ألف وجه لألف عام - «أحلام» اكيرا كوروساوا: نزوة عجوز دفاعاً عن البيئة
13 تشرين اول, 2008

ألف وجه لألف عام - «أحلام» اكيرا كوروساوا: نزوة عجوز دفاعاً عن البيئة

ابراهيم العريس     الحياة     - 13/10/08//

صورة:Akira Kurosawa.jpg

 

إذا كان ثمة في تاريخ السينما نوع من الأفلام يمكن اعتباره ناتجاً من نزوة الفنان صانع الأفلام التي تنتمي الى هذا النوع، فإن في مقدم هذه الأفلام فيلم «أحلام» للمخرج الياباني الراحل اكيرا كوروساوا. فهو ومن دون أي التباس نزوة حقيقية، لا يكاد يشبهها في تاريخ الإبداع سوى تلك الأحلام التي خطها يراع نجيب محفوظ في آخر أيامه وصدرت في كتاب مستقل، وكذلك الأحلام التي كانت الكاتبة غادة السمان صورتها في فصول أخيرة من روايتها «كوابيس بيروت» معتبرة إياها كوابيس لا أحلاماً. وإذا كانت أحلام محفوظ وكوابيس غادة السمان نصوصاً أدبية يسهل تقبلها لكلفتها البسيطة ودخولها في شكل منطقي عالم الأدب، خصوصاً انها تنتمي زمنياً الى فترة محددة، فإن أحلام امبراطور السينما اليابانية تختلف تماماً، أولاً لأنها، في الأصل وكما كان يقول هو نفسه، جزء من مئات الأحلام التي واتته ليلاً خلال فترات من حياته تمتد عقوداً من السنين، ثم لأنه حين صورها في فيلم سينمائي كرسه كله لها، جازف إنتاجياً مجازفة كبرى: فأن تكتب حلمك على الورق شيء وأن تصوره شيء آخر تماماً. من هنا كان كوروساوا يقول دائماً انه حمل هذا المشروع منذ زمن بعيد، لكنه ابداً لم يتمكن من تحقيقه، لأن ما من شركة إنتاج، يابانية خاصة، رضيت ان تنتجه وهي تعرف سلفاً انه مشروع خاسر تجارياً، حتى وإن كان متميزاً من الناحية الفنية. في النهاية، أي عام 1990، وفي وقت كان كوروساوا يعيش أزمة خانقة – كعادته كلما ترددت شركات الإنتاج في تمويل فيلم له – جاءه الفرج من اميركا، حيث تمكن ثلاثة من كبار المخرجين الأميركيين هم ستيفن سبيلبرغ وفرنسيس فورد كوبولا وجورج لوكاس، إضافة الى مارتن سكورسيزي من دفع شركة وارنر الهوليوودية الى تمويل الفيلم. بل انهم لم يكتفوا بهذا الدعم المعنوي، إذ نجد لوكاس يحقق المؤثرات الخاصة للفيلم في شركته، وسبيلبرغ يقوم بدور المنتج المنفذ، فيما لعب سكورسيزي في الفيلم دور الرسام فنسان فان غوغ. وفان غوغ هذا، تحت ملامح المخرج الأميركي الكبير، يقوم بدور أساسي في واحد من احلام كوروساوا الذي يشاهده وهو يرسم واحدة من اشهر لوحاته، اللوحة التي تصور حقل السنابل والغربان... حيث في الحلم، نشاهد الرسام وهو داخل لوحته فيما تهاجمه هذه الغربان.

> يتألف فيلم «أحلام» من ثمانية مقاطع يمكن اعتبار كل منها، على حدة، قصيدة شاعرية مدهشة... ولعل اللافت حقاً هو ان معظم المشاهد/ الأحلام، تدور من حول مسألة يبدو أنها كانت تشغل بال كوروساوا، حقاً، منذ صور فيلمه «السوفياتي» «درسو أوزالا» هي مسألة البيئة وإفساد الإنسان المعاصر لها. ولأن المسألة أحلام في أحلام... وهذه الأحلام تسهد ليل فنان كان مخرجاً كبيراً، وأيضاً رساماً كبيراً وملوّناً من الطراز الأول، نلاحظ بسرعة ان الجمال، في أبهى تجلياته يهيمن على عالم الفيلم ككل بأجزائه المتعددة. ولكن، الى جانب الجمال، هناك ايضاً الحياة والموت، الطفولة والأمل، وهناك ايضاً الحرب والجثث... بيد ان هذا كله لا يقوم على شكل دروس ومواعظ بل على شكل نشيد الى الطبيعة. ودفاع عن الوجود الإنساني فيها.

> في الجزء الأول وعنوانه «شعاع شمس عبر المطر» يترجم كوروساوا أسطورة يابانية قديمة تقول انه حين تمر أشعة الشمس عبر المطر، تقيم الذئاب أعراسها. وهذا هو موضوع هذا الحلم الأول، حيث نشاهد طفلاً لا يذعن لنصيحة امرأة له – ربما تكون أمه فهذا الأمر غير واضح – بألا يخرج من البيت في يوم كهذا... يخرج لكن الذئاب تتمكن من رصده وهو يحاول ان يتفرج عليها في أعراسها. في الجزء الثاني الذي يدور في بستان دراق، نجدنا في قلب ما يسمى بعيد الدمى، وهو عيد تقليدي شعبي في اليابان، ترتبط به حكايات وأساطير عتيقة. لكن الذي يحدث هنا، في حلم كوروساوا، هو ان الدمى، سرعان ما تتحرك ليتبين لنا انها كائنات حية. وكما الحال في الحلم الأول، ثمة هنا، ايضاً طفل يحاول ان يتلصص على ما يدور من حوله، محاولاً في الوقت نفسه استملاك شجرة مبرعمة. لكن الدمى إذ تدركه، تدرك في الوقت نفسه كم انه يعشق هذه الشجرة ما يجعل المحظور مسموحاً له. أما الحلم الثالث فأكثر قسوة لأن فيه مجموعة من رجال الجبال يجتازون مرتفعاً جليدياً صعباً وقد باتوا على وشك الاستسلام عاجزين عن المتابعة. ومجموعة أخرى من الرجال، نجدها في الحلم التالي «النفق»، حيث ثمة محاربون من الواضح انهم موتى يعبرون النفق عند الغروب فيما منظرهم يثير الرعب والشفقة في آن معاً. وفي وسط هذا الحلم تقوم مجابهة مع شبح جندي من الواضح انه ميت لكنه هو غير مقتنع بهذا... حتى يأتي ضابطه ويقنعه، والمجابهة تتم من خلال كلب من النوع الذي يستخدم في اليابان لتفجير الدبابات. والحقيقة ان مناخ هذا الحلم، يجعل منه كابوساً لا حلماً، علماً بأنه واحد من ثلاثة أحلام يمكن النظر إليها على أنها كوابيس.

> في المشهد التالي، وهو يعتبر من أشهر مشاهد هذا الفيلم، لدينا شاب يشاهد بعد ان قطع دربه وسط الأشجار الى حقل السنابل، الرسام فنسان فان غوغ وهو منكب على رسم مشهد هذا الحقل... لكننا لا نشاهد هذه الرؤية إلا من خلال طالب الرسم هو الذي يشاهد الرسام الشهير وهو يرسم المشهد قبل ان تنقض عليه الغربان. ولعل جزءاً أساسياً من جمال هذا المشهد يأتي من ألوانه، ولكن كذلك من استخدام كوروساوا فيه لموسيقى شوبان، ناهيك بأن اداء مارتن سكورسيزي في دور الرسام لا يُنسى.

> المشهد/ الحلم السادس عنوانه «جبل فوجي باللون الأحمر»... وهو يعتبر ثاني مشهد يستحق اسم كابوس أكثر من استحقاقه اسم حلم، إذ انه يصف لنا انفجاراً نووياً يحدث بالقرب من جبل فوجياما، ما يؤدي الى رمي ملايين اليابانيين في مياه المحيط. وضمن نفس الإطار المرعب، ولكن مع شخصية واحدة، يدور الحلم التالي («الشيطان المنتحب») حيث نجد رجلاً وحيداً يتمشى في منطقة جبلية مقفرة حتى يلتقي كائناً يبدو أشبه بالإنسان لكنه ليس بشرياً: إنه الشيطان الذي سيقول لصاحبنا (الذي ربما يكون كوروساوا نفسه) ان ثمة انفجاراً نووياً وقع وأدى الى تحول الكائنات الى مسوخ... غير ان هذا المناخ الكئيب سرعان ما ينقشع في الفيلم التالي «قرية طواحين الماء» حيث يطالعنا شاب يصل الى قرية ريفية ساكنة هادئة، ليلتقي هناك اول ما يلتقي برجل عجوز طيب يعمل على إصلاح طاحونة مائية، ويخبره العجوز ان سكان هذه القرية قرروا منذ زمن بعيد ان يعيشوا حياة طبيعية بعيداً من تعقيدات التكنولوجيا الحديثة وتلوثها.

> يحمل «أحلام» الرقم 29 في سلسلة أفلام اكيرا كوروساوا، ولقد حققه هذا المخرج، الذي كان يعد واحداً من أكبر فناني السينما في العالم، سنة 1990، أي في الحقبة ذاتها التي شهدت تحقيقه سلسلة أفلامه الملونة التي ختم بها مساراً سينمائياً بدأ منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية لينتهي مع نهاية القرن العشرين. ومن أبرز أفلام حقبة كوروساوا الملونة: «كاجيموشا» و «ران» و «دودسكادن» و «مادادايو» و «لحن في آب»، وغيرها من أفلام سحرت العالم وأهل السينما، لكنها ابداً لم تتمكن من ان تقنع الجمهور الياباني بأن ابن بلاده هذا، واحد من كبار فناني العالم.

alariss@alhayat.com

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba