إخراج الجن، يقوم بالضرب المُبرح لإخراج الجن، بطريقة قد تؤذي المريض بصورةٍ كبيرة وأحياناً قد يفقد المريض حياته ولا يخرج الجن!.

بعد أن ييأس الأهل من العلاجات البديلة، وقد ينصحهم بعض المعاُلجين الشعبيين بأخذ المريض إلى الأطباء النفسيين، لأنه يعرف بأن هذا الأمر هو مرض طبي، يحتاج إلى تدّخل طبيب نفسي متخصص وليس لعلاج شعبي أو قراءة.

الطبقة الدنيا

يُصيب مرض الفُصام الأشخاص من الطبقة الدنيا - الفقراء - بشكلٍ أكبر من أي طبقة آخرى من أبناء المجتمع.

أقل الطبقات إصابة بمرض الفُصام هم الطبقة الوسطى. ويُصيب المرض الطبقة العليا بعد نسبة أصابة أكثر في الطبقة الدنيا - الفقيرة - كما أسلفنا.

هناك مشكلة وسؤال دائماً يطرح نفسه عند ذكر أن الإصابة بمرض الفصام تكثر بين الطبقة الدنيا – الفقيرة -، وهو: هل المرض يُصيب الفقراء، أم يُصيب الشخص ويجعله فقيراً، أي أن الأشخاص تتدنى دخولهم وينزلون مثلاً من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الدنيا - الفقيرة -، ام أن المرض فعلاً يُصيب الفقراء؟

هناك نظريات كثيرة ومتعددة ومختلفة الأراء ومتباينة في هذا الخصوص. بعض الدراسات تقول بأن المرض هو الذي يجعل الشخص فقيراً وبالتالي يُصبح أكثر مرضى الفُصام هم من الفقراء. فعندما يُصاب شخص من الطبقة المتوسطة كأن يُصيب مثلاً مهندساً أو مُعلماً أو طبيباً، فيفُقده عمله، وبالتالي يُصبح هذا الشخص عاطلاً عن العمل وبالتالي يُصبح فقيراً. لكن هناك نظريات نتيجة دراسات قام بها بعض علماء الإجتماع مع الأطباء النفسيين بأن سكان وسط المدن الفقراء هم الأكثر عرضةً للإصابة بمرض الفُصام. هذه الدراسات من الولايات المتحدة الأمريكية وبالتحديد من مدينة نيويورك. وأول من لاحظ ذلك كان بحث لباحثين أمركيين هما فارس ودونهام عام 1939م، حيث لاحظا هذان الباحثان بأن أكثر من يدخل المستشفيات النفسية بمرض الفُصام هم سكان وسط مدينة نيويورك الفقراء. بعد ذلك تابع العلماء من الأطباء والباحثين الإجتماعيين هذا الموضوع وتبينّ بأنه فعلاً أكثر من يدخل المستشفيات النفسية من مرضى الفُصام هم الطبقة الدنيا – الفقراء – وأن أقل من يدخل المستشفيات بتشخيص مرض الفُصام هم الطبقة المتوسطة.

ثمة أمرٌ آخر وهو أن مرض الفُصام يكُثر بين المهاجرين، فقد تم إجراء دراسة على مرضى الفُصام المُهاجرين من النرويج إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فوجد بأن مرض الفُصام يوجد أكثر بين المهاجرين النرويجيين في امريكا عن النرويجيين الذين يعيشون في الوطن الأم. هنا أيضاً يُطرح سؤال: هل المرضى بمرض الفُصام يُهاجرون بسبب حالتهم العقلية والنفسية أم أن الهجرة والغربة هي التي تسبب الإصابة بمرض الفُصام؟

الإجابة على هذا السؤال أيضاً ليس سهلاً، فهل فعلاً الأشخاص غير المستقرين نفسياً ويُعانون من مشاكل نفسية هم الذين يُهاجرون أم أن الهموم والمعاناة في الغرُبة هي التي تُسبب مرض الفصام!

موضوع الهجرة، موضوع يشوبه بعض المشاكل، من حيث أن مشاكل المهاجرين الذين يعيشون في ظروف مُغايرة للظروف التي عاشوا فيها في بلادهم قد يكونون أكثر عرضةً للإصابة بمرض الفُصام، وعندنا هنا في المملكة وفي بقية دول الخليج ملايين من العمالة الخارجية والتي أتت من ثقافاتٍ مختلفة تماماً، أكثرها أتت من بيئات فقيرة، بعضها شبه معدم يعيش في حياةٍ شبه بدائية، ويأتون إلى ثقافة مختلفة تماماً. يُعاني بعض هذه العمالة من مشاكل نفسية، ولكن بعد هؤلاء الأشخاص بعيدون عن من يعملون عندهم، لذلك لا توجد أتصالات بين صاحب العمل ومن يعملون عنده. ثمة أحياناً يحدث جرائم أو مشاكل قانونية ربما يكون نتج عن مشاكل نفسية وعقلية لدى هؤلاء العمالة لم ينتبه لها صاحب العمل بحكم بعده عن عماله.


من أكثر الأمراض العقلية والنفسية شراسةً

الفُصام قد يكون موجوداً بصورةٍ أكثر مما نتوقع بين الأشخاص الذين نأتي بهم ليعملوا في بيوتنا من عاملات منزليات أو سائقين، ولذلك نستغرب أحياناً بعض سلوكياتهم أو بعض التصرفات التي يقومون بها بعد فترةٍ من وصولهم للعمل في بيوتنا. الخطورة تكمن هنا في خطورة أننا قد نترك أطفالنا بين يدي هؤلاء العاملات المنزليات دون أن نعلم بشكلٍ جيد حالتهم النفسية والعقلية. طبعاً لا أقول بأن نجُري فحصاً عقلياً كاملاً لكل عاملة منزلية أو سائق، ولكن عندما يتعّلق الأمر بمن نأتمنهم على فلذات أكبادنا، فإنه من الضروري أن نعرف مدى قدراتهم العقلية والنفسية قبل أن نوكل لهم أمر رعاية أبناءنا في حالة غياب الأم والأب في العمل. إننا لا نُعطي الحالة العقلية والنفسية للعاملة المنزلية أو السائق عناية كافية، لذلك قد نُفاجأ أحياناً ليست قليلة بأعمال غير متوقعة قد قام بها هؤلاء العاملين، وفي أحيان يكون العمل مؤلماً ولا يعوّض خسارة ما قامت به هذه العمالة المحدودة التفكير والتي جاءت من بيئة متواضعة، وكما أسلفنا فإن مرض الفُصام قد يكون أحد الأسباب التي أدت بهذه العاملة أو هذا السائق أو هذا العامل البسيط بأن يقوم بعمل صادم، مؤلم ويكون السبب هو هذا المرض الذي ينتشر بين الطبقات الدنيا – الفقراء – والذين أيضاً مهاجرين، فيجتمع هنا الأسباب المهة التي قد تجعل مرض الفُصام أمراً أكثر حدوثاً.

هذه النقاط لحدوث مرض الفُصام، تجعلنا نُعيد تفكيرنا في موضوع رعاية مرضى الفُصام، حيث أن معظم الدراسات العلمية تؤكد بأن مرض الفُصام ينتشر بين الطبقات الفقيرة، ومرض الفُصام يُكلّف علاجه كثيراً، لذلك فإن كثير من المرضى لا يستطيع أهله علاجه وقد يُترك بلا علاج وهذا فيه خطورة على الأسرة والمجتمع، ليس لأن مريض الفُصام عدواني أكثر من غيره، لكن وجود مريض فُصامي في الأسرة أمرٌ يُسبّب ضغوطاً نفسية كبيرة على الأسرة، وأيضاً يعود هذا بالأثر السلبي على المجتمع.

الأمر الآخر وهو المهاجرين من بلاد فقيرة، فهنا يكون عاملان من عوامل ترسيب مرض الفُصام متوفر لديهم وهو الفقر والغربة ومعاناة الهجرة وفراق الأهل، فكما أشرنا في مكانٍ سابق من هذا المقال بأن الفقر والهجرة عاملان مهمان في ترسيب مرض الفُصام عند من لديهم عوامل وراثية للإصابة بهذا المرض الخطير.

يجب مراعاة المغتربين المهاجرين الذين جاءوا من مجتمعات مختلف الثقافة تماماً عن مجتمعاتنا، تتمّيز بالفقر ونُسلمّهم أولادنا ونذهب إلى العمل ولا نعلم الحالة العقلية والنفسية عند مثل هؤلاء. يجب مراقبة تصرفات وسلوكيات من يعمل في منازلنا قبل أن نترك بين أيديهم فلذات أكبادنا، حتى لا نندم وقت لا ينفع الندم.


==============

هل نجحت الصحافة السعودية ؟.. نعم.. والتفاصيل بالداخل

ممدوح المهيني

    المقابلة مع الدكتور عبدالرحمن الرفاعي ومقالات رئيس التحرير الأستاذ تركي السديري التي نشرت قبل مدة تفتح الباب والشهية للنقاش حول أحوال الصحافة السعودية . يبدو أن انشغال الصحافيين بالعمل اليومي السريع والمنهك يشغلهم عن تقييم وضع الصحافة ، ولكن من المهم التوقف والتأمل قليلاً في حال الصحافة ومحاولة تقييمها الأمر الذي لا يهم الصحافيين والمهتمين بالإعلام وحدهم بل وحتى الناس المشاركين بشكل أساسي في العملية الإعلامية. الصحافة على خلاف الكثير من الأعمال مشتبكة بشكل أساسي مع الناس . على عكس من يعمل في غرف مغلقة ، الصحافيون يقدمون أعمالهم ليتم تداولها وتقييمها أمام مئات الآلاف وأحيانا الملايين . بمجرد أن تقرر الغالبية أن صحيفة أو مجلة ما غير جيدة وتتوقف عن شرائها فهذا يعني نهايتها . إذن الحوار الذي فتح هام للجميع وهو طرح بشكل أساسي هذا السؤال :" هل نجحت الصحافة السعودية ؟!. الإجابة برأيي هو نعم . أما لماذا فهذا ما أود شرحه بالتفصيل في النقاط التالية:

النجاح الجوهري المؤكد

سؤال النجاح يفهم بالعادة بطريقة خاطئة وبطريقة مثالية لذا تأتي الإجابات في العادة قاطعة ونهائية مع أن الأمر ليس بهذه الصورة الحاسمة. النجاح قد يتحقق مع بعض الأخطاء والفشل أيضا قد يتحقق مع بعض النجاحات ، وبالطبع قد تكون هناك نجاحات ساحقة وإخفاقات ساحقة أيضا. فيما يخض الصحافة أعتقد أن الجواب يجب أن يطرح على مستويين . مستوى جوهري وآخر مستوى تكنيكي . .ماهو المستوى الجوهري ؟! أظن أن هناك دورين جوهريين يمثلان ركيزة جوهر الصحافة . وهما لعبها دور الرقابة ، أي كما يردد في العادة أن الصحافة هي السلطة الرابعة أما الدور الثاني فهو الدور التنويري . على هذين المستويين يمكن القول بكل سهولة ان الصحافة حققت أكبر نجاحاتها الواضحة عندما باتت تلعب دوراً أساسياً في المراقبة التي جعلت الكثير من الوزراء والمسئولين يخشونها ويحسبون حسابها. مثلاً قضية الفساد تحولت من أبرز القضايا المطروحة في الصحافة السعودية في السنوات الأخيرة . لقد كتبت الكثير من التحقيقات والأخبار والمقالات في هذا الشأن الهام . لنتعرف فقط على ما كتب خلال غرق جدة وأمطار العاصمة مؤخرا.الصحافة المحترمة هي التي تفضح الفساد وتشرع لاستئصاله وتتحول إلى كابوس المفسدين والظالمين والمهملين . بهذا المعنى فإن الصحافة قد حققت تقدماً ملحوظا يستحق الاحترام.. .

الصحافة أيضا ، وهذا دور جوهري ، تحولت إلى صوت للناس الذين أصبحوا يثقون بها ويعتمدون عليها في استرجاع حقوقهم أو كف الظلم عنهم أو إيصال أصواتهم ومعاناتهم .قصص المدرسات اللاتي ينتقلن في ظروف صعبة أصبحت واحدة من أكثر القضايا المطروحة في الصحافة . قضايا الأحياء التي تعاني من نقص الخدمات ، والمدارس المتداعية والشوارع المتآكلة كلها أصبحت على قائمة الأولويات . القصص المثيرة أيضا لقيت مكانها على ورق الصحافة تؤكد مثل هذا الدور الجوهري الرقابي والمساند للقضايا الحقوقية الكثيرة . ولكن لنتذكر القصة الهامة التي نشرتها «الرياض» عن المواطن محمد القحطاني مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أدت في النهاية إلى استرجاع حقه والاعتذار له ومعاقبة الموظف الذي تسبب بالإضرار به . هذا فقط نموذج من بين نماذج كثيرة التي تكشف عن نجاح الصحافة في أداء دورها الرقابي. لديّ أيضا قصة خاصة تكشف عن تحول الصحيفة إلى صوت الناس الذين باتوا يلجؤون إليها ليس فقط في القضايا الكبيرة ، ولكن حتى في أصغر التفاصيل الهامة التي تحدث داخل فصل مدرسة . قصتي هي : أحد الأصدقاء تعرضت ابنته للصفع من المعلمة بدون وجه حق. زوجته حاولت الاستفسار من المعلمة التي رفضت أن تشرح لها السبب . أول شيء فكرت فيه الزوجة هي الصحافة . قالت ذلك للمعلمة التي يبدو أنها لم تكن مدركة بالفعل لدور الصحافة القوي والمؤثر فهزت أكتافها ساخرة ومضت . ما حدث بعد ذلك : نشرت "الرياض" تقريراً عن الحادثة .في صباح نفس اليوم تلقت المدرسة اتصالاً من وزارة التربية والتعليم وفتح بعد ذلك تحقيق حول الحادثة الذي انتهى إلى إدانة المعلمة ومعاقبتها . هذه قصة بسيطة تكشف على أن الصحافة باتت قادرة على الدخول في كل مكان ، حتى داخل فصل مدرسة ابتدائية للبنات في مكان ناء. هذا يعد نجاحا جوهرياً . أليس كذلك؟

التنوير والصحافة

إذا كانت الصحافة تحرض على الكراهية والعنف والتعصب العرقي والطائفي . هل تسمى صحافة ؟!. هل تسمى الصحافة النازية أو الفاشية أو التي تؤيد التمييز العنصري صحافة . الجواب لا لأنها تعارض حقيقة روح الصحافة التقدمية والتنويرية التي تهدف إلى حفظ كرامة الإنسان وحريته الشخصية والدينية والحقوقية. في هذا الجانب لعبت الصحافة السعودية دوراً جوهرياً في هذا الجانب الفكري والثقافي الهام جدا . الأمثلة كثيرة على ذلك ولكن لنتحدث عن بعضها فقط . التطرف والإرهاب واحدة منها ، الصحافة لعبت دورا أساسياً ليس فقط في متابعة أخبار أزمة الإرهاب بشكل تفصيلي ولكنها أيضا غاصت في الجذور العميقة لشرح هذه الظاهرة الثقافية الخطيرة . عدد كبير من المقالات والتقارير التي حاربت الفكر من التطرف كشفت عن خطورته البالغة. تشعبت وتعمقت هذه القضية لتحاكم كل من كان له دوره في خلق هذه الأزمة الفكرية ولا زالت المحاكمة مستمرة . في الواقع ان الصحافة تلعب هنا دورين تنويريين هامين يعبران كما قلنا عن حقيقتها التقدمية . الأول حربها على فكر الإرهاب والتطرف ومن هذا الدور ينبثق الدور الثاني وهو نشر ثقافة التسامح والحوار والتعايش الأمر الذي يؤدي إلى محاصرة التطرف وحماية الشباب من الانزلاق فيه . ألا يعد نشر الثقافة التي تؤدي إلى تماسك المجتمع وترابطه وحماية أفراده أمرا جوهريا ؟! أظن أن الجميع يتفق معي ان الجواب نعم ، وهذا بالضبط ما لعبته الصحافة. لأضرب مزيداً من الأمثلة المشرفة التي تؤكد مثل هذا الكلام . في قضية تكافؤ النسب مثلاً ، لعبت الصحافة الدور الأخلاقي الأبرز في متابعة هذه القضية كاشفة عن مدى فداحتها وخطورتها ومطالبة بالقضاء عليها . قضية زواج القاصرات كان للصحافة الدور البارز في كشف هذه القضية وإبرازها للعلن . قضية التعصب العرقي أيضا كتبت الصحافة العديد من التحقيقات والتقارير والمقالات التي تتناولها . لو تأملنا هذه القضايا الثلاث فسنجد أن كلها خطيرة على التماسك الاجتماعي ومعارضة للحقوق الإنسانية ولذا شنت الصحافة حربها التنويرية عليها ..

المرأة والصحافة

تعد قضية المرأة واحدة من أهم القضايا التي تناولتها الصحافة السعودية . لقد كانت الصحافة غالبا في صف المرأة ، في العمل ، القضاء ، قضايا الطلاق والتوظيف. المسألة ليست لأنها امرأة ولكن لأنها إنسان . إذن المسألة إنسانية في المقام الأول لذا جاءت منسجمة تماما مع روح العمل الصحفي الحقيقي .الصحافة أيضا لم تستخدم المرأة فقط كشعار بل ان المرأة أصبحت شريكة أساسية في العمل الصحافي ، فهناك الكثير الآن من الصحافيات والكاتبات المميزات في الصحافة السعودية . الصحافة التي تطالب بعمل المرأة تقوم بتطبيق ذات الأمر على نفسها عندما منحت المرأة حقها في العمل والمشاركة . طبعا هناك شكاوى من أن المرأة لم تصبح رئيسة تحرير ولكن هذه قضية فقط تأتي مع الوقت . إذن من خلال هذه الجزئية فإن الصحافة كانت تنويرية ليس فقط كشعار ولكن كممارسة أيضا.

الصحافة تعاقب نفسها

يشتكي الوزراء والمسئولون أو الدعاة واللاعبون والفنانون وغيرهم من مهاجمة الصحافة لهم ونقدها الحاد . ولكن في الواقع لو تأملوا قليلا فقط لوجدوا أن الصحافة أيضا توجه مثل هذا النقد والهجوم على نفسها ، وبشكل أكثر حدة . .على سبيل المثال ، في مواقع الصحف الألكترونية تفتح الصحيفة الباب مشرعاً لكل من يريد أن ينتقد أخبارها وتقاريرها وكتابها . في الكثير من المرات يلعب القراء دور الحكم الأخير عندما يكشفون عن آرائهم التي في الكثير من الأحيان توجه نقدها للصحافي أو الكاتب . أحد الزملاء المسئولين عن موقع الرياض الالكتروني قال لي مرة انهم يفتحون الباب لكل الردود حتى تلك التي تشتمل على الشتائم يقومون بتمريرها بعد إعادة تحريرها . إذن الصحافة بقدر ما تنتقد كما تحتم عليها طبيعتها تقوم بانتقاد ذاتها وبطريقة أكثر قسوة في بعض الأحيان. هذا يشير إلى أن الصحافة تريد أن تبشر بعهد أكثر انفتاحاً وشفافية وتواصل هي أيضا تمارس ذات الأمر على نفسها بنفس الطريقة التي تمارسها على الآخرين..

أخطاء الصحافة التكنيكية

هل يعني أن الصحافة لا تعاني من أخطاء ؟!. بالطبع لا ولكن هذا يطرح من جديد سؤال النجاح . نجاح الصحافة بشكل جوهري كما ذكرت بالسابق لا يعني أني أقصد نجاحها بشكل قاطع ونهائي . هذا غير صحيح . قد يقول أحد أنها تعاني جوهرياً من غياب المساحة الكاملة من الحرية والجرأة وكشف قضايا أكثر حساسية . وذلك صحيح ولكن هذا بالتأكيد لا يعني أن الصحافة لم تحقق خلال السنوات الماضية نجاحات أساسية جوهرية في غاية الأهمية. . مثل هذا الانتقادات يمكن الرد عليها بأن الصحافة الآن تسير على المسار الصحيح . تقل السرعة وتزيد أحياناً ولكنها لا تتوقف أو تتراجع وهذا هو المهم. لو تأملنا فإن مسيرة الصحافة آخذة بالتصاعد الأمر الذي يعني مزيداً من الحرية والنقد والشفافية والمسئولية . . ولكن أخطاء الصحافة بنظري هي أخطاء تكنيكية ، أقصد على مستوى متابعة الأخبار وكتابة التقارير والتحقيقات . على هذا المستوى يمكن أن نتحدث كثيرا ونكشف الكثير من العيوب والأخطاء . هذا النوع من الأخطاء يمكن معالجته بالمزيد من التدريب والاحتراف والرغبة بالتطوير. ولكن الجوهر إذا فسد فقد فسد كل شيء آخر.!

الصحافيون يقتلون الصحافة

أكبر خطر يواجه الصحافة ليس من أعدائها أو المسئولين الذين يضيقون بها وليس من المتطرفين الذين يحلمون بخنقها ولكن من الصحافيين أنفسهم . السبب الرئيسي الذي جعل الصحافة السعودية تنجح وتتطور خلال عقود هم الصحافيون الذين قادوها . وهم نجحوا بذلك فقط لأنهم صحافيون في المقام الأول الأمر الذي جعلهم قادرين على السير بها ببطء أحيانا وبسرعة أحيانا أخرى ولكن بثبات ونجاح. على سبيل المثال ، في الوقت التي استطاع فكر الصحوة أن يتغلغل إلى الكثير من المؤسسات والوزارات بقيت الصحف محصنة من تغلغل هذا الفكر المتطرف . قيادات هذه الصحافة كانوا يدركون مثل هذا الخطر ، ويدركون أهمية بأن الصحافة تلعب دوراً تنويرياً يحصن الصحف من أن تتحول إلى كتيبات للصحوة وللتطرف بكل أنواعه .لنلاحظ فقط أن الصحف التي استسلمت للفكر المتطرف تأثرت وتعرض بعضها للانهيار . الأمر الآخر أيضا هو مسألة صحافية مهنية بحتة ، يدرك هؤلاء الصحافيون أن نجاح الصحافة يكمن في تحديثها المستمر . والتطرف بشتى أشكاله هو عبارة عن قيود على عكس الصحافة المنطلقة التي تعكس الواقع الحديث بكل تنوعاته . لذا عرف هؤلاء أن التطرف يخنق الصحافة ويبعد الناس عنها . لذا ظلت الصحافة حريصة على أن تواكب التغيرات لأنها حريصة على أن تعيش وتزدهر . لو لاحظنا الآن فإن أكثر الصحف عصرية والتي تحدّث نفسها باستمرار هي أكثر الصحف نجاحاً . وهذا أيضا ما حدث على مستوى تقني ، حيث دخلت الصحافة العالم التقني لأنه بات سبباً رئيسياً في نجاحها . ما أود أن أقوله أن رؤساء التحرير رغم بعض أخطائهم إلا أنهم في صميمهم صحافيون . لديهم هذه الغريزة الهامة التي أوصلت الصحافة إلى وضعها الحالي الناجح. هذه الغريزة التي تعرف متى تتوقف ومتى تتقدم، كل ذلك مدفوع بهدف أساسي هو مزيد من الحرية والتنوير . بهذه الطريقة نجح هؤلاء الصحافيون والخطورة على الصحافة هو افتقاد مثل هذه الغريزة التي لا توجد في كل أحد . والأخطر من ذلك هو أن تغيب الرغبة في التحديث وتنوير المجتمع . باختصار فإن الصحافة يقتلها الصحافيون الذين يفتقدون للغريزة الصحافية والروح التحديثية . هذا الخطر الأكبر على الصحافة لأن هذا يلمس الجوهر .، الجوهر الذي قاد الصحافة إلى ماهي عليه الآن..

=====================

السياسة في فهم الاقتصاد .. وبالعكس


حنا مينه

    إذا قلنا إن التغيير قانون الحياة، فكأننا لم نقل شيئاً، لأن هذا صار في البدهيات، ولست، الآن، في وارد إثبات أنني على اطلاع، فهذا مفروغ منه لأنني كاتب، والكاتب إذا لم يكن ملماً بمثل هذه الأمور، فعليه أن يدخل مدرسة «فتعلم كيف تنسى، وتعلم كيف تمحو» كي يمتلك معلمية الكتابة، ومن دون امتلاك المعلمية، في أي حرفة، نكون في الدخلاء عليها، أو علينا أن نبدأ من جديد، وذلك أن امتلاك المعلمية هو الفن والفنان معاً، فالخياط إذا امتلك معلمية الخياطة يكون فناناً، وكذلك النجار، وعازف «الأورغ» وضابط الإيقاع، في التخت الموسيقي العربي، أو الشرقي، لا فرق!

أما بالنسبة إلي، وقد نيّفت على الخامسة والثمانين شتاءً، فمن تحصيل الحاصل، أن أكون قد امتلكتُ معلمية الكتابة، بعد أن بدأتها في الأربعين من عمري، وانتقلت من مهنة الحلاقة إلى مهنة الصحافة مصادفة، وترحّلت ملاحقاً في الجهات الأربع من دنيانا، فنمت تحت الجسور في هذا البلد الأوروبي أو ذاك، وبلغت الصين، لا في طلب العلم، بل في طلب لقمة العيش، وكتبت عن إقامتي في الصين ثلاث روايات، ومن يدري ماذا أكتب أيضاً.

إن التغيير الذي قلت إنه في البدهيات، قد غيّر، مع ثورة المعلوماتية، كثيرا من المفاهيم، لكنني لم أكن بحاجة إلى هذه الثورة كي أعرف أن «السياسة في القيادة» وأن "السياسة فن فهم الاقتصاد" فهذه الأمور لابد للكاتب أن يلمّ بها كثيراً أو قليلاً، وفي الإلمام بها لابد له من سهر الليالي، ومن الصبر، ورحم الله معلمنا الكبير بطرس البستاني الذي قال:

«يا بائع الصبر لا تشفق على الشاري

فدرهم الصبر يسوى ألف دينار»

وما دام جوهر السياسة فن فهم الاقتصاد، فقد كان علينا، في بلدنا سورية، ألا نسرف في الإنفاق، وهذا ما غاب عن بال الاقتصاديين الكرام عندنا، الذين تناسوا، أو الأصح نسوا، قانون الاحتمالات، من دون أن يحملوا الفانوس في النهار بحثاً عنه، كما فعل ديوجين، في بحثه عن الإنسان، والإنسان في داخله، وهذا ما لم يفطن إليه.

إنني أبتعد، قدر الامكان، عن الفلسفة، مع أنه لا غنى عنها في موضوع التراكم، أو التحوّل من كم إلى نوع، أو نفي النفي؛ لأن هذه أمور لا بد من مقاربتها بالنسبة للمسؤولين عن الاقتصاد في سورية، فإذا كانت السياسة فن فهم الاقتصاد، فإن السياسة في القيادة، ولابد، تبعاً لذلك، أن يكون الاقتصادي سياسياً، وأن يكون السياسي اقتصادياً، ومن دون ذلك يختل التواؤم بين ما هو اقتصادي، وما هو سياسي، وننسى موضوعة الاحتمالات، فيكون شأننا شأن المثل الدارج «أصرف ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب» ومن هنا انتقاء ما هو مادي، وحلول ما هو غيبي ميتافيزيقي، ومن هذا المنطلق أيضاً فقدان الرؤية الموضوعية لاحتمالات ممكنة الوقوع، ونسيان أن «لكل احتمال موصوف، ثمة حلَّ موصوف» حسب الفيلسوف الايطالي غرامشي، وأن المغامرة جائزة في الحب، أو في ما هو فوقه، أي في العشق، لكنها غير جائزة في الحساب، وما الاقتصاد، في كل تعريفاته المادية، وحتى المثالية، إلا دقة الحساب، وهذا ما يعرفه مديرو المصارف، فكيف العمل إذا كان الموضوع يتعلق باقتصاد دولة كبرى كسورية، لها وزنها الدولي، وتبعاتها الدولية؟

إن المغامرات الاقتصادية غير المحسوبة بدقة، هي سبب الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، التي هزت العالم كلّه هزة فاجعة، وبعض سبب هذه الأزمة، مردّه إلى الغفلة التي أعمت بوش، في احتلاله العراق وأفعانستان، وغيرهما، وأبعدته عن رؤية الخطر الاقتصادي للانفاق الزائد الذي تطلبه هذا الاحتلال العدواني البربري، وهناك ما هو أعمق من احتلال هذين البلدين، هناك هدف السيطرة على آسيا الصغرى، والوصول إلى بحر قزوين، وحدود روسيا والصين، وما ترتب على هذه السياسة الرعناء الطائشة، من انفاق أوقع الخزانة الأمريكية في عجز كبير، كانت له كالهزة الأرضية،. امتدادات وارتدادات زعزعت أركان الاقتصاد العالمي.

لقد قيل الكثير عن سبب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وما تسبب به من أضرار عالمية، وفي التحليلات الكثيرة لهذا الانهيار أن الفساد نخر بنيان هذه الدولة العظمى، أو أن بعض قادتها كانوا من العُجّز عمراً، أو أن الخلاف مع الصين وحماقة خروتشوف قد قوّضا بنيانها، وهذا يجانب الواقع الموضوعي، فسبب انهيارها يعود إلى حرق المراحل، لأنه من غير الممكن الانتقال من إقطاع متخلف، إلى الاشتراكية رأساً، وقد كان لينين على دراية ووعي بهذا الاشكال، فثورة أكتوبر الشهيرة فرضت نفسها فرضاً، وقد قال لينين عشية هذه الثورة كلمات بليغة في دلالتها: «أمس كان باكراً، وغداً يفوت الأوان، اليوم» وعقب هذه الثورة، فكان لينين، حتى في عمره القصير بعدها، ينصح بالتعلم من النظام الرأسمالي، ويحتفي بأي خبير رأسمالي يأتي للمساعدة في بناء الدولة الجديدة..

الصين الشعبية وعت، ولو بشكل متأخر نسبياً، هذه المعضلة، فعادت لتمر بالمرحلة الرأسمالية، ولن تسمع في الصين، هذه الأيام، كلمة اشتراكية، وستبقى الحال كذلك إلى مدى خمسين عاماً أو أكثر، وبعد ذلك تطلع الصين على الدنيا طلوع المنون إذا جاز التعبير.

وكل كلام، سواء كان مصدره النية الحسنة أو السيئة، عن اللغز الصيني في هذه الأيام، وعن التحليلات الصادقة أو المدخولة، فإن الواقع الذي يشهده من يزور الصين الشعبية، لابد أن يدهش لكثرة الاستثمارات الأجنبية فيها، وتنوعها، والآجال الطويلة الممنوحة لها، وبعضها يصل إلى تسعة وتسعين عاماً، من دون خوف من تأثير هذه الاستثمارات في الهدف المحدد، الذي رسمته الصين لنفسها، الذي يحسبه البعض لغزاً..

فإذا عدنا، بعد هذا الاندياح الطويل العريض، الذي تطلبه الكلام على الاقتصاد والسياسة، والعلاقة الجدلية بينهما، إلى الكلام، وفق المقولات السابقة، عن الاقتصاد في سورية، وما يتعاوره من أخطاء، أو ما يحققه من نجاح، ولا نخرج بنتيجة ايجابية كما ينبغي، وسأتناول موضوع السينما وما تقيمه مؤسستها من مهرجانات تحديداً، كمنوذج للخطأ والهدر، من دون عائد يذكر، حتى في مجال الشهرة الانجازية الاقتصادية، أو الانجازية الفنية!.

إن قرار إقامة مهرجان للسينما كل عام، كان خاطئاً من كل النواحي، وكان كافياً إقامة هذا المهرجان كل عامين كما كان سابقاً، من دون غمز أو لمز بكفاءة مدير مؤسسة السينما، أو أي واحد من العاملين فيها، ذلك أن هذه المؤسسة كان المفروض أن تكون مؤسسة اقتصادية، تنفق مما تربح، لكنها لم تكن كذلك، بل بقيت عالة على الدولة تنتج في العام فيلمين أو أكثر، وتنتج أفلاماً قصيرة، مفيدة، في التعريف ببلدنا تعريفاً حسناً، جميلاً، وهذا جيد، فلماذا اتخذ القرار بإقامة مهرجان للسينما كل عام، وليس من سينما عندنا، كما قال أحد النقاد غير السوريين؟.

إنه سؤال موجه إلى الذين اتخذوا هذا القرار، وسؤال موجه إلى كل من يتخذ قرارات لا تراعى فيها الاحتمالات في المؤسسات الأخرى إن وجدت، وليس القصد العتب بل التنبيه، وهذا أضعف الإيمان، فالأدب الإبداعي ليس سياسة، وإن كان الإلمام بها ضرورياً للأديب، وكذلك الشأن مع الاقتصاد، والفلسفة، والمعلوماتية في قوسها الواسع.

إن التسرّع في العودة عن الخطأ، مضر مثل التسرع في اشتراعه، إنما لابد من معالجة هذا الموضوع بتأنٍ، ومعالجة أمثاله في المؤسسات الأخرى كذلك، وعلى المسؤول، أو المسؤولين، عن الاقتصاد في هذا البلد، أن يتحملوا التبعات، فإذا أغضينا، أن يحذروا الوقوع فيها كرة أخرى، فالرئيس بشار الأسد له من المشاغل، وفي هذه الظروف خصوصاً، ما يدعونا إلى مساندته، وتأييده، رص الصفوف حوله، لا تحميله تبعات الماء والكهرباء ونقاوة الهواء ونظافة البيئة، وأمثال هذه الأمور الكبيرة والصغيرة معاً.

لقد أثرت، في مقالة واحدة، ما يحتاج إلى مقالات،، حتى لا نقول دراسات، وآمل أن تكون، رؤوس الأقلام هذه، موضع انتباه الاقتصاديين عندنا، وأن يتناولوها جذرياً لا شكلياً، وبصورة موضوعية، لا تراعى فيها المحسوبيات أو الحزبيات، ولا يكون الونى، أو السلامة، أو الشهرة، ذات أثر على ما يكتبون، ذلك أن بعض الصحف العائدة لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، تبالغ، أحياناً، في الاحتياط، أو الغمغمة والجمجمة، حيث لا لزوم لكل هذا، فجرائد الدولة، و«تشرين» مثلاً، تقول الأشياء بجرأة، وتلاحقها، وتكشف المستور منها، مطالبة بمعاقبة المقصرين، أو المرتشين، أو المفرطين، بغير رحمة، وما وقع في الجمارك من أخطاء، مقصودة غالباً، وعواقب هذه الأخطاء، ومضارها، أخطر من أن يجري السكوت عنها، وعدم ومحاسبة مرتكبيها، لأن كل هذه القضايا ذات صلة بالاقتصاد، بالمفهوم الذي قدمناه، والخلاص، تدريجياً، من هذه الأخطاء الفادحة، يجعلنا أقوياء في الداخل، وعندما نكون أقوياء في الداخل، نكون أقوياء في الخارج، والعكس صحيح أيضاً.

================

عن دار الغاوون

الملا يطلق مجموعته الشعرية «تمارين الوحش»


أحمد الملا

الدمام - علي سعيد

    "لم أعد متيقّناً مما رأيت.. شككتُ طويلاً في براعةِ النوم.. شككتُ في الليل،.. أنهرُ الحلم بيدَينِ عاريتَين.. فزعي ملطخٌ بدمٍ لزجٍ وحارٍّ.. اعتزلت الناس ولزمت الجبل العالي".

هذا مقتبسٌ شعري من نص "تمارين الوحش" عنوان مجموعة أحمد الملا الشعرية الصادرة حديثا عن دار غاوون في بيروت. وهي المجموعة الخامسة لصاحب "ظل يتقصف". وحول هذه التجربة الجديدة يشير الشاعر السعودي ل"ثقافة اليوم" قائلا: أعتبر هذه التجربة استثنائية بالنسبة لي من حيث اللغة والالتفات للحياة بعمق وتأمل.

الملا الذي كتب نصوص "تمارين الوحش" بين شتاء 2009م وربيع 2010م، يسجل انحيازه للكتاب الجديد رغم أنه يخبئ في أدراج مكتبه مجموعتين شعريتين كتبتا منذ العام 2007، إلا أنه يعلن قائلا: بعد كتابة "تمارين الوحش" دفعتهما إلى الوراء.

وتتألف المجموعة الجديدة من (39) نصا شعريا، يقترب الملا في أجزاء منها من ملامسة اليومي بسرد شاعري، دون الابتعاد عن النثر في أقصى تجلياته المتأملة. ومن مناخات القصيدة نقرأ نصا يتسرب إليه شغف الملا الدائم "السينما" وهو نص "فيلم بطيء لحياة مستعملة" حيث يقول الشاعر: "التنفس الخشن لا الشيب ما يحطني على اقرب خشبة قديمة العهد/ أقضم الخبز بعدة بالية/.. لا اشتهي صورةً ذابلة لحياة اهترأت من شدة الاستعمال".


غلاف المجموعة

=================

ظل آخر

المثقفون .. واللائحة .....

إبراهيم الوافي


إلى أن

ابراهيم أحمد الوافي

    تترقب الساحة الثقافية بشغف بالغ الشروع في تطبيق اللائحة الخاصة بالأندية الأدبية والمعلنة بصورة استباقية ، بعد أن كشفت عن توجّه حرٍّ ومختلف باختلاف الفعل الثقافي وحريته ، وإذا كانت اللائحة قد تناولت بالتفصيل في فقراتها المتعددة نظام الأندية الأدبية وآليات عملها والأهداف المرجو تحقيقها منها على مدى عمرها الذي تجاوز عقده الثالث تقريبا ، فإن كل ذلك كان ومازال يقع في خانة التنظير الذي يمكن الرضا بقليله حينما يحول عن اكتماله قصور في النظام وقيود إدارية تزاحم الفعل الثقافي اختلافه وحريته ومزاجيته أحيانا ، عدا الفقرة الجديدة الخاصة بالجمعية العمومية ، تحديدا في الفقرة التاسعة عشرة منها والتي جاء فيها ( انتخاب أعضاء مجلس الإدارة ) وهي أهم فقرات اللائحة الجديدة وأكثرها تأثيرا في دفع الفعل الثقافي نحو الحرية المنشودة منذ أن بدأت القطيعة بين المثقف الحر والمؤسسة الثقافية المحكومة دائما بالأنظمة الإدارية الصادمة ، إلا أنها كذلك أكثرها تعقيدًا وحذرًا وأظنها بآليتها المعلنة قد قفزت على الواقع الثقافي بأحلامٍ مشروعة ومنتظرة لكنها تحتاج إلى التدرّج في استلهامها ، فعلى الرغم من أن مثقفينا باحثون دائما عن الحرية والاتزان والوسطية والعمل الإنساني الجمعي والاختياري في تعاطي الحياة ، إلا أنهم أكثر تطرّفا وأنكص تفكيرا حين يتعلّق الأمر بالتيار الفكري الخاص بكل عصبة منهم ، ومن الطبيعي أن يجتمع في الجمعية العمومية أكثر من تيار ، وأكثر من عصبة ، وستتم الانتخابات وفقا لهذه الرؤيا ( العصبية ) ، فأكثرهم تأثيرا رئيس يعقبه في الترتيب نائب الرئيس وهكذا حتى يكتمل مجلس إدارة النادي كما تومئ بذلك اللائحة ، ولنا أن نتخيل حروب التيارات وصراعاتها الرجعية داخل مجلس إدارة النادي ، وأظن أن مجرد الانشغال بتلك الصراعات الواقعة لامحالة سيصرف النادي الأدبي عن القيام بدوره الثقافي العام من جهة ، ورئيس النادي عن تنفيذ برنامجه وخططه التي انتُخب بموجبها من جهة ثانية ! ، ولايمكن أن نعتبر اختلاف التيارات داخل مجلس إدارة النادي أمرا إيجابيا أو مستهدفًا من اللائحة ، لأن الفعل حينها لايتسق مع حرية الفكر حين ترتبط بأعمال ورؤى وخطط على جميع إداريي النادي الحماس لتنفيذها على الوجه الأكمل بغض النظر عن اتفاقهم معها أو اختلافهم عليها ذلك إذا سلّمنا بالطبع بتطرّفهم الثقافي وهو ما يبدو للجميع من خلال الأحداث والشخوص وردات الفعل حيالها المتناثرة هنا وهناك ، ولا خروج من هذا المأزق إلا أن تقتصر عملية الانتخاب على رئيس النادي وعليه هو تشكيل مجلس إدارته من حاملي بطاقة العضوية في الجمعية العمومية ، لأن اختياره حينها سيتم بناء على رؤاه الخاصة وبما يكفل له تحقيق رؤاه وخططه وبرامجه ، على أن يكون هناك انتخابا عامة للجنة المراقبة والمتابعة والتقويم السنوي الدوري لأعمال النادي ومنجزاته ومدى تحقق خططه الزمنية المعدة ...

وعلى كل حال أعود وأقول إن الساحة بصورة عامة تترقّب بشغف واهتمام وقع هذه التجربة المعاصرة على مستوى الإدارة الثقافية ، مؤملة أن تنجح بنخبويتها الثقافية لتكون نموذجا لتطبيقها على كل المستويات الإدارية الخدماتية ..

================

لماذا يحب المصريون صلاح عبدالصبور؟


جهاد فاضل

    لاشك في أن الشاعر المصري الراحل صلاح عبدالصبور هو أكثر الشعراء قرباً من المثقفين المصريين. وقد لا يبالغ المرء إذا اعتبر أنه مازال متداولاً في الأبحاث والدراسات والصفحات الأدبية في مصر كما لو أنه توفي حديثاً، أو كما لو أنه لايزال على قيد الحياة.. وقد ذكر أحد الباحثين المصريين انه لو سأل الناس في بلاده عن سر حبهم الدائم لعبدالصبور لوجد قوائم لا تحصى من الأسباب منها انه غامر بشعره الحديث في بقاع لم يسمع فيها وقع لقدم عربية من قبل، ولأنه القائل بأن الشعر لا يحتاج إلى أمير، وإنما إلى خدم يخدمونه ويخلصون في حبه. ومن هذه الأسباب انه الذي قال حول غموض الشعراء الجدد: «كل قصيدة لها مدخل أحاول أن أفتش عنه. أقرأ القصيدة للمرة الأولى فإذا لم أفهم شيئاً أحاول قراءتها للمرة الثانية، وإذا فشلت فلا أُرجع ذلك إلى غبائي، بل لقصور الشاعر في إظهار فكرته».

ويضيف هذا الباحث ان عبدالصبور كان يرى في التكرار أفظع أنواع الإفلاس الفني، وعلى الفنان دائماً أن يطوي صفحة ما كتبه ويتأمل داخله. وقد تطول مرحلة التأمل إلى ما شاء الله، فالفن دائماً رهان بين الفنان والزمن. وعندما هوجم عبدالصبور من اليمين واليسار بقي مخلصاً للقصيدة يرى فيها أن كلاً من اليمين واليسار يريد الفن حصاناً هزيلاً يركبه نحو غايته، بينما يؤمن هو بالديموقراطية التي لا يؤمن بها الجانبان.

والواقع أن هناك أسباباً كثيرة أخرى لحب المثقفين العرب من مصريين وغير مصريين لصلاح عبدالصبور غير هذه. ذلك انه وعى منذ بداياته الشعرية أنه لا يوجد ما يسمى بالقصيدة الطويلة. فجوهر القصيدة الحديثة هو التركيز والتكثيف البالغين. وكان صلاح قد تشبع بالتراث العربي عبر مختلف حقبه القديمة والحديثة، وتثقف واطلع على كل شاردة وواردة في لوحة الشعر الغربي المعاصر، ثم قام بعدها ليخرج بصوت خاص مستقل قدم من خلاله لوحاته الشعرية التي تحمل سمته الخاصة.

وقد كتب عبدالصبور بلغة الحياة بلا تعال عليها، وبموسيقى أشبه بفوضى أصوات البشر. وعندما تحول إلى المسرح كان هذا التحول تعبيراً عن تمام النضج واكتمال الخبرة والأدوات إلى جانب الايمان الذي لا يتزعزع بأن المسرح الشعري هو فن العصر. وقد سأل عبدالصبور نفسه وأجاب له وللآخرين عما سيبقى للتاريخ من هؤلاء طه حسين والعقاد والحكيم والمازني مفرقاً بين الأديب الكبير والأديب التاريخ. فالأخير يرتبط اسمه بتغيير جوهري في تاريخ الأدب ويُنسب هذا التغيير إليه، ويستطيع الأدباء الذين يأتون من بعده أن يستفيدوا من كشفه الأدبي فيسيروا على هداه ويتجاوزوه بعد أن مهد لهم الطريق.

ويعيد الباحثون المصريون إلى الذاكرة أشهر معارك عبدالصبور ومواقفه. كان الدكتور لويس عوض قد رشح عبدالصبور لأمارة الشعر قال: هو أمير شعراء زمانه! ومن الطبيعي والحالة هذه أن يرشحه لجائزة الشعر. ولكن الزمن كان زمن عباس محمود العقاد مقرر لجنة الشعر في المجلس الأعلى للفنون والآداب، وكان له رأي شديد السوء في شعر صلاح. فقد أحال شعره إلى «لجنة النثر» للاختصاص بسبب عدم اعترافه بأن شعر التفعيلة شعر.. يتصل يوسف السباعي فوميسير الثقافة زمن عبدالناصر بمنزل عبدالصبور بالهاتف ليقول لزوجته: «أرجوك بسرعة كلمي صلاح فوراً، قولي له ألا يسمع كلام لويس عوض وألا يجري وراء شطحاته، قولي له يوسف بيقول لك الجايزة تأخدها في المسرح وليس في الشعر.. وتأتي السادسة مساء برنين تلفون آخر من لويس عوض المنفعل قائلاً لزوجة عبدالصبور: «أنا خائف على صلاح من الزواج منك لأن صلاح له رسالة أهم وأكبر بكثير من مسؤولية زواج وأسرة وأطفال.. قولي لصلاح أن يسحب مسرحيته من لجنة المسرح. صلاح لازم يأخذ الجائزة في الشعر مش في المسرح.. القضية الآن هي قضية الشعر الحديث وموقف الدولة منه، وليست مفاضلة بين المسرح والشعر عند صلاح عبدالصبور»!

ويعود لويس عوض ليؤكد أن صلاح عبدالصبور عليه أن يتحمل قدره. فهو قضية وليس فرداً. وكان صلاح المرشح لجائزة الدولة التشجيعية على مسرحيته «مأساة الحلاج» قد سافر قبل انعقاد جلسات الجوائز إلى أميركا تلبية لدعوة من جامعة هارفارد لحضور مهرجان ثقافي لأدباء العالم. وفي القاهرة كانت المعركة قائمة في لجان الشعر والمسرح، خاصة وأن ألفريد فرج كان مرشحاً لجائزة المسرح. وحاز صلاح على الجائزة. وكان العقاد من أبرز المعارضين لمنحه الجائزة التشجيعية من البداية، كما منعه من السفر إلى دمشق للاشتراك في مهرجانها الشعري لأنه لم يكتب شعراً عمودياً حسب المواصفات التقليدية. وتُعد واقعة المذكرة السوداء التي أصدرتها لجنة الشعر بالمجلس في زمن العقاد هي المثل البارز على رفض القديم للحداثة. وقد احتاج الأمر إلى ثلاثين عاماً ليعترف زكي نجيب محمود علناً بأنه صاحبها الذي كتبها وصاغ فيها أفكار لجنة الشعر برئاسة العقاد، والتي اتهمت جميع شعراء الحداثة عن السياب ونازك إلى عبدالصبور وحجازي بأنهم وثنيون كافرون. وكانت هذه المذكرة أول وثيقة في التكفير المعاصر. وكان العقاد يوجه النقد القاسي لصلاح عبدالصبور متسائلاً في أمر أشعاره الحديثة: «أهي مجرد شقاوة يا سي عبده؟ أيظن سي عبده أننا نقلب الأوزان والأسماء التي نميز بها قصائد شعرائنا منذ القدم لأجل هذه الشغلانة التي لا تفلح ومن أجل هذه اللعبة التي لا تسلي»؟

وكان صلاح عبدالصبور فرحاً مختالاً بالجدل الذي دار على صفحات الصحف بينه وبين العقاد: «من أنا في آخر الأمر حتى يسألني سائل ما أخبار المعركة بينك وبين العقاد؟ وكيف أنكر أيام حياتي حين كنت اقرأه مرتعد القلب والعقل»؟

وأضاف صلاح يومها: «لقد كنت أتتبع التعليق الذي يكشفه العقاد لخلصائه دون أن يدوّنه في الأوراق. وكنت أسعد بهذا التعليق الذي اعتبرته وساماً كريماً قد نلته منه وذلك عندما ذهبوا إليه لعقد مناقشة تلفزيونية له مع أحد شعراء الحداثة والتيار الشعري الجديد، وسألوه عمن يختاره لكي ينهض بمناقشته، فاختارني العقاد قائلاً: أريد أن أناقش هذا الولد، فهو قد قرأ بعض الشيء! فيما يبدو، هو ليس جاهلاً.. وفرحت بالخبر، ولكن العقاد مات قبل اللقاء»!

كتب صلاح عبدالصبور عن ليلى والمجنون وعن أغاني الخروج وعن أحلام الفارس القديم وعن مسافر ليل وعن شنق زهران وعن مأساة الحلاج وعن بشر الحافي، والأميرة التي ظلت تنتظر وعن السندباد الذي نأى ثم عاد. ورغم الحزن البادي في الأشعار وفي الخلجات وفي القسمات وفي قصيدته التي صنفت الحزن إلى أنواع وإلى درجات منها الحزن الضرير والحزن الصوت والحزن الطويل، حتى أطلق عليه بعض أصدقائه خبير الأحزان، كان عبدالصبور كما قال عنه صديقه كامل زهيري: «كان أكثرنا حباً للفكاهة وأكثرنا حماسة للضحك، وكان يجيد لعبة الاشتقاقات اللفظية ويطرب لفن القافية في مباريات الفكاهة. وقد يكون سبب حماسته للضحك انه في حاجة إليه لأنه أكثرنا حزناً وشجناً، خاصة حين ينفرد بنفسه ليكتب أو لينسج أشجانه شعراً!

ولاشك أنها كلها أسباب كافية ليحبه مثقفون كثيرون، مصريون وغير مصريين

!

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba