غوانتانامو... وأزمة الضمير الأمريكي
22 آب, 2008
غوانتانامو... وأزمة الضمير الأمريكي
 

سيريل تاونسند

في الخطاب الذي ألقاه في تايلاند قبيل مغادرته لها إلى بكين لحضور مراسم افتتاح الأولمبياد، انتقد الرئيس بوش الصين بسبب سجلها المخزي في مجال حقوق الإنسان.

وفي الوقت نفسه طالعنا في الصحف خبر إدانة سالم حمدان، وهو يمني وسائق سابق لأسامة بن لادن، بتهمة دعم الإرهاب أمام محكمة عسكرية عقدت له في معتقل غوانتانامو. فهل نسي بوش إلى أي مدى تلطخت سمعة بلاده بسبب إنشائها وإدارتها لمعتقل غوانتانامو أثناء انتقاده لسلوك الصين في مجال حقوق الإنسان؟ وأين هي القيمة الأساسية التي يفترض لأميركا حمايتها والدفاع عنها، من حربها المعلنة على الإرهاب؟ أين هو احترام القانون الدولي والسلوك الذي كان لنا أن نتوقعه من جانب أميركا؟

الغالب أن الشعور الطاغي لدى الجزء الأكبر من سكان العالم اليوم هو أن سجل بوش بالذات في مجال حقوق الإنسان، ليس مشرفاً بما يؤهله لإعطاء الدروس للصين أو غيرها من الدول حول احترام هذه الحقوق، مع ملاحظة اقتراب موعد مغادرته للبيت الأبيض، وهو لم يخلف وراءه سوى الخيبة والفشل الذريع.

ولابد من التذكير بأن محاكمة سالم حمدان المذكور، كانت هي أول محاكمة لجرائم الحرب تعقدها الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والحق أن غالبية المعتقلين في معتقل غوانتانامو هم من صغار المجرمين، حتى في أفضل الحالات التي ثبتت فيها التهم الموجهة إليهم، ولا يستثنى من هذه الحقيقة سالم حمدان طبعاً. ووفقاً لفريق الدفاع الذي تولى المرافعة عنه أمام المحكمة العسكرية التي مثل أمامها، فقد كان سالم حمدان يتقاضى أجراً شهرياً قيمته 100 دولار، لقاء صيانته الأساسية لأعطال السيارات، إلى جانب وظيفة قيادة السيارات التي كان يتولاها. ولفترة من الفترات كان سالم سائقاً لسيارة أسامة بن لادن. ومن جانبه ذكر "جيم مورفي" ممثل الادعاء في القضية أنه كان في سيارته صاروخان "أرض-جو" لدى إلقاء القبض عليه في أفغانستان في شهر نوفمبر من عام 2003. ومضى "مورفي" في وصف سالم بأنه: "كان مقاتلاً من مقاتلي القاعدة، وقد تسبب هو وغيره من مقاتلي التنظيم في إيلام العالم وإيذائه". غير أن هيئة الدفاع قالت إن المتهم لم يكن سوى شخص مغلوب على أمره. ونفت هيئة الدفاع أن يكون سالم قد لعب أي دور في أي من الخطط الإرهابية. وتساءلت الهيئة عما إذا كان ملائماً من الأساس توجيه اتهامات بارتكاب جرائم الحرب إلى السائقين؟ مشيرة في ذلك إلى أنه لم يسبق لمحاكمات نورمبرج الشهيرة التي عقدت لمحاكمة المجرمين النازيين، أن وجهت اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم الحرب لسائق الزعيم النازي أدولف هتلر مثلاً. ولاحظت الهيئة أن إجمالي عدد الذين مثلوا أمام تلك المحاكم كان ضئيلاً ومحدوداً جداً.

وكانت محكمة غوانتانامو العسكرية قد استمعت على مدى أسبوعين للأدلة المقدمة ضد المتهم سالم حمدان، مع محاولة استبعاد تلك التي تم انتزاعها عن طريق التعذيب. غير أنه يحق لنا أن نوجه سؤالاً إلى قاضي تلك المحكمة، عن مدى علمه بكافة الأدلة والبينات التي تم انتزاعها من المعتقلين بواسطة التعذيب منذ عام 2001 وحتى لحظة انعقاد المحكمة، وخاصة أن هذه الممارسات الوحشية ضد المعتقلين أصبحت سمة رئيسية من سمات ذلك المعتقل الرهيب سيئ السمعة؟ وتتألف هيئة المحلفين من ستة ضباط أمريكيين عسكريين يتقاضون أجورهم من الخزانة العامة الأمريكية، وتولوا المهمة التي أوكلت إليهم بناءً على ولائهم العسكري. وفي هذه الهيئة تكفي أغلبية ثلثي الأعضاء لإدانة المتهم الذي يمثل أمامها.

وما أن أصدرت هيئة المحلفين قرار إدانتها للسائق المدني السابق بتهمة مساندة الإرهاب التي وجهت إليه، حتى تعالت الانتقادات التي طعنت في شرعية المحكمة العسكرية نفسها قبل قرارها. وقضت هيئة المحلفين بمعاقبة سالم حمدان بالسجن لمدة خمس سنوات ونصف، ما يعني احتمال نقله من كوبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. أما في حال تبرئته من التهم الموجهة إليه، فسيبقى مكانه في معتقل غوانتانامو بصفته "مقاتلاً عدواً".

والحقيقة أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ فادحاً برفضها الامتثال لنصوص معاهدة جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب. وكما نعلم، فقد بذلت جهود دولية مضنية في صياغة وإجازة ما اشتملت عليه من نصوص وقواعد منظمة لكيفية التعامل مع أسرى الحرب. وبدلاً من تطبيق نصوص هذه المعاهدة على أسراها، تمسكت أميركا برأيها القائل إنها هي وحدها من سيقرر مصير السجناء عقب انتهاء حربها المعلنة على الإرهاب.

غير أن "اتحاد الحريات المدنية الأمريكي" وصف المحكمة العسكرية آنفة الذكر بعدم الكفاءة. وقال أنتوني روميرو رئيس الاتحاد: "إنه بسبب الثغرات السائدة في القواعد المنظمة لعمل اللجان العسكرية بسجن غوانتانامو، فإنه يصعب جداً تحقيق العدالة في ذلك السجن. بل إن الإجراءات القضائية التي تتخذ داخل السجن، تمثل انتهاكاً للعدل الأمريكي... من أولها إلى آخرها". وفي المملكة المتحدة مثلما هو الحال في أنحاء شتى من العالم، جاءت ردة فعل المحامين غاضبة على قرار الإدانة المذكور. أما البيت الأبيض فقد أعلن ترحيبه بالقرار، على رغم أن المحكمة لم تتوصل إلى إدانة المتهم بالتآمر لشن هجمات إرهابية ضد المدنيين.

وبما أن هيئة الدفاع عن سالم حمدان تعتزم استئناف القرار الصادر عن هيئة محلفي معتقل غوانتانامو، فإن المرجح أن تصل هذه القضية إلى المحكمة العليا الأمريكية، باعتبارها صاحبة الكلمة الأخيرة فيها.

يذكر أن كلا المرشحين الرئاسيين الأمريكيين وعدا بإغلاق معتقل غوانتانامو، كل منهما في حال فوزه بالمنصب الرئاسي. وبينما لا يزال عدد المعتقلين داخل السجن كبيراً، عموماً، حيث لا يقل عن نحو 270، إلا أنه كان يضم ما يزيد على 700 سجين في ذروة الحرب على الإرهاب. وإلى أن يتم إغلاق هذه المؤسسة سيئة السمعة، يواجه الأمريكيون معضلة كبيرة ومحرجة للغاية بشأن التوصل إلى ترتيبات أخرى بديلة للتعامل مع سجناء الحرب على الإرهاب.

ومما لاشك فيه أن التعاطف العالمي مع الأمريكيين قد وصل ذروته إثر تعرض بلادهم مباشرة لهجمات 11 سبتمبر. وعندها كان في اعتقاد إدارة بوش أن تلك الهجمات قد أحدثت تغييراً جوهرياً في العالم. صحيح أن تغييراً عالمياً ما قد حدث بالفعل، إلا أنه لم يصل إلى ذلك الحد الذي تصورته واشنطن. وإذا ما أعدنا النظر مرة أخرى إلى تلك السنوات، فسنلاحظ أن الإدارة الأمريكية قد سلكت الطريق الخطأ، وفرطت أيما تفريط في الدعم الدولي الذي حظيت به أميركا عقب 11 سبتمبر. فعلى رغم ما طرأ من تغير عالمي بسبب تلك الهجمات، إلا أنه لم يكن ممكناً شطب القانون الدولي والضمير الأخلاقي، ولا الدور الحيوي الذي تؤديه الأمم المتحدة في الدفاع عن الحرية في العالم، بجرة قلم واحدة مثلما فعلت واشنطن. بل الصحيح أن ما شطبته واشنطن بالأمس عاد ليكتسب أهمية أكبر من ذي قبل اليوم.

*نقلاً عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية

بواسطة theoutsidersomali 04:27 | رأي | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba