«إسكانيو في آلبي» لموزارت: العدل والمحبة وولادة الأمم
30 ايلول, 2008

ألف وجه لألف عام - «إسكانيو في آلبي» لموزارت: العدل والمحبة وولادة الأمم

ابراهيم العريس     الحياة     - 30/09/08//

لم يكن ذلك هو العمل الموسيقي الأول الذي يضعه موزارت. فهذا الأخير حين وضع الألحان الأوركسترالية والغنائية للميلودراما المعروفة باسم «اسكانيو في آلبي»، كان في الخامسة عشرة من عمره، ما يعني انه – حتى في تلك السن المبكرة – كان أصبح راسخ القدم في عالم التأليف الموسيقي، وأنه كان سبق له ان أثبت حضوره وعبقريته من خلال مؤلفات كثيرة، غير ان «اسكانيو في آلبي»، كانت عمله الكبير الأول والذي بقي على مر العصور حاضراً، يُؤدى ويُحب، ويصعب على من يتابعه ان يتصور انه من تلحين مراهق. والحال ان ارتباط اسم موزارت بهذا العمل، جعله يعامل عادة وكأنه عمل أوبرالي، ما يعني حضور اسم الملحن الموسيقي فيه، في شكل يطغى على اسم مؤلف النص، مع ان الأمر ليس كذلك. فما لدينا هنا هو عمل مسرحي تاريخي أسطوري، أُدخلت عليه الموسيقى من خارجه (كما كانت حال موسيقى جان باتيست لوللي، مع مسرحيات موليير). والعمل ككل، إنما كُتب وقُدم في 17 تشرين الأول (اكتوبر) 1771، لمناسبة الاحتفالات النمسوية بزواج دوق النمسا فردينان من ماري بياتريس ديستي. وقد أضفت المناسبة على هذا العمل، رونقاً كبيراً، ذلك ان هذا الزواج كان شعبياً، وفي المقابل أضفى العمل الفني على احتفالات الزواج طابعاً فنياً راقياً أكيداً، خصوصاً ان العمل كله أتى ذا رمزية لا تنكر... إذ فيما كان المتفرجون يتابعون أحداث هذه الميلودراما التي تدور في عالم أساطير الأرباب القديمة، لم يفت اياً منهم، أن كل شخصية من الشخصيات وكل موقف من المواقف المشاهدة على الخشبة إنما يعكس تصوراً معاصراً، أو نصيحة لا بد من اسدائها الى العروسين، أو تفاعل الشعب بصورة عامة مع ذلك الحدث. وربما لا نكون في حاجة هنا الى التأكيد ان الموسيقى – وغالباً أكثر من النصوص الحوارية والغنائية نفسها – قد لعبت الدور الأساس في ذلك كله، ما أسبغ منذ ذلك الحين على الموسيقي الشاب، سمعة شعبية لم تَخْبُ ابداً، بعد ذلك. واللافت ان كثراً من المتفرجين في ذلك الحين نسبوا العمل الى موسيقيّة المراهق، ناسين ان الأصل يقوم على نص مسرحي/ شعري، كتبه الشاعر الإيطالي جوزيبي باريني (1729- 1799).

> تدور أحداث هذا العمل المسرحي/ الموسيقي، في منطقة ريفية من أراضي النمسا، في زمن لم تكن مدينة آلبي قد ظهرت فيه، ذلك ان المدينة ستظهر من خلال احداث المسرحية التي تمزج الأسطوري بالريفي، من اجل الوصول الى تلك الأمثولة السياسية التي اراد العمل إيصالها لمناسبة العرس المذكور والتي سنتحدث عنها. إذاً، في تلك المنطقة الخضراء الرائعة، تهبط فينوس التي سرعان ما نكتشف انها محبة لهذه الأرض ولطبيعتها، ولسكانها من الرعاة. وهي إذا كانت تزور هذه المنطقة الآن فما هذا إلا لتشجيع السكان على إنشاء المدينة التي ستحمل الاسم الذي عينته لها فينوس. ويزيد من اهتمام فينوس بهذا الأمر هنا ان ابن اختها اسكانيو يتطلع الى الزواج من سيلفي، الحسناء المحلية التي سنعرف بسرعة انها من احفاد هرقل. وإذ تكون الاستعدادات جارية للزواج بين قريب فينوس وقريب هرقل من دون ان يكون هذان قد تعارفا وشاهدا بعضهما بعضاً، تقترف فينوس خطأ صغيراً، يجعل الشابين يلتقيان ويغرمان ببعضهما بعضاً من دون ان يعرف أحدهما ان الآخر هو عريسه العتيد. ان الغرام يندلع بينهما انطلاقاً من صفاتهما الإنسانية وحدها. والذي يحدث هنا هو ان شاباً وسيماً أشقر اللون يظهر بغتة لسيلفي، التي لا تدري ابداً ما اذا كان هذا الظهور حلماً، أو رؤيا، أو حدثاً واقعاً حقاً. ويلمس الشاب فؤاد الصبية الحسناء، لتدرك من فورها ان نعمة الحب أشعلت لهيب هذا الفؤاد. ولاحقاً حين يظهر اسكانيو أمامها، وقد تقنّع بقناع ذلك الشاب الأشقر الغريب، تتعرف فيه بسرعة على ذلك الظهور الخيالي الذي أشعل نار هواها. وهو، في المقابل، يشعر بسرعة انه بدوره قد وقع اسير هوى تلك الصبية. وهنا تحل المعضلة. ذلك ان سيلفي باتت موزعة الفؤاد بين كونها عروس اسكانيو الموعودة من ناحية، وصريعة هوى ذلك الأشقر الغريب من ناحية ثانية. واسكانيو من ناحيته ينتابه شعور مشابه. وهكذا يدور في داخل كل من الشابين صراع عنيف. ويتجلى هذا الصراع أكثر لدى سيلفي التي – في نهاية الأمر – تقرر ان الواجب، وهو أسمى من الغرام ومن مشيئة القلوب، يقتضي منها ان تضحي بحكاية الحب من أجل الزواج من ذلك الشاب، اسكانيو، الذي وُعدت به ووُعد بها. وهنا، إذ تتخذ قرارها في شكل ينم عن نزاهتها وواقعيتها، يتدخل الحكيم العجوز آكست ليكشف لها، امام ذهولها، ان الشاب الأشقر الغريب، واسكانيو ليسا في حقيقة الأمر سوى شخص واحد. وهكذا تنجلي الحقيقة السعيدة وتبدأ التحضيرات للعرس الذي سيكون الاحتفال به احتفالاً عظيماً تصخب فيه الموسيقى وتنجلي فيه العواطف النبيلة. بل ان اشياء كثيرة ستحدث، ومنها مثلاً ان في الوقت الذي يكون فتيان المنطقة الريفية وصباياها منهمكين في تزيين جذوع الأشجار الكثيفة المنتشرة هنا في كل مكان، تتحول تلك الجذوع الى أعمدة وجدران، وإلى أشكال هندسية شديدة التناسق... ما يضعنا امام مشهد رائع تنبثق فيه مدينة آلبي من خلال تلك الأشكال وسط الطبيعة الخلابة. وإذ يكتمل ظهور تلك المدينة، تصل فينوس من جديد قادمة من الأعالي، لتطلب من العروسين الشابين ان يكون زواجهما مناسبة لبدئهما حماية سكان هذه المدينة والحفاظ عليهم، وإيصالهم الى أعلى ذرى الازدهار والرفاه، قائلة ان هذا لا يتوافر إلا بالنيات الطيبة والعمل الصادق، وخصوصاً بالعدل والمحبة. وبالتالي للوصول الى هذا كله، ولتأمين العدل والمحبة لا بد للعروسين الشابين من ان يجعلا الشعب شريكهما في هذه السعادة التي يعيشانها الآن، لأن السعادة لا تكون حقيقية إن لم تكن معدية، وبالتالي لأن حكم المدينة لن يكون عادلاً ومنتجاً للسعادة والازدهار إن لم يكن الشعب شريكاً فيه. وطبعاً يوافق العروسان الشابان على هذا الطرح، في الوقت الذي تصدح موسيقى الغناء الاجتماعي، معلنة – وإن في شكل غير مباشر – ان الحكم سيكون عادلاً، والمحبة ستكون قانون هذه المدينة ونبراسها، وخير الجميع سيكون الهدف الذي يسعى إليه كل واحد وفي المقدمة العروسان الشابان.

> طبعاً من نافل القول هنا ان كل ما في هذا العمل المسرحي/ الموسيقي، انما رسم كي يكون تلك الأمثولة التي يقدمها الفن «هدية» و «نصيحة» الى الزوجين الحقيقيين، لا المسرحيين: فردينان وماري بياتريس. ومن هنا، وكما أشرنا، يبدو الترميز أوضح من ان يكون في حاجة الى أي شرح: ففينوس هي الامبراطورة ماريا – تيريزا، وإسكانيو وسيلفي يرمزان الى فريدنان وماري بياتريس، وآكست الراعي الحكيم هو دوق مودينو. اما انبثاق مدينة آلبي فيرمز الى انبثاق دولة ميلانو... الخ.

> على رغم ان الموسيقى التي صاغها اماديوس وولفغانغ موزارت (1756 – 1791)، أتت بسيطة وأحياناً وصفية ساذجة، فإنها في مجموعها أتت ذات شخصية طاغية، معلنة في ذلك الوقت المبكر، عن الأعمال الموسيقية الأوبرالية والمسرحية الكبرى لذلك الفنان، الذي بدأ باكراً، ليموت باكراً ايضاً (35 سنة) مخلفاً من الأعمال الموسيقية ما يكفي «عشرة مؤلفين طوال أجيال» بحسب تعبير أحد دارسي حياته وعمله. ومن هنا تطالعنا في هذا العمل أساليب وألحان، لن يفوتنا ان نلاحظ ما يشبهها أو ينطلق منها في بعض أهم أعمال موزارت اللاحقة من «الناي السحري» الى «هكذا يفعلن جميعاً»، ومن «خطف في السراي» الى سلسلة السمفونيات والسوناتات التي تطول لائحتها.

alariss@alhayat.com

بواسطة theoutsidersomali 17:11 | رأي | تعليق(3) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba