بلا .. ولا شي

            مدونة ساخرة لكتابات الفنان التشكيلي الأردني عصام طنطاوي و تعنى بالفن التشكيلي و الفوتوغرافي و القصة القصيرة

كذب .. كذب

tantawi | 12 كانون ثاني, 2009 19:43

عندما رددتها أكثر من مرة .. أعجبني إيقاعها ، كذب .. كذب ، وشعرت أنها كلمة  مهمة وخطيرة فالإنسان الكاذب هو إنسان كاذب !  و لا مجال  لتفسيرها بأكثر من هذا .. وهي ليست الرياء مع أنها تمت لها بصلة قربى ..

لماذا يكذب الناس ؟

يكذب الطفل لأنه يخاف من أهله  أو لأنه ارتكب إثماً  فظيعاً فيقول لهم بأن الدينار الذي اختفى  أخذه الشيطان و ليس هو..  مثلاً ..

ويكذب الموظف على مديره لأنه تأخر عن الدوام لأن الباص الذي يقله من الزرقاء بنشر على الطريق وأن الدولاب الاحتياط كان مبنشراً أيضاً !!  وليس لأنه الليلة الماضية كان متكدراً بعد خناقة حامية مع أم العيال كسّرَ أثنائها عدداً من آنية المطبخ  و مرطبان المكدوس لأسباب لها علاقة بالفلوس التي لم يستطع تأمينها لتبديل الرسيفر  القديم  بآخر جديد ..

و أن الأمر قد سوّي قليلاً في الفجر بعد تدخل الأقارب والجيران و هذه أمور عائلية يصعب شرحها لحضرة المدير العام  .

( هذه نكتة أحبها : اثنان من المدراء ذهبا إلى البحر .. مدير عام و مدير غرق   )

و يكذب الرجل على زوجته عندما ترى أثر عضة على صدره فيقول لها بتأفف  : .. إنه صديقي فلان .. دمه ثقيل و يمزح معي بهذه الطريقة ! أي يعضه ، فتقف المرأة واجمة .. لأن هذا التفسير مشين و أسوأ بكثير من أن تعضه إمرأة !

ويكذب الجبان الذي هرب من المعركة على رفاقه في جلسةٍ مخمورة .. كيف أنه كان بطلاً في المواجهة وكيف قاوم بعد ذلك قسوة التحقيق .. و أن كل ما في الأمر أن إمكانياته البسيطة لم تسعفه  لتحقيق لمثل هذه البطولة .. طبعاً سنتجاوز  - هنا   أنه تبول رعباً في بنطاله ثم وشى بكل رفاقه !

ويكذب عليك الأصدقاء الذين عرفتهم في سابق عهدك الميمون بالحديث عن أهمية الصداقة التي تعادل أهمية اللبن في المنسف .. ثم ترى أنهم إنفضوا عنك بعد أول أو ثاني طيحة !

ويكذب بعض كتاب أعمدة المدائح على الحكام و الشعوب .. و مثلهم بعض الشعراء بالقصائد الملوثة بالإستجداء ..

و يكذبون علينا بإعادة إنتاج التاريخ  على نحو مغاير في مسلسلات  تلفزيونية طويلة مملة  ، ملآى بأقمشة ملونة و ممثلون متشنجون  يجحظون بالكاميرا طوال الوقت  ..  تراث مجيد لانعرف عنه الكثير ، و لكنه يريحنا على هذا النحو و يسهم في تفخيم الأنا الجمعيّة  لأمة مهزومة لا تجد ذاتها إلا في الكتب الصفراء ومثل هذه المسلسلات  ..

وتكذب علينا  أمريكا  - أقوى دولة  كاذبة في العالم و الأنظمة  و سوزي و عبد الفتاح   حتى  محسن  بدأت أشك أنه يكذب .. يا للهول .. حتى أنت يا محسن ؟!

إذن لا بد من إعادة الإعتبار للكذب والتعامل معه بنوع من الواقعية إن لم نقل التفهم العميق .. < هكذا يتحدث بعض الساسة ..  الكل يكذب  .. لحظة .. إذا إحتج أحدهم  بالقول ( أنا لا أسمح لك بإتهامي شخصياً بالكذب ) فسأقول له : ( عفواً.. أنت بالذات مستثنى ..  لم أكن أقصدك تحديداً ..)  الكذب ضرورة  نفسية  اجتماعية  ثقافية  سياسية .. من منا لم يكذب في حياته ؟ 

إجمع عشرة إجابات صادقة وشارك بالسحب الكبير .. الموعد : الأول من نيسان القادم .

إنها مجرد بعوضة !

tantawi | 07 ايار, 2008 12:54

  

                                                              

بعوضة واحدة تشاركني غرفتي في مثل هذا القيظ منذ أيام ، أنا متأكد أنها واحدة ، صغيرة جداً ، عدائية و حقيرة ، تواظب دون كلل على لدغي في قدميَ ويداي وعنقي حتى إمتلأ جسدي بالدمامل البيضاء ، مجرد بعوضة تكدر مزاجي كل ليلة و تجعلني أقفز  و أتراقص من مكاني ألماً .. و إمعاناً في التعذيب ستجد أن النيون الوحيد المعلق في سقف الغرفة كان متعباً ويلفظ أنفاسه الأخيرة ، و يظل يرمش ! طوال هذه الفترة بمصاحبة عقصات البعوضة التي وظفت هذه الأجواء  المرهقة لصالحها.. تبدأ جولة القرص  عادةً من أسفل القدمين والشورت الجريء يتيح لها الفرصة للتنقل على الساقين المكشوفتين ،  فإذا انحنيت  لتحك رجلك عاجلتكَ بقرصة أخرى في رقبتك ..  ومن ثم على الجبين اللجين  ، فإن كنت لاتدري إنك قرصتني مرةً فلقد قرصتني مرتين ( ولنقل مائتينِ ) ،  وبعد عمليات متواصلة من الحكَ  و الهرش في كل الإتجاهات لقامتك المديدة تعتريك حالة من السرسبة ، وكأن جرباً أصابك ، فإذا لمَسَتْ ورقة يدك تصفع يدك بقوة ظناً منك أنها البعوضة ، وكذلك وجهك ، بحيث يخال من يراك أن مسَاً أصابك  أو كأنك تتخانق مع نفسك .. ألم أقل لكم أنها مجرد بعوضة‍ ، ‍رأيتها مرةً وكانت إقتربت مني علناً و بجرأة وقحة ، حاولت أن أسحقها بالمجلة التي كانت بيدي فوقعت المجلة على الطاولة فإندلق كوب الشاي على جهاز الموبايل الذي تعطل هو الآخر و ليزيد من حجم المعاناة  ..هي بعوضة لا يتعدى حجمها بضعة مليمترات تفعل بي كل هذا الفعل ؟ .. أنا الرجل الطويل القوي الذي كان يخشاني معظم أصدقائي لضخامة جثتي و قبضتي العنيفة ، هل هي ذاتها التي قالوا عنها أنها " تدمي مقلة الأسد ‍‍" ؟ .. يارفيقة الليل .. لست ذلك الأسد فإبتعدي عني و أريحيني ..  لقد تعبتُ و أنت أرهقتِني بأكثر مما ينبغي ، لدي مشاغل كثيرة أفعلها .. لوحةً أرسمها ، كتاب أقرأه .. و صار مشهدي بفضلك- مزرياً و أنا (  أُلاخم ) حولي ، أفسدتِ علي ليلتي و الليالي السابقة ، فكفى ..  لقد لاحظتُ في آخر إنزال لكِ عليَ أنكِ سمنتِ و أن حجمك  قد تضخم  ،  و حركتك صارت بطيئة  ، فهمت من هذا أنك ربما شبعتِ من دمي و لا بد أنكِ ثملتِ وبدأتِ في ممارسة النزق الذي يرتكبه بعض الزملاء بالإمعان في ممارسة الصخب و  الأذى و إفتعال العدائية معي آخر الليل ، شكراً ها أنت أصبحتِ مثلهم .. إعتقدت أن المواجهة معها ( البعوضة ) في الضوء يمكن أن تكون لصالحي و فشلت   ، أطفئت الأنوار و لا زلت أهرش محاولاً النوم .. رغم حرارة الطقس غطيت كل جسدي إلا من فسحة ضيقة لوجهي كي أتنفس ، هنا في العتمة تجمع طنينها حول رأسي  و تركزت اللسعات على الوجه .. فقمت لأبدأ لعبة المطاردة العبثية من جديد ..و التي لم تفلح بتحقيق أي إنتصار يذكر ، أن تأخذ بعوضة منك كل هذا الوقت و تكون عنواناًَ لمقالةٍ كهذه  فإن الأمر ليس عادياً و يستحق الإهتمام كما السخرية و الإزدراء ..  ولكن هذا  - في كل الحالات-  لن يمنعك من باب الموضوعية و شرف المعركة من التقليل من أهمية خصمك اللدود هذا   رغم فارق المقارنة بين حجمك و حجمه لا زلتُ أهرش -  فهي تشاركك هذا الحيز و تمارس عبثها المجنون و إستطاعت بنذالة أو ببسالة أن تأخذ من إهتمامك كل هذا الوقت  فلا بد من إعادة النظر في المسألة !! لابد من اللجوء إلى أسلحة جديدة لحسم الصراع و وقف المهزلة ..هل كنت أحتاج لكل هذا الوقت و المعاناة لكي أتذكر أن البشر توصلوا إلى أنواع من الأسلحة الكيماوية " البخاخات المبيدة للحشرات "  التي يمكن أن تبتاعها من أية بقالة ؟أعترف أن الأمر يتعلق  بذاكرة بطيئة و سيئة و بضيق ذات اليد فإذا إجتمعا معاً يتعطل أداء الدماغ لبعض الوقت !! المهم ..  بعد أيام  إشتريت لمبة  " نيون " جديدة لا ترمش و علبة من المبيد القاتل ، أفرغت نصف العلبة في الغرفة المغلقة حتى كدت أختنق  ، أنا متأكد أنني قتلتها .. خرجتُ و عدت بعد ساعات  ، رائحة الغرفة لا تحتمل  .. أسرعت لفتح كل النوافذ  فدخلت قبيلة جديدة من البعوض !  

 

 
A service provided by Al Bawaba