كتاب «عارياً أمام الحقيقة».. قصة قس حطم أغلال الكنيسة وتنفس هواء الحرية
04 تشرين ثاني, 2009

 

كتاب «عارياً أمام الحقيقة».. قصة قس حطم أغلال الكنيسة وتنفس هواء الحرية


غلاف الكتاب

قراءة - ممدوح المهيني:

    سحب من منزله وهو طفل صغير وأدخل في دير يلفه الصمت الرهيب، والانضباط الصارم، والانكباب على قراءة الانجيل، وليس من المسموح له أن يرى عائلة إلا مرتين في العام، وكان الهدف من ذلك تصميمه ككاهن تقليدي مهمته إلقاء المواعظ. ولكن كل هذه المحاولات القاسية التي تركت جروحا غائرة بداخله لم تستطع أن تسحق روحه المتمردة وعقله الشغوف بالمعرفة، والجمال الإنساني، وقاده ليبحث عن نفسه التي وجدها أخيراً بعد 40 عام في مسيرة طويلة من الكدح الفكري الشاق. هذه رواية مختصرة لحياة هذه الشخصية اللافتة "جورج الفار" القس الأردني السابق التي يسردها في هذا الكتاب الممتع الذي جاء على صيغة حوار مطول من 100 سؤال ألقاها بطريقة بارعة زميله منذر قراعين الذي رحل عن الدنيا قبل صدور الكتاب. يعكس عنوان كتابه "عارياً أمام الحقيقة" الصادر عن دار الطليعة الرغبة الحقيقة داخل هذا القس البارع في تعرية كل أفكاره وذكرياته وتجارب حياته أمام الحقيقة التي تشغل عقله وروحه التي يقول عنها أنها "مكلفة بحيث اضطررنا أن نواجهها بذاتينا ونكتوي بنارها المقدسة.. ولتنثرنا رماداً من جديد!". ويغوص الفار باحثاً عن هذه الحقيقة الحارقة في الكتب الدينية والكتب الفلسفية والشغف بالفنون والإبداع الأمر الذي جعله يتعرض للإجحاف والإقصاء والتهميش بسبب هذه الحقيقة التي لا يستطيع مقاومتها. وفي سعيه من أجل التعرف على هذه الحقيقة قام هذا القس الإنساني ببيع بيته من أجل الدراسة في أحد الجامعات الأمريكية وهو يقول أنه لم يشعر بالندم على ذلك ففي كل مرة يمنح الجامعة قسطها الدراسي يشعر بأنه قليل أمام تقديمها المعارف العميقة لعقله . يقول الفار أن بحثه عن الحقيقة في هو في الحقيقة بحث عن معنى لنفسه وللارتقاء بإنسانيته، ويشرحها بهذه المقطع البليغ :" كانت الرحلة طويلة مابين وعي العالم و"وعي الذات في ذاتها". واستمرت الرحلة أربعين سنة، ولكني مرتاح لأني ناضلت واستمررت في هذا الكفاح العنيد لاكتشاف الوعي والوصول إليه " ويضيف :" المهم أني وصلت وكنت أعد نفسي أني لن أغادر هذه الحياة إلا بعد أن اكتشف حقيقة العالم وحقيقة نفسي التي تعيش فيه. لقد تعلمت الارتقاء بإنسانيتي وإنسانية الآخرين من أجل الإنسان فينا، ومن حولنا، فلا قمة أخرى تسمو إلى هذه القمة".

يتحدث جورج الفار بصراحة عن عالم الكنيسة المشرقية شبه المجهول لدينا كاشفاً عن مساعدة الكنيسة في منحه مزايا جيدة مثل الانضباط والجدية ولكنه بذات الوقت يتحدث لنا عن انغلاقها الفكري، حيث كانت ترفض حتى أن تقرأ الصحف التي يقوم بسرقتها خلسة، ويكشف عن رجال دين متحاسدين، منافقين، ويسعون للتنافس على المناصب وإرضاء الرؤساء، ويحاربون الانفتاح والنقد، ويخشون من التجديد الفكري، ويلتزمون بالخط التقليدي. ويشير الفار إلى الألم الذي كان يشعر عندما يقوم الناس بسجنه منذ أن كان طفلاً بصورة الكاهن الذي لا يجب أن يستمتع ويركب السيارات الحديثة ويرتعش قلبه بحب الفتيات وهو في عمر المراهقة !!. وتحدث الفار رؤية لناس له ككاهن يجب عليه أن يمارس الوصاية عليهم ويعظهم بطريقة قمعية لذا استغرب الناس عندما شاهدوا هذا القس الديمقراطي التعددي المنفتح الذي يحب أن يدير جلسات الحوار الفكري حتى قال عنه الكاتب الصحافي الساخر يوسف غيشان:"جاءنا أول كاهن ديمقراطي، ولم يقمعنا ، قمعناه نحن".

يقول الفار أن حرية العقل هو درة الحريات، وهذا ما جعلها يقدسها الحرية محطما أغلال التعاليم الكنسية، ليتجاوز ذلك ويختبر كل النظريات التوفيقية بين الدين والفلسفة منذ أن قام بذلك توما الاكويني في أوروبا وقبل ذلك ابن رشد في الجانب الإسلامي. ولكن لأن عقله يبحث عن الحقيقة الشخصية التي يركع ويتعرى أمامها فإنه تجاوز ذلك إلى رؤية أكثر جرأة في رؤية الحياة والكون بعيداً عن سجن نفسه في تسويات أو أفكار قد تكون تهم الناس ولكنه لا تروي ظمأ عقله الذي يعطش سريعاً.

هذه " الحوراية الفكرية لأوجاع دينية " كما أسماها جورج الفار رائعة وملهمة في ذات الوقت. أنها تسعى من أجل الارتقاء بالإنسان ومحاربة كل الأيديولوجيات المغلقة التي تريد أن تسيطر على عقله وتسجن داخل نظام عقلي وروحي طوال عمره، وتخلق بداخله العداء والبغضاء للآخرين. يقول الفار :" سأذهب إلى ابعد من حدود الكنيسة، والطائفة، والأيديولوجية الدينية، لمعانقة أخوتي من البشر في أطار الأخوة الإنسانية، والمواطنة الصالحة، والديمقراطية والتعددية في الفكر والممارسة. سأعوض للآخرين ما حرمت منه أنا. ولن أتصرف أبداً وفق الغرائز الانتقامية، بل سأرتفع إلى مصاف إنساني رفيع، لأكمل العمل على ذاتي وذوات الآخرين، ضمن إيماني بحقوق الإنسان. ولأول مرة سأتنفس هواء الحرية، الحق، المحررة من كل ضغط فكري، وعصبوي وقوالب جاهزة، لاخترع لنفسي فضاء من الحرية، يُمكنني من أعيش إنسانيتي". ما أروع هذه الكلمات.

=============

 


كتاب «عارياً أمام الحقيقة».. قصة قس حطم أغلال الكنيسة وتنفس هواء الحرية


غلاف الكتاب

قراءة - ممدوح المهيني:

    سحب من منزله وهو طفل صغير وأدخل في دير يلفه الصمت الرهيب، والانضباط الصارم، والانكباب على قراءة الانجيل، وليس من المسموح له أن يرى عائلة إلا مرتين في العام، وكان الهدف من ذلك تصميمه ككاهن تقليدي مهمته إلقاء المواعظ. ولكن كل هذه المحاولات القاسية التي تركت جروحا غائرة بداخله لم تستطع أن تسحق روحه المتمردة وعقله الشغوف بالمعرفة، والجمال الإنساني، وقاده ليبحث عن نفسه التي وجدها أخيراً بعد 40 عام في مسيرة طويلة من الكدح الفكري الشاق. هذه رواية مختصرة لحياة هذه الشخصية اللافتة "جورج الفار" القس الأردني السابق التي يسردها في هذا الكتاب الممتع الذي جاء على صيغة حوار مطول من 100 سؤال ألقاها بطريقة بارعة زميله منذر قراعين الذي رحل عن الدنيا قبل صدور الكتاب. يعكس عنوان كتابه "عارياً أمام الحقيقة" الصادر عن دار الطليعة الرغبة الحقيقة داخل هذا القس البارع في تعرية كل أفكاره وذكرياته وتجارب حياته أمام الحقيقة التي تشغل عقله وروحه التي يقول عنها أنها "مكلفة بحيث اضطررنا أن نواجهها بذاتينا ونكتوي بنارها المقدسة.. ولتنثرنا رماداً من جديد!". ويغوص الفار باحثاً عن هذه الحقيقة الحارقة في الكتب الدينية والكتب الفلسفية والشغف بالفنون والإبداع الأمر الذي جعله يتعرض للإجحاف والإقصاء والتهميش بسبب هذه الحقيقة التي لا يستطيع مقاومتها. وفي سعيه من أجل التعرف على هذه الحقيقة قام هذا القس الإنساني ببيع بيته من أجل الدراسة في أحد الجامعات الأمريكية وهو يقول أنه لم يشعر بالندم على ذلك ففي كل مرة يمنح الجامعة قسطها الدراسي يشعر بأنه قليل أمام تقديمها المعارف العميقة لعقله . يقول الفار أن بحثه عن الحقيقة في هو في الحقيقة بحث عن معنى لنفسه وللارتقاء بإنسانيته، ويشرحها بهذه المقطع البليغ :" كانت الرحلة طويلة مابين وعي العالم و"وعي الذات في ذاتها". واستمرت الرحلة أربعين سنة، ولكني مرتاح لأني ناضلت واستمررت في هذا الكفاح العنيد لاكتشاف الوعي والوصول إليه " ويضيف :" المهم أني وصلت وكنت أعد نفسي أني لن أغادر هذه الحياة إلا بعد أن اكتشف حقيقة العالم وحقيقة نفسي التي تعيش فيه. لقد تعلمت الارتقاء بإنسانيتي وإنسانية الآخرين من أجل الإنسان فينا، ومن حولنا، فلا قمة أخرى تسمو إلى هذه القمة".

يتحدث جورج الفار بصراحة عن عالم الكنيسة المشرقية شبه المجهول لدينا كاشفاً عن مساعدة الكنيسة في منحه مزايا جيدة مثل الانضباط والجدية ولكنه بذات الوقت يتحدث لنا عن انغلاقها الفكري، حيث كانت ترفض حتى أن تقرأ الصحف التي يقوم بسرقتها خلسة، ويكشف عن رجال دين متحاسدين، منافقين، ويسعون للتنافس على المناصب وإرضاء الرؤساء، ويحاربون الانفتاح والنقد، ويخشون من التجديد الفكري، ويلتزمون بالخط التقليدي. ويشير الفار إلى الألم الذي كان يشعر عندما يقوم الناس بسجنه منذ أن كان طفلاً بصورة الكاهن الذي لا يجب أن يستمتع ويركب السيارات الحديثة ويرتعش قلبه بحب الفتيات وهو في عمر المراهقة !!. وتحدث الفار رؤية لناس له ككاهن يجب عليه أن يمارس الوصاية عليهم ويعظهم بطريقة قمعية لذا استغرب الناس عندما شاهدوا هذا القس الديمقراطي التعددي المنفتح الذي يحب أن يدير جلسات الحوار الفكري حتى قال عنه الكاتب الصحافي الساخر يوسف غيشان:"جاءنا أول كاهن ديمقراطي، ولم يقمعنا ، قمعناه نحن".

يقول الفار أن حرية العقل هو درة الحريات، وهذا ما جعلها يقدسها الحرية محطما أغلال التعاليم الكنسية، ليتجاوز ذلك ويختبر كل النظريات التوفيقية بين الدين والفلسفة منذ أن قام بذلك توما الاكويني في أوروبا وقبل ذلك ابن رشد في الجانب الإسلامي. ولكن لأن عقله يبحث عن الحقيقة الشخصية التي يركع ويتعرى أمامها فإنه تجاوز ذلك إلى رؤية أكثر جرأة في رؤية الحياة والكون بعيداً عن سجن نفسه في تسويات أو أفكار قد تكون تهم الناس ولكنه لا تروي ظمأ عقله الذي يعطش سريعاً.

هذه " الحوراية الفكرية لأوجاع دينية " كما أسماها جورج الفار رائعة وملهمة في ذات الوقت. أنها تسعى من أجل الارتقاء بالإنسان ومحاربة كل الأيديولوجيات المغلقة التي تريد أن تسيطر على عقله وتسجن داخل نظام عقلي وروحي طوال عمره، وتخلق بداخله العداء والبغضاء للآخرين. يقول الفار :" سأذهب إلى ابعد من حدود الكنيسة، والطائفة، والأيديولوجية الدينية، لمعانقة أخوتي من البشر في أطار الأخوة الإنسانية، والمواطنة الصالحة، والديمقراطية والتعددية في الفكر والممارسة. سأعوض للآخرين ما حرمت منه أنا. ولن أتصرف أبداً وفق الغرائز الانتقامية، بل سأرتفع إلى مصاف إنساني رفيع، لأكمل العمل على ذاتي وذوات الآخرين، ضمن إيماني بحقوق الإنسان. ولأول مرة سأتنفس هواء الحرية، الحق، المحررة من كل ضغط فكري، وعصبوي وقوالب جاهزة، لاخترع لنفسي فضاء من الحرية، يُمكنني من أعيش إنسانيتي". ما أروع هذه الكلمات.

 

تعليقات

Comment Icon

in sync with the action [url=http://www.chanelearrings.org/fake-DolceGabbana-Ring-174-b0.html]dg ring[/url] while bursts of air and [url=http://www.louisvuittonreplica.net/fake-Louis-Vuitton-Jewelry-27-b0.html]louis vuitton jewelry[/url] water mimic King Kong's breathy

chanel jewelry | 07/07/2010, 09:52 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba