 سليم عزوز | 12-09-2010 23:52
هناك مثل مصري شائع يقول أن اليد التي لا تستطيع أن تقطعها " بوسها"، وقد تذكرته عندما علمت أن الدكتور سعد الدين إبراهيم أستاذ علم الاجتماع المعروف قام بالتوقيع لحملة تأييد جمال مبارك رئيسا.
فالدكتور سعد الدين إبراهيم قضي العشر سنوات الأخيرة من عمره معارضا لنظام الرئيس حسني مبارك، ومحرضا البيت الأبيض عليه، وعندما بدأ الحديث عن التوريث، وتصدر نجل الرئيس جمال المشهد السياسي عارضه أيضا، وهو الذي يقول أن انتقاله من خانة الصديق لأهل الحكم إلي العدو، راجع إلي مقال كتبه يرفض فيه توريث الحكم في نظام جمهوري، وعندها قيل " يا داهية دقي".
لا يخفي سعد الدين إبراهيم انه كان من المقربين من نظام الرئيس مبارك، فالعلاقة اكبر من أن يتم التستر عليها، ثم كانت المفاجأة في قيام النظام الحاكم بإلقاء القبض عليه وإيداعه السجن، وبدا القوم في حالة تخبط، وكانوا في تخبطهم كمن أعتقل إنسانا، ثم أجهد نفسه في البحث عن تهمة له. ومما قيل واضحك الثكالي انه قام بالنصب علي الاتحاد الأوربي، من خلال تلقي مركز ابن خلدون الذي يترأسه منحة، لم ينفقها علي النحو المقرر لها.
وظهر جماعتنا في الصورة بأنهم حريصون علي أموال الاتحاد الأوربي، الذي أكد أن أستاذ علم الاجتماع المصري لم ينصب عليه، الأمر الذي ذكرنا بشكوي سبق وان تقدمت بها الشاعرة الكويتية المعروفة سعاد الصباح للرئيس مبارك، ضد الدكتور سعد الدين إبراهيم فيما يختص بأموال خصصتها لمؤسسة ثقافية دشنتها بالقاهرة عقب الاحتلال العراقي للكويت، وولت أمرها للدكتور، وقيل وقتها ان الرئيس نصحها بأن تلجأ للقضاء.. هنا تطوع النظام المصري للحفاظ علي أموال الاتحاد، وهناك لم تكن لديه الرغبة في محاسبة صديق علي ما ذكرته الشاعرة الكويتية!.
محكمة الجنايات أدانت الدكتور سعد، لكن محكمة النقض قضت بإعادة محاكمته، فأدانته محكمة الجنايات للمرة الثانية، وهنا تصدت محكمة النقض وقضت ببراءة الرجل، بعد أن قضي ثلاث سنوات في السجون، في قضية اختلط فيها السياسي بالقانوني والجد بالهزل، ووسط دهشة الناس من التنكيل الذي جري، والحرص عليه، علي الرغم من الضغوط الأمريكية، التي مارسها البيت الأبيض علي أهل الحكم في مصر ليفرجوا عنه.
ومنذ اليوم الأول لعملية اعتقاله، قال نقيب الصحفيين المصريين الراحل كامل زهيري عندما تعًرف الأسباب الحقيقية وراء هذا الانقلاب علي صديق النظام فهذا هو " المانشيت"، فلم تكن حدوتة الخوف المصري علي أموال الاتحاد الأوربي يمكنها أن تقنع ولو أي "صريخ ابن يومين"!.
وقد انشغلت فترة بمحاولة الوصول إلي أسباب الانقلاب، ثم نسيت الأمر يأسا، فلم يكن لدي الطرفين رغبة في إعلان الأسباب الحقيقية، وقد سألت حقوقيا كان في زيارة للدكتور في السجن ان كان قد ذكر لهم الأسباب، فقال لي انه لا يريد أن يقول شيئا!.
ولم يكن يساورني شك من انه " قد داس علي سلك مكشوف"، وللذكري فعندما اغتيل الدكتور فرج فودة، ورأي عدد من أصدقائه أن يخلدوا ذكراه، وكنت واحدا منهم، تقرر تنظيم نشاط من خلال الجمعية المصرية للتنوير التي أسسها قبل رحيله، وإذ اعتذر الشاعر احمد عبد المعطي حجازي عن الاستمرار في رئاسة مجلس الإدارة، فقد تم دعوة الدكتور سعد الدين إبراهيم للقيام بهذه المهمة، وفي جلسة بالجمعية طرح عليه البعض ان يتولي موقع وكيل المؤسسين لحزب المستقبل.
كان الدكتور فودة قد تقدم بأوراق الحزب إلي لجنة شؤون الأحزاب للمرة الثانية، وقد رفضته في الأولي، وفي هذه المرة تم اغتياله قبل صدور قرار اللجنة، ولأن نقل الأمور إلي غيره يحتاج إلي قيام المؤسسين بتوكيله قانونا، فقد اقترحت علي صاحبنا أن يعرض الأمر علي الرئيس، فان وجد استجابة، يتم القيام بهذه الإجراءات، وإذا كان العكس فقد كفي الله المؤمنين التعامل مع مكاتب التوثيق.
ورد الدكتور سعد بأنه طوال علاقته بالرئيس فانه يقدم علي الفعل، فإذا جاء الاعتراض بعد ذلك توقف، لأن العرض المسبق سيجعل الرئيس يتشكك في النوايا، ومن هنا فانه سيرفضه بدون تفكير.
المعني ان علاقة الرجل بأولي الأمر منا كانت معروفة للكافة، بالشكل الذي يجعل الحديث عنها في جلسة شبه عامة أمرا عاديا، ولهذا فعندما استيقظنا من نومنا علي خبر اعتقال صاحبنا والزج به إلي غياهب السجن، فقد فتحنا أفواهنا مندهشين، بل وبشكل جعل كثيرون يترددون في التنديد بما جري له باعتباره من ضحايا النظام.. ولم يكن لأحد ان يصدق ان ما حدث هو بسبب الخوف الشديد علي أموال الاتحاد الأوربي من ان يبدده مغامر مثل الدكتور سعد الدين إبراهيم، وغير ذلك من اتهامات، لو صحت فانه من المستقر في يقين الناس أنها ليست بيت القصيد.
مما تردد ولا نملك عليه دليلا أن الخلاف كان مرده الي التمويل الموجه الي العمل النسائي، فقد أسس جمعية دعم الناخبات، وكان لدي القوم رغبة في تأسيس منظمة تنفرد بهذا النشاط، ويلاحظ انه عقب اعتقاله تأسس المجلس القومي للمرأة، وانتقلت الكاتبة أمينة شفيق من العمل تحت مظلة الجمعية للعمل في حماية المجلس.
أصر أهل الحكم علي أن القضية جنائية، إلي أن أفرجت محكمة النقض عن الدكتور سعد الدين إبراهيم.. احد القانونيين قال لي ان محكمة الجنايات أسرفت في الإدانة، فأسرفت النقض في البراءة، وعندما خرج من السجن، قدم أولي الأمر منا أنفسهم علي ان الخلاف في التوجه، فسعد الدين إبراهيم متأمرك، يلتمس العزة في البيت الأبيض، في حين أنهم ضد الاستقواء بالأجنبي، وضد التدخل في شؤون البلاد الداخلية، ويتمسكون بمبدأ السيادة الوطنية، لأنهم يستقوون بالشعب المصري!.
ومن جانبه فقد أعلن الدكتور سعد الدين إبراهيم ان الخلاف سياسي، فهو يرفض التوريث، كما انه يرفض الاستبداد والتمديد، وبالبلدي هو يرفض مبارك ونجله.. مرة قال ان ما جري معه سببه انه كتب مقالا رفض فيه ان يورث الحكم، ومرة يوحي بأنه دعي للتصدي لتزوير الانتخابات ولو بالرقابة الدولية.
لا بأس، وعلي الرغم من ان علاقاته كانت تستخدم في تشويه المعارضة، وتقديمها للناس علي انها جيوب أمريكية في مصر، فقد رأت هذه المعارضة ان وجوده ضرورة، ليتعامل هو مع الأمريكان، ويحرضهم علي " الصديق" المصري، دون ان يتورطوا هم في علاقة من شأنها ان تفقد صاحبها الثقة والاعتبار.
الإعلام الحكومي والمباحثي – نسبة للمباحث – في مصر يفتح النار علي المعارضين المرتبطين بعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن هذا الباب دخل لتشويه الدكتور ايمن نور، كأن أهل الحكم في عداء مع سكان البيت الأبيض، وكأن جمال مبارك عندما كان في صحبة والده في زيارته الأخيرة لواشنطن سافر لشراء "كسوة العيد"، وهي الزيارة التي لفتت الانتباه، فليس لنجل الرئيس صفته رسمية ليحضر المباحثات في البيت الأبيض، ولم يكن اللقاء عائليا، إذ لظهر أبناء أوباما، وأبناء محمود عباس ( أبو مازن)، وأبناء نتانياهو، باعتبار ان حديقة البيت الأبيض، هي حديقة دريم لاند للألعاب والترفيه.
للذكري فقد سبق لمراسلة " الجزيرة" في البيت الأبيض ان ضبطت جمال مبارك يدلف من باب جانبي ويجري مباحثات مع بوش وكونداليزا رايس، في زيارة غير معلنة، وعندما كشفت المراسلة المستور، قيل وقتها ان نجل الرئيس كان في واشنطن من اجل تجديد رخصة القيادة لطياره الخاص، فوجد نفسه قريبا من البيت الأبيض فدخله ليسلم علي من فيه، وعلي طريقة: خالتي عندكم.. وبالمصادفة تبين ان خالتنا جمعيا الست " أم الفرج" الشهيرة بكونداليزا رايس موجودة هناك!.
ظل سعد الدين إبراهيم يحرض الرئيس الأمريكي السابق بوش علي النظام المصري حتي الملل، وقد أغراه بذلك دعوته للإصلاح عقب غزوه للعراق، ولم يكن بوش جادا في شئ من هذا، فقد كان يسوق مبررا أخلاقيا لاحتلال العراق، بعد ان فسدت ذريعة امتلاك النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل، فقدم نفسه علي انه محرر الإنسان العربي من استبداد الحكام الظلمة. مع أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الراعي الرسمي للاستبداد والقمع في عالمنا العربي، فأصدقائها هم الذين يقومون بذلك وفي حماية مباشرة منها.
وجاء أوباما فظن صاحبنا انه سيكون أكثر انحيازا لقضايا الحريات في العالم العربي ممن سبقه، فاكتشف انه ضعيف، كما لو كان رئيسا لقبيلة في أحراش أفريقيا، وبدا أولي الأمر منا يستخفون به، انظر إلي الاستقبال الفقير له في المطار عند زيارته للقاهرة، وخروج البنت وأمها لاستقبال الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الأمريكية وعلي طريقة "زارنا النبي".
يأس الدكتور سعد الدين إبراهيم من قدرته، وبالاستعانة بصديق، في قطع اليد فانحني ليقبلها، والتقي بالمنسق العام لحملة تأييد جمال مبارك رئيسا، والتقطت له الصور في مركز ابن خلدون بالقاهرة، وهو في حضرة المنسق والسائق السابق بهيئة النقل العام، وقد وقع علي طلب مطالبة جمال مبارك بالترشيح.
البعض قال إنها صفقة وقعها قبل مجيئه للقاهرة، الذي بدا أن أهل الحكم فيها كانوا يتربصون به، من خلال الدعاوي القضائية الكثيرة التي رفعت ضده وإحداها تطالب بإسقاط الجنسية المصرية عنه.. وبدأت هذه البلاغات والدعاوي تتساقط، وجاء صاحبنا الي القاهرة بعد غياب، وقد التقطت له صورة وهو علي كرسي متحرك بالمطار وقد أجهش بالبكاء.
كان " مهدودا" نفسيا وصحيا، وظهر انه في حرب طويلة فرضت نفسها عليه، وبدا انه وجد نفسه وبعد سنوات في موقع لم يختاره بمحض إرادته وهو موقع المعارض للنظام، فقرر أن يتجرع السم، وقديما قيل:
يُقضي علي المرء أيام محنته.. حتي يري حسنا ما ليس بالحسن!
لو كانت ثمة صفقة، فلم يكن بحاجة لأن يجالس هؤلاء المغامرين الذين خرجوا يؤسسون حملة لدعم جمال مبارك، وبدون طلب منه شخصيا، إلا انه استملح ما يفعلون، ولا أظن أن نجل الرئيس يعرف أحدا من القائمين عليها، والذين لو جاء ضابط شرطة وطبق القانون، " لأخذهم تحري"، ولطبق عليهم قانون الاشتباه.
ولعل هذا اللقاء هو اكبر دليل علي انه لم تكن هناك صفقة ولا يحزنون، وقد فوجئ الناس بما فعل، وفي اليوم التالي أصدر بيانا باهتا قبل مغادرته القاهرة يقول ان قيادة الحملة مارست التضليل، فهو قد وقع علي مبدأ حق جمال مبارك في الترشيح، لانه لا يمانع في أن يأتي رئيسا بالانتخاب لكنه ضد التوريث. ولم يكن ما قاله صحيحا، فالحملة تجمع توقيعات من الناس لتكليف القائمون عليها بالضغط علي جمال مبارك لحمله علي الترشيح.. جميلة " حمله" هذه.
ثم لم يكن مطروحا من قبل ان يأتي جمال مبارك رئيسا بقرار جمهوري، فالتوريث سيتم بواسطة الانتخاب، ولم يقل احد بغير ذلك، سواء من الخصوم أو الأنصار، لكن صاحبنا لم يستطع ان يقطع اليد.. فقد خذله الأمريكان، فانحني ليقبلها.
نعوذ بالله، وبحق الأيام المفترجة، من سوء الخاتمة.
azuz1966@gmail.com |