اليساري العرفاتي» فتح لـ«الحياة» دفاتر الثورة الفلسطينية ومعارك قائدها (4) ... ياسر عبدربه: حاول أبو عمار الالتفاف على نصوص أوسلو فقال رابين لمستشاريه «اسحقوه» ... تقبِّل مضطراً تشكيل حكومة برئاسة أبو مازن وانتظر كتاب استقالته ليوافق عليه
29 تشرين ثاني, 2008

اليساري العرفاتي» فتح لـ«الحياة» دفاتر الثورة الفلسطينية ومعارك قائدها (4) ... ياسر عبدربه: حاول أبو عمار الالتفاف على نصوص أوسلو فقال رابين لمستشاريه «اسحقوه» ... تقبِّل مضطراً تشكيل حكومة برئاسة أبو مازن وانتظر كتاب استقالته ليوافق عليه

حاوره غسان شربل     الحياة     - 25/11/08//

كانت قناة أوسلو مجرد محاولة استكشافية ولم يعوّل ياسر عرفات عليها إلا حين دخل رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين على الخط سائلاً ومستفسراً. وحاول عرفات لاحقاً الالتفاف على نصوص أوسلو فكان رد فعل رابين عنيفاً.

كان ياسر عرفات قائداً بارعاً للثورة لكنه تصرف في السلطة كرئيس عربي. أراد إبقاء القرار في عهدته والإمساك بكل الخيوط. وحين اضطر الى القبول باستحداث منصب رئيس للوزراء اعتمد سياسة المشاكسة وانتظر كتاب استقالة رئيس الوزراء محمود عباس ليوافق عليه. هذا ما يقوله ياسر عبدربه وهنا نص الحلقة الرابعة:

> كنت شريكاً في الاتصالات مع الاردن؟

- الاتصالات مع الاردن كانت من الأدوار التي كان يريد ياسر عرفات أن يدفعني فيها بأشكال متنوعة. أيضاً، بعد 1983 ذهبنا إلى الأردن حيث اجتمع أبو عمار مع الملك حسين ثم جاء مستشار الملك عدنان أبو عودة وجلس معه ووضعوا صيغة للشراكة الثنائية الفلسطينية - الأردنية في التسوية والحل، تحت عنوان الكونفيديرالية بين الأردن وفلسطين. ذهب أبو عمار بعد ذلك الى الكويت ودعا كل القيادة الفتحاوية ودعا نايف حواتمة وأنا، وعرض الاتفاق. الكل ثار ضد الاتفاق وقال انه لا يريد اتفاقاً مع الأردن وان هذا تنازل عن حقنا في دولة فلسطينية مستقلة. فبقي أبو عمار وحيداً وكان غاضباً جداً وهذه من المرات القليلة التي أعلن فيها استقالته. كنت مثل الساعي بين الطابق الأعلى الذي يجلس فيه أبو عمار وحده، وبين اعضاء قيادة «فتح» كلهم، أبو أياد وأبو جهاد وخالد الحسن ونايف حواتمة، الذين رفضوا الاتفاق. كان أبو عمار يسألني عن أجوائهم وكنت أقوم بنقل الأجواء إليه على حقيقتها بأنهم يسخنون الجو ويصرحون ويقولون إنهم ضد الاتفاق. عندما احتد الخلاف قال لي قل لهم إني مستقيل.

> كان ذلك في أي سنة في الكويت؟

- نعم في الكويت وأظن ان هذا حصل قبل عام 1984.

> في شباط 1984 أعلن الاتفاق ولم يعش طويلاً؟

- جنين الاتفاق في اوائل 1983 أي بعد المجلس الوطني الذي عقدناه في كانون الثاني أو شباط. بعده عقد هذا الاتفاق السري مع الأردنيين حتى يستخدمه الملك حسين في علاقاته الأميركية والدولية. نزلت إليهم وقلت لهم إن ابو عمار مستقيل. قالوا لي: ليقدم استقالته مكتوبة.

> من قال لك ذلك؟

- هم. أبو أياد قال بلؤم: ليقدم استقالته مكتوبة. ذهبت الى ابو عمار وقلت له: لا تأخذها على باب المزاح، يقولون: قدم استقالة مكتوبة. فقال لي: أنا جاهز. وكتب الاستقالة التالية: إلى جماهير الشعب الفلسطيني، بما ان اخوتي في قيادة حركة «فتح» وقيادة الشعب الفلسطيني قد تخلوا عن دورهم وواجباتهم كقادة في الدفاع عن مصالح الشعب، فإني اقدم استقالتي، آملاً ان يجدوا من هو أفضل مني.

أخذت الورقة ضاحكاً، وأعطيتهم اياها فقالوا: حتى هذه فيها تحريض علينا، هذه ليست استقالة بل بيان تحريض، مع ذلك فإن ياسر عرفات لم يوقعها. استقالة من دون توقيع.

> كيف انتهت؟

- انتهت على الطريقة الفلسطينية الى نوع من المصالحة. أبو عمار قال لهم: اعتبروا الاتفاق غير قائم، وطبعاً لم يبلغ الاردن بذلك، والآخرون اكتفوا بهز العصا لياسر عرفات. بعضهم اعتبر أنهم ليسوا ضد مضمون الاتفاق، بل ضد تفرد ابو عمار بعقد اتفاق من دون التشاور معهم.

> من كان المنافس الأول لابو عمار؟ أبو أياد؟

- أبو أياد كانت له علاقة خاصة بأبو عمار الذي كان يحتاج اليه في المفاصل الصعبة، لأن أبو أياد - على حد قوله - هو الوحيد الذي كان قادراً عام 1988 أن يجعل المجلس الوطني الفلسطيني بعد خطاب ألقاه، يقف مصفقاً بقبول القرار 242 أي بقبول التنازل عن أربعة أخماس فلسطين. الوحيد الذي كان قادراً على فعل ذلك بمزج بين الواقعية السياسية والخطاب الذي يصدم الأوهام وديماغوجية شعبوية وشعارات لاهبة ممزوجة فيها. أبو أياد كان الثعلب السياسي الذي يكمل ياسر عرفات ويسنده في المواقف الصعبة. كل مساومة كان يريد أن يجريها ياسر عرفات كان يحتاج إلى أبو أياد من أجل تمريرها، سواء أكانت مساومة داخلية داخل «فتح» أو في منظمة التحرير، أو مع اطراف عربية أو على مستوى سياسي بما يخص المفاوضات والقضية الفلسطنية. أبو أياد كان الذراع الحقيقي لعرفات وسنده، كما كان أبو جهاد ذراعه الكفاحي في ما يتعلق بملفات مهمة سواء ملف المخيمات في لبنان والصدامات مع «أمل» وغيرها، أو في ملف الأرض المحتلة والعمليات في داخلها.

أبو اياد

> هل كان أبو جهاد القائد العسكري الذي يدير الحرب في المخيمات؟

- أبو جهاد كان ذراعاً منفذاً لأبو عمار لكن أبو عمار لم يكن يترك هذا الأمر لأحد. كان يشرف تفصيلياً على كل الأمور.

عرفات ورابين

> ماذا كانت طبيعة العلاقة بين عرفات واسحق رابين؟

- تطورت العلاقة بشكل ايجابي بينه وبين رابين. أذكر ان اول لقاء عقدناه مع رابين في القاهرة في نهاية عام 1993، بعد التوقيع على أوسلو في البيت الأبيض في 13 ايلول (سبتمبر). بعدها بنحو شهرين التقينا مع رابين ووفده بكامله وكان معه طاقمه العسكري ورئيس اركانه. وكان مع أبو عمار أنا وآخرون. بدأ النقاش بشكل ودي ثم انفرد أبو عمار ورابين في غرفة وحدهما نحو ساعتين. بعد خروجهما قال رابين لابو عمار: كيف يمكن أن يبدأ تنفيذ الاتفاق في ما بيننا؟ فقال له: بسيطة. انتم تنسحبون وانا اسمح لكم أن تكون لكم دورية مشتركة معي ومع القوات الدولية على غور الأردن. نحن كدنا ننزل تحت الأرض، اذ لم يكن هناك غور الاردن ولا الضفة، بل هناك أريحا فقط. وصل أبو عمار الى قمة الشجرة. نظر إليه رابين وقال له بأدب شديد: السيد الرئيس يبدو أن هناك سوء فهم تاريخياً في ما بيننا، ويبدو أننا ارتكبنا خطأ أنا مسؤول عنه. كان يفترض أن نلتقي قبل توقيع الاتفاق لأن هناك التباساً وسوء فهم كبيراً بناء على كلامك. على كل حال لم يفت الأوان وكل الأخطاء قابلة للتصحيح. وانتهى اللقاء.

كان هذا اللقاء الأول. علمنا في ما بعد أنه عندما غادر رابين قال لمستشاريه على الطائرة: اسحقوا عرفات، هو يعتقد أنه سيتسلم كل شيء. ليس فاهماً أو يريد أن يتلاعب معي. بعد شهر التقينا مع رابين في باريس مصادفة، وكان يبدو كأنه شخص آخر تقريباً وكان أبو عمار حينها يريد ان لا تأتي أموال الدعم والمساعدات الى مشاريع بل إلى صندوقه وهو يتصرف بها كما يشاء.

مبارك ورابين

> ماذا حصل في لقاء باريس؟

- في لقاء باريس قال له رابين: السيد الرئيس، دعني انصحك وأرجو أن لا تفهم أن هذه نصيحة عدو. نحن أقرب الناس إلى الولايات المتحدة ولا يوجد بلد في العالم قريب وحليف للولايات المتحدة مثلنا، والولايات المتحدة تعطينا سنوياً بلايين الدولارات، لكن في نهاية كل سنة يرسلون وفداً من الكونغرس يدقق معنا كيف صرفناها على المشاريع وفي أوجه الصرف المتفق عليها حتى آخر دولار. ونقدم لهم هذا الكشف. هذا ما نقوم به ونحن أقرب الناس الى الولايات المتحدة، فكيف بالنسبة إليك وانت حتى الآن جديد على العالم؟ فلمصلحتك أقبل المعايير الدولية في ما يتعلق بالتعامل مع المساعدات.

هزّ أبو عمار رأسه وابتسم ولم يجب، وطبعاً لم يعتبر هذه النصيحة من صديق أو عدو، ولكن أياً كان مصدر هذه النصيحة لم يكن أبو عمار في ذلك الوقت مستعداً لتقبلها. وفي بقية اللقاءات مع الاسرائيليين كنت حاضراً إلى جانبه.

> هل عقد لقاءات سرية مع الاسرائيليين؟

- كانت تتم لقاءات على هامش اللقاءات العلنية. كان يحصل عادة لقاء جانبي سرّي وجرى هذا مع رابين وبيريز وباراك وحتى مع نتانياهو. بيريز كان يحرص على ان يكون تفاوضه مع عرفات ثنائياً، وكان يستخدم طبعاً أسلوب التحايل، من نوع: سيدي الرئيس أنت رئيس ولكن أنا وزير خارجية مسكين عندي مرجعيتي، أنت تستطيع أن تأخذ قراراً وأنا لا استطيع ان آخذ قراراً. انت صاحب قرار مطلق وسيد. وكانوا دائماً، بعدما اكتشفوا نقطة ضعف، يحاولون اللعب عليها وهي حب ياسر عرفات لتعزيز سلطته، وكانوا يحاولون ان يساوموه على هذه النقطة، مقابل تعزيز سلطته تعزيز توسعهم في مجالات أخرى وخاصة في مجال الاستيطان. هذه كانت النقطة الأخطر. ياسر عرفات كان يندفع في المفاوضات أحياناً، أحياناً كان لا يعرف جغرافية مدينة أو منطقة ما ويجلس ويفاوض عنها. هذه كانت من بين المشاكل.

> ألم يلتق شارون؟

- التقى شارون.

> لم يتصافح معه؟

- شارون لم يصافحه. كنا في واي ريفر، ودخل شارون وكان كلينتون ونتانياهو ومختلف الوزراء الاسرائيليين. عندما مرّ شارون من أمام ياسر عرفات أدى له عرفات التحية العسكرية باعتباره جنرالاً إلى جنرال، وكان ياسر عرفات يحب لقب ودور الجنرال أكثر من حبه لأي شيء آخر، لكن شارون لم يقابله بالتحية. أدى له عرفات التحية ومد يده له، لكن الآخر مرّ عليه ولم يسلم. انما ابو عمار التقى أولاد شارون مرات عدة وكان خالد سلام عادة الوسيط لجلبهم الى ابو عمار. بعدما أصبح شارون رئيساً للوزراء، كانت الرسالة الرئيسية التي نقلها عمري شارون من ابيه الى ابو عمار: اعطني الأمن وسأعطيك كل ما تريد. رسالة شفوية. الأمن بمعنى وقف العمليات وسواها. أبو عمار كان متردداً أن يعطي جواباً بالإيجاب على هذه النقطة خوفاً من أن تكون فخاً منصوباً له من ناحية، ومن ناحية ثانية كانت الأمور في مرحلة لم يعد أبو عمار قادراً على السيطرة عليها. وهذا ما لم يكن يعرفه الكثيرون. لكن أبو عمار عادة يكابر ولا يعترف بأنه فقد السيطرة. هذه كانت ربما بعض النقاط المأسوية في تجربة أبو عمار.

المنافسة مع قيادات الداخل

> كيف كانت علاقة ابو عمار مع وفد فلسطينيي الداخل؟

- أنا كنت مع أبو عمار ومع عدد من القيادات الفلسطينية ليلة مجيء الوفد الفلسطيني من مدريد الى الجزائر ثم عودته في الليلة نفسها من الجزائر الى مدريد عند افتتاح مؤتمر مدريد. وكان هذا اول لقاء بين ياسر عرفات والقيادات الآتية من الداخل. كان عرفات يشعر بشيء من المنافسة مع قيادات الداخل.

> من هم؟

- الوفد الفلسطيني كان يقوده بالاساس حيدر عبدالشافي ويقوده ايضاً من خارج قاعة الاجتماعات بالتعاون مع فيصل الحسيني. هذا الشعور لم يكن مؤذياً في البداية ولم يدفع ياسر عرفات الى تعطيل عمل هذا الوفد والمفاوضات، خصوصاً عندما كلفني انا وابو مازن الذهاب الى عمان وعقد اتفاق مع الاردنيين حول صيغة الوفد الاردني - الفلسطيني المشترك. وكتبت بالاشتراك مع الجانب الاردني الوثيقة المشتركة لتنظيم عمل الوفد الاردني - الفلسطيني. كان يرأس الجانبين ابو مازن وطاهر المصري الذي كان حينها رئيس وزراء ووزير خارجية الاردن. ووضعنا صيغة بحيث تكون هناك مرجعية عليا هي الملك حسين وياسر عرفات، ثم هيئة تشرف على المفاوضات تضم رئيس الوزراء الاردني طاهر المصري وأبو مازن وعدداً من الشخصيات من الجانبين، ثم الهيئة المشرفة داخل الوفد المشترك الاردني الفلسطيني، وأن الاردن يلتزم أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد وان كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني يعود القرار فيه للفلسطينيين وحدهم. هذا الاتفاق اراح عرفات كثيراً ومهد لعلاقة ايجابية بينه وبين الملك حسين، وهذا مكننا ابو مازن وانا ان نجد مناخاً ايجابياً يحيط بدور الوفد الاردني - الفلسطيني في مفاوضاته في واشنطن. وأبو مازن أصبح هو مرجعية ذلك الوفد، أي كل التقارير اليومية عن المفاوضات مع الاسرائيليين تأتي الى ابو مازن وهو يصادق عليها او لا يصادق، وكان هناك نبيل شعث وأكرم هنية مندوبان عن القيادة في الاشراف على الوفد في واشنطن. استمرت هذه الصيغة قائمة الى ان بدأ الاحتكاك الأول الذي جاء بعد موقف حيدر عبدالشافي في عمان برفضه قبول العودة الى طاولة المفاوضات لأن هذا قرار للوفد وليس قرار ياسر عرفات. ثم تطورت الامور بحساسية عندما عرض الاميركيون والاسرائيليون على حنان عشراوي وفيصل الحسيني صيغة خلاصتها البدء بإقامة حكم ذاتي في الضفة الغربية وتقديم مساعدة بمئات الملايين من الدولارات لمشروع الحكم الذاتي ليقف على أقدامه والتمهيد لانتخابات داخلية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقتها ثارت ثائرة ياسر عرفات واعتبر ان هذه محاولة للالتفاف عليه وعلى دور منظمة التحرير، ومن هنا بدأ يشعر بحساسية شديدة تجاه دور الوفد الفلسطيني الى ان فتح باب اوسلو وانتهى دور الوفد الفلسطيني في واشنطن بفعل اتفاق اوسلو.

> كيف بدأت القناة السرية في اوسلو؟

- القناة السرية بدأت مع ابو علاء. عاد الى ابو مازن الذي وافق على هذه الفكرة، واستشار ياسر عرفات بشأنها فصادق عليها. لكن كما ذكرت، لم يكن أبو عمار يعطيها اهمية كثيراً في البداية، بل اعطاها اهمية في ما بعد عندما دخل رابين على الخط ووجه أسئلة حول الموقف الفلسطيني فاعتقد ابو عمار انها اصبحت أكثر اهمية.

> يقال ان ياسر عرفات تقبل بصعوبة فكرة استحداث منصب رئيس الوزراء وانه ساهم عملياً في اسقاط حكومة ابو مازن؟

- ياسر عرفات لم يقبل ولا للحظة فكرة ان يتخلى عن رئاسة الحكومة الفلسطينية بشكل مباشر، خصوصاً أن ابو عمار اعتاد طوال 40 عاماً انه هو الرئيس لكل هيئة فلسطينية ذات موقع. وكان يرى في فكرة انشاء مجلس وزراء وفصل الأمن عن رئيس السلطة وتحويله الى الحكومة وتوحيد الأجهزة الامنية في 3 اجهزة بدلاً من تشعبها هو نوع من التآمر لتقييده والحد من صلاحياته الى اقصى مدى بهدف التمهيد أيضاً لإبعاده وإقصائه. ناور ياسر عرفات طويلاً حتى لا يوافق على هذه الفكرة واذكر ان اللورد ليفي جاء مبعوثاً من توني بلير عندما كان رئيساً للوزراء، في منتصف عام 2002 أو 2003 ناقلاً رسالة من بلير يقول فيها انه ذاهب الى لقاء جورج بوش في واشنطن وأنه يأمل بأن يحصل على موافقة على تعيين رئيس وزراء كامل الصلاحية بشكل واضح. واذا كان هذا الكلام مقبولاً فانه يريد ان يحصل على جواب مكتوب من ياسر عرفات بذلك. التقاني اللورد ليفي في مكتبي. ذهبت الى ياسر عرفات وقلت له: الأمور نضجت ولا بد من اعطاء جواب. طبعاً بعد مرور اشهر ظل عرفات يرفض فيها رفضاً قاطعاً أن يعطي مثل هذه الورقة اعد رسالة ليعطيها للورد ليفي. الرسالة تقول: نحن ندرس امكانية تعيين رئيس وزراء ذي صلاحيات في الوقت المناسب. انا قلت له صراحة: أنا لن أحمل هذه الرسالة لأن مفعولها سيكون سلبياً للغاية، وأفضل أن أترك الأمر وأذهب الى مكتبي لأن الرجل ينتظرني وأرجو، من هنا الى ساعة، ان تشاور نفسك وأن ترسل لي جوابا واضحاً. فثار أبو عمار وقال: أنتم تريدون اضعافي وانتم يبدو انكم متواطئون ضدي وانتم صرتم... قلنا له: هذا الواقع القائم.

> مع من كنت؟

- كنت أنا وصائب عريقات وأكرم هنية. قلنا له: نحن أقرب الناس إليك، نحن جماعتك، رأينا أن تحني رأسك امام هذه العاصفة. رئيس وزراء او غيره، لن يستطيع احد ان يناطح ياسر عرفات أياً كان واذا كان المطروح أبو مازن فهو ليس خصماً لك. ابو مازن سيكون تحت جناحك في كل الاحوال. لذلك لا مبرر لرفض هذا الطلب. نعطيهم اياها ونغلق هذا الملف الذي يستخدمونه ضدنا من اجل تبرير الحصار والقمع والتخريب الذي يمارسونه ضد السلطة الفلسطينية. رفض كلامنا بشدة وذهبنا واجتمعنا في مكتبي وكان اللورد ليفي. وبعد نصف ساعة وصل مغلف من ياسر عرفات يتضمن قبولاً صريحاً بتعيين رئيس وزراء للسلطة الفلسطينية، أعطيته للورد ليفي فطار من الفرح وعاد الى لندن. بعدها استدعى أبو عمار أبو مازن وكلفه رئاسة الوزارة.

ابو مازن وابو عمار

> كيف كانت العلاقة بينهما؟

- شكل أبو مازن الحكومة، فاعترض ياسر عرفات في البداية على بعض المناصب في الحكومة. لأن الحكومة كانت تضمني انا وصائب عريقات كوزيري دولة، واعترض على توزيع مناصب اخرى. لم يكن هذا الاعتراض بسبب حرصه فعلاً على تحسين تركيب الحكومة وادائها، وانما لأنه كان يريد منذ البداية ان يؤكد انه هو المرجعية حتى في تعيين الوزراء. وابو مازن كان حريصاً على أن يبقى على تشاور مع ابو عمار وان لا يقوم بأي خطوة من دون العودة اليه بسبب حساسية هذا الموضوع، خصوصاً انها المرة الأولى التي يتنازل فيها ياسر عرفات عن جزء من صلاحياته ولو كان تنازلاً شكلياً. لم تكن هناك نقاط احتكاك كثيرة. ابو مازن كان يريد ان يعين بعض الوزراء في مناصب امنية. احياناً محمد دحلان واحياناً اخرى نصر يوسف. أبو عمار كان يريد ان يكون هناك وزير للداخلية يتولى الشؤون الامنية فقط ولكن لا تحال مسؤولية الأجهزة الأمنية الى الحكومة فيفقد السيطرة عليها. كانت هذه من بين نقاط الاحتكاك الرئيسية. وهناك نقاط احتكاك اخرى، أن ابو عمار كان يرغب في توزيع الرواتب على الضباط والجنود من خلال الدفع النقدي المباشر بحيث يأخذ قائد القوات هذه الرواتب في أكياس ويوزعها. سلام فياض كان وزيراً للمال وقتها فأصر على ان يتغير هذا النظام وان يتم تسلم الرواتب عبر البنوك وبحوالات ووفق تداول واسماء وارقام هوية يدقق فيها لأن دفع الأكياس هذا لا يعرف مدى دقته.

> ماذا كان منصبك؟

- كان منصبي في تلك الحكومة وزير شؤون مجلس الوزراء. حاولت بسبب علاقتي الايجابية جداً مع ابو عمار التقريب باستمرار بين موقفه وموقف ابو مازن الذي تحلى بالمرونة الشديدة على رغم استمرار الضغوط عليه. القشة التي قصمت ظهر الوضع بأكمله كانت عندما عقدت قمة شرم الشيخ وقمة العقبة بعدها بيوم في حضور جورج بوش والملك عبدالله الثاني والرئيس مبارك والملك عبدالله بن عبدالعزيز وأبو مازن بديلاً من ابو عمار الذي كان محاصراً وممنوعاً من الخروج الى شرم الشيخ، ثم انتقل الاجتماع الى العقبة في اليوم التالي حيث عقدت قمة ضمت شارون وأبو مازن في حضور جورج بوش في ضيافة الملك عبدالله الثاني.

بعد شرم الشيخ عقدت قمة ثانية في العقبة ثلاثية فلسطينية - اسرائيلية - اميركية في ضيافة الملك عبدالله الثاني الذي لم يشارك في هذه الاجتماعات. جورج بوش عقد لقاء بحضور شارون ووزرائه وأبو مازن وأنا وعدد من الإخوة ابو علاء وصائب عريقات ونبيل شعث. الذي حصل أن جورج بوش لام الاسرائيليين على انهم لا يساعدون أبو مازن للقيام بدوره في السيطرة على الوضع وضبط الأمن، وبدأ الاسرائيليون، خصوصاً رئيس الاركان شاؤول موفاز، يقولون ان الفلسطينيين ليسوا جادين في الامن وغيره. تولى جورج بوش الرد عليهم وقال انه حتى يكون الفلسطينيون جادين هم في حاجة الى تعاونكم ومساعدتكم وليس الى انتقادكم المستمر لهم. وعندما خرج سأل جورج بوش شارون: من هؤلاء من جماعتك الذين تحدثوا؟ فقال له: هؤلاء من الجماعة العقلانيين والمعتدلين. فقال له: اذا كان هؤلاء معتدلين فمن هم المتطرفون عندك؟ كان الجو ايجابيا. ألقى ابو مازن كلمة.

> في اي سنة كان ذلك؟

- اظن في منتصف 2003. ألقى ابو مازن كلمة ادان فيها الارهاب. اثار أبو عمار مشهد لقاء القمة على هذا المستوى وهو محاصر في المقاطعة ولم يذكر عنه شيء ولم يشر اليه أحد، لا من القادة العرب ولا من غيرهم. هذا اثار ابو عمار جداً، لذلك عندما عدنا فوجئنا بعاصفة كبيرة جداً كان هو محركها وكان يدين صراحة الخطاب الذي ألقاه أبو مازن ويوجه اتهامات شديدة وانتهت هذه الرحلة الأليمة بأن ابو مازن ذهب الى المجلس التشريعي وقدم استقالته من منصبه، وقبل هذا سلمني كتاب استقالة الى ياسر عرفات في غاية التهذيب والرقة. قال: بما ان الثقة غير متوافرة في فأنا لا استطيع ان استمر في أدائي هذه المهمة ولذلك اقدم لك استقالتي. حملت الكتاب الى ياسر عرفات وكنت اعتقد انه سيرفضه وعندما دخلت شاهد الكتاب وبذكائه الشديد طلب مني ان يحصل عليه وهو لا يعرف محتواه لأنه كان مغلفاً كبيراً. قلت له: هذا المغلف يحتوي على رسالة احملها لأنني ارغب منك ان ترفضها. فقال لي فوراً: انه كتاب استقالة. قلت له: نعم وأرغب منك بكل محبة ان ترفضها. أخذ الكتاب وقرأه ثم اعلن امام الحاضرين انه موافق على ما ورد فيه. وقام بعدها بتكليف ابو علاء بمنصب رئيس الوزراء. بعدها لم اشارك في اي حكومة.

> هل استمرت الفجوة بين ابو مازن وابو عمار؟

- ظلت حتى قبل اسبوعين من رحيل ابو عمار الى باريس. عندما علم ابو مازن ان وضع عرفات الصحي اصبح حرجاً للغاية بعدما ساءت حالته الصحية ذهب لزيارته. وصرنا مع ابو مازن نتردد عليه يومياً واحياناً لم نكن نستطيع لقاءه لأنه كان يصاب بحالات نوم وإغماء طويل وبدأ حجمه يضعف. دعينا عدداً من الوفود الطبية. ابو عمار كان يرفض مغادرة المقاطعة خوفاً من أن لا يسمح له بالعودة اليها، فأخذنا نأتي بالاطباء اليه. احضرنا وفود اطباء من الاردن ومصر وتونس واجمعوا على ضرورة ان ينقل للعلاج في مستشفى. وجدنا ان افضل مكان هو نقله الى فرنسا، وهو مكان هو يطمئن اليه اطمئناناً شديداً. في الليلة التي سبقت سفره الى فرنسا اجتمعنا كقيادة، عدد من قادة المنظة و «فتح»، في مقر ابو عمار في المقاطعة في رام الله وقلنا إنه يجب ان نبلغه ان رأينا ان عليه ان ينتقل فوراً الى فرنسا وان الاسرائيليين موافقون على سفره وعودته ونريد موافقته الصريحة على ذلك. من ناحية أخرى انه في فترة غيابه للعلاج سيبقى الوضع على ما هو عليه، أبو علاء يدير الحكومة وأبو مازن امين سر منظمة التحرير الفلسطينية ويدير الوضع فيها وكل واحد منا يبقى في موقعه ومرجعيتنا ابو عمار ونرسل تقاريرنا اليه، أي ان يطمئن الى ان لا شيء سيتغير في غيابه. وكلف ثلاثة لابلاغه هذا الأمر هم أبو مازن وأبو علاء وانا، فدخلنا عليه. تحدث ابو مازن اننا اتفقنا على هذه الترتيبات في غيابك. ابو عمار لم يجب على شيء. كان في وضع متعب، كان يجلس على حافة السرير وشكله منكمش ووجهه مبقع بالدم، وكنت لم أره منذ اسبوع لأن الاطباء منعوا عنه اللقاءات، فلم يجبنا. قلنا له: يجب ان تذهب الى فرنسا وهذا رأي الاطباء فقال: على بركة الله. عندما غادرنا علمنا انه استدعى عدداً من كبار ضباطه وعلى رغم حالته المتعبة قال لهم: اثناء غيابي في باريس لا تتلقوا التعليمات من احد. ترسلون التقارير الي والاوامر تتلقونها مني وانا في باريس.

> وغادر ياسر عرفات؟

- وغادر ياسر عرفات.

> ثم فاز أبو مازن في الانتخابات؟

- فاز أبو مازن في الانتخابات واستمر ابو علاء على رأس الحكومة، حتى حصلت الانتخابات التي جاءت بموجبها «حماس الى السلطة».



حرب 1948 ويدعونها حرب الاستقلال

15 مايو 1948


اولى الوزارات فى تاريخ اسرائيل
بقيادة بن جوريون
8 مارس 1949



الوزارة الثانيه
بقيادة بن جوريون
30 اكتوبر 1950



الوزارة الثالثه
بقياده بن جوريون
8 اكتوبر 1951



الوزارة الرابعه
بقيادة بن جوريون
22 ديسمبر 1952



الوزارة الخامسه
بقياده موشيه شاريت
26 يناير 1954


الوزارة السادسه
بقياده موشيه شاريت
29 يونيو 1955



الوزارة السابعه
بقياده بن جوريون
3 نوفمبر 1955



الوزارة الثامنة
بقيادة بن جوريون
7 يناير 1958



الوزارة التاسعه
بقيادة بن جوريون
17 ديسمبر 1959



الوزارة العاشره
بقيادة بن جوريون
2 نوفمبر 1961



الوزارة الحادية عشر
26 يونيو 1963
بقياده ليفى اشكول



الوزارة الثانيه عشر
22 ديسمبر 1963
بقياده ليفى اشكول



الوزارة الثالثه عشر
12 يناير 1966
بقياده ليفى اشكول



الوزارة الرابعه عشر
17 مارس 1969
بقياده جولدا مائير



الوزارة الخامسه عشر
15 ديسمبر 1969
بقياده جولدا مائير



حرب اكتوبر او ما يدعونه يوم كيبور
6 اكتوبر 1973



الوزارة السادسه عشر
10 مارس 1974
بقياده جولدا مائير



الوزارة السابعه عشر
3 يونيو 1974
بقيادة اسحاق رابين



الوزارة الثامنة عشر
20 يونيو 1977
بقيادة مناحم بيجن


الوزارة التاسعة عشر
5 اغسطس 1981
بقيادة مناحم بيجن



الوزارة العشرون
10 اكتوبر 1983
بقيادة اسحاق شامير



الوزارة الحادية والعشرون
13 سبتمر 1984
بقياده شيمون بيريز



الوزارة الثانيه والعشرين
20 اكتوبر 1986
بقيادة اسحاق شامير



الوزارة الثالثه والعشرون
22 ديسمبر 1988
بقيادة اسحاق شامير



الوزارة الرابعه والعشرون
11 يونيو 1990
بقيادة اسحاق شامير



الوزارة الخامسه والعشرون
13 يوليو 1992
بقيادة اسحاق رابين



الوزارة السابعه والعشرون
18 يونيو 1996
بقيادة بنيامين نتنياهو



الوزارة الثامنة والعشرون
18 مايو 1999
بقيادة ايهود باراك



الوزارة التاسعة والعشرون
7 مارس 2001
بقيادة شارون


الوزارة الثلاثون
28 فبراير 2003
بقيادة شارون



الوزارة الحاديه والثلاثون (الحالية)
4 مايو 2006
بقيادة إيهود اولمرت

«اليساري العرفاتي» فتح لـ«الحياة» دفاتر الثورة الفلسطينية ومعارك قائدها (7) ... ياسر عبد ربه: أبو عمار اكتشف قصة اجتماع القذافي السري ضده قبل صياح الديك خدام وطارق عزيز خططا لإطاحة عرفات في المجلس الوطني لكنه خرج
29 تشرين ثاني, 2008

 

«اليساري العرفاتي» فتح لـ«الحياة» دفاتر الثورة الفلسطينية ومعارك قائدها (7) ... ياسر عبد ربه: أبو عمار اكتشف قصة اجتماع القذافي السري ضده قبل صياح الديك خدام وطارق عزيز خططا لإطاحة عرفات في المجلس الوطني لكنه خرج

منتصرا

ً

غسان شربل     الحياة     - 28/11/08//

كان ياسر عرفات يسبح في مياه عربية شديدة التعقيد. خوفه الأول كان من الأنظمة التي ترفع شعارات قومية ولا تستسيغ تشديده الدائم على القرار الفلسطيني المستقل. لهذا مرت علاقاته ببغداد ودمشق بفترات صعبة تخللتها مواجهات.
علاقات عرفات مع العقيد معمر القذافي لم تكن سهلة ايضاً. ذات يوم دعا القذافي، وبحضور الرئيس حافظ الأسد، الفصائل الفلسطينية باستثناء «فتح» الى اجتماع في بنغازي هدفه تطويق عرفات. لكن عرفات الذي كان مقيماً على بعد أمتار عرف بتفاصيل الاجتماع قبل صياح الديك. كان ياسر عبد ربه شريكاً في ذلك الاجتماع.
وهنا نص الحلقة السابعة.

> ما قصة الانقلاب داخل «فتح» على ابو عمار من ابو صالح وجماعته؟

- أبو عمار كان يخاف من الأنظمة القومية. وهي كانت تكرهه لسبب بسيط هو أن البضاعة الحقيقية لهذه الأنظمة كانت القضية الفلسطينية، وجاء عرفات لينتزع منها هذا البضاعة. على خلاف بقية الأنظمة، عند البعث بشقيه السوري والعراقي، كان الموقف هكذا.
أبو صالح كان إنسانا بسيطا للغاية، لم يقرأ في حياته كتابا، لا يتقن القراءة اتقاناً كاملاً، ثقافته شفهية، مصدرها بمعظمه من زملائه اليساريين وازدادت مصادرها خلال صداقاته لقادة اليسار اللبناني. وبعد تقرب القيادة السورية منه اخذ يشعر ان له أهمية خاصة. عاد أبو صالح إلى بيروت بعد لقائه الرئيس حافظ الأسد وكأنه شخص آخر. استمرت علاقته بالسوريين إلى ما بعد خروج الفلسطينيين من بيروت. أبو صالح هو الذي قاد الانقلاب الداخلي في «فتح» مع أبو موسى. أنا كنت في سورية بين عامي 1984 - 1985 بعدما تورط أبو صالح في الحرب على طرابلس. صار يدعوني إلى لقاءات سرية في بيوت في دمشق، ويبحث معي في السبل التي يمكن أن يتم من خلالها تهريبه من دمشق إلى الخارج. كان يعاني أزمة حادة في رئتيه وكانتا شبه عاطلتين عن العمل، لكنه مع ذلك ظل يدخن بشراهة. كان يريد أن يخرج لتلقي العلاج في ألمانيا الديموقراطية. لكنه مات في دمشق، من دون أن يسمح له بالخروج. أبو صالح كان في آخر حياته نادما بشكل كامل على كل ما فعل. كنت اذهب إلى تونس وأعود ويرسل معي باستمرار رسائل محبة إلى بقية زملائه في حركة «فتح» بمن فيهم أبو عمار.
أبو عمار كان لا يحقد كثيرا. الأشخاص الذين حقد عليهم كانوا قلة. ولما مات أبو صالح كنا في زيارة الى دمشق، لأننا كنا بدأنا في إعادة العلاقات معهم إلى حد ما. فذهب أبو عمار لزيارة عائلة أبو صالح في بيتهم في دمشق وقدم لهم العزاء وأبدى استعداده لمساعدتهم بشكل كامل، وأنا أعرف أنه كان يساعدهم.

> رداً على ذلك عاد عرفات إلى طرابلس؟

- رجع عرفات إلى طرابلس لإحباط أهداف الانقلاب. زرته هناك مع محمود درويش. قمنا بمغامرة، دخلنا لبنان وطلعنا من طريق الهرمل، ووصلنا إلى طرابلس عبر زغرتا وبشري وهذه المناطق. ذهل ابو عمار لما شاهدني أنا ومحمود درويش قادمين. كان يحفر في جبل تربل ويستعد لحرب طويلة الأمد. شعرنا بتعاطف شديد معه، لأن هذا الرجل مثل النملة، كلما تهدم البيت فوق رأسه، يعود فيبنيه من جديد. وأنا شاهدته نحو عشر مرات في حياتي وهو يعيد بناء البيت الذي تهدم بدأب شديد ويصير هو المشرف على كل صغيرة وكبيرة في العمل.


لما بدأ الانشقاق في «فتح» في مطلع عام 1983، كان عرفات يتردد على دمشق ويعقد اجتماعات للجنة التنفيذية فيها، وكان يحاول مفاوضة الانشقاقيين من دمشق. في احدى المرات، كنا مجتمعين في بيت أحد قادة «فتح» في المزة، فوجئنا بشخص جاء وطلب أبو عمار على استعجال. ذهب أبو عمار ولحق به أبو اياد، ثم عاد أبو عمار مرتبكا. سألناه عن الذي  حصل، فقال أنه تم ابلاغه بضرورة الخروج من سورية بسرعة لأن أمنه مهدد.


أبو عمار لم يكن يخشى أن تقوم مصر بالسيطرة على قراره. كان دائما يقول لنا: «المصريون كبار ليسوا في حاجة للسيطرة على القضية الفلسطينية». لم يكن يخشى من دول الخليج أن تسيطر عليه، لأنه كانت تربطه علاقات معهم، وكان يرى أن ليست لهم مصالح إقليمية ولا دعوات استراتيجية. كان يخاف فقط من سورية والعراق. أسوأ لحظات أبو عمار كانت عندما حصل الميثاق القومي بين سورية والعراق، اعتقد في عام 1979، وعقد اجتماع المجلس الوطني في دمشق في ذلك العام وحصل اتفاق بين السوريين والعراقيين في المجلس الوطني على الضغط للحصول على أغلبية في قيادة منظمة التحرير لهم ولحلفائهم. وبدأوا يطرحون ضرورة تشكيل قيادة جديدة. نحن في الجبهة الديموقراطية في تلك المرحلة، دخلنا في هذا التواطؤ، معتقدين انه بهذه الوسيلة نستطيع إصلاح المنظمة والحد من تفرد ياسر عرفات، على رغم أن ذلك كان سيوقعنا في هاوية أخطر وهي الوصاية القومجية العربية علينا. كان بيننا وبين «الشعبية» و «الصاعقة» و «القيادة العامة» وبقية الفصائل نوع من الائتلاف لمحاولة فرض تغيير القيادة والسيطرة عليها من الداخل، بما فيها إدخال احمد جبريل. في تلك الفترة، خلال عقد المجلس الوطني، اغتيل أبو حسن سلامة في بيروت. أنا رأيت أبو عمار يبكي مرات قليلة أو نادرة في حياتي، لكنني هذه المرة رأيته يبكي بحرقة.

طارق

> متى كانت المرات الاخرى التي بكى فيها بحرقة؟

- لا اذكر مرة أخرى، إلا عندما ماتت أخته التي كان يعتبرها مثل أمه. وايضاً حين مات أبو جهاد.
تلك الليلة، وخلال اجتماع المجلس الوطني، عاد أبو عمار يناور من اجل إحباط تشكيل قيادة جديدة، وانتهى المجلس الوطني إلى فشل. وبقيت القيادة القديمة من دون تغيير، واحبط مشروع سورية والعراق آنذاك. كان طارق عزيز في دمشق مع عبدالحليم خدام يخططان للانقلاب على ياسر عرفات من داخل المجلس الوطني. لكن ابو عمار استطاع أن يخرج منتصرا بأن عطل المجلس الوطني وانسحب وأوعز لجماعته في «فتح» بأن يخربوا الجلسة. فصار هرج ومرج وصراخ وفشلت الجلسة. كان أبو صالح معنا في تلك المرحلة. كنا نشكل اصطفافا يساريا قوميا ضد عرفات، لكن فشلت المحاولة.

الصمود والتصدي

في الفترة نفسها دعانا العقيد معمر القذافي إلى اجتماع لجميع الفصائل ومعنا الرئيس حافظ الأسد في بنغازي. وكانت المناسبة اجتماع جبهة الصمود والتصدي التي شكلت بعد زيارة السادات إلى القدس واتفاقية كامب ديفيد. وكانت التهمة الموجهة إلى عرفات أن موقفه لم يكن حاسماً تجاه السادات والزيارة، وأنه يرفض اتخاذ موقف قاطع بالدعوة لمقاطعة مصر وعزلها. في الحد الأقصى، لم يكن عند عرفات مانع من إدانة زيارة السادات للقدس، من دون أن تتبعها مقاطعة وحصار. لكن الحلف السوري - العراقي - الليبي - الجزائري كان يريد القطيعة والمحاصرة الكاملتين لمصر، ورفع الغطاء عن السادات. أبو عمار كان لا يزال يريد أن يبقي على خط مع مصر، لأنها بالنسبة إليه تعد القاعدة وعنصر التوازن. في تلك الليلة وخلال اجتماعنا في بنغازي أخبرونا بأن العقيد يريد مقابلتنا. نزلنا إلى ما يشبه السرداب تحت الأرض، لربما كاراج أو ما يشبهه، ووجدنا ممثلي كل الفصائل هناك: «الشعبية»، جورج حبش، «الصاعقة»، «القيادة العامة»، ومن الديموقراطية أنا ونايف، وخالد الفاهوم رئيس المجلس الوطني آنذاك مجتمعين. حافظ الأسد والقذافي كانا موجودين أيضا. نظرنا حولنا فلم نجد «فتح» ولا أبو عمار أو جماعته أو أبو إياد. بدأ القذافي بالكلام، وقال إنه دعانا إلى هذا الاجتماع السري في حضور الرئيس الأسد. كانت الساعة الثانية عشرة ليلا.

> في أية سنة كان ذلك؟

- قبل توقيع اتفاقية كمب ديفيد، لكن بعد زيارة السادات للقدس، يعني عام 1978. أكمل القذافي كلامه عن ياسر عرفات قائلاً: ياسر عرفات موقفه مستسلم ويريد أن يصالح السادات، والرئيس الأسد موافق معي. الرئيس الأسد كان يجلس صامتا، ويكتفي بتعابير جسدية تدل على أنه موافق على هذا الكلام، من دون أن يقول أي كلمة. وأضاف القذافي: المطلوب منكم أن تقفوا في مواجهة ياسر عرفات، وأن تتكتلوا ضده وتكونوا قوة واحدة حتى نفرض عليه القرار الذي نريد. فتبارى الجميع في الحديث عن انه إذا أردت يا سيادة العقيد أن نفرض القرار، فهذا يتطلب مستلزمات. أنت لم تعطنا ما يكفي من دعم ومساندة مادية وعسكرية، بينما تتدفق المساعدات على ياسر عرفات. صارت مناسبة للتشبيح، والكل يتبارى في الهجوم على عرفات وسياسته. أما نحن فبقينا صامتين. وعندما انهوا كلامهم، قلنا انه لا يمكن أن يحصل هذا النوع من التكتلات، لأنها تضعف الحركة الفلسطينية، وإذا كانت هناك ملاحظات، فياسر عرفات قائد وطني، ويمكن من خلال الحوار وليس الاستعداء أن نتمكن من تصحيح هذا الوضع. طبعا لم يكن كلامنا مرضيا بالنسبة إلى العقيد والآخرين. وفي صباح اليوم التالي، التقيت أبو عمار في الفندق، وإذا به يقول لي: «برافو عليك وعلى موقفك. موقفك كان مشرفا». سألته: «أي موقف؟»، فقال: «نعم يا اخوي، مفكرني نايم. موقفك في الاجتماع السري الذي عقدتموه في الليل مبارح». كان مطّلعاً على تفاصيل الاجتماع. لم أعرف من هم جواسيسه، لكن وصلته كل التفاصيل. وظل مصراً على موقفه بعدم القطيعة مع مصر. لذلك بعد طرابلس ذهب إلى مصر ليقيم التوازن المطلوب.

ابو عمار والقذافي

> كيف كانت العلاقة الشخصية بين ابو عمار والقذافي؟

- علاقة أبو عمار مع القذافي كان لها وجهان. الوجه الأول كان فيه أبو عمار يساير القذافي، بمعنى انه يستمع إلى محاضراته وآرائه بصبر. الوجه الثاني كان فيه يتصرف بشكل منفتح للغاية مع القذافي وكأنهما صديقان، لا حواجز بينهما، ويلح عليه في بعض الأمور من أجل دعم أو مساعدة لمنظمة التحرير من دون حرج، لكنه كان دائما يعامل القذافي بود وليس بشكل عدائي. ولم يكن يعتبر أن القذافي يمكن أن يلحق بنا الأذى.
في المرحلة اللبنانية، كان عبدالسلام جلود (المسؤول الليبي السابق) مندوبا دائما في دمشق، ويقوم بمساعٍ. وفي الثمانينات في حرب المخيمات أيضا كان جلود مندوبا دائما. عمليا، تم استيعاب جلّود من قبل السوريين وتجنيده للتضييق علينا ومحاصرة ياسر عرفات و «فتح» أو ما تبقى من «فتح» في مخيمات لبنان، بخاصة في الجنوب حيث كان متاحاً للسوريين أن يصلوا الى منطقة صيدا وما حولها. أبو عمار كان يشكو للقذافي باستمرار من تصرفات جلّود، وكان يرسل إليه في أوقات متفرقة مبعوثين ومندوبين لمحاولة كسبه، لأنه كان يظن أن كسب موقف القذافي ليس عملية صعبة، وأن الأمر يحتاج إلى فقط اتصال وعلاقات. مرت فترات قليلة كانت فيها حالات من التوتر.

> على رغم أن القذافي كان يموّل منظمات أخرى واحمد جبريل؟

- نعم، لكن أبو عمار لم يكن يعتبره خطرا سياسيا كبيرا عليه.

> وكيف كانت علاقة عرفات مع الملك حسين؟

- عندما بدأنا نعيد العلاقات بعد أيلول الاسود بسنوات طويلة، كان أبو عمار حذراً من ذكاء الملك حسين، وفي الوقت نفسه يعرف أن له علاقات متشعبة إقليمية ودولية، ويعرف أيضا أن للملك حسين تأثيراً كبيراً على الشخصيات الوطنية الفلسطينية داخل الأرض المحتلة. أبو عمار كان يحاول أن يصل إلى قواسم مشتركة مع الملك حسين دائما، لكن بصورة موقتة، مثل اتفاق عمان عام 1985. تعرض الاتفاق لانتقادات وهجمات، لكنه لم يسقط بسببها لا من الجانب الأردني ولا الفلسطيني، بل سقط بسبب رفض الإسرائيليين إكمال العملية التي بدأها الملك حسين معهم وعبر الأميركيين بأن أمّن موقف الجانب الفلسطيني. الملك حسين كان ذكيا للغاية في محاولة استيعاب ياسر عرفات. كان يصارحه ببعض الأمور، ويقول له إن لم يكن صراحة بل تلميحاً، بأن هذا العرض ثمة قبول إسرائيلي أو أميركي له. الأمر الذي كان يغري أبو عمار. لكن أبو عمار كان دائما يعتبر الملك حسين المنافس الرئيسي، إلى حين فك الارتباط الأردني مع الضفة الغربية عام 1988 بعد الانتفاضة الأولى. ذروة الاحتكاك كانت قبل الانتفاضة مطلع عام 1987 عندما عقدت القمة العربية في عمان، واعتبر أبو عمار أن عدم استقباله في مطار عمان استقبالا لائقا هو مشكلة كبيرة، وعمل منها أزمة وحاولنا تهدئته، لكن يبدو انه كان لدى أبو عمار حساب سياسي. كان يحاول أن يرسل رسالة سياسية بأن هناك أزمة ويريد أن يستبق أي محاولة يمكن أن يقوم بها سواء العراق الذي كان على علاقة جيدة مع الطرفين أو أي طرف عربي آخر لمحاولة التوفيق بيننا وبين الأردن على حساب تمثيلنا للأراضي الفلسطينية.
ما حصل يومها أن العلاقة بقيت متوترة، حتى بعد الانتفاضة. مع الملك حسين، كان أبو عمار بسبب حذره الشديد منه لا يكاشفه بكل شيء. أذكر انه لما توصلنا الى اتفاق أوسلو جاء أبو عمار وقمنا بجولة عربية لنعرض فيها على عدد من الرؤساء العرب ما تم في أوسلو قبل الإعلان عنه. أرسلنا للأردنيين عبر سفيرنا في عمان أن أبو عمار سيأتي وعنده موضوع خطير، يتعلق باتفاق بيننا وبين الإسرائيليين. لما جاء أبو عمار جلس، وكان الملك حسين متوقعا أن يشرح له القصة، فحكى أبو عمار بطريقة لم افهم منها شيئا. كلها أنصاف جمل، فيها مبتدأ وليس فيها خبر، لا تفهم منها شيئا إطلاقا. الملك حسين خرج من الاجتماع مذهولا، وقال سفيرنا: «هذا الاجتماع زادني جهلا بما حصل ولم يزدني علما بشيء». للأسف بقي هذا التجاذب والحذر عند أبو عمار تجاه الملك حسين قائما حتى النهاية، وهو تجاذب وتخوف كانت تتخلله لقاءات مصالح في بعض اللحظات ثم افتراق مصالح.

حلقة اوسلو

> من كان على اطلاع على اتفاق أوسلو قبل هذه الجولة؟

- كان يعرف بأوسلو أربعة: أبو مازن، أبو علاء، أبو عمار، وحسن عصفور لاحقا. وكانت هناك رغبة عند بعضهم أن لا اعرف أنا. أبو عمار على طريقته فاجأهم في المكتب، وكنا جالسين، وقال: «انتم كلمتم ياسر عن الموضوع». ارتبكوا. هو كان يقصد أن يدخلني في الموضوع كأمر واقع، ويظهر بريئا. فقال لي: «بدأ الإخوان، وهناك محاولة للاتصال مع الإسرائيليين». فصرت على صلة بالموضوع منذ البداية، منذ بعد أول اتصال بين أبو علاء وبين شخصيات إسرائيلية. حاولنا أن ندفع المصريين للدخول أيضا على الخط، وأن يتولوا بأنفسهم الاتصال مع الأميركيين لمعرفة ما إذا كانوا على اطلاع على هذا المسار أم لا. المصريون حاولوا الاتصال مع الأميركيين إلا أن الأميركيين لم يأخذوا الموضوع بشكل جدي. لذلك أعطونا انطباعا وكأن الأميركيين لا يعتبرون هذا المسار مسارا ذا قيمة. من هنا كان أبو عمار لا يأخذ موضوع أوسلو على محمل الجد، إلى أن جاءت أسئلة من الإسرائيليين وطلبوا أجوبة عليها، وقالوا إن هذه الأسئلة من رابين ويتوقف على نوع الإجابة عنها مستقبل الاتصالات. نحن كنا نناقش داخل حلقة الخمسة بعد كل جولة حوار مسار المفاوضات في أوسلو. في البداية أبو عمار لم يكن يأخذها على محمل الجد ولم يكن يعطها اهتمامه الكبير. كان يعتبرها مثل المحاولات السابقة. ولما بدأ يهتم بها بدأ يلتقي معنا ويبحث بشكل معمق وجدي كل التفاصيل والنتائج. أنا بصراحة كنت ألحّ دائما على نقطة هي موضوع الاستيطان. وللأسف لم يكن هذا الموضوع يؤخذ بجدية كاملة، لأنه كان هناك تصور أنه بمجرد قيام سلطة فلسطينية على الأرض، فإن الاستيطان سيضمحل من تلقاء نفسه، وهذا كان موقف معظم من كانوا معنا. أنا اكتشفت في ما بعد أن أبو عمار نفسه لم يكن عنده تصور حقيقي لمعنى الاستيطان. مثلا: في العادة كان أبو عمار يأتي من رام الله إلى عمان بطائرة هيليكوبتر، هذا بعد قيام السلطة عام 1997، وفي إحدى المرات كان هناك ضباب شديد، فاضطررنا إلى أن ننزل بالسيارة بحراسة أمنية إسرائيلية. على الطريق كانت هناك مستوطنات، فسألني أبو عمار: «ما هذه؟». لم يكن يعرف الجغرافيا على حقيقتها. فأجبته: هذه مستوطنات معالي ادوميم. فأصيب بذهول. رأى أشباه مدن وتقريبا مدناً مكتملة البناء وبنية تحتية متطورة مزروعة في قلب المناطق الفلسطينية وفيها شبكة طرق، لم يكن عنده تصور فعلي وحقيقي لخطر الوجود الاستيطاني.
في أوسلو بقينا نحاول بكل الوسائل أن نحصل على أقصى قدر ممكن. أبو عمار تدخل في موضوعين بقوة، الأول: كان الاتفاق بصيغته الأولى ينص على الانسحاب من غزة فقط، لكن أبو عمار كان يريد موطئ قدم في الضفة، لذلك أصر على أن يشمل الاتفاق في المرحلة الأولى غزة وأريحا. كان هذا هو الإضافة الهامة والنوعية التي قام بها أبو عمار على العملية السياسية. النقطة الثانية، أبو عمار كان يريد أن يتم الاتفاق مع منظمة التحرير ومعه شخصيا، وليس مع الوفد الفلسطيني الذي شكل بعد مؤتمر مدريد وكان يرأسه فيصل الحسيني.
أنا كنت اعرف حاييم رامون الذي كان مقربا من رابين، وبعدما انهينا الاتفاق عبر النروجيين وختموه في أوسلو، كنت أتحدث على الهاتف مع النروجيين بحضور كل الوفد وأبو عمار وصودف وجود احد اصدقاء الثورة والقيادة، فكاشفناه بالموضوع لأننا كنا في الليلة الأخيرة. المهم أننا حاولنا في تلك الليلة أن نحسّن الشروط. أنا كنت أتولى الموضوع وأبو عمار كان سعيدا بهذا الدور، إذ كان يصر على أن أؤدي أنا هذا الدور. دور المناكف، الذي يحاول أن يصر على بعض النقاط لتحسين الشروط. كان أهم شيء وقتها أن نأخذ تعهدات بالنسبة إلى القدس. عدم المساس بمؤسسات القدس واحترام المقدسات الإسلامية والمسيحية واحترام دور منظمة التحرير في ما يتعلق بالقدس. يعني إذا لم يكن للسلطة نفوذ على القدس، فمن حق المنظمة أن تكون متواجدة داخل القدس، اصرينا على هذه النقاط في تلك الليلة خلال المكالمة مع شمعون بيريز. هذا جعل بعض إخواننا يشعرون بالضيق لأنهم خافوا من أن تفشل العملية.

> من تحدث مع شمعون بيريز؟

- لم يكن هناك كلام مباشر مع بيريز. كان وزير خارجية النروج هو الوسيط بيننا. كان يقول إن الضيف الذي عندي يقول كذا، فما رأيكم؟ كان بيريز وقتها في النروج، لكن لم يكن هناك حديث مباشر معه، لأنه كان يرفض أن يسجل عليه أنه تحدث معنا بطريقة مباشرة. آنذاك لم يكن ثمة شيء اسمه اعتراف بالمنظمة. خلال الأيام التي تلت هذا رتبنا، وأنا حكيت حاييم رامون، أن يصير التوقيع في واشنطن على الوثيقة وليس مع الوفد المفاوض في مدريد وواشنطن، بل مع ابو عمار ومع قيادة منظمة التحرير.

> اختلفت العملية؟

- هنا اختلفت العملية، حتى انه لما ذهبنا إلى واشنطن، كانت الوثائق التي أعدها الأميركيون للتوقيع عليها تقول: اتفقت حكومة إسرائيل مع الجانب الفلسطيني في الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك، وليس مع منظمة التحرير، فصححت بقلم الحبر أن الاتفاق مع منظمة التحرير، وكان هذا الإسهام الثاني.

> هل كنت في واشنطن خلال التوقيع؟

- أنا كنت في واشنطن وقتها، وبعد التوقيع أقاموا لنا غداء في وزارة الخارجية. جاء إليه كل وزراء الخارجية السابقين، كانت جلستي مع هنري كيسينجر وكان على الجهة الثانية يجلس يوسي بيلين. صار هنري كيسينجر يسألنا عن تفاصيل الاتفاق لأنه لم يكن منشورا. فشرحناه له. فضرب على الطاولة وقال ليوسي بيلين: لو كانت غولدا مائير حية لعلقتكم جميعا على المشانق على ما فعلتم. جرى اعتراف بالفلسطينيين ككيان مستقل.

> هل كان صعبا على ياسر عرفات أن يصافح رابين؟

- كلا، كان عرفات يعتبر تلك اللحظة لحظة تاريخية بالنسبة إليه. القائد الفلسطيني الذي اجبر الإسرائيليين على الاعتراف به وبشعبه، وبالعكس هو الذي بادر الى مصافحة رابين كما تظهر الصورة. الأمر المؤسف وقتها أننا تعرضنا لما يشبه الخدعة. الأميركيون وبخاصة دينيس روس الذي كان يتوسط قال إن عندنا عشر دقائق لإلقاء كلمة، ومع الترجمة لا يجب أن تزيد الكلمة عن خمس دقائق. فكتبنا كلمة، ساهمت فيها أنا وآخرون. وأنا كتبت القسم الرئيسي منها، لكنني لم اندم على كلمة في حياتي مثل تلك الكلمة، لأنها كانت باهتة وضعيفة جدا، وذلك لأننا عملنا على تقطيعها وتقصيرها كي نضع فيها المواقف والقضايا كلها في أقصر مدى زمني ممكن. طلعت كلمة مبتورة لا تليق بتلك المناسبة.
تعرضت للوم كثيرا على تلك الكلمة، خصوصا من قبل صديقي الأعز محمود درويش. والسبب الوحيد أننا كتبناها ليلة وصولنا إلى واشنطن على أساس أن نتلوها في اليوم التالي. تدخل الأميركيون وطالبوا باختصارها إلى الحد الأقصى، واختصرناها بطريقة مزعجة للغاية.

> هل كان محمود على علم بأوسلو؟

- أجل، محمود كان يعرف بأوسلو من دون أن يكون جزءا من الحلقة التي تناقشها. أنا كنت أضعه في الصورة، وابو مازن كان يطلعه على ما يتم. وكان يشارك في إبداء آراء وملاحظات. الكلمة الفلسطينية كانت سيئة، في المقابل استمعنا إلى الكلمة الإسرائيلية التي استغرقت ربع ساعة أو اكثر. ولم تكن كلمة المحتل الذي يسلّم للشعب الواقع تحت الاحتلال، بل كلمة المنتصر الذي يتباهى بانتصاره، لكنه كريم إلى حد ما بأن يعطي لضحيته بعض التنازلات.

> الأميركيون حددوا الوقت بخمس دقائق؟

- نعم، خمس دقائق. والإسرائيليون أخذوا 15 دقيقة أو اكثر، فكانت كلمة ياسر عرفات ضعيفة في تلك المناسبة. ياسر عرفات كان مبهورا بالجو فقط، لم يكن يهمه ما يقال عن الكلمة أو فيها. كان مصابا بحال من النشوة الشديدة لأنه أصبح الآن معترفا به من العالم ولاعبا أساسيا في المنطقة

 

«اليساري العرفاتي» فتح لـ«الحياة» دفاتر الثورة الفلسطينية ومعارك قائدها (الأخيرة) ... ياسر عبدربه: بثّت الاذاعة نبأ الاتفاق فقال عرفات «يا ياسر باعنا السادات» أبو عمار لم يكن مع توسيع الحرب ولم يشارك كمال جنبلاط طموحاته
29 تشرين ثاني, 2008

«اليساري العرفاتي» فتح لـ«الحياة» دفاتر الثورة الفلسطينية ومعارك قائدها

(الأخيرة)

... ياسر عبدربه:

 بثّت الاذاعة نبأ الاتفاق فقال عرفات «يا ياسر باعنا السادات» أبو عمار لم يكن مع توسيع الحرب ولم يشارك كمال جنبلاط طموحاته

غسان شربل     الحياة     - 29/11/08//

 

 

 

 

خرجت من حواراتي مع ياسر عبدربه حزيناً. الذاكرة الفلسطينية مثقلة بالمعارك والجروح والانجازات والأخطاء. والذاكرة الفلسطينية - اللبنانية منجم آلام. ولم يتردد عبدربه في الاعتراف بأن لبنان دفع ثمن التجاذب بين القيادة الفلسطينية ودمشق وهو ما سماه ياسر عرفات يومها معركة القرار الفلسطيني المستقل.
أسجل لياسر عبدربه جرأته في مراجعة التجربة. ومجاهرته بارتكاب أخطاء. وحديثه عن ياسر عرفات الرمز والقائد من دون أن يتجاهل أن القائد يصيب ويخطئ. اعترف بأخطاء في الأردن وأخرى في لبنان وأخطاء في تجربة السلطة. أترك عبدربه مع «سكاكين الرفاق» وهنا نص الحلقة الأخيرة:

> كيف بدأت علاقاتكم في لبنان مع الأحزاب اليسارية؟

- عقد في بيروت اجتماع عام 1973 لعدد من القوى العربية اليسارية بدعوة من الحزب الشيوعي اللبناني وحضرناه كجبهة ديموقراطية واختلفنا في هذا الاجتماع، كان من الشخصيات المصرية الحاضرة لطفي الخولي. اختلفنا حول الاعتراف بالقرار 242، أنا من الناس الذين وقفوا آنذاك، وقلت إن «المشكلة ليست في أن نعترف به أو لا. هناك عناصر في القرار نقبل بها، لكننا نريد ما يكمله ويستوعب الحقوق الفلسطينية». لفت كلامي هذا الانتباه إلينا، وبدأنا نتحدث مع شخصيات أخرى من اليسار بدءا من جورج حاوي وكريم مروة ونديم عبدالصمد وخليل الدبس وغيرهم. وبدأنا العلاقة مع اليسار اللبناني حتى الوقت الذي تشكلت فيه الجبهة العربية المشاركة - الثورة الفلسطينية التي أنشأها كمال جنبلاط (أظن عام 1974) وبعد اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة، وكانت بداية أول علاقة.
أبو عمار أعطى هذه الجبهة أهمية استثنائية، لأنه كان يريدها امتدادا لبنانيا داخليا من ناحية، ومن ناحية أخرى وسيلة للتوازن مع السوريين وتيارات البعث المختلفة. كان عرفات يفضل في بداية الحرب الأهلية أن يبقي لبنان قاعدة مستقرة له، لذلك عندما انفجرت الحرب من عين الرمانة، كان ياسر عرفات يحاول أن يحسّن العلاقات مع الجميع، بمن فيهم حزب الكتائب، واستخدم علاقته مع كريم بقرادوني للتواصل معه من أجل تطوير الصلة مع الكتائب.

> هل يمكننا القول إن عرفات لم يكن يريد الحرب في لبنان؟

- أبداً، وحتى اكثر من ذلك. هو شجع مبادرة فتح حوار بيننا وبين الكتائب. وكان يحاول أن يبتعد عن الدخول في مغامرة الحرب. التقيت بياسر عرفات بعد احداث عين الرمانة في دمشق. انفرد بي وأخذ يحقق معي عن هوية الذي يطلق الهاونات. كان يريد أن يعرف هل كانت «الصاعقة» وراء ذلك. قلت له إن هناك بعض الهاونات التي تطلق، لكن هناك مبالغة في تقدير حجمها وضررها. فقال لي: «هو أصلاً هاون واحد وتشتعل الدنيا كلها». كان حذرا جدا وخائفا من اشتعال المعركة، لكنه كان يريد أن يمسك بكل شيء بيده. لم يكن يريدها أن تكون في يد السوريين ولا في يد كمال جنبلاط. لذلك عندما جاءت أول شحنة سلاح لكمال جنبلاط لم يسلمها عرفات له.

أسلحة من ليبيا

> من أين جاءت؟

-  أظن من الليبيين، وبكميات كبيرة، بعدها جاء السلاح من السوفيات ومن المانيا الشرقية لمصلحة كمال جنبلاط والحركة الوطنية. غير أن عرفات لم يسلم الشحنة لجنبلاط، وظل جنبلاط يسأل أبو عمار عن السلاح، فيجيبه أبو عمار: «معقول أن مسؤول التسليح لم يسلمك الشحنة، الله لا يسامحه». لاحقاً، صار يعطيه جرعات قليلة وليس من الأسلحة المرسلة حديثا، بل من أسلحة قديمة ومستهلكة.

>  ماذا كان هدف عرفات، هل كان يريد أن يضبط الحرب ويؤخرها؟

- كان يريد أن يكون قرار الصراع بيده. بقي على موقفه ضد مغامرة الحرب الى حين دخل السوريون الى بيروت واخذوا يهددون دوره ونفوذه. الأمر الذي دفع كمال جنبلاط والفرع اليساري في الحركة الوطنية الى محاولة الالتفاف على ياسر عرفات. في البداية كانوا يطلقون عليه النكات: «عامل مطارد هاونات»، يعني أينما كان يسمع صوتا، كان يقول إنها هاونات ويرسل حرسه لمعرفة كيف حصل ذلك. لاحقاً، حاول أن يسيطر على الوضع اللبناني بتناقضاته المختلفة من دون أن يكون مضطراً الى اللجوء الى الحرب كوسيلة. هذه كانت مقاربة ياسر عرفات والاختلاف بينه وبين كمال جنبلاط. جنبلاط كان يريد أن يكسر معادلة الوضع اللبناني، بينما كان عرفات يريد أن يستعمل الوضع اللبناني بتناقضاته من دون أن يفجر هذه التناقضات، إلا إذا انفجرت هي في وجهه.

> هل تعتقد  أن ياسر عرفات لم يأخذ اليسار اللبناني الى الحرب، بل أن جنبلاط والحركة الوطنية هم الذين أخذوا ياسر عرفات اليها؟

- برأيي هم حاولوا الالتفاف عليه لأنه لم يقبل أن يمشي في المغامرة حتى آخرها. ياسر عرفات كانت عينه على مؤتمر السلام الدولي، ومشاركة منظمة التحرير فيه، وكان يحاول التقرب من الأميركيين بأي وسيلة. وقتها كان هناك احتمال لقاء أميركي - فلسطيني. أقام علاقات عبر خالد الحسن وماجد أبو شرف الذي كان مع اليسار. لما احتدمت الاشتباكات عام 1976 ساهم في إجلاء الأميركيين من بيروت، وكان يتوقع أن يكون له في مقابل ذلك ثمن سياسي، إلا أن ذلك لم يحصل. كمال جنبلاط واليسار التفوا عليه. عملوا صفقة مع أبو صالح وأبو موسى وأبو خالد العملة أي ما يسمى اليسار في «فتح»، والذي لم يكن في الحقيقة اليسار، بل مجموعة ضباط طامحين في «فتح»، كانوا يريدون من خلال توسيع دورهم العسكري الاستيلاء عليها.

مشروع جنبلاط

> كل كان هذا وراء اشتعال الحرب في الجبل؟

- لم يكن ياسر عرفات وراء الحرب في الجبل. كان وراء ذلك كمال جنبلاط وعدد من الضباط المحسوبين على أبو صالح ونحن في الديموقراطية والجبهة الشعبية، هذا الحلف الذي حاول الإخوان أي كمال جنبلاط والحركة الوطنية أن يمسكوه حتى يوسعوا الحرب، لأن مشروع كمال جنبلاط شيء آخر. أبو عمار لم يكن مقتنعا بمشروع كمال جنبلاط. لم يكن مقتنعا للحظة بتغيير المعادلة اللبنانية وتغيير نسب القوى اللبنانية.

> لكن انتم شاركتم في الحرب؟

- نحن شاركنا في الحرب انطلاقاً من ان هناك مشروعاً للحركة الوطنية.

> يعني أنكم أيدتم جنبلاط في الحركة الوطنية؟

- أيدنا جنبلاط، لكن لما وصلنا الى نقطة الوثيقة الدستورية صار افتراق. كان رأينا أن تتم الموافقة على الوثيقة الدستورية. ياسر عرفات كان مترددا في الموافقة، ليس لأن الوثيقة كانت جيدة أو عاطلة، بل لأنه كان يريد أن يعرف ما هي حصة السوريين في العملية. لذلك كان موقفه من الوثيقة متأرجحا. بعد الوثيقة الدستورية عام 1976 كان أبو عمار ضد الدور السوري ويخاف من الدور السوري للسيطرة على قراره. ووجد في هذا المجال تشجيعاً مصرياً كبيراً. كمال جنبلاط لم تعجبه الوثيقة الدستورية، إذ كانت أقل بكثير من طموحاته الخاصة السياسية. لكن كان رأينا بأنه لن يكون هناك ما هو أكثر. ربما كنا متأثرين بموقف السوفيات اكثر من تأثرنا بموقف السوريين في هذا المجال، لأن رأيهم كان اننا لن نتمكن من تحصيل شيء أكثر من الوثيقة الدستورية.
في تلك الفترة، دخل أبو عمار في لعبة مع المصريين. كان يريد أن يدخل في التسوية بأي ثمن. المصريون حصلوا على موقف من الأميركيين بأنه يستحيل إدخال منظمة التحرير في التسوية لأنها غير مقبولة. فوافق أبو عمار على أن يكون هناك وفد فلسطيني مع الوفد الأردني وأن يكون الوفد الفلسطيني مشكلاً من شخصيات فلسطينية - أميركية، مثل ادوار سعيد ووليد الخالدي وإبراهيم أبو لغد. أنا كنت وقتها في الأمم المتحدة، وكان إسماعيل فهمي وزير خارجية مصر. كنت أقول لفهمي إننا لا يمكن أن نقبل إلا بتمثيل كامل لمنظمة التحرير في المؤتمر الدولي. فقال لي: «روح شوف الرجل بتاعك، هو اتفق مع الريس على أن التمثيل يتم من خلال وفد من فلسطينيين - أميركيين وشخصيات مستقلة لا علاقة لها بمنظمة التحرير ومع الوفد الأردني. نحن وقتها كنا براغماتيين، لكن ليس الى هذه الدرجة. ياسر عرفات كان يتجاوزنا كلنا ببراغماتيته، وكان يبحث عن أي مسرب ولو صغير. وكان يخاف من أن يقيم العرب تسويتهم الخاصة ويبيعونا، فكان مستعدا الى أن يمسك بأي حبل مهما كان صغيرا. لذلك كان يذهب باستمرار الى السادات. كما أنه كان لدى ياسر عرفات أمر لا يتغير: عنده ثقة بالمصريين وليست عنده ثقة بالسوريين.

اللقاءات مع الأسد

> كيف كانت علاقته بالرئيس حافظ الاسد؟

- كنا نعقد لقاءات مع الرئيس الأسد منذ مطلع عام 1974، بخاصة في فترة حرب تشرين بمعدل شهري تقريبا. كان عرفات يأخذنا كلنا إلى هذه اللقاءات. وعلى رغم أنه كان يحب الكلام، فإنه وخلال هذه اللقاءات، كان أقلنا كلاما، الى حد أننا أحيانا كنا ننتقده في الخارج ولا نفهم السبب. كان يصمت صمتاً كاملاً، ولا يجيب سلباً أو إيجاباً عن أي قضية، بما فيها قضية المؤتمر الدولي والمشاركة فيه. بعد 1974 وخلال اجتماعاتنا مع حافظ الأسد، كان موقف الأسد كما قال «انتم ليست لكم علاقة بالتسوية. انتم ثوار ويجب أن تستمروا في النضال حتى تحرير فلسطين واتركوا التسوية للأنظمة». كان الأسد يعتبر انه لا يمكنه أن يسيطر علينا ولنا خطوط مع اكثر من جهة: السوفيات ومصر والسعودية. السيطرة علينا ليست سهلة، عدا عن أننا ننافس نفوذه في لبنان. لذلك كان الأسد عمليا والد جبهة الرفض الحقيقي، على رغم أنها كانت جبهة ممولة عراقياً. نحن كنا نعتقد أن المشكلة هي مشكلة وجهات نظر، فنناقشها معه ومع عبد الحليم خدام الذي كان يتولى الحوار معنا ويعبر عن مواقف الأسد في شكل كامل وأمين. حكمت الشهابي كان اكثر من يكرهنا. كان الشهابي لا يطيقنا ولا يطيق ياسر عرفات. ويعبر عن عدائه لعرفات في شكل صريح وبكل السبل.

 

 

> ربطا بياسر عرفات والأسد، أنت قلت إن موقف حكمت الشهابي كان عدائيا تجاه أبو عمار، فهل كان خدام قاسيا؟

- موقف الشهابي كان عدائياً جداً. خدام كان قاسياً معنا دائماً وعدوانياً باللغة وكان يقول لنا ما لا يقوله الأسد. لكن ليس الى درجة عداء حكمت الشهابي الذي كان مبدئيا. الشهابي كان ضد دخول أسلحة إلينا عبر سورية. حاول أن يعرقل هذه العملية بمقدار استطاعته، إلا إذا كان هناك قرار من أعلى. كراهيته كانت موجهة في الأساس ضد الرموز مثل ياسر عرفات. طبعا، أبو عمار كان يريد علاقة حذرة، لكن من دون صدام مع سورية، لكنه كان يتجنب الارتباط بها.

> هل يمكننا القول إن معركة القرار المستقل، كانت من أسباب الحرب في لبنان بسبب التنافس الفلسطيني - السوري على الإمساك بالورقة اللبنانية؟

- كان موقف ياسر عرفات دفاعيا في الحرب. هو كان يريد أن يظل ممسكا بالوضع اللبناني. ياسر عرفات لم يكن مع الرد على تل الزعتر في الدامور. أنا شاهد على ذلك. نحن حاصرنا الدامور. وحتى أكون أمينا أكثر، حتى أطراف الحركة الوطنية اللبنانية كانت مشمئزة من حصار الدامور ردا على تل الزعتر.

> من اقتحم الدامور؟

- اقتحم الدامور جناح في فتح واليسار الفلسطيني، يعني نحن مع الشعبية. لم يكن قرار ياسر عرفات أن ندخل في لعبة الدامور مقابل تل الزعتر. كمال جنبلاط لم يكن يريد ذلك أيضاً. عرفات وجنبلاط ومحسن ابراهيم  وجورج حاوي وآخرون كانوا ضدها، لكن في النهاية كانوا يعرفون تداعيات المعركة فانساقوا وراءها.
أنا اذكر أن ياسر عرفات طلع إلى صوفر حيث موقع القيادة السورية - اللبنانية. كنت معه وعقدنا لقاء مع الكتائب حينها. وكان على رأس الوفد الكتائبي كريم بقرادوني وعدد من الضباط السوريين. أبو عمار اكتفى بالصمت، وتحدثت أنا بشدة عن قصة تل الزعتر، وقلت لكريم بقرادوني أن ما تفعلونه سيكون له نتائج كبيرة جدا، أنتم ترتكبون مجزرة. رد علي كريم بقرادوني بقسوة أكثر بأن انتم بدأتم المجازر وانتم تلعبون لعبة كبيرة جدا، وانتم تتولون تخريب لبنان وتتواطأون مع من يريدون أن يخربوا لبنان. قاطعه أبو عمار، قائلا: «»طبعا يا اخوي، من حقك أن تحكي هذا الكلام. تدلل. ما دام الجنرالات الجالسون - ويقصد هنا السوريين - داعمينك ومساندينك، فمن حقك أن تتكلم بهذه اللغة». أنا صرت ارتجف، فنحن عندهم. لكن ولا واحد من السوريين الذين كانوا جالسين قال كلمة. هم قالوا  انهم كانوا يحاولون مسعى توفيقيا بيننا. فطلعنا، وكنت خائفا، وأبو عمار يقول: اسكت لا أحد منهم يستطيع أن يفتح فمه بكلمة مع ياسر عرفات.

> علاقة ياسر عرفات وحافظ الأسد لم تكن يوما ودية، وكانت بينهما شكوك متبادلة؟

- لم تكن مرة ودية. حتى عام 1982 وبعد خروجنا من بيروت ولما عقدت القمة في الدار البيضاء عرضت مبادرة الملك فهد للمرة الثانية. خرج أبو عمار من الطائرة آتيا من أثينا واستقبله كل الملوك والرؤساء في المطار، أما الوحيد الذي لم يستقبله، فكان الأسد. في تلك القمة كنا نناقش مبادرة الملك فهد التي كانت النواة لمبادرة السلام العربية، كانت تتحدث عن دولة فلسطينية في الضفة وغزة وعن استعداد لعقد اتفاق سلام مع إسرائيل باسم كل العرب، إذا قامت إسرائيل بهذه الخطوات وانسحبت من الأراضي الفلسطينية. لكن كانت لدى الأسد تحفظات وقال انه يريد أن يتشاور مع الفلسطينيين. التقانا عندها وحاول أن يثنينا عن هذه الفكرة. قال: «شو بدكم بهالقصة. ولماذا تدخلون من المدخل نفسه مرة ثانية. اتركوا العملية تسير من دونكم، وانتم لاحقاً تأخذون ثمارها. الملك حسين ضعيف ونظامه ضعيف، اتركوه ينهي العملية ولاحقا ترون ماذا يمكنكم أن تفعلوا». قلنا له: لا. كان عندنا الجرأة أن نقول له ذلك. كان ذلك أواخر عام 1982 وكنا قد خسرنا الحرب في لبنان، لكننا كنا كسبنا الصيت بأننا صامدون ومقاتلون، ولم يكن عندنا إلا هذه الورقة نتعلق بها. ثم أن ياسر عرفات كان بدأ في إقامة الاتصلات مع الأميركيين وفيليب حبيب. وقتها كان مشروع ريغان بدأ يظهر، ولم يكن عرفات يريده أن يُرفض. وفي عام 1983 وخلال انعقاد المجلس الوطني بقي ياسر عرفات يقاتل حتى النهاية كي لا يصدر قرار عن المجلس الوطني برفض مشروع ريغان.

تصفية حسابات

> هل كانت عودة عرفات الى طرابلس في إطار تصفية الحسابات مع سورية؟

- عاد ياسر عرفات الى طرابلس ولعبها بذكاء. السوريون كانوا بدأوا يعبثون ببيته الداخلي بعد الانشقاق في «فتح». قبل عام 1981 مرت فترة صارت هناك وحدة مصالح بيننا وبين الأسد بعد زيارة السادات القدس. لكن ياسر عرفات بقي حذرا من هذا التقارب، ولم يرد أن نضع كل أوراقنا في يد الأسد. وقتها كانوا شكلوا «جبهة الصمود والتصدي» وعملوا مشروع الوحدة العراقية - السورية بين البعثين (1979) ودخلت ليبيا على الخط، لكن ياسر عرفات ظل الأكثر حذراً في عدم الدخول في معركة ضد مصر الى حين تيقن أن المصريين عملوا اتفاق كامب دايفيد. عندما عقدوا الاتفاقية سنة  1978، وكنت مع ياسر عرفات عائدين من دمشق الى بيروت الساعة السادسة صباحاً. فتحنا الراديو على صوت أميركا، فسمعنا عبره أنهم توصلوا الى اتفاق. ظل ياسر عرفات متمسكاً بأمل أن لا يبيعنا السادات. يومها قال لي: «يا ياسر، السادات باعنا». حتى تلك اللحظة كان الأمل لا يزال لديه بأن السادات لن يبيعنا.
عندما عقد السادات لقاء مينا هاوس، وافق أبو عمار على أن نرسل وفداً فلسطينياً، لكن الإسرائيليين اعترضوا في اللحظة الأخيرة. ورفضوا عقد لقاء مينا هاوس إذا كان فيه وفد فلسطيني.
عندما اغتيل كمال جنبلاط كان المجلس الوطني منعقداً في إحدى دوراته، وأطلقنا عليها «دورة كمال جنبلاط». بعد انتهاء الدورة، عقدنا لقاء مع السادات في بيته. كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها الرئيس حسني مبارك. وكان نائب رئيس، وكان يسجل تفاصيل اللقاء. قال لنا السادات: «لقد التقيت كيسنجر واطمئنوا كل شيء يمشي تمام». فسألناه: «ما هو الذي يمشي تمام؟» قال السادات: «الدولة الفلسطينية». سألناه مرة جديدة: «الدولة كلها؟» فقال: «طبعاً. الضفة وغزة والقدس». قلنا: «القدس سترجع»، فقال السادات: «طبعاً». عندها أضفنا: «وماذا عن حقوق اللاجئين؟»: قال: «اللاجئون سيعودون جميعهم». من خلال هذه الصورة الوردية عرفنا أن ثمة كذبة كبيرة وصفقة ستعقد على حسابنا. خرجنا من اللقاء اكثر قلقاً من السادات مما كنا عليه قبله. هذا كان مطلع عام 1977 أي قبل أن يعلن عن زيارته القدس. بعد ذلك بأسبوع ذهبنا الى دمشق، كي نعمّد نتائج المجلس الوطني. دخلنا للقاء الأسد، وكان دم كمال جنبلاط لا يزال طريا، إذ لم يكن مضى على اغتياله إلا أسبوع واحد. وما أن جلسنا، حتى قال أبو عمار بطريقته: «اجتمعنا وسمينا الدورة باسم الشهيد كمال جنبلاط». ففاجأنا الأسد بالقول: «الله يرحمه كمال بيك، من برأيك اغتاله يا أبو عمار؟» ومع سماعي السؤال، أدرت فورا وجهي نحو الأرض كي لا يبدو علي أي رد فعل، ثم نظرت الى أبو عمار. فقال أبو عمار: «من غيرهم يا سيادة الرئيس، من غيرهم؟». وظل يكرر عبارة من غيرهم، ويبدو أن ذلك كان حتى يكسب وقتاً يفكر فيه بجواب. وهذا كان أسلوب ياسر عرفات. نظرت الى عرفات، وخفت بينما ياسر عرفات يكرر كلمة «من غيرهم»، ثم قال أبو عمار: «إسرائيل. من غيرهم. غير إسرائيل من هناك؟». غير أن الأسد سأل: «لماذا إسرائيل يا أبو عمار، ما هو دليلك على ذلك؟»، فحكى أبو عمار رواية كنا نتندر عليها: أصلاً أنا اعرف المنطقة. سيارة كمال بيك نزلت نزولاً كدا، ثم حولت وطلعت مرة ثانية ولا يعرف تفاصيل تلك المنطقة الا الاسرائيلون

 

«اليساري العرفاتي» فتح لـ«الحياة» دفاتر الثورة الفلسطينية ومعارك قائدها (3) ... ياسر عبد ربه: كل المحطات المضيئة لعرفات والثورة كتبت بحبر محمود درويش أطلعته سراً على قناة أوسلو وشارك في لقاءات أدت إلى نبذ الإرهاب
25 تشرين ثاني, 2008

«اليساري العرفاتي» فتح لـ«الحياة» دفاتر الثورة الفلسطينية ومعارك قائدها (3) ... ياسر عبد ربه: كل المحطات المضيئة لعرفات والثورة كتبت بحبر محمود درويش أطلعته سراً على قناة أوسلو وشارك في لقاءات أدت إلى نبذ الإرهاب

غسان شربل     الحياة     - 24/11/08//

سألت ياسر عبد ربه ان كان محمود درويش عرف باتفاق أوسلو قبل توقيعه، فأجاب: «نعم كنت اطلعه على قناة أوسلو وبمبادرة مني. كان يبدي ملاحظاته ولم تكن له علاقة بمطبخ المفاوضات».
ويقول عبد ربه إن ياسر عرفات «كان يشعر بأنه يدخل التاريخ المدون والمكتوب من خلال قلم محمود درويش. لذلك كانت مكانة محمود عندي هائلة جداً». ويضيف: «مديح الظل العالي لدرويش هو ملحمة بيروت التي كان ياسر عرفات يعتبرها جوهرة التاج بالنسبة إليه والمأثرة الكبرى في حياته».
ويروي أن ياسر عرفات الذي كان يحصن موقعه في طرابلس في شمال لبنان في 1983 استعداداً للمواجهة مع المنشقين عن «فتح» الذين تدعمهم سورية فوجئ بوصولي ودرويش سراً إلى طرابلس لزيارته. وهنا نص الحلقة الثالثة:

> ماذا تقول أكثر عن هذه العلاقة الخاصة التي رافقتها بين محمود درويش وياسر عرفات؟

 

 

 

- محمود درويش كان الصوت العلماني الثقافي المتنوّر والواقعي والحالم للثورة الفلسطينية. كان بالنسبة الى عرفات مثلما كان المتنبي عند سيف الدولة مع الأخذ في الاعتبار اختلاف العصر بالتأكيد، واختلاف نمط العلاقات بين القائد والشاعر أو السياسي والشاعر بين عصر وآخر. إذا وضعنا مدائح المتنبي لسيف الدولة جانباً، بقية العلاقة قد تكون متشابهة ومتطابقة، لأن أهم الوثائق التي تؤرخ لنضال ياسر عرفات والثورة الفلسطينية المعاصرة وضعها محمود درويش، من الخطاب الاول لعرفات  في الأمم المتحدة الذي أطل عبره على العالم بلغة جديدة وقال فيه: لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي.

> لم يكن ينزعج منه؟

- ولا لحظة، محمود كان ايضاً شخصاً رقيقاً وناعماً في التعامل وكان يحب ياسر عرفات. كان يعرف نواقصه وأخطاءه، عرفها بدقة عميقة، ومن يقرأ رسالة محمود الى ياسر عرفات يرى بين السطور انه لم يكتب مديحاً مجانياً له إنما كان يحب فيه رمزيته، بمعنى ان محمود كان يرى ان عرفات قادر على تمثيل الرمز الفلسطيني في شكل متقدم جداً. ثم كان معجباً ببراغماتية عرفات ودهائه السياسي، وقدرته على التعاطي مع الأحداث. كان يشاطرنا الملاحظات والانتقادات نفسها، عدم ثقة ياسر عرفات بالمؤسسة كان يقلق محمود وكذلك عدم ثقة عرفات بكثير من المحيطين به وعدم استعانته بهم في شكل كامل، لكن غير صحيح أن عرفات كان يستبعد المحيطين به، وأنا هنا أحذر من الوقوع في فخ ان عرفات لم يكن يستمع لأحد. هذا غير صحيح. لم يكن هناك حادث سياسي مهم أو رسالة سياسية مهمة كانت تصله أو مهمة سياسية كان المطلوب أداؤها، إلا وكان يجمع عدداً يثق به، مجموعة معينة ما بين 5 الى 7، أحياناً يكبر هذا العدد للتشاور معه وأحياناً كثيرة كان يغير مواقفه من خلال التشاور. ياسر عرفات كان مدمن اجتماعات، كان «يطلع روحنا» لكثرة ما يحب الاجتماعات، وكثرتها وطولها، لأنه لم يكن لديه مهنة أخرى غير ان يسمع. ياسر عرفات لم يكن قارئاً جيداً إلا للتقارير الأمنية والسياسية لكنه مستمع ممتاز، وهو من خلال سمعه كان يعمل مصفاة للأفكار، في بعض الأحيان، ومن شدة اعجابه ببعض الأفكار يتبناها ويعيد إنتاجها باعتبارها أفكاره الخاصة.
وكان عرفات يسأل دائماً عن محمود إذا غاب مدة عنه، وكان محمود يتحمل دعوات عرفات الى العشاء، لأن عشاء عرفات كان متقشفاً ومن لون واحد ويفتقد أن يكون عشاء شهياً أو فيه الحد الأدنى من تسميته شهياً.

> هذا الخطاب عام 1974 كتبه محمود درويش؟

- كان لمحمود درويش، وصولاً إلى إعلان الاستقلال في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 الذي بموجبه وافقنا على قرارات الشرعية الدولية على مبدأ تقسيم فلسطين وعلى قيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود عام 67 ووضعنا مواصفات هذه الدولة القادمة، دولة ديموقراطية علمان