الديموقراطيون في دنفر: مؤتمر تاريخي للسود والنساء!
30 آب, 2008

الديموقراطيون في دنفر: مؤتمر تاريخي للسود والنساء!

دنفر (كولورادو) - راغدة درغام     الحياة     - 29/08/08//

يطيب للديموقراطيين التحدث بلغة الشراكة العالمية في ورشة صياغة نظام جديد يشمل ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط. لكن العناوين الكبرى في معظم الطروحات تتجنب التفاصيل عمداً، أحياناً لأنها مجرد عناوين رنّانة وأحياناً أخرى لأن الانقسام داخل صفوف الحزب الديموقراطي المركّب يدق في عصب التصوّر لما هو الدور الأميركي في مرحلة ما بعد حرب العراق وما بعد عودة شبح الحرب الباردة نتيجة الأزمة مع روسيا بسبب جورجيا. فالرؤية تبدو في البدء واضحة المعالم الأساسية: الديبلوماسية والشمولية والواقعية - على نسق الإقرار بأدوار ايران والترغيب بالتفاهم مع «حماس» - وتجنب تصوير الأزمة الجورجية بأنها واجهة الى الانقسام والتقسيم بين معسكري الغرب والشرق، والبحث عن مصادر طاقة بديلة عن النفط، والاستعداد لشراكات غير تقليدية، واطلاق الولايات المتحدة على الساحة الدولية من بوابة انفتاح وتجددية وذلك عبر اختيار باراك حسين اوباما، ابن افريقيا الأسود اللون، مرشحاً للرئاسة الأميركية في سابقة تاريخية. تلك الرؤية ملطخة بكثير من الخلافات بما في ذلك حول اختيار اوباما والأسباب وراء دعمه وبسبب الغضب الذي رافق خسارة السناتور هيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية.
لا شيء يسرق من مؤتمر الحزب الديموقراطي في دنفر حقّه بتسجيل نفسه مؤتمراً تاريخياً على أصعدة عدة وبكل معنى الكلمة. فلقد وصلت إليه امرأة، للمرة الأولى، بصفتها مرشحة في الانتخابات التمهيدية. وهذه أول مرة تدخل فيها سيدة أولى السباق الى البيت الأبيض بحلم أن تعود إليه رئيسة. بعض داعمي هيلاري كلينتون يرفض أن يدلي بصوته لباراك اوباما ويفضّل تقديمه الى المرشح الجمهوري جون ماكين كتعبير عن الاحتجاج رفضاً للانسياق وراء دعم رجل للمنصب لأنه أسود اللون ولأن ترشيحه سابقة تاريخية.
مهما كان موقف هذا البعض، يبقى ترشيح باراك حسين اوباما لرئاسة الولايات المتحدة، بالتأكيد حدثاً تاريخياً حتى وإن أسفر عن «حرق» اوباما على أيدي اوباما الذي قد يكون أفرط في طموحاته قبل نضوج موعدها. فلو قال أحد قبل أربع سنوات فقط، عندما هزَّ خطاب اوباما المؤتمر الديموقراطي الأخير في بوسطن، ان هذا الرجل سيحصل على ترشيح الحزب للرئاسة لكان تلقى بسمة استهزاء يلحقها ما معناه: أسود، باسم غريب يتضمن «حسين»، ولد لأب مسلم من كينيا!
ما حدث في مؤتمر دنفر كان عبارة عن «أمركة» اوباما في عيون الناخب الأميركي بإسقاط اسم أبيه وإبعاده عن ذلك الانطباع الخاطئ بأنه مسلم فيما هو في الواقع مسيحي. زوجته ميشال اوباما، أعادت تقديمه في الليلة الأولى من المؤتمر على أنه على رغم غرابة اسمه بحسب قولها، أميركي، وكأنها تقول: إنه مثلنا وهو واحد منا، فاقبلوه.
التشكيك بهوية ووطنية وأميركية ومسيحية وشخصية باراك أوباما تشكيك لا يستهان به وقد يحول دون وصوله الى البيت الأبيض. هناك حملات تضليلة مخزية عبر الانترنت تصفه بأنه «المسيح الدجال» لدب رعب المتزمتين المسيحيين منه. وهناك أيضاً حملات دعائية تصوره أنه يعتبر نفسه فوق الأميركيين مهمته قيادة ظاهرة عالمية وليس لقيادة الولايات المتحدة الأميركية وحدها.
يقال عنه إنه لا يثبت على رأي ويغيّر مواقفه باستمرار. الذين يحبونه يقولون إن هذا عائد الى حسن أدائه فن الإصغاء وانفتاحه على الاستماع الى رأي آخر. الذين يتعرفون عليه للمرة الأولى يتأثرون باندفاعه الى طرح الاسئلة الدقيقة ووضوح رغبته بأن يحقق التغيير بمعناه الحقيقي - سياسياً ورؤيوياً. لكن هذا لا يلغي الانطباع - المدعوم في حالات عديدة بالأدلة - بأنه لا يثبت على رأي واحد بل أن تقلب سياساته مؤشر خطير على ضعف خبرته وعدم ثبات عزيمته.
لعل أكثر الخطب نجاحاً في محاولة نزع ذلك الانطباع عن اوباما هو خطاب وزير الطاقة السابق والسفير السابق لدى الأمم المتحدة، حاكم نيومكسيكو بيل ريتشاردسون، الذي قد يتولى منصباً رفيعاً في صنع السياسة الخارجية إذا وصل باراك اوباما الى البيت الأبيض. استشهد بما قاله اوباما في خطاب له في تشرين الأول (اكتوبر) 2002 بأن «غزو العراق، من دون منطق واضح ومن دون دعم دولي»، سيؤدي الى تأجيج النيران في الشرق الأوسط وإلى «تقوية ذراع القاعدة في التجنيد»، وأعلن: لقد كان محقاً بتوقعاته «باحتلال أميركي طويل الأمد، بتكاليف باهظة وعواقب وخيمة» وكان على حق.
المرشح الديموقراطي لمنصب نائب الرئيس، جو بايدن، تبنى بدوره خطاب من كان على حق ومن كان على خطأ: باراك اوباما او جون ماكين. قال: «حتى إدارة جورج بوش اعترفت، بعد سبع سنوات من الانكار، أنه يجب علينا التحدث مع ايران لأن هذا هو السبيل الأفضل لدفع أمننا الى الأمام» وتساءل: بمن يجب أن نثق أكثر، بتقدير جون مكاين عندما رفض التحدث مع ايران... أو باراك اوباما الذي قال إن علينا أن نتحدث لنوضح لإيران أن عليها أن تغيّر تصرفاتها. أشار الى أن باراك اوباما دعا الى برنامج زمني للانسحاب من العراق، فيما عارضه جون ماكين، وها هي الادارة الحالية تتفق أخيراً مع الحكومة العراقية على برنامج زمني وقال: جون مكاين كان على خطأ وباراك اوباما على حق.
ريتشاردسون تحدث عن «رؤية سياسة خارجية» لما بعد العراق لفريق اوباما - بايدن اللذين يؤمنان بأن «علينا محاربة الارهابيين، ليس حيث هم في مخيلتنا وانما حيث هم حقا في أماكن مثل افغانستان وباكستان»، قال إن «علينا أن نقود جهداً عالمياً لتأمين المواد النووية الفالتة، ليس حيث تصورناها (في العراق) وانما حيث نعرف بوجودها في أماكن مثل ايران وباكستان وروسيا». تحدث عن الوقوف وراء اسرائيل «بديبلوماسية كاملة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط» وعن «قيادة أخلاقية مبنية على الدستور واغلاق غوانتانامو، وإنهاء التعذيب» الى جانب الالتزام «بإنهاء الإبادة الجماعية في دارفور»، والقيادة الدولية في جهود مكافحة الفقر، وإيقاف الاحتباس الحراري. وقال: «هذا هو تقدير ورؤية باراك اوباما».
الديموقراطيون يتحدثون اليوم عن العراق بلغة «الانسحاب المسؤول»، وعن ايران بلغة الانخراط المحصّن في حال فشل الحوار، بفرض العقوبات المؤذية حقاً والتي تشارك فيها دول مثل الهند وليس أوروبا وحدها. بعضهم يتحدث عن دور الوسيط «العادل» في عملية السلام بحسب تعبير المرشح السابق للرئاسة جون كيري.
بعضهم يقر بأن هذا تماماً ما تقوم به الادارة الجمهورية الآن وهي في أيامها الأخيرة فيحاول أن يوحي بأن تصحيح المسار الذي أتى متأخراً انما جاء ليؤكد فشل رؤية وممارسات إدارة جورج دبليو بوش وليؤكد صحة الرؤية الديموقراطية.
جزء منهم يكتفي بالعناوين العريضة وبمعادلة توجيه اللوم الى الأمس، من دون أن يخوض في متطلبات تحديات اليوم والغد. كثير من الكلام عائم في مشاعر الامتعاض مما حدث نتيجة حرب العراق وانعكس بانحسار الثقة في الولايات المتحدة والهيبة الأميركية. وقلما يتذكر الديموقراطيون أن الاحتجاجات العالمية على السياسات الأميركية لم تبدأ فقط بحرب العراق وانما طالما ساهم فيها رؤساء ديموقراطيون على مدى العقود مثل الاحتجاج العربي والاسلامي على التحيز لاسرائيل واعفائها من المساءلة والعقاب، أو مثل إخضاع العراق لنظام عقوبات لا مثيل له لحوالي عقد، وذلك تطبيقاً لسياسة الرئيس الديموقراطي بيل كلينتون، أدت الى تدمير نسيج المجتمع والبنية التحتية العراقية.
ليس هناك، حتى الآن، أي تركيز كبير في أي من الحزبين على صلب السياسة الخارجية الضرورية للولايات المتحدة، بأكثر من العناوين العريضة. وهذا طبيعي أثناء الحملة الانتخابية، لا سيما أن الناخب الأميركي مثقل بهموم الاقتصاد ويكاد لا يبالي بالسياسة الخارجية سوى عندما تتعلق بالأمن القومي وبحس الوطنية.
هناك في مؤتمر الحزب الديموقراطي ظاهرة التركيز على بدائل الطاقة للتحرر من الاعتماد على النفط وكأن الدول المصدرة للنفط هي «العدو» الجديد الذي يضرب الرفاهية والاقتصاد الأميركيين، حتى ان حاكم ولاية خاطب المؤتمر يحذر من «ديكتاتورية النفط» ولم يكن يعني روسيا والصين أو فنزويلا وشريكها الايراني.
كثير من المفكرين الديموقراطيين ملتزمون حقاً بقضايا حقوق الانسان، وعدم الإفلات من العقاب، والمحكمة الجنائية الدولية، والمحكمة الدولية ليوغوسلافيا وسيراليون ورواندا ولبنان.
كثير منهم ينطلق من مبدأ الديبلوماسية أولاً وأخيراً، انما هناك بينهم من يؤكد على مركزية الديبلوماسية أولاً مع إبقاء الخيار العسكري جاهزاً على الطاولة.
أمثال جون كيري يتحدثون اليوم عن «حركة عالمية» للتمرد على الإرهابيين بدلاً من «الحرب على الإرهاب» ويتحدثون عن استراتيجية متكاملة وعن ضرورة التفكير «بترتيبات أمنية جديدة للشرق الأوسط».
غيره يتحدث عن شراكة عالمية تحل مكان القيادة الاميركية والاستفراد بالقيادة. وهذا البعض يلاقي اعتراضاً حتى من الصفوف الديموقراطية ويرى أن أميركا يجب أن تبقى في القيادة وفي الشراكة معاً.
هناك من يفترض أن الحلول متوافرة في تبني الانخراط والترغيب وفي الخضوع أمام الأمر الواقع الذي أفرزته التطورات وهؤلاء يدعون إلى العمل مع إيران وسورية و «حماس» و «حزب الله» على صوغ نظام اقليمي جديد في الشرق الأوسط.
كل هذا يبقى في خانة العمومية ولم يدخل أثناء مؤتمر الحزب الديموقراطي في خانة التفاصيل أو يأخذ توجه السياسة والاستراتيجية.
مؤتمر الحزب كان حدثاً تاريخياً أكبر من التفاصيل التي لم يحن وقت صياغتها. فهناك في «قاعة بيبسي للمؤتمرات» في مدينة دنفر احتشد أكبر عدد من النساء لدعم فكرة امرأة في البيت الابيض ولترشيح رجل اسود اسمه باراك حسين أوباما لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية. وهذا بحد ذاته انجاز جميل للمسيرة الديموقراطية ولتطور الشعوب عبر آلية الديموقراطية

بواسطة theoutsidersomali 01:53 | رأي | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba