في إحدى القاعات الملحقة بفندق ثلاث نجوم، احتفل قبل أيام كل من هناء وأحمد بزواجهما في احتفال بسيط الشكل وإن كان معقد التفاصيل. والواقع أن الاحتفال لم يكن وحده معقد التفاصيل، لكن الزيجة برمتها كانت كذلك. فهناء التي تكمل عامها الثلاثين في أواخر العام الحالي وافقت من دون مقاومة تذكر على ضرب عرض الحائط بغالبية العادات والتقاليد المتعارف عليها مصرياً في شؤون إتمام الزواج. فعلى رغم أن القاعدة تقول إن الشقة والأجهزة الكهربائية والمطبخ والسجاد من مسؤولية العريس، وأثاث المنزل من مسؤولية العروس، دفعها واقع الحال الى القبول بالسكن في شقة مستأجرة مع تحمل ثلاثة أرباع كلفة فرشها، وذلك من المبلغ الذي أدخره لها والدها على مر السنوات. أما العريس، فهو واقع بين شقي رحا البطالة المقنعة من جهة، وضيق ذات اليد من جهة أخرى. لذا فإن والده ووالدته تمكنا من تدبير مبلغ يكفي لشراء «شبكة» ذهبية متواضعة للعروس إضافة إلى طقم صالون بالتقسيط.
هذه الزيجة التي تكللت بالنجاح لا تعد استثناء، بل العكس هو الصحيح. ثالوث تقدم العمر بالفتيات من دون زواج والبطالة لا سيما بالنسبة إلى الشباب وسوء الأحوال الاقتصادية أطاح قدراً هائلاً من التقاليد الخاصة بالزواج التي تحولت إلى قانون عتيد كانت غالبية العائلات تتمسك به إلى درجة التطرف حتى سنوات قليلة مضت.
لكن الرياح دائماً تأتي بما لا تشتهي السفن، وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتصــاعد نــسب البــطالة أتيا بما لا تشتهي الأسر المصرية التي كانت تبحث عن الأفضل مادياً واجتماعياً في زواج الأبناء.
راضي فتحي (56 سنة) أب لشاب وشابة في سن الزواج. يقول إن ابنته أتمت عامها السادس والعشرين، وإنه يخشى عليها من العنوسة، «لذا كلما مر عام اضطر إلى تقديم قدر أكبر من التنازلات للعريس الذي يتقدم». ويعتنق فتحي فكراً عقلانياً، فهو يقدر صعوبات طرفي المعادلة، أي العريس والعروس. يقول: «إبني في الـ29 من عمره وخاطب منذ ما يزيد على ثلاث سنوات. وعلى رغم تساهل أهل العروس في طلباتهم، إلا أن مسألة تأمين شقة هذه الأيام أشبه بالكابوس».
وقبل أيام تبلور هذا الكابوس فعلياً حين شهد أول أيام حجز شقق ضمن مشروع الإسكان القومي هجوماً عنيفاً من جموع الشباب الذين يرون في مثل هذه الشقق الحكومية الرخيصة نسبياً السبيل الوحيد للحصول على شقة للزواج، لذا لم يجد كثيرون منهم بداً سوى تسلق مواسير بنك الإسكان والتعمير وأكتاف بعضهم البعض حتى يصلوا إلى شباك الحجز الواقع في الطابق الثاني مشكلين مشهداً هزلياً ضاحكاً، وإن كان ضحكاً من فئة شر البلية.
وهناك من الشباب من حور «شر البلية» إلى عملية تحليل معقدة لا تخلو من طرافة لشكل الزواج في مصر في الألفية الثالثة، وهو الشكل الذي لم يقلب العادات والتقاليد رأساً على عقب فقط، بل دفع البعض إلى التخلي عن الأعراف في ما يختص بالتعبير عن الرغبة في الزواج. فإذا كان الطبيعي أن يجهر الشاب برغبته في الزواج، فمن غير الطبيعي – من وجهة نظر اجتماعية – أن تجهر الفتاة برغبتها في الزواج، لكنه ما حدث وأسفر عن ردود فعل عدة.
ابنة الـ30 ربيعاً غادة عبد العال، خريجة كلية الصيدلة، والراغبة في الزواج من دون جدوى جاهرت إلكترونياً برغبتها في الزواج، لكنه جهر أقرب إلى التحليل والتفنيد لمشاكل الزواج الحالية في مصر حالياً. لم تكتب عبد العال في مدونتها «عايزة أتجوز» بكائيات عانس، ولا مواصفات الزوج المرجو، ولكنها كتبت عن رفض الفتيات لاستمرار قولبتهن من قبل العرســان في أنماط الرقة والأنوثة والجمال والجاذبية، إضافة إلى القدرة المادية وغيرها من الصفات التي لا يحق للفتاة البحث عن مثيلتها في الشاب المتقدم إليها. ليس هذا فقط، بل إن بحثها كان عن شخص يبادلها الأفكار والآراء، ولا يبحث عن «ست بيت» وطاهية وعاملة نظافة ومربية أطفال فقط. كتبت عبد العال قصيدة قالت فيها:
أنا مش عايزاه فارس أبيض... يركبلي حمار ولا حصان
أنا مش عايزة حلاوة هيثم... ولا عضلات عبد الجبار
ولا عايزاه حالم ورومانسي... ويحبني ليل ويّا نهار
أنا عايزاه متربي وواعي... يقدر يشاركني الأفكار
إلا أن مشاركة الأفكار لا يمكنها أن تحل ثالوث البطالة، وتأخر سن الزواج، وسوء الأحوال الاقتصادية التي تمثل شوكة في حلق الغالبية العظمى من الشباب والفتيات ممن هم في سن الزواج، لدرجة أثرت في المشهد الرومانسي بصفة عامة، فعلى رغم زيادة رقعة الشباب والفتيات المنخرطين في علاقات حب وغرام وهيام، نسبة قليلة جداً هي التي يتم تصعيدها لتدخل فئة الخطوبة والزواج.
هي دائرة مفرغة، ولكن يتوقع لها أن تستمر.
وبلغة الأرقام فإن معدلات الزواج انخفضت عام 2007 الى 3.7 في الألف على مستوى الجمهورية مقابل 4.7 في الألف في 2006. ويستحوذ الريف على نحو 70 في المئة من أعداد المتزوجين الجدد، بينما شكلت نسبة عقود الزواج في المدن نحو 30 في المئة من إجمالي عدد المتزوجين. وبلغ عدد عقود الزواج خلال العام الماضي نصف مليون و22 ألفاًً و887 عقداًً. (بحسب معلومات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء)
وبلغة الواقع، تغير الشكل العام للزواج في مصر، لا سيما بين الشباب والفتيات الحاصلين على شهادات جامعية، وهم الأكثر تعرضاً للبطالة والعنوسة و... انتظاراً لحلم لا يأتي.