تدعم شهادات جنود اسرائيليين شاركوا في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، روايات سكانه الفلسطينيين عن جرائم حرب طاولت المدنيين الأبرياء العزل، وفي الوقت نفسه، تدحض رواية جيش الاحتلال بأن أفراده حرصوا على «السلوكيات الأخلاقية وعلى القيم العسكرية الإنسانية الراقية في العمليات الحربية». وبرز على نحو خاص اعتراف أحد الجنود بأنه تم إعدام فلسطينيين بدم بارد. وجاءت الشهادات خلال مؤتمر عقدته الشهر الماضي «كلية اسحق رابين التحضيرية العسكرية» في «أورانيم» قرب حيفا ونشرتها صحيفة «هآرتس» أمس.
ونددت منظمات حقوقية إسرائيلية بهذه الممارسات، ودعت احداها الى «تشكيل هيئة خارجية جديدة للتحقيق في مزاعم ارتكاب جرائم حرب»، فيما طالب نواب عرب في الكنيست بمحاكمة القياديين السياسيين والعسكريين في الدولة العبرية بارتكاب «جرائم حرب». من جهته، سارع الجيش إلى الادعاء بأنه «ليس على علم» بالوقائع التي تم سردها، مضيفاً أنه سيتم التحقق من صدقيتها «وسنفتح تحقيقا ان اقتضى الامر». أما وزير الدفاع ايهود باراك، فعاد ودافع عن أخلاقيات جيشه، مكرراً ان الجيش الاسرائيلي هو «اكثر الجيوش التزاما بالمبادئ الاخلاقية... وانا اعرف ما أقول لأنني رأيت ما جرى في يوغوسلافيا السابقة وفي افغانستان والعراق».
في ما يأتي بعض من هذه الشهادات:
يروي جندي أشير له بحرفي م. ك. كيف أطلق قناص النار على سيدة فلسطينية وولديها فأرداهم قتلى: «كانت العائلة الفلسطينية في أحد البيوت، فوضعناها في غرفة واحدة في البيت. بعد ذلك تركنا البيت الذي دخلته وحدة أخرى. بعد أيام على دخولها، صدرت الأوامر بتحرير العائلة. وأقام الجيش مراكز له في الأعالي، من بينها مركز للقناصة على سطح البناية. وعندما أطلق قائد الوحدة العائلة، أمر أفرادها بأن يتوجهوا نحو اليمين. لكن إحدى السيدات وابنيها لم يفقهوا ما قيل فتوجهوا نحو اليسار، ولم يفطن أحد بإبلاغ القناص على السطح بالأمر، فما كان منه سوى أن أطلق النار على الثلاثة وأرداهم قتلى... لا أعتقد أنه شعر بأي نوع من الضيق، فهو من طرفه فعل ما يجب أن يفعله وفق الأوامر. كما أن الأجواء العامة السائدة لدى معظم الأشخاص الذين تحدّثت معهم، ولا أدري كيف أفسّر الأمر، بثت أن حياة الفلسطيني هي أقل كثيرا من حياة الجندي».
وزاد م. ك: «لاحظ ضابط مسؤول عن مئة جندي، سيدة تسير في ممشى معين وعلى مسافة بعيدة لكنها كافية لأن تقتل ايا من الجنود الموجودين هناك. لقد كانت عجوزا، ولا أدري إذا كانت مشتبها بها أم لا، لكن الذي فعله هذا الضابط أنه بعث البعض إلى السطح فقام مع القناصة بقتل العجوز... كان هذا قتْلاً بدم بارد... لقد كانت عجوزا لم أر معها سلاحا، لكن الأمر جاء بقتلها. لقد شعرت بعطش كبير إلى الدم... ونحن لم نصطدم كثيرا بالمخربين، كي نروي غليلنا من الدم».
وعن حادثة أخرى، يروي هذا القائد: «أعطونا تعليمات في داخل غزة بإطلاق مكثف للنار وبقتل الكثير من الناس لتجنب أن نصاب أو أن يطلقوا النار علينا... في البداية كان علينا أن ندخل إلى أحد البيوت مع سيارة مصفحة، أن نقتحم الباب السفلي وأن نطلق النار في الداخل وأن نرتقي من طبقة إلى آخرى... إنني أعرّف ذلك على أنه قتْل... ان نصعد من طبقة إلى آخرى ونقتل أي شخص نلمحه... الجهات العليا قالت إن ذلك مسموح اذ أن كل من بقي في المنطقة وداخل مدينة غزة هو مدان ومخرب لأنه لم يهرب... أنا لم أفهم ذلك تماما: فليس لهم أين يهربون، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يقولون لنا إنهم لم يهربوا وهذا ذنبهم... حاولت قدر المستطاع أن أغير هذا، لكن الجنود ردوا دائماً: يجب أن نقتل كل إنسان نجده هناك، فكل من هو موجود هناك مخرب».
وقال قائد وحدة عسكرية: «أن تكتب جملا على الحيطان، الموت للعرب، وأن تأخذ صورا لعائلة وتبصق عليها، وأن تحرق كل شيء يذكّر بالعائلة التي هناك، فقط لأن ذلك متاح... أعتقد أنه كان الأمر الأساس: أن ندرك كم أن الجيش ساقط في المستوى الأخلاقي حقا. ومهما قلنا إن جيش الدفاع هو جيش أخلاقي، دعنا نقول إن ذلك لا يظهر في الميدان، وليس على مستوى الكتيبة. وهو الأمر الذي سأتذكّره أكثر من أي أمر آخر».