نحو خمسينية السينما المغربية ... المغربي الأمازيغي مهاجراً في أفلام الهوية والانفصام
06 ايلول, 2008

نحو خمسينية السينما المغربية ... المغربي الأمازيغي مهاجراً في أفلام الهوية والانفصام

الرباط - مبارك حسني     الحياة     - 05/09/08//

هناك في الحقيقة بعض الصعوبة في تناول الموضوع الذي ندنو منه هنا. وهي صعوبة لها شقان. بالنسبة الى الأول، لا يمكننا سوى مقاربة الأمر مع أقل ما يمكن من التعسف المنهجي والنظري بتخير الحذر عند الحديث عن أعمال غايتها الأصلية مخالفة لما نريد تقديمه، والابتعاد ما أمكن عن الصدفوية، وأيضا تخير أقل ما يمكن من الربط القسري لعدم وجود سينما أمازيغية بالمعنى المعروف والشائع. 
وبالنسبة للصعوبة الثانية، فهي كون المادة الفيلمية المساعدة نادرة جداً، وإن وجدت فهي لا تساهم إلا عرضاً في تجلية ما نحن بصدده. وهنا لا بد من الإشارة إلى أننا اخترنا أفلاماً تنتمي إلى الفيلموغرافيا المغربية المنتجة منذ سنة 1968 وعددها يناهز 170 فيلماً. وقد اخترنا منها أفلاماً منتجة في السنوات الأخيرة، والغريب أنها أفلام تطرقت إلى ثيمة الهجرة مع تعالق عرضي، ونكرر الأمر مرة أخرى، مع المعطى الأمازيغي. وهي الأفلام الطويلة التالية «الملائكة لا تحلق في الدار البيضاء» لمحمد العسلي، و «طنجا» للمخرج حسن لكزولي وهو مخرج مغربي أمازيغي من مدينة صفرو ومهاجر في فرنسا، و «الراقد» للمخرجة المغربية القاطنة ببلجيكا ياسمين قصارى والتي لها أصول من الشمال الشرقي المغربي. وأخيراً الفيلم القصير للمغربي رشيد بوتونس، المقيم في فرنسا.
 هذه الأشرطة تتحدث عن موضوعة الهجرة، وتحمل في طياتها المعطى الأمازيغي كلية أو جزئياً، وهي بذلك تلفت الانتباه إلى ما تحبل بها السينما المغربية، وإن عرضاً، من إمكانية تحسيس المغربي بخصوصياته وبعمقه الهوياتي الآخر. كما أن المخرجين مهاجرون أصلاً ويقيمون أو أقاموا فترة بالخارج، وبالتالي فهم يحملون صفة التنقل نحو فضاءات ليست فضاءاتهم المجتمعية الأصلية، وبالتالي فهم الأقدر على الطرح والتطرق للهجرة من الداخل. وهذه الأفلام جديدة من الإنتاجات الجيدة المغربية والتي جاءت في أعقاب الفورة الإنتاجية السينمائية المغربية عبر قدوم جيل ثانٍ من المخرجين المغاربة القاطنين بالخارج، مما يجعل مصداقيتها الفنية والجمالية ومواضيعها تمنح صورة بليغة سينمائياً.
يسرد «الملائكة لا تحلق في الدار البيضاء»، لحكاية ثلاثة شبان يعيشون معاً ويعملون بمقهى بالدار البيضاء. ما يهمنا هنا هي قصة سعيد الشاب الأمازيغي القادم من إحدى قرى الأطلس الكبير. وهي حكاية تلخص معاناة الهجرة كاقتلاع من حضن أليف ومن عالم خاص متفرد بخصوصيات لا توجد في مكان الهجرة. خصوصيات تتعلق بالعيش والألفة واللغة والعادات. ويصور الفيلم هذا التقابل بإتقان كبير. فلأول مرة نشاهد فيلماً مغربياً جيداً لا يتوخى «قلب» اللغة أي الترجمة للحديث عن حالة خاصة جداً. حكاية سعيد في بلدته ومع أهله وناسه تجري في إطار أمازيغي صرف في وفاء أصيل لوجود لا يمكن تلمسه عاطفياً وأثراً إلا من خلال رموزه الخاصة بالتي تميزه، لغة وطريقة عيش. يبدأ الفيلم بمكالمة قاسية من زوجة سعيد الشابة تحثه على العودة نحو البلد وترك الدار البيضاء التي تأكل الرجال. نلمس صوتها وهي تشكو وحدتها وتبكي فراقه. فسعيد هاجر بعد زواجه لكي يضمن له ولها وللابن المنتظر ما يكفي لعيش كريم. الهجرة هنا هجرة اضطرارية لأسباب اقتصادية خالصة. ففي الجبل والقرية لا فرص عمل، ولا إمكانية لتدبر ما يكفي للكفاف والغنى عن الناس. إلا أن الهجرة تتجاوز ما هو اقتصادي له انعكاسات اجتماعية. الهجرة هنا تسبب الألم العميق. تسبب الافتراق عن حلاوة عيش هانئ سينكسر مستقبلاً. لذا نسمع الزوجة تقول: «آه لو كنت أعرف القراءة والكتابة لكتبت إليك الرسالة تلو الأخرى»، وذلك لثنيه عن المكوث بعيداً بالدار البيضاء، ولكي تذكره بها هي المرأة العطوف المحبة، هي امرأته التي في الجبل. يبني الشريط الأمر بقدر كبير من التمكن. وبالتالي يشعر المشاهد بأن الافتراق ليس افتراق زوج عن زوجته بل افتراقاً عن حضن الأصل وعن الهوية، أي عن ما يشكل حضناً سعيداً لا يجب التفريط فيه، عندما تفترس الدار البيضاء سعيد فهي تفترس علاقة مفارقة أخرى بصفات مفقودة في المدينة الغول حيث ينسلخ المهاجر من ذاته إن أنسته ظروف العيش فيها التفكير في غير الخبز.
وهنا يأخذ الفيلم منحى تبيين الكارثة التي سببت الهجرة الاضطرارية. ألا وهي عدم الاعتناء بالمنطقة وتركها لحالها الرثة ونسيانها. فلا طرق ولا تعليم ولا أسباب عيش مساعدة. وسترينا الأحداث الفيلمية المأساة الكبرى. يعود سعيداً ليجد زوجته حاملاً تنتظر الوضع القريب، ويجدها مريضة من تفاقم العزلة والوحدة ومن غياب حنان سعيد ووجوده. تقع الكارثة وتمرض الزوجة. لكن لكي تلد ولكي تشفى يضطر سعيد لحملها نحو أقرب مستشفى في الوعر وفي غياب أي طريق وأي وسيلة نقل وفي جو الجبل الشتوي الثلجي الذي لا يرحم من لا يملك وسائل مقاومته. يصور الفيلم الكارثة التي تسبب الهجرة وألم المغادرة. السبب اقتصادي محض ولكي يدق ناقوس خطر أكثر يمنحنا مخرج الفيلم إحدى أقوى المشاهد في السينما المغربية. الزوجة ميتة والزوج يبكيها، والبغل الذي حملهما لا مبال، وكل هذا في صحراء ثلج مضببة شاسعة فارغة. تأكل أخيراً الهجرة سعيد. تقطع أسباب الوصل. والغريب الذي يجب أن نشير إليه أن صوت الموت يسبب صمتاً عميقاً. وغيابها نرى فيه غياباً لأسباب بقاء في جبل الأطلس العظيم. المرأة الرافضة للهجرة ستظل لا ريب ماسكة بسر الجبل وبهوية الجبل الخالصة. موتها بسبب الهجرة هو إنذار بقرب اندثار حثيث لشيء أعمق.
هذا الاندثار الذي نتلمسه في فيلم ياسمين قصاري.

هجرة الخارج أو الانفصام القاسي

 

يتحدث «الراقد» عن نساء في منطقة تاوريرت. نساء يعشن وحدهن بعد أن رحل الرجال إلى الجنوب الاسباني للعمل سرياً في الحقول وإرسال المال. الشريط ليس ناطقاً بالأمازيغية لكنه يجري في فضاء غادرته أمازيغيته لغةً، وظلت في العادات وفي الزينة وفي الملامح. الجغرافيا هنا قاحلة، منسية، صامتة، وأسباب العيش الكريم نادرة. لا شيء يحدث، مجتمع نساء يجترون المرارة والحرمان العاطفي في غياب رجال يعيشون نفس الحالات منعزلين في عالم ليس أفضل.
الهجرة في الفيلم تسبب انفصاماً، ليس بالمعنى الباثولوجي ولكن بمعنى تفارق مع وجود وحدة ما. انفصام هو تقسيم لمجتمع بدوي متحد ملتحم، تقسيم قاسي يقضي على الجميل والمريح والسامي الذي كان واندثر. وما يبين هذا الانفصام في شريط ياسمين قصاري هو وجود أشرطة فيديو يرسلها الرجال، وقد صوروا فيها أنفسهم في أكواخهم وهم يبثون الزوجات لواعجهم وهمومهم ونصائحهم. يعيش الرجال رفقة نسائهم عبر صور متحركة، هم موجودون وغير موجودين مما يشكل انفصاماً فيزيقياً قاسياً.
إحدى النصائح سيرسلها زوج لبطلة الفيلم زينب الزوجة الشابة يحثها على «ترقيد» الجنين في بطنها حتى يعود من المهجر في إجازة. خلقun state quo  هو العلامة المميزة التي يلخص بها الشريط اثار الهجرة. تجميد الحياة في انتظار، ليس زوال أسباب الهجرة فذلك غير ممكن ما دامت الهجرة هي الوسيلة الوحيدة لتحصيل العيش، ولكن لسرقة مهلة راحة أو إجازة للحياة بالشكل القديم الذي لم يعد. تلك الحياة الأصيلة التي حدث الانفصام عنها. لأن هناك انفصاماً ثانياً يظهر بالعرض في الشريط. انفصام سابق أوجده تعاقب الهجرات المستمرة. فالتواصل بين الشخصيات يتم بالدارجة العربية التي في الشرق المغربي. لكن ليس كل الشخصيات. فإلى جانب الزوجات الشابات هناك الأمهات العجائز. نساء يحملن الزمن في تجاعيد الوجه وفي الوشم المرسوم في الملامح. وعندما تتوجه الزوجات بالحديث إليهن يتم التواصل بأمازيغية المنطقة. وهذا هو السبب الذي جعلنا ندرج الفيلم في تدخلنا هذا. فالشريط يتحدث عن مغاربة أمازيغ في الشمال الشرقي من المغرب. أمازيغ نعتقد أن من أسباب فقدهم للتواصل بالأمازيغية هو تعاقب الهجرات. أي أنها تسبب اندثاراً حقيقياً للغة. فكيف تنمو اللغة وتستمر في فضاء جغرافي يرحل فيه السكان تباعاً ويهاجرون وترقد فيه الأجنة في البطون، يهاجرون نحو فضاءات أخرى بها لغات أخرى حية ومهيمنة اقتصادياً وثقافياً أو يرقدون. 
الشريط يبين ويصور في جل لقطاته الجغرافية العارية الفقيرة الفارغة من الحياة إلا ذاك المجتمع النسوي البسيط المحروم. كأنما المخرجة تريد البوح بمرارتها وهي ترى نساء مسقط رأسها محرومات من العاطفة ومجبرات على تتبع عادات قاسية تكثف من قسوتها غياب ما كان يشكل الأصل بسبب الهجرة القاتلة لهذا الأصل.
وطبعا سيكون المآل، أو أحد النتائج الأساسية هو الغياب عن الذات نفسها أي الضياع كما يصور لنا ذلك الفيلم القصير الرائع «لا هنا لا لهيه» لرشيد بوتونس والذي يِؤدي فيه الممثل المغربي المعروف المهاجر أيضاً بفرنسا دوراً متميزاً.
الفيلم يسرد حكاية رجل اسمه أحمد يتلقى دعوة لزيارة مقر البلدية في المدينة التي يعمل بها في مجال الإصلاح الطرقي، وذلك في نفس يوم تقاعده. ينتظر دوره في جمع لتقدم له ميدالية وشهادة تكريماً له على الخدمات التي أسداها للبلدية. يتلقى الترحيب ويسمع كلمات طيبة ويودع. يجري كل شيء وهو غائب تقريباً عن كل ما يحدث، يكتفي بالتحديق والمتابعة كأن الأمر لا يعنيه. يخرج وعند الباب يلتقي رفاقه وهم بلباس العمل في شاحنة البلدية، يحييهم ويودعهم ليجد نفسه أخيراً يسير كالتائه ثم يجلس على طوار في الشارع الكبير برفقة أناس لا يعرفهم. يبدو الرجل بطاقيته ولباسه العادي الذي يرتديه المهاجرون المغاربة الأمازيغ في فرنسا، يبدو كأنه لم يعش طيلة أربعة عقود في فرنسا.
الهجرة هنا تظهر لنا ضياعاً تاماً ومطلقاً. وأبلغ صورة عنها هي الجلوس على قارعة الطريق في شبه عزلة تامة وصمت مرين. وتبدو حياة بكاملها بلا معنى ولا نعت إيجابي يمكن وصفها به. والأدهى من ذلك يحس المشاهد بأن السيد هذا جاهل وغير واع بما وقع له وكأنه كان في قوقعة بنظام يومي ورضوخ تام. ولما تم فتح القوقعة يتم الأمر كما لو أنه طرد ونبذ. فبلد الهجرة أخرج الرجل من بلده الأصلي وأتى به ومنحه سبباً مادياً للعيش، ولم يمنحه سبباً معنوياً كالتكوين والقراءة، والأخطر أن ذلك لم يعوض له ما ضاع منه أصلاً. وهنا يمنحنا الفيلم نغمة صورية رائعة وذلك بتخير موسيقى تصويرية لنهاية خدمة تبدو كالطرد. الموسيقى التصويرية هي عزف لرباب سوسي شجي وحزين. تطالعنا الموسيقى في الشريط كرجع صدى بعيد في ذاكرة نسيت منبعها الأول في خضم سنوات الخدمة بالمهجر. كأنما الرجل يتذكر فجأة زمناً قديماً فقده ونسيه وها هو يعود كأنما تلك السنوات المهجرية لم تقدم له أي معادل روحي معنوي في حياته فقام المخرج بإحيائها كنغمات قادمة من وراء السنين.
هذا الإحياء الذي يشكل أساس فكرة فيلم «طنجا» لحسن لكزولي.

إعادة اكتشاف الهوية

 

أما «طنجا» لحسن الكزولي فهو من نوع أفلام السفر  road movie وأفلام التلقين film d'intiation. وقد تخير ثيمة الهجرة عيانياً وأساساً لكشف المخزون الهوياتي الثري المتخفي والمتواري في سنوات الإقامة بالمهجر بفرنسا. فبطل الفيلم نور الدين يجد نفسه مضطراً لتنفيذ وصية والده المتوفي. الوصية التي يطلب منه فيها ترحيله ودفنه ببلدته الأمازيغية في الأطلس المتوسط. لم يطأ البطل قط أرض أجداده ويبدو له الأمر نزوة مكلفة وبدون معنى وعبثية، هو الذي نشأ في اندماج كامل مع بلد إقامته وثقافته. سيحمل النعش في سيارته ويرحل إلى المغرب، وحالما يطل على المغرب تتكشف له رويداً رويداً ثقافة أخرى، ثرية وغنية، ويعاين واقعاً آخر، في هجرة معاكسة. ليس للإقامة ولكن في هجرة غير مادية إن صح التعبير نحو ثقافة الأصل والأجداد المطمورة في داخله من دون أن يعي ذلك. تنفتح عيناه على أصواته الداخلية وعلى ممارسات تملأه بالفرح والفهم ويتواصل معها بكل سلاسة ويسر كأنه كان يعرفها منذ البداية. الهوية لا تموت. تكفي مسببات بعثها لتحيا من جديد

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba