الشرعية القانونية لاستقلال كوسوفو:البوسنه والهرسك المسلمة لاتعترف بجارتها المسلمه وكذلك تقاعس العرب:أين دور منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية وغيرها من المنظمات من الإعتراف بإستقلال كوسوفو
14 تشرين اول, 2008

الشرعية القانونية لاستقلال كوسوفو

محمود المبارك     الحياة     - 13/10/08//

القرار الذي خلصت إليه الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء الماضي، استجابة إلى طلب صربيا في إحالة قضية استقلال كوسوفو إلى محكمة العدل الدولية، وإن كان يبدو في ظاهره قانونياً دولياً، إلا أنه في حقيقته قرار سياسي صرف!

ذلك أن إعلان استقلال كوسوفو الذي تم في شهر شباط (فبراير) الماضي، كان قد واكبه تأييد واسع من مختلف دول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وغالبية الدول الأوروبية المجاورة. وتبعاً لذلك فإن طرح السؤال اليوم عن مدى شرعية استقلال كوسوفو لن يغير من الواقع العملي شيئاً لسببين رئيسيين: السبب الأول هو أن الاعتراف الواقعي أو العملي، المسمى في القانون de facto recognition، أمر قد حُسِم! وبغض النظر عما تتمخض عنه محكمة العدل الدولية من قرار حول الاعتراف باستقلال كوسوفو، فإن الاعتراف القانوني أو ما يسمى de jure recognition لن يغير من الواقع العملي شيئاً!

وأما السبب الثاني فيتعلق بمسألة أن فتوى محكمة العدل الدولية إذا ما صدرت، فهي مسألة رأي فقهي، وليست حكماً قانونياً ملزماً. بل إنه ليس من المبالغة أن إشغال محكمة العدل الدولية - التي تغص بعشرات القضايا التي بعضها ينتظر منذ أكثر من عقد من الزمان - بهذه المسألة "مضيعة للوقت"! وربما كان الأولى عدم إقحام المحكمة، بمسألةٍ إبداءُ الرأي فيها لا يقدم ولا يؤخر شيئاً من الواقع العملي.

والقانون الدولي وإن كان يحوي بعض السوابق الدولية في عدم الاعتراف بدول جديدة كقرار مجلس الأمن رقم 217 (1965) القاضي بعدم اعتراف أعضاء الأمم المتحدة باستقلال روديسيا الجنوبية، والرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية ذاتها، الخاص بإقليم ناميبيا عام 1971، والمتعلق بعدم الاعتراف بالكيان الذي ينشأ بصورة مخالفة لقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، إلا أن المتوقع من فتوى المحكمة أن تترك قرار الاعتراف للدول فرادى ومجتمعين، بناءً على نظرية سيادة الدول، حيث ان هذه هي النظرة الأكثر قبولاً عند معظم فقهاء القانون الدولي اليوم.

وبغض النظر عما سيؤول إليه قرار المحكمة، فإن تردد الدول الإسلامية في قبول انضمام "شقيقتها" الجديدة إلى العالم الإسلامي أمر مثير للدهشة. وقد كان الأولى بالدول العربية والإسلامية أن تبادر إلى مباركة إعلان استقلال كوسوفو لأجل المنافع السياسية والاقتصادية التي يمكن كسبها، تماماً كما فعلت خمسون دولة من مختلف أنحاء العالم، إضافةً إلى الرابطة الدينية التي تربط هذه الدول بآخر الدول الأوروبية ظهوراً. وهذا ما يثير الاستغراب حول تردد الدول المسلمة في الاعتراف بكوسوفو المسلمة، وهو السؤال الذي يطرحه الكوسوفيون أنفسهم.

قد يكون سبب "إشهار الإسلام" لدولة أوروبية سبباً مفهوماً في معارضة أوروبية، التي باتت تغص بخمسة وخمسين مليون مسلم. أما أن تعترف بها 22 من أصل 27 دولة من دول الاتحاد الأوروبي، وترفضها أكثر من خمسين من أصل 55 دولة مسلمة، فهذا أمر مثير!

ولعله من نافلة القول إنه لو اعترفت بقية الدول المسلمة باستقلال كوسوفو، لكان مجموع من اعترف باستقلال كوسوفو، أكثر من نصف دول العالم، وتبعاً لذلك ربما أيقنت صربيا أن أمر استقلال جارتها صار أمراً مفروضاً.

بيد أن تردد الغالبية العظمى من الدول الإسلامية في الاعتراف بكوسوفو، أمر يثير تساؤلات محيرة حول موقف الدول العربية والإسلامية المتردد من هذا الاعتراف.

ترى لو تزعمت الولايات المتحدة معارضة استقلال كوسوفو، ألن يكون ذلك كافياً لامتداد الغضب في الشارع الإسلامي طولاً وعرضاً؟! فكيف يمكن فهم حث الولايات المتحدة الدول المسلمة على الاعتراف بكوسوفو ورفض الدول المسلمة هذا الاعتراف؟! أليس من المضحك المبكي أن "عنترية" الدول العربية والإسلامية ضد مواقف الولايات المتحدة لا تكون إلا فيما يضر بمصالحها وتضامنها؟!

بل أليس من المخجل أن تعترف دول عربية وإسلامية بإسرائيل وتطالب بقية الدول باللحاق بركبها في الاعتراف بإسرائيل، في حين تعرض كل الإعراض عن مجرد الخوض في الحديث عن الاعتراف بدولة أوروبية مسلمة؟!

هل من المعقول أو المقبول أن يدافع سفراء الدول الغربية بمن فيهم السفيران الأميركي والبريطاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة عن استقلال دولة مسلمة، في حين تسدل الدول المسلمة الخمار على رؤوسها، وتخفض أصواتها في دهاليز المنظمة الدولية؟! ما الذي تريده الدول المسلمة كي تعترف بانضمام أختها الصغيرة إلى "الأسرة المسلمة"؟ هل ستطلب هذه الدول من كوسوفو إثبات "شرعية" انتماء الأخت المسلمة عبر حامض الـ DNA؟!

واقع الأمر أن الدولة الأوروبية الصغيرة - التي يشكل المسلمون أكثر من تسعين بالمائة من سكانها - عانت الكثير من الاضطهاد عبر عقود طويلة، من قبل الحكم اليوغوسلافي المستبد، ثم من قبل الصرب الذين ارتكبوا جرائم قانونية دولية متعددة ضد مسلمي كوسوفو، شملت جرائم الإبادة والتطهير العرقي، في بداية التسعينات من القرن الماضي، وحان الوقت الآن لإعطاء الشعب الكوسوفي حقه في استقلال بلاده.

المثير للسخرية هو أن الجارة الوحيدة التي لم تعترف بعد باستقلال كوسوفو هي دولة البوسنة والهرسك المسلمة أيضاً، والتي عانت كما عانت جارتها، من اعتداءات وحشية قاسية من قبل الصرب!

ولعل هذا التصرف المريب من قبل الدول العربية والمسلمة يجيب على زعم البعض القائل بأن قوة الدول العربية والمسلمة في تفرقها وتعددها، وليس في اجتماعها ووحدتها، لأن في تعددها مجالاً لكسب زيادة الأصوات في المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، كما أن فيها مجالاً آخر لكثرة وجود المنظمات والهيئات الدولية التي تستطيع أن تدافع عن قضايا الأمة! فأين منظمة المؤتمر الإسلامي وأين رابطة العالم الإسلامي وأين الجامعة العربية وبقية المنظمات والمنتديات العربية والإسلامية؟! هل اختفت عن الأنظار خشية الفتنة؟!

* حقوقي دولي

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba