بلا .. ولا شي

            مدونة ساخرة لكتابات الفنان التشكيلي الأردني عصام طنطاوي و تعنى بالفن التشكيلي و الفوتوغرافي و القصة القصيرة

إنها مجرد بعوضة !

tantawi | 07 ايار, 2008 12:54

  

                                                              

بعوضة واحدة تشاركني غرفتي في مثل هذا القيظ منذ أيام ، أنا متأكد أنها واحدة ، صغيرة جداً ، عدائية و حقيرة ، تواظب دون كلل على لدغي في قدميَ ويداي وعنقي حتى إمتلأ جسدي بالدمامل البيضاء ، مجرد بعوضة تكدر مزاجي كل ليلة و تجعلني أقفز  و أتراقص من مكاني ألماً .. و إمعاناً في التعذيب ستجد أن النيون الوحيد المعلق في سقف الغرفة كان متعباً ويلفظ أنفاسه الأخيرة ، و يظل يرمش ! طوال هذه الفترة بمصاحبة عقصات البعوضة التي وظفت هذه الأجواء  المرهقة لصالحها.. تبدأ جولة القرص  عادةً من أسفل القدمين والشورت الجريء يتيح لها الفرصة للتنقل على الساقين المكشوفتين ،  فإذا انحنيت  لتحك رجلك عاجلتكَ بقرصة أخرى في رقبتك ..  ومن ثم على الجبين اللجين  ، فإن كنت لاتدري إنك قرصتني مرةً فلقد قرصتني مرتين ( ولنقل مائتينِ ) ،  وبعد عمليات متواصلة من الحكَ  و الهرش في كل الإتجاهات لقامتك المديدة تعتريك حالة من السرسبة ، وكأن جرباً أصابك ، فإذا لمَسَتْ ورقة يدك تصفع يدك بقوة ظناً منك أنها البعوضة ، وكذلك وجهك ، بحيث يخال من يراك أن مسَاً أصابك  أو كأنك تتخانق مع نفسك .. ألم أقل لكم أنها مجرد بعوضة‍ ، ‍رأيتها مرةً وكانت إقتربت مني علناً و بجرأة وقحة ، حاولت أن أسحقها بالمجلة التي كانت بيدي فوقعت المجلة على الطاولة فإندلق كوب الشاي على جهاز الموبايل الذي تعطل هو الآخر و ليزيد من حجم المعاناة  ..هي بعوضة لا يتعدى حجمها بضعة مليمترات تفعل بي كل هذا الفعل ؟ .. أنا الرجل الطويل القوي الذي كان يخشاني معظم أصدقائي لضخامة جثتي و قبضتي العنيفة ، هل هي ذاتها التي قالوا عنها أنها " تدمي مقلة الأسد ‍‍" ؟ .. يارفيقة الليل .. لست ذلك الأسد فإبتعدي عني و أريحيني ..  لقد تعبتُ و أنت أرهقتِني بأكثر مما ينبغي ، لدي مشاغل كثيرة أفعلها .. لوحةً أرسمها ، كتاب أقرأه .. و صار مشهدي بفضلك- مزرياً و أنا (  أُلاخم ) حولي ، أفسدتِ علي ليلتي و الليالي السابقة ، فكفى ..  لقد لاحظتُ في آخر إنزال لكِ عليَ أنكِ سمنتِ و أن حجمك  قد تضخم  ،  و حركتك صارت بطيئة  ، فهمت من هذا أنك ربما شبعتِ من دمي و لا بد أنكِ ثملتِ وبدأتِ في ممارسة النزق الذي يرتكبه بعض الزملاء بالإمعان في ممارسة الصخب و  الأذى و إفتعال العدائية معي آخر الليل ، شكراً ها أنت أصبحتِ مثلهم .. إعتقدت أن المواجهة معها ( البعوضة ) في الضوء يمكن أن تكون لصالحي و فشلت   ، أطفئت الأنوار و لا زلت أهرش محاولاً النوم .. رغم حرارة الطقس غطيت كل جسدي إلا من فسحة ضيقة لوجهي كي أتنفس ، هنا في العتمة تجمع طنينها حول رأسي  و تركزت اللسعات على الوجه .. فقمت لأبدأ لعبة المطاردة العبثية من جديد ..و التي لم تفلح بتحقيق أي إنتصار يذكر ، أن تأخذ بعوضة منك كل هذا الوقت و تكون عنواناًَ لمقالةٍ كهذه  فإن الأمر ليس عادياً و يستحق الإهتمام كما السخرية و الإزدراء ..  ولكن هذا  - في كل الحالات-  لن يمنعك من باب الموضوعية و شرف المعركة من التقليل من أهمية خصمك اللدود هذا   رغم فارق المقارنة بين حجمك و حجمه لا زلتُ أهرش -  فهي تشاركك هذا الحيز و تمارس عبثها المجنون و إستطاعت بنذالة أو ببسالة أن تأخذ من إهتمامك كل هذا الوقت  فلا بد من إعادة النظر في المسألة !! لابد من اللجوء إلى أسلحة جديدة لحسم الصراع و وقف المهزلة ..هل كنت أحتاج لكل هذا الوقت و المعاناة لكي أتذكر أن البشر توصلوا إلى أنواع من الأسلحة الكيماوية " البخاخات المبيدة للحشرات "  التي يمكن أن تبتاعها من أية بقالة ؟أعترف أن الأمر يتعلق  بذاكرة بطيئة و سيئة و بضيق ذات اليد فإذا إجتمعا معاً يتعطل أداء الدماغ لبعض الوقت !! المهم ..  بعد أيام  إشتريت لمبة  " نيون " جديدة لا ترمش و علبة من المبيد القاتل ، أفرغت نصف العلبة في الغرفة المغلقة حتى كدت أختنق  ، أنا متأكد أنني قتلتها .. خرجتُ و عدت بعد ساعات  ، رائحة الغرفة لا تحتمل  .. أسرعت لفتح كل النوافذ  فدخلت قبيلة جديدة من البعوض !  

 

 
A service provided by Al Bawaba