![]() |
| فكتوريان ساردو |
بين الأطباق الفرنسية الشهية والأعلى كلفة طبق اسمه «كركند ترميدور». وهناك كثر من الناس يعتقدون أن هذا الطبق سمي على هذه الشاكلة تيمناً باسم واحد من شهور السنة بحسب تقويم الجمهورية الثوري الذي استتب منذ انتصار الثورة الفرنسية. جزئياً هذا الاعتقاد ليس بعيداً من الصحة. لكن التسمية جاءت الى الطبق في شكل موارب، ذلك أنه ابتكر من جانب مطعم «ماري» الشهير في باريس عام 1891. وكان المطعم على بعد خطوات من «المسرح الفرنسي» ومن هنا لا شك في أن في الإمكان التخمين بسهولة، أن للطبق علاقة بالمسرح، وهذا صحيح لأن الطبق صنع للمرة الأولى خلال الاحتفال بتقديم العرض الأول لمسرحية، كانت جديدة في ذلك الحين، للكاتب فكتوريان ساردو. والمطعم مساهمة منه في الاحتفال قدم الطبق مجاناً محققاً له، منذ ذلك الحين شهرة ما بعدها شهرة، على عكس المسرحية التي حمل اسمها، والتي لم تنل لا عند ذلك ولا في ما بعد حظاً كبيراً من النجاح. والمسرحية عنوانها «ترميدور» على اسم ذلك الشهر الثوري الفرنسي، ما يعني مباشرة أنها تروي فصولاً من أحداث جرت خلال تلك الثورة. وهذا صحيح. بل إن المسرحية قدمت، على أي حال، لمناسبة الاحتفالات الصاخبة بمئوية تلك الثورة.
> وإذا كنا قد قلنا هنا ان المسرحية لم تحقق نجاحاً، فإن هذا لن يمنعنا من أن نقول في الوقت نفسه إنها كانت على أي حال، المسرحية التاريخية الوحيدة التي كتبها ساردو ونالت بعض الرضى، ذلك أن هذا الكاتب كان يعجب أكثر حين يكتب مسرحيات كوميدية، ومن هنا حين عرض «ترميدور» استنكر الأمر كثر من النقاد قائلين إنه كان من الأفضل له أن يترك كتابة هذا النوع من المسرحيات للمتخصصين فيه. ومع هذا، فإن العروض الأولى للمسرحية حققت إقبالاً لمجرد أنها جاءت في خضم نقاش عام جرى في ذلك الحين حول «الثورة الفرنسية بعد 100 سنة وجدواها». والحقيقة أن في الإمكان النظر الى هذه المسرحية على اعتبارها جزءاً من ذلك النقاش الذي لم ينته في فرنسا حتى اليوم.
> تدور أحداث «ترميدور» في عز أيام الثورة، عشية الأحداث المرعبة التي ارتبطت باسم ذلك الشهر «ترميدور»... حيث نرى أول الأمر صديقين جالسين يصطادان السمك بالصنارة عند رصيف منطقة الترسانة النهرية في باريس. أحدهما هو مارسيال هوغون، النقيب في قوات المدفعية الذي كان عابراً في العاصمة في ذلك الحين، حيث أتى ليسلم القيادة البيارق التي انتزعت في فلوريس كإعلان للانتصار، لكنه يمر في الوقت نفسه بحثاً عن فابيان لوكولتيه، وهي صبية من منطقة الفاندي (التي انتفضت ضد الثورة وقمعت انتفاضتها) ينوي الاقتران بها. أما الآخر فهو شارل لابوسيار، الذي يختفي الآن تحت مظهر الصياد، حيث انه في الحقيقة إذ تمكن من الحصول على وظيفة في مكتب المعتقلين، يبذل الآن كل ما لديه من جهود لإحراق أو إغراق ملفات المعتقلين بغية إبعادهم من المحاكمة والإعدام. وخلال الحديث بين الاثنين يسر هوغون للآخر بخيبة أمله بالثورة كمواطن متسائلاً: أين هم أبطال الأمس؟ «لم يعد ثمة الآن مكان إلا للمقصلة ونشطائها»، يقول مردفاً. وهنا في هذه اللحظة تسمع أصوات تظاهرة نسائية شعارها: «ارموا الارستقراطيين في الماء»... ويتبين أن هذه التظاهرة إنما تطارد صبية بائسة هاربة سرعان ما ندرك أنها هي نفسها فابيان التي يبحث عنها هوغون. وتتضح لنا الصورة بسرعة: كان هوغون قد عهد بخطيبته هذه الى أقرباء له ريثما يعود، ولكن هؤلاء الأقرباء يموتون فلا تجد الفتاة بداً من اللجوء الى الأخوات الأورسوليات في مدينة كومبياني. وهي بعد انتظار لا تصلها خلاله أي أخبار من حبيبها مارسيال هوغون، تعتقده ميتاً. وإذ تعتقل تجبر على الاعتراف بمواقفها المضادة للثورة. والآن إذ يهرع مارسيال لنجدتها تقابله ببرود مستغرب... ثم بالتدريج إذ يتناقش الحبيبان في الأمر تكتشف فابيان أن حبها لمارسيال أقوى من ضميرها السياسي ومواقفها المعادية للثورة. لكنها في الوقت نفسه تكشف له أن شخصاً يدعى هيرون، وهو رئيس البوليس الثوري في المنطقة التي تقيم فيها - وكان في السابق يعمل لدى أهل فابيان -، قرر أن يمتلكها... فإن لم يتمكن من ذلك، سيعتقلها ويعدمها بدعوى أنها حاولت قتله لأنه من جماعة الثورة.
> من الآن وصاعداً لا يجد مارسيال أمامه إلا مهمة واحدة: عليه أن ينقذ فابيان من براثن هيرون مهما كان الثمن... حتى ولو كانت فابيان، نظرياً، في صف أعدائه وهيرون نصيره في الثورة. وهنا علينا ألا ننسى أن مارسيال كان، خلال حواره مع صديقه الصياد، قد أبدى قدراً كبيراً من الشك إزاء كل ما حمله من أفكار وقام به من ممارسات ثورية قبل الآن. في تلك الأثناء يكون روبسبيار قد سقط وخيل الى كثر معه أن عصر الإرهاب قد زال بزواله، غير أن هذا ليس صحيحاً، إذ ها هي «المحكمة الثورية» لا تزال قائمة وها هم «قضاتها» يواصلون إصدار أحكام الإعدام، وها هم الجلادون يواصلون عملهم. ان سقوط شخص، ولو كان روبسبيار، لا يعني أن العدل والأمان قد استتبا. والدليل على هذا، العربات السبع التي تقف الآن أمام مدخل قصر العدل منتظرة حصتها من المحكومين لتقودهم الى نهايتهم. فما العمل؟
> في الحقيقة، لم يبق أمام مارسيال، لإنقاذ حبيبته سوى وسيلة واحدة: إبدال ملفها بملف شخص آخر. صحيح أن في هذا جريمة فحواها إعدام ذلك الشخص الآخر مكان فابيان. ولكن ما العمل؟ أفلا يستحق إنقاذ الحبيبة هذه التضحية ولو على حساب الضمير؟ الجواب هنا سيأتي من فابيان، التي ستنتفض أمام حبيبها محتجة على هذا «الغش» قائلة لمارسيال ان «صوت أخواتي يدعوني بقوة الى عمل ما هو من واجبي»... بل إنها لا تتوانى في الوقت نفسه عن رفض ذلك الاقتراح الذي عرض عليها: أن تدعي أنها حامل ما ينقذها من المقصلة فوراً... وهكذا لا يعود من مجال لإنقاذها وتستعد العربات لنقلها الى المقصلة. أما مارسيال فإنه لا يجد من وسيلة للثأر سوى أن يشتم الثوار والجلادين القتلة، فلا يكون من أمر الحراس إلا أن يردوه برصاصة مسدس.
> من قراءة هذا الملخص يمكننا أن ندرك على الفور كم أن هذه المسرحية التي كتبها ساردو في عز الاحتفالات الثورية أتت عكس التيار، بل حتى عكس ما كان متوقعاً منه هو نفسه... وبالفعل كانت لـ «ترميدور» أصداء صاخبة وهوجمت بقوة فيما دافع عنها آخرون وهكذا صارت قضية القضايا في المسرح الفرنسي عند نهايات القرن التاسع عشر. أما بالنسبة الى فكتوريان ساردو (1831 - 1908)، فإنه لن يقول أكثر من أنه، وسط الأكاذيب وضروب التضليل، أحب أن يقول كلمته وقالها، وهذا هو كل شيء بالنسبة إليه «ولئن كنا جميعاً نفخر بما حققته الثورة، فإن علينا ألا نكذب على أنفسنا، مدعين أنها كانت ثورة ملائكة». والحقيقة أن تواريخ الثورات، قبل ساردو وبعده، وقبل الثورة الفرنسية وبعدها، لم تكذّب أبداً ما ذهب إليه هذا الكاتب، الذي في مجالات أخرى، جعل من مسرحه دائماً صدى لأحوال المجتمع، ودائماً من موقع تقدمي نقدي ساخر، بحيث انه لا يمكن اتهامه بأنه أصلاً كان في موقع معاد للثورة. هو بالأحرى، عبر في شكل متميز عن خيبة المواطن، تلك الخيبة التي كان تحدث عنها مارسيال في الفصل الأول من «ترميدور» وأتت الأحداث لتفسرها حقاً.
alariss@alhayat.com