لم تكن حرب القوقاز نقطة البداية في استعادة روسيا لمكانتها الحقيقية على الصعيد العالمي، بقدر ما كانت بداية النهاية لأحادية القطب. كما لم تكن عاصفة القوقاز بداية «للحرب الباردة» الجديدة، لأنها انطلقت مع السياسية الاستفزازية التي قادتها واشنطن بخاصة عندما وافقت على ضم جمهوريات البلطيق السوفياتية السابقة الثلاث (ليتوانيا ولاتفيا واستونيا) إلى حلف شمال الأطلسي.
حرب باردة جديدة؟ فليكن ولكن المعايير مختلفة هذه المرة «والبادئ أظلم»، ففي ظل غياب فزاعة الأيديولوجيا لن يكون بمقدور الولايات المتحدة حشد القدر الكافي من التأييد الغربي في صراعها مع موسكو، وحتى لو تمكنت فلن يحقق الفعالية التي ترجوها، لأن موسكو حققت اختراقات تجارية كبيرة في أوروبا من شأن قطعها أن يضر بالأخيرة أكثر مما يضر بموسكو، وخير دليل على ذلك أن العديد من المستثمرين الغربيين أعلنوا عن رغبتهم في مواصلة عملهم في روسيا على رغم حدة التوتر السياسي بين روسيا وبلدانهم. حيث أعلنت شركة «ميتسوبيشي موتورز» اليابانية، مثلاً، أن خططها الخاصة بالعمل في روسيا لا تتأثر بما يجري في أوسيتيا الجنوبية. وتتطلع هذه الشركة التي تقوم ببناء مصنع جديد في روسيا لبيع 140000 سيارة في روسيا خلال عام 2008، وأكد راينخارد يونغ، رئيس مجلس حكام شركة «سكودا» المصنعة للسيارات، أن شركته لا تنوي التخلي عن خططها الخاصة بتطوير مشاريعها في روسيا، وأكدت شركة «جنرال موتورز» استمرار عملها في روسيا، وقال مسؤول في شركة Alcoa الأميركية إن شركته ستبذل ما في وسعها «لتعزيز القدرة التنافسية للسوق الروسية»، كما ذكر فلاديمير بويانوف، المتحدث باسم شركة «بريتيش بتروليوم»، أن ما جرى في جورجيا لم يؤثر على عمل شركته في روسيا، وأعلن دومينيك فاش، نائب رئيس شركة Enel الإيطالية، أن شركته تعمل في روسيا وفقاً للخطة، وأشار ممثل شركة Pfizer إلى أنه لا يرى داعياً للحديث عن تقليص أنشطة شركته في هذه البلاد.
حتى أن العديد من قادة أوروبا تعاملوا بحذر مع موضوع «الحرب الباردة»، حيث ذكر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي تترأس بلاده الاتحاد الأوروبي حالياً، أن المجتمع الدولي لا يرغب بعودة «الحرب الباردة». وأضاف أن حلف الناتو يعتبر شريكاً لروسيا وليس منافساً لها. وقال ساركوزي في كلمة ألقاها أمام الديبلوماسيين الفرنسيين (وتتضمن مبادئ السياسة الخارجية لفرنسا) في باريس: «أما ما يتعلق بالاتحاد الأوروبي فإنه يرغب بإقامة علاقات إيجابية وغنية المضمون مع هذا البلد (روسيا). كما لم تبد المستشارة الألمانية انغيلا مركل استعداداً لقطع العلاقات مع موسكو، موضحة أن النزاع في جورجيا لن يؤثر على مشروع خط الغاز الشمالي الذي يتضمن إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى شمال أوروبا. وعن احتمال فرض عقوبات تجارية قال الباحث اناتولي اوتكين من المعهد الروسي للدراسات الأميركية إن هذه العقوبات ستضر أولاً بمصالح الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع العلم أن روسيا تعتزم تخفيض ما تستورده من لحوم الدواجن من الولايات المتحدة إلى حد كبير عما قريب.
وقال باتريك بيوكينين، المرشح السابق للرئاسة الأميركية، أن الولايات المتحدة لا تقدر على محاربة روسيا في القوقاز، موضحاً في مقال نشره على موقع Real Clear Politics على الإنترنت أن مغامرة الرئيس الجورجي الكسندر ساكاشفيلي كشفت أن الولايات المتحدة تعاني من إرهاق في قواها، معتبرا أنه حان الوقت للمحافظين الجدد الأميركيين أن ينهوا مهمة ساكاشفيلي وينقلوه إلى أحد المعاهد البحثية الأميركية. وعن الاقتراحات الداعية إلى ضم جورجيا إلى حلف شمال الأطلسي قال بيوكينين إنه ضرب من الحماقة، مشيراً إلى أنه لو كانت جورجيا عضواً في الحلف عندما غزا ساكاشفيلي أوسيتيا الجنوبية لوجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة حربية مباشرة مع روسيا في القوقاز حيث تفوّق موسكو جلي للعيان. وحتى دعوة وزير الخارجية البريطاني ميليباند إلى إنشاء تحالف دولي معادٍ لروسيا، وهو ذهب إلى كييف ليبحث إنشاء تحالف كهذا مع قيادات جمهورية أوكرانيا. ستواجه صعوبات في أوكرانيا نفسها بعدما دعا زعيم المعارضة الأوكرانية يانوكوفيتش الحكومة الأوكرانية إلى الاعتراف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.
لقد أدركت روسيا حجم عناصر القوة التي تمتلكها لذا قررت أن تتصرف من الآن فصاعداً تصرف الدولة القوية السيدة، عندما أعلنت عن اعترافها باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وفاجأ هذا القرار واشنطن التي كانت تتصرف تصرف القوة الأعظم الوحيدة في العالم بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وما فتئت تؤكد وجوب المحافظة على وحدة أراضي حليفها الجورجي، فأحدث هذا القرار هزات ارتدادية طاولت العديد من الدول التي تعيش حالة تصفية حساب مع واشنطن، حيث جاء رد فعل بعض بلدان العالم معاكساً لما تشتهيه واشنطن فرأت كوريا الشمالية، مثلاً، أنه من الضروري، والحالة هذه، أن تعلق تفكيك منشآتها النووية وتبحث إعادة بناء مفاعلها النووي.
وأعلنت إيران بدورها عن بدء إنتاج غواصة جديدة. ورجحت وكالات الأنباء العالمية في الوقت نفسه أن تعترض روسيا على فرض عقوبات جديدة على إيران في حال طرحها على بساط المناقشة في مجلس الأمن الدولي. وأتى رد فعل غير متوقع من أفغانستان حيث طالب حكامها بإعادة النظر في شروط وجود القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي عامة في الأراضي الأفغانية. وكشفت كابول عن نية بدء المحادثات المتعلقة بـ «وضع القوات المسلحة» في أفغانستان بعدما لقي 90 شخصاً من سكان أفغانستان المدنيين مصرعهم في غارات جوية شنتها قوات التحالف الدولي.
وحتى منطقة الشرق الأوسط لم تسلم من الهزات الارتدادية الناجمة عن عاصفة القوقاز، وبدا ذلك واضحاً من خلال قلق إسرائيل من أن تلقى عقاباً من موسكو لدعمها جورجيا وبيعها أسلحة إسرائيلية، حيث كان محرجاً لإسرائيل إعلان الرئيس الجورجي «أن الأسلحة الإسرائيلية أثبتت فعاليتها»، لذا أصبحت إسرائيل تتخوف من تحول الغضب الروسي إلى دعم تقني عسكري للدول العربية، فهرع أولمرت إلى موسكو ليمتص غضبها، وليس من المستبعد أن تتخذ إسرائيل موقفاً مغايراً لموقفها السلبي حيال دعوة روسيا انعقاد مؤتمر دولي حول الصراع العربي - الإسرائيلي في موسكو وذلك استكمالاً لمؤتمر أنابوليس، وكل ذلك ليس في مصلحة واشنطن التي آثرت الاستفراد في العديد من الملفات الدولية وعلى رأسها ملف الصراع الشرق أوسطي.
* كاتب فلسطيني مقيم في دمشق