محمد صلاح
كانت النار تأكل المبنى التاريخي لمجلس الشورى المصري حين ظهر مسؤول برلماني على شاشات التلفزيون، واقفاً خلف الأضواء وأمام العدسات بين رجال الإطفاء، ليعلن أن «الحريق تحت السيطرة», واستمر بعدها احتراق المبنى لساعات إلى أن أتت النار على طوابقه الثلاثة، فانتهى إلى جدار بلا طوابق أو حجرات أو قاعات.
بعدما خمدت النار وبقي بعض من الدخان وظهرت المأساة وحجم الخسائر وضخامة الحدث، ظهر مسؤول آخر ليعلن أنه «تمت السيطرة على الحريق» مع الساعات الأولى لصباح الأمس. وحين تجولت الكاميرات في المكان ظهر أن الحريق ظل مسيطراً على المبنى من دون أن يسيطر عليه أحد, إلى أن قضى على كل المبنى مخلفاً بعض الأنقاض والركام والأوراق التي تحولت جميعها إلى اللون الأسود، إضافة بالطبع إلى رائحة الخراب التي سادت المكان. بغض النظر عن أسباب الحريق ونتائج التحقيق الذي بدأه النائب العام المصري فإن وقائع ما جرى كشفت أساليب بعض المسؤولين في التعاطي مع مثل هذه الأحداث, فالمهم لدى هؤلاء إبعاد المسؤولية عن أنفسهم ومن حولهم ونفي شبهة الإهمال أو الفساد والإيحاء دائماً بأن الأمر بسيط يمكن السيطرة عليه وبعدها يكتشف الجميع أن الأمر كبير وأن الإهمال سائد والفساد متوغل.
تظل الكوارث الكبرى تقع طالما أن المسؤولين يبادرون كل مرة إلى تبرئة أنفسهم أولاً قبل البحث عن أسبابها, واتخاذ الإجراءات التي تكفل عدم تكرارها, أما القضاء والقدر فهو «الشمّاعة» التي تحمل عليها دائماً المسؤولية فينجو الجميع من دون أن يعالج المجتمع أمراضه وكوارثه. ومنذ حريق القاهرة الذي وقع في 16 كانون الثاني (يناير) 1952 وأدى الى سقوط ضحايا كثر بين قتلى وجرحى وأتت النار فيه على عدد كبير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية إضافة إلى الشقق السكنية، ظلت الحرائق الكبرى تنتقل بين بناية وقطار ومسرح. ومنذ احترقت دار الأوبرا التاريخية العريقة في 28 تشرين الأول (أكتوبر) 1971 لم يعرف الفاعل حتى الآن ووصلت الاحتمالات إلى نتيجة واحدة وهي تحيمل القضاء والقدر المسؤولية.
أما عندما احترق مسرح بني سويف في أيلول (سبتمبر) 2005 فقد دفع بعض الموظفين الصغار الثمن من دون أي من الكبار الذين كانت مهمتهم السطوع أمام الكاميرات لتبرير الكارثة ثم الحديث عن اهتمامهم بوضع الأسس الصارمة واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرارها. وبطبيعة الحال فإن «سيطرة» السلطات والأجهزة الرسمية تكون قائمة مهما اختلفت الكارثة ولا فرق بين حريق أو زلزال, فالسيطرة دائمة وهو ما يهز ثقة الناس ويجعلهم لا يصدقون بأي سيطرة. ومهما كانت مشاعر قوى المعارضة المصرية ومواقفها تجاه طبيعة عمل مجلس الشورى أو مجلس الشعب اللذين يكوّنان البرلمان المصري، وتحفظات المعارضة تجاه قوانين الانتخاب وأساليب النقاش داخل المجلسين، إلا أن مشاعر الأسى والحزن على ما جرى لإرث تاريخي عريض بلغت الذروة، فالحكومات تأتي وتذهب والمعارضة تتغير وتتبدل, لكن تبقى مبان تاريخية مصرية تحتفظ بقيمة معمارية وتراثية تفوق ما جرى داخلها من أحداث.
قد تفرض الغالبية البرلمانية للحزب الوطني الحاكم مواقفها في ساحة البرلمان وقد يغضب نواب المعارضة مما يعتبرونه «ديكتاتورية الغالبية»، غير أن مواقف هؤلاء النواب تبقى دائما تحت السيطرة ويستطيع أقطاب الحزب الحاكم أن يفخروا دائما بسيطرتهم على «حرائق النواب»، أما كوارث الحرائق التي تعددت وأكلت أكثر من مبنى تاريخي فالمؤكد أنها ليست تحت السيطرة حتى وإن ادعى بعض المسؤولين قدرتهم على السيطرة عليها.
*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية |