تقاطع الدلالات في رواية تقاطع لصلاح القرشي
30 نيسان, 2009

 

تقاطع الدلالات في رواية تقاطع لصلاح القرشي

 

سعد الثقفي
    في روايته الأخيرة يحاول الروائي والقاص صلاح القرشي، استحضار الماضي كشاهد ومعادل للحاضر في آن؛ ففي روايته تقاطع، لا تجد في الواقع تقاطعاً واحداً ؛ وإنما تقاطعات شتى بين الماضي والحاضر. متمثلة في استحضار أمور متعددة لعلها تساعد في الحكم على الأحداث الراهنة. فشخصية مثل شخصية الشاعر الأموي الكميت بن زيد، والمتشيع لآل البيت تصلح دلالتها وشخصيتها «الامفوتيرية» المترددة في الحكم على ما يراه الروائي في الوقت الراهن.

تبدأ رواية تقاطع بمشهد روائي يذكرك بما يحدث في روايات نجيب محفوظ بالتحديد، حيث يظهر مدى تأثر الحبكة الروائية والسرد لديه بما لدى نجيب محفوظ وآخرين. حيث شكّلت الرواية المصرية عالما يستقي منه صلاح القرشي طريقة ما، لنسج عالمه الروائي، وإنْ كانت التجارب كفيلة بتجاوز هذا الأمر بالنسبة إليه والوصول إلى عالمه الخاص.

ذلك المشهد هو مشهد المزمار في عرسٍ مكي، يخرج منه العُص، أحد أبطال الرواية – إنْ لم يكن بطلها الأوحد – كون أحداث الرواية تتمحور حول شخصيته، لينثر دم العريس «الدُّبا» دلالة على سمنة مفرطة في ليلة عرسه ومن خلال لعبة المزمار التي عادة ما يلعبها المكيون في أعراسهم، لا لسبب مقنع إلاّ بسبب رؤية الدماء وكون الدُّبا قد سلب منه حبيبته المفترضة حنان الماجدي، وهكذا تنشأ الخصومات في الواقع. ثم يتحدّث الروائي عبر تقاطعات مختلفة تشكّل عالما روائيا جميلا ومقنعا تتناوب فيه الأحداث وتكاد تضعف خيوط الربط بين عوالمه ؛ لكنه ما يلبث أن يلتقطها خيطاً خيطاً ويعيد ربطها من جديد باقتدار، فينقل حارة مكة الحاضرة ،إلى قلب السرد، محاولة جعل هذه المشهد المتكرر عبر أزمنة متعددة ؛ شاهدا على تغير الأحداث، وتقاطعها عادة مع الماضي بكل تجلياته، وويلاته أيضاً.

وفي أثناء السرد يتحدّث الروائي من خلال أبطال روايته عن آرائه المختلفة في أمور شتى مثل حرب الخليج، والصحوة الإسلامية، وغيرها من الأمور التي خلط فيها بين آراء خاصة به، وآراء أُخر. اتسعت الرواية بطبيعة الحال من خلال السرد للوقوف عليه جميعاً.

فرحان العُص، والدُبّا، يلتقيان ويختلفان حول امرأة ! حنان الماجدي، تلك الفتاة التي شكّلت ذكريات الماضي، وتداعيات الحاضر في آن .وهكذا تبدأ المشاكل عادة من أجل امرأة، حب ما، ذكريات طفولة، تكبُر، وتكبر معها أحلامنا، لكنها لا تلبث أن تأخذ منحى آخر، أو تقاطعا آخر كما يحلو للروائي أن يسمي روايته. وهكذا نكتشف أننا أمام تقاطعات شتى، فما كان سببا لإعدام الكميت بن زيد في العصر الأموي هو ذات السبب الذي قتل شخص آخر في هذا الزمن رغم اختلاف التجربتين، فهناك تقاطع ما، جعل القتل واحدا، رغم اختلاف الطريقتين والزمنين أيضا، أهو التأريخ يعيد نفسه ! هذا ما تجيب عنه الرواية وهي تحاول أن تفلسف الأشياء وتوجِد لكل شيءٍ سببا مقنعا.

فرحان العُص وهو يكبر منذ صغره، في وسط أسرة فقيرة، تحكي بالضبط حال أسرٍ كثيرة نمتْ في هذه البلاد، ليس في مكة فحسب؛ وإنما في سائر أنحاء بلادنا. هذا النمو وهذا التشرذم في نهاية المطاف مع المخدرات ثم التسكع في الحارة، والسجن في نهاية المطاف وتفكك الأسرة؛ يحكي لنا عن مصير مشترك لأبناء كثيرين وقعوا في ذات المصير، حاول المؤلف معالجتهم من خلال شخصية فرحان العُص الذي روى المؤلف من خلاله كيفية تشكل هذه الشخصية المتمردة على الواقع والنظام والتي لا تطمئن إلى شيءٍ اطمئنانها إلى الواقع، بعيدا عن المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله.

فرحان العُص هو كل إنسان فقد توازنه في منتصف الطريق، لم يجد له معيناً ولا عائلاً، وكما كانت قراءة فرحان العُص للحاضر والمستقبل قراءة خاطئة، كان الكميت بن زيد قد قرأ ما ستؤول إليه الأمور بشكل خاطئ بالطبع ووصلا لذات النتيجة، فقدَ الكميت رأسه مصلوبا، وفقدَ فرحان العُص، عقله، وفيما بعد حريته مسجوناً، ومثلهما في هذا الزمان كثرٌ أيضا، أولئك الذين فقدوا جادة الصواب، فكان الموت أو السجن مصيرهم، وتجد أن التقاطع الذي أوصلهما لذات النتيجة هو أمرٌ ما حاول الروائي الوقوف عليه وفلسف الأمور بقدر قناعاته وثقافته بطبيعة الحال، لكن ليس من حقي أن أعترض على فلسفته، كما ليس من حقه هو أن يفرض قناعته على القارئ.

في رواية تقاطع، تجد الحارة المكية حاضرة بكل تفاصيلها، وتلك اللهجة المكية تتقاطع تماما مع اللهجة البدوية، وما يحصل لجابر العص، وأسرته وأخيه وابن أخيه، يتقاطع تماما مع ما يحدث لكثير من الناس، وما شنق صدام حسين، إلاّ حادثة بسيطة نتجت بسبب تقاطع خاطئ، حدث في زمن ما، وهو نفس الخطأ الذي حدث في زمن بني أميه على سبيل المثال ونتج عنه جور وظلم شديد للعباد والبلاد من وجهة نظر الروائي. والمخدرات التي تتقاطع مع الجنس والنساء شأنها في ذلك شأن ما يكتب وما يتم تناوله في روايات متعددة ؛ قديما وحديثا؛ لكنْ يُحسب لصلاح القرشي انه لم يُقحم هذه المسائل في روايته، ولم يسوقها متوسلة بجنس على سبيل المثال.بل يشتغل على مشروعه الروائي ابتداء من بنت الجبل، وهذه الرواية الثانية، مبشراً بروائيٍّ جيد، سوف يكتب عن مكة وعوالم مكة التي أزعم أنها بيئة مناسبة لتخرِج عشرات الرويات إن لم تكن مئاتً. شأنها في ذلك شأن الأماكن العريقة والتي يختلط فيها الماضي بالحاضر، كيف لا، ومكة المكرمة هي بمثابة القطب لنا جميعا.

لم يهتم صلاح القرشي بنهاية روايته، فليس مهماً أن تختم الرواية بنهاية منطقية ولا غير منطقية؛ بل المهم كل المهم، أنْ يخرج لنا الروائي بجديد ويأتي بما لم تأت به الأوائل كما يقال. وهذا هو ما أعتقد أنّه تم في رواية تقاطع التي هي عبارة عن تقاطع الماضي العريق، بالحاضر المتجدد، وإنْ كانت مجموعة تقاطعات لا تقاطعا واحدا. لكنها تقاطعات تنصب تحت التقاطع الكبير الذي عناه الروائي وهو يريد أن يقول لنا أن التأريخ يعيد نفسه في كُلِّ حادثة مهما تغيرت الأزمنة واختلفت الطرق، ألم يقل الشاعر العربي قديما: تعددتِ الأسبابُ والموت واحدُ

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba