يفترض أن يكون المحافظون الجدد كفكرة لمرحلة في السياسة الأميركية ماتوا بين العراق وأفغانستان ودفنوا قبل أن تنتشر رائحتهم الكريهة، إلا أنهم بعد كل الكذب والفشل والخسائر من أرواح شباب أميركا لا يزالون يحاولون جر الولايات المتحدة الى حروب جديدة، إما لبسط امبراطورية على العالم، أو لتنفيذ سياسة إسرائيلية.
يفترض كذلك أن يقف كاتب عربي في وجه عصابة الحرب، لأن ضحاياها أمس واليوم وغداً، من العرب والمسلمين، ولكن الأميركيين أنفسهم «حبلوا» من إسرائيل ورجالها وضاقوا بهم الى درجة الإجهار بآراء لم نسمعها من قبل، فقرأت أخيراً عناوين في مواقع أميركية خالصة من نوع «الميديا الأميركية المحتلة إسرائيلياً» و «لوبي ليس كأي لوبي آخر يريد حرباً ليست كأي حرب أخرى».
باختصار معارضو السياسة الاسرائيلية التي تنفذها إدارة بوش لا يحبون إيران أو رئيسها أو نظام آيات الله فيها، إلا أنهم يعرفون أن الولايات المتحدة لم تربح الحرب في العراق، وإنها تواجه انتقال الإرهابيين الى أفغانستان، حيث يهاجمون القواعد الأميركية ويقتلون جنود حلف الناتو، كما فعلوا مع الفرنسيين أخيراً، وهم بالتالي لا يريدون حرباً مع إيران، أو في القوفاز.
أريد أن أنتهي من جورجيا بسرعة، فالمحافظون الجدد يكتبون ويحرضون كما لو أن روسيا هي التي بدأت الحرب وليس أن الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي أرسل قواته الى أوسيتيا الجنوبية ودفع ثمن تهوره بسرعة ولا يزال.
طبعاً عودة روسيا كلاعب أساسي على الساحة الدولية لا تناسب المحافظين الجدد لأن هذا التطور يعرقل أحلام فرض امبراطورية أميركية على العالم، غير أن هناك عنصراً أهم، فإسرائيل تدعم جورجيا وتزودها بالسلاح والتدريب، وقد ردت جورجيا بإرسال ثالث قوة الى العراق وأفغانستان بعد أميركا وبريطانيا. والآن تكتب الصحافة الإسرائيلية عن عودة الحرب الباردة ومعها عودة الروس الى سورية.
وهكذا فالمحافظون الجدد، وهم إسرائيليون قبل أن يكونوا أميركيين، يدافعون عن الاستثمار الاسرائيلي - الأميركي في جورجيا، والى درجة التحريض على روسيا في منطقة بعيدة عن أي وجود أميركي، فالقوقاز جزء من الجغرافيا الروسية نفسها.
إيران تظل هدفاً أهم، لأن الرئيس محمود أحمدي نجاد هو الوجه الآخر للرئيس ساكاشفيلي تطرفاً وعنتريات فارغة، لذلك فهم وراء قرارين في مجلسي النواب والشيوخ وصلا الى مرحلة اللجان، ثم جاءت عطلة الصيف، يخولان الرئيس الأميركي فرض حصار على الموانئ الإيرانية لمنعها من استيراد منتجات بترولية معينة.
هذا إعلان حرب، لو نفذ، ولا يتصور عاقل ان إيران ستقف مكتوفة اليدين إزاء خنقها اقتصادياً، والوضع هو الآتي: إيران لا تهدد الولايات المتحدة اليوم، ولا يمكن أن تهددها في المستقبل، وأي مواجهة معها ستكون لحساب إسرائيل بأموال أميركية وأرواح. والمحافظون الجدد من الوقاحة انهم يحرضون الآن على تركيا لانفتاحها على إيران التي يريدون عزلها.
كل كلام غير هذا يجافي الحقيقة، فيتبع ان دعاة الحرب في الولايات المتحدة عملاء لإسرائيل يريدون أن يقتلوا مزيداً من العرب والمسلمين.
إذا كان لي أن أصوغ ما سبق بشكل آخر، فالإمارات العربية المتحدة لها حق أن تقلق من السياسة الإيرانية، وهي تحتل الجزر الثلاث وتسعى الى نشر نفوذها في الخليج كله. أما إسرائيل فليس عندها خوف، وإنما هناك أطماع في المنطقة كلها. خصوصاً في الخليج حيث النفط الذي يبقى في صلب الاقتصاد العالمي.
هناك كل يوم زائر إسرائيلي أو أكثر للتحريض في واشنطن على مواجهة إيران، والزوار يزعمون أن إيران خطر على أميركا، كأن إدارة الدولة العظمى الوحيدة في العالم لا تعرف مكامن الخطر وبحاجة الى من ينبهها اليها. أما الصحافة الأميركية المحتلة اسرائيلياً فهي لا تحذر من خطر المزاعم الاسرائيلية على المصالح الأميركية، وإنما تفسح المجال لإيهود أولمرت وإيهود باراك وتسيبي ليفني لبث سمومهم، ومعهم الدجالون المحترفون من نوع بنيامين نتانياهو واللوبي اليهودي (ايباك) والمرتشون الرخيصون من أعضاء الكونغرس الذين يرعون قرارات تؤذي بلادهم في مقابل دعم مالي في الانتخابات