
يزداد يوماً بعد يوم تأثير الصورة في اللوحة، وتكاد تقنيات الصورة بكل القدرات التي وفرها عصر ما بعد الحداثة أن تحتل المقام الذي كان يحتله اللون والخط والشكل في اللوحة. ويتجلى ذلك كلياً وعلى نحو واسع في فن البورتريه في الوقت الحاضر. ولكن هناك تجارب ظلت مخلصة لأصول فن البورتريه الكلاسيكية خصوصاً المدرسة الإنكليزية التي تحتضن معظم أعمالها صالة البورتريه الوطنية البريطانية، من أهم صالات العرض في البلاد.
في هذه الصالة العريقة يوجد عدد كبير من المعارض، منها الدائم والموسمي ومنها الذي يقام لمناسبات خاصة، لكن ما يعرض اليوم يركز على البورتريه تحديداً بتقنياته المختلفة. يجد المشاهد في هذه المعارض بورتريهات منفذة بطرق مختلفة طبقاً لتوجهات الفنانين المشاركين في هذا المعرض، لكن اللافت فيه إن غالبية اللوحات منفذة بتقنية كلاسيكية مع عدد قليل منفذ إما بطريقة التنقيط أو بطريقة تجريبية أو باستخدام الشفرة مع حفاظها على الصورة التي لا تخطئ شكل الشخص صاحب البورتريه. انه إخلاص من طراز خاص لروح القرن السابع عشر مع إضافات لونية لا يمكن للعين إن تخطئها.
في آذار (مارس) من عام 1856 وبعد فترة وجيزة من تأكد مكانه في مجلس اللوردات دعا فيليب هنري مع ايرل ستانهوب الخامسة إلى إنشاء هيئة وطنية للصورة الشخصية (البورتريه) أو معرض للصور الأصلية. ستكون هذه الصور لشخصيات لها دور كبير في صناعة تاريخ بريطانيا: رجال دولة أو قادة عظام، مفكرين أو أدباء أو علماء والاحتفاء بمنجزهم التاريخي ولتخليد دورهم سترسم لهم صور شخصية تحتضنها الصالة المراد إنشاؤها. لقيت الفكرة تأييداً واسعاً وبعد ثلاثة أشهر من مناقشتها تحت قبة البرلمان وافق المجتمعون ورصد لهذا المشروع مبلغ 2000 جنيه استرليني تحت اسم (معرض رسوم الشخصيات البريطانية التاريخية). في كانون الأول (ديسمبر) نفذ المشروع رسمياً من قبل خزانة الدولة. وقبل نهاية عام 1856 هيأ جون تيلر أول بورتريه شخصي وكان لشاعر اللغة الإنكليزية وليم شكسبير وتوالت الرسوم حتى ضمت الصالة بورتريه لبرنارد شو من عمل برنارد بارتج ثم صورة للملكة فيكتوريا وهي تزور الجرحى. بعض هذه الأعمال أنتج قبل افتتاح المشروع وأخرى أنجزت من اجل المشروع.
لم يمض وقت طويل على افتتاح الغاليري حتى بدأ يستقطب جمهوراً متزايداً ما دفع القائمين عليه الى إجراء تعداد سنوي للزوار. وباستخدام هذه العينات لوحظ أن الجمهور في تصاعد مستمر. فمثلاً في عام 1980 وصل عدد الزوار الى نحو نصف مليون زائر، أما في عام 2007 فقد وصل عددهم الى مليون ونصف المليون تقريباً. وأحد أهداف الغاليري هو التعريف بالشخصيات التي صنعت التاريخ البريطاني، لذا جعلت إدراة الغاليري الدخول مجاناً وهذا واحد من الأسباب التي ساعدت على استقطاب المزيد من الزوار والسياح.
يضم الغاليري إضافة إلى لوحات البورتريه أعمالاً فنية من مراحل تاريخية تعود إلى القرن السادس عشر والسابع عشر. وللغاليري أيضاً جوائزه التي يمنحها لأفضل صورة تحمل إحدى الشخصيات المهمة (بورتريه) ويقام معرض شخصي لكل فائز يتضمن أعــماله المختارة من شــخصيات الــمملكة المتحدة.
ويحتوي الغاليري على غرف وصالات كثيرة منها ما يعود الى القرن الثامن عشر ويضم أعمالاً من القرنين السابع عشر والثامن عشر فقط. وقد تم تصميمها على أيدي امهر المعماريين في تلك الفترة آخذين في الاعتبار حركة الضوء والظلال ما يجعل هذه الصالات لا تحتاج الى الإضاءة كثيراً. إضافة إلى الفضاءات التي تساعد على رؤية الأعمال في طريقة سهلة ومريحة. صالة «الألفية» الواقعة في الطابق الأرضي الأكثر حداثة وتطوراً على صعيد التقنيات اذ أنها بنيت في عام 2000 وتحوي معرض تكنولوجيا المعلومات. تقدم هذه الصالة للجمهور إمكانات لم تكن موجودة في السابق من أجل الوصول الى الكنوز الوطنية من صور ومعارض جماعية سابقة. وفيه تُستخدم أحدث البرامج الكومبيوترية ويسمح للزوار بإجراء بحث معمق في محتوياتها التي تصل الى 31500 صورة (بورتريه) هي الكنز الرئيس للمعرض. وهنالك عشرات من شاشات اللمس الكبيرة تمكن الزائر من متابعة الرسوم إلكترونياً وهي أفضل وسيلة لسهولة استخدامها وسرعتها.
في صالة تيودور يوجد مصعد مدهش ينقل الزائر من بهو المدخل مباشرة الى الطابق الثاني حيث صالة تيودور الجديدة المخصصة للأعمال الهندسية وتحتل مساحة واسعة مصممة بعناية فائقة. يتم عرض صور تيودور على جدران ذات خطوط هندسية ومعمارية واضحة، أما الجدار فهو رمادي اللون ومصنوع من نسيج الصوف وخشب البلوط الراقي