23 كانون اول, 2006
مقتطفات من سيرة طلال عفيفي
في عام 1976 ، وُلِدت ..
طفل عادي ولكن خديج . سبعة أشهر هي التي قضيتها في بطن أمي ،
لأنزح بعدها صوب العالم ، مسببا إرهاقا لا حد له لوالدي .. بدءاً
بأمراض الطفولة الستة والربو ، مرورا بمراهقة صعبة ( تخللها
تدخين " البنقو" والانتماء لجماعات متطرفة ) ،انتهاء بفشل حاد
في المجالات الأكاديمية ، وما صاحبها من أحزان اجتماعية ..
لست أكذب ، لو قلت أني كنت فتى طيب الذكر و واعدا بشأن
مجيد ، سوى أنها الدنيا وتصاريفها !!
وأعتقد الآن ، غير جازم، أن صاحب نبي الله " موسى" لو كان التقاني
لقتلني مجنبا القوم رهقا لا حد له ..
توافرت في تربيتي كل صنوف حسن النية ، أقل ما أذكره عنها شبه شديد
بتربية الأمراء : عز وافر ، سفر وسباحة وركوب للخيل ، حفظ للقرآن
وللشعر،و لغة أجنبية ( لا أعرف الآن لو كانت الألمانية أو العربية !! )..
وجدانيا :
تنافست عدة أعراق في تكويني :
عرق حلبي ، وعرق نوبي ، وعرق عربي صحراوي ..
سوى أن ليس لي اهتماما عميقا بالأمر هذا ، فجدي أما أن يكون " نوح "
أو " آدم " أو ، في أسوأ الأحوال ، خلية من الخلايا التي حدثنا عنها " داروين " ...
لم أسعد بأن تكون لي جدة .. فـ"آمنة " توفيت باكرا تاركة وراءها صورة فوتوغرافية
وحيدة تحكي القليل عن امرأة وسيمة الملامح طيبة العينين ... أما" فاطمة " فقد رحلت
قبل إتمامي طفولتي ، ململمة معها ما تبقى من رطانة نوبية وثياب سود ارتدتها طوال
الوقت ورائحة البطاطس المحمرالذي كانت تصنعه لي حبا وكرامة، بموتها فقدت جدتي الوحيدة
وفقدت العائلة آخر الناطقين باللغة النوبية , وأصبح البيت الكبير مرتعا للهجات عربية
عدة ! رحمها الله .
كان وجه " فاطمة " من فرط صبرها وحزنها، صارما صرامة لم تحسسها طفولتنا الباكرة .
وأذكر الآن كثيرا أغانيها الراطنة وكأن دف مخفي يتجول في أنحاء المنزل .
أطول امرأة مرت على بصري ( يرى بعض المحققين في تاريخنا العائلي أني ورثته عنها )،
وسوادهاكان فاحما .... أخذت عنه تلك السمرة التي أتسكع بها الآن وسط العواصم .
عماتي ، زينب على وجه الخصوص ، سددن الخانة ، فأسبغن علي ذلك الحنان " الفاطمي "
فكن يقبلنني طوال الوقت ، لكن دون أغاني وأقراط مذهبة تتدلى من الأذن على شكل هلال !
كذا ما كان بحوزة طفولتي جد .. فجداي توفيا عن أعمار صغيرة ، تاركين أرملتين وعدد
لا بأس به من الأيتام !
الا انه وفي " حلة خوجلي " , شرق النيل السوداني , كان بانتظاري رجل في نفس قامة
الأجداد :
"حسن شرف " عليه السلام .
اشتبك مع عائلتي في نسب متشابك ؛
عشنا في منزله أوائل عودة العائلة المقدسة من ألمانياالعام:
1982 .
أفتش له في ذاكرتي عن شيء غير جلبابه الأبيض ، فلا أجد !
كان له سريره الليلي في الحوش على مقربة من شجرة الليمون .
وغرفة يتناول فيها شاي الصباح بالخبز المستدير والحليب .
ومصحف مخطوط ...
وخط مفتوح : يصل بينه وبين السماء .
قدس الله ضريحه .
ما لا أعرف مناسبته ، لكني أود حكايته ، أني تعلمت ركوب الدراجات
باكرا ، الأمر الذي أفضى في الأخير إلى علاقة حميمة مع التجوال ( تجوال
بين البلاد والمدن والأفكار وقلوب البنات ).
اذو لم أعهد نفسي على استقرار ، الأمر الذي جعل حياتي عجيبة وغير مبررة
للآخرين (ولي في أحيان عدة !)..
كنت أركب الدراجة والصبا في بواكره لا ألوي على شيء، سوى أني أذكر تماما
كيف كانت الدراجة تسحبني عبر الهواء الطلق إلي عوالم مدهشةوجذلة في تلك
القرية الألمانية التي تشبه أحلام الصغار بشكل ناجز ، في ألمانيا رأيت بعيني
حقول القمح الذهبية ممتدة على مدى البصر خلفها شمس على وشك الغروب. كثيرا
ما تركت دراجتي على طرف الحقل راكضا فيه باحثا عن مسكن الشمس …
لأعرف بعدها بأعوام أن عنوانها:الساعة الثانية ظهرا / جمهورية السودان الديمقراطية !
حين أنظر لصوري ، التي غالبا ما كان يلتقطها والدي( في عادة كف عنها فيما بعد) ،
أرى وجهاجميلا و عيون فيها من الكحل الكثير ، ذلك الكحل الذي ورثته عن أبي في حياته ،
وهو ما ساهم في مرور حياتي العاطفية دون عقبات تذكر .
هذه العيون تعاني الآن من خلل طفيف في وظيفتها الأساسية، ألا وهي الإبصار، وهو ما أرجعه
البعض لعين أصابت مستودع الكحل ، أما أمي فتستغل الموضوع كسند قانوني ضد الخمر ،
إلا أني أرى أن المسألة تتعلق تعلقاً عاديا بالسن والنصيب .
على ذكر مسألة العيون ، فأعشق في البنات ، ضمن ما أعشق ، تلك العيون الناطقة
بلغات العالم السرية ، تلك القادرة على خلق تماس مبدأي ، عيون قد تلهيك عن جسد بأكمله .
أبي سوداني ، يعود أصله إلى أقوام حطت طيورهم قبل قرون على شباك الوطن.
أمي نوبية مصرية ينحدر نسبها لصانع المراكب نوح ( والذي أصبح نبيا شهيرا فيما بعد )..
ولدت في هامبورج اثر لقاء بينهما في السبعينيات لم يتح لي معرفة تفاصيله .
لذا أجدني حفيا تجاه العالم كله ، بخطوط طوله وعرضه وأديانه وخزعبلاته وآمال أبنائه
البشر بكل تعرجاتها التي تميل غالبا نحو الخير . ( أو هذا ما أظن ) .
22 كانون اول, 2006
بنت .. ولد ...(في وداع 2006 واستقبال 2007)

2006 :
كانت بوابات العام تنغلق بصوت كئيب .
وكانت السنة تحل ضفايرها وهي تبكي ..
أحزان كتيره تملأ الفؤاد .. والعمر زهرة
دبلانه ومفطورة ..
في وسط الإنشغال الشديد بالحزن بتجي حاجات
زي الأغاني تكحل عيون القلب ..
وينتابك من جديد أمل وتكتشف إن الطفل الفيك
لسه صاحي ولسه مليان بالرغبات والأحلام ..
الحاجات دي التي تشدك من وسط ذهولك ممكن تكون
صورة فوتوغرافيا عرفت تلتقطها لبنت حلوة ،
او جواب قديم وجدته فأضاء في عتمة الذاكرة
مليونين شمعة ونيف ، أو ضحكة شاردة من إبن أختك
الصغير غطت على كل العتمة الجواك ..
أو إحتمال إنك تتعرف على ناس حلوين حاملين معاهم
أحلى ما فيهم : مشاعرهم ..
ناس مليانين باللطافة والحسن والطيابة والنظر السديد ،
تسلم على الواحد منهم فتشعر إنك عايز تلحس أصابعك ..
ناس مدموغين بآدميتهم وخلاص ، ربنا نحتهم نحت من جبل
أحلامه بحياة زاهية وملونة ..
وإحتمال برضو فكرة تفتح عليك شوية وتخليك معتقد إنو
الأحسن ممكن ..
القصد ، إن في هذه الحياة ما يحث على الحياة ، وأن هذا
العام وبرغم خواتيمه الثقيلة حصلت فيه حاجات حلوة .
على العموم : كل سنة وإنتوا طيبين !
من الحاجات الحلوة كان إني شفت البنت الإسمها ننسي عجاج
تاني ، وسمعت صوتها على الهواء مباشرة فساحت مغاليق الحال
عندي وإنبسطت !
كما إني فرحت لرؤية منير في الخرطوم بعيون لسه فيها اللمعة
إياها ..
بنت ...

ولد !

05 كانون اول, 2006
احزان عادية
احزان عادية

تعرضنا في السودان – في الآونة الأخيرة – إلى إمتحانات عسيرة فيما يخص حياتنا
وآدميتنا وكياننا الإنساني ، إذ صادفتنا محن ومصائب غريبة الشكل والتكوين ،
كان لنا في بعضها الأغلب يد عجلت بهذا الهول والعسف المستعجل .
الكلام عن ظلم الحاكمين مردود ، فهو مكرر وعادي ويشبه الجور الذي إرتبط في التاريخ
بالسلطة المطلقة والجوع اللئيم للسيطرة والنفوذ ، فما من زمان مر على هذه البلاد
وبين حاكميها وناسها وداد أو رحمة.. لكنها دائماً المناكفة والتغول وسلب الناس الحق
والمستحق .
وما من عصر عبر البلاد إلا وفيه ضربة سيف وطعنة رمح من هذا الحاكم أو ذاك ، فآل مصير
الناس إلى الذُل وصارت حياتهم إلى هوان ، فأصبحنا نعبر الحياة منكسي الروح والرؤوس
نفتش في أرواحنا عن الأمل بفانوس ضعيف .
نجوع ونشقى ونمرض ونقتتل ونموت وكأننا لا نستحق الحياة .
فقدنا البوصلة وسط هذا الذهول الكبير ، وضاعت هويتنا التي إختصرناها في الدين أو
الجهة الجغرافية التعيسة ..
تحولنا إلى جماعات تقسم بأنها ستقاتل ( ضد من ، لأجل من ؟.. ما معروف ! )
فقدنا تلك الكينونة الفريدة ، وتاهت منا الشخصية الذاتية التي كان من المفترض أن يبنيها الواحد فينا
بتجاربه ومعاركه الفكرية الحرة وإحتكاكه .. فقد ملأنا الخوف من الجهر ..
الجهر بما نحن عليه من حال .. ولكن ، كيف نجهر بما لانعرف ؟ أننا نحيا عمراً بأكمله دون
بصيرة ولا تأمل لحالنا وكأننا نعيش هذا الدهر والعمر ولا ننظر ولو لمرة في المرآة .
ومن نحن ؟ ..
نحن الأفراد .. فردأ ، فرداً .. أبناء هذا السبيل الوطني المُعنوَن بالسودان .
نحن المواطنون المذكورون في شهادات الميلاد وإحصاءات السجل المدني وفي بطاقات الهوية
وفي الغدو والمرواح ، نحن المعرفون بأسمائنا ، العابرون الشوارع الصامتون دهراً الناطقون
كفراً ، الساكنون المشردون ، الفقراء والأغنياء ، أصحاب الحاجة ، الطلبة ، التجار ،
الدائنون والمدينون ، الخائبون ، الفالحون ، الرجال والنساء ، المتأكدون والمتوهمون ،
الشعراء ، سائقي العربات ، السابلة الذين يمشون على الدرب هوناً ( أو بسرعة ) ، أبناء
الناس ( والناس الآخرين ) ، السيدات والسادة ، لطاف المعشر واللئام ، أصحاب الفكرة
والتاركين أمرهم على الله ؛
لا أحد !
لم ننتبه يوماً لنسأل : أليس لدينا من أمنية أخير ؟ أن نكون فقط محترمين ، ولو أمام
أنفسنا ؟
كيف لا نرفض ما لا يستقيم مع أبسط تطلعاتنا في الحياة الكريمة ؟ كيف لا نرفض ذلنا
وهواننا الذي يتسبب فيه من يسوى ( وقيل في رواية أخرى ، من لا يسوى ) ، كيف لنا
أن ننام بكل هذا الضيق في التنفس والمرارة في الجوف ؟
أخرج كل يوم في الصباح لأغوص في الشوارع الخرطومية وبي خوف من أمر مجهول وجاثم ،
وعمري الشاب يتبعثر بين هذا الخوف والحزن الشديد على أمري وأمر البلاد ... فالشوارع
تملأها المراقبة والعربات المدرعة والشتيمة والترصد وإحتمال وقوع مكروه في كل اللحظات ؛
وأمشي وأن أتحسس قلبي الضعيف ( خلقة ) خشية السقوط في ألم مباغت لا يرحم .
هل هذه بلادي ؟
ومن أين أتت بهذه القسوة تجاه ساكنيها من الناس ؟
من أين جاءنا هذا الفقر والعوز ؟
هذه الاوبئة ، أي الحدود عبرت ، وبإذن من ؟ لتسكن هذه الأجسام المتعبة المرهقة أصلاً ؟
وهذا الفساد الكبير ، والعنف القاسي ؟ من أشار لهما علينا ؟
والظلم ؟ من حدثه أن : توجه إلى السودان فإنك منصور ؟
هل هو نصيبنا وبختنا المائل ؟
أم أن الامر مجرد سوء تقدير وتدبير من الناس عموم ؟
إننا أمام محك حقيقي وإختبار عميق ، محك وإختبار لقدرتنا على المراجعة والتقدم ، فالأمر
لا يسر ولا الحال يفرح ..
هويتنا الداخلية العميقة ، بإعتبارنا ناس ونتنفس ونحلم ، مهددة بإنقراض إبدي لن ينجح
أن نبحث عنها بعد سنوات ( ولو في خشم البقرة ) .
فغير أن بلادنا مشرورة ومعلقة على حبل غسيل العالم كقميص اليتيم ، فإننا لم نعد حتى قادرين
على رؤية مواقع أقدامنا .
توازننا النفسي مفقود ، وثقتنا في نهاراتنا ضعيفه ، وصبرنا ممل ؛
أعوام طويلة تنقضي وتمر من عمرنا المبحوح على ناصية الكلام ، لا شيء ينجدنا من هذا الضياع
الحار المستمر ، سلكت الخمر أجسامنا وأكبادنا وهردتها ، عسى من غيبوبة تلطف بالحال ،
فضاع أكثرنا في محنة الإدمان أو تجربة الموت الحي !
فقدنا ، ونحن – بعد – في عمر الشباب ما نملك من مزايا : أمننا الإجتماعي ، إنبساطتنا
العادي وطموحاتنا الشخصية في بلاد يفترض أنها لنا بالميلاد والعشرة وحسن الإطلاع ..
تربصت بنا أحزان قاسية ، ونال من عافيتنا سأم .
تهنا في العالم الكبير ، مسافرين ومهاجرين ونازحين ولاجئين ، لا نطلب من بلاد الناس مناً
ولا سلوى ، فقط : تعليم ومسكن وما يعين على الآدمية ؛ فإنخرطتنا في صفوف الغوث والأمم
المتحدة ومنظمات الهجرة وإعادة التوطين .. وتشرذمنا في الديار العالمية لا تجمعنا إلا
تلك الذكريات البعيدة:
أغان الكاشف وصوت مصطفى سيداحمد ، سيرة الباباي ، وقع العود والمندلين ، ليل الأحاجي ،
منظر النيل في إتجاهه الشمالي ، وجوه الأمهات ورنين جلبة الأصدقاء ..
حتى مدننا الأثيرة ، الخرطوم وامدرمان وعطبرة ، لم تنج من هذا التجريف العميق ، فضاعت
ملامحها بالهدم والسحل ،ولم يبق بها ما يدل عليها ؛ فبعد أن دهن المغوار " يوسف عبد
الفتاح " واجهاتها ومفاتيحها باللون الأخضر الغبي ، وأنطبقت على حياة ساكنيها قوانين
النظام العام والحشمة الكاذبة ، صارت هذه الأمكنة أمسخ ما تكون ، فإنعطف فيها العشق
والهوى عن مساره ليصبح جريمة مخلة بالقانون ، وصرت يا صاحبي ترى البنات يسرن في جلاليب
سوداء والرجال منكسي الرؤس مخدوشي الكرامة ، فاقدي الإعتبار .
إنهدمت السكة الحديد في عطبرة بتاريخها العالي ، وساح في فوضى السوق مسجد الخليفة
وملأته رائحة غريبة.
أما الخرطوم ، فأمرها عجب ، لا شيء فيها يستوقفك سوى يد ممدودة بالسؤال لقرش فقير،
ومبانيها المحترمة التي بناها أهلنا وناسنا بكدهم وعرقهم ( ورأس ماليتهم ) ذابت .
غاب عن المدينة شارع الجمهورية ، وشارع القصر أصبح أكثر حزناً من ذي قبل ، فلا هو شارع
وطني ، ولا هو حكومي : مجرد ممر للحافلات السيارة عابرة الطريق .
كم نحن مساكين .. أوجاعنا مفرطة وألامنا غير محتملة وغربتنا أبدية وممتدة ، ولا شيء
في هذا الجسد لم يتسمم بعد بكل هذا الحزن ..
نعاني في كل مكان نحاول أن نرتاح فيه ، في الحل والترحال ..
ليس يغير من شأننا مغادرة مكان إلى آخر ، فكل الأماكن في الهم شرق ، نتنفس فيها بصعوبة
وننام ليالينا خائفين ؛
نخاف من أمسنا ومن غدنا .
نسأل عن عافية الروح وهدأة البال وليس من مجيب ؛ فنغوص في إمتحانات الصبر والبلاء .

العزيز ياسر ،
فهلاً هو أمر يمزق نياط القلب ..
تسالني ..
أحاول أن أعيش .. لكنني لا أبصر شيئاً
من وراء هذا الرماد ..

إيه اللي خدته من مرور السنـين
يا قلبي الا دمعتك و الأنيـين
بتئن و ترجع و بتفرح و ترجع تحــن
مع إن مش كل البشــــر فرحانين
عجبي !!!!
كيف لنا ألا نجعل خطى الحزن يا نصار
تسبق خطانا ونحن بنتكعبل فيهو ؟
حزن عارم يسد الأفق ..
حزن بليغ ينطق بكل اللهجات ..
ما راعني يا منى في هذا البلد ذلك الحزن
الذي يسم حتى الجمادات فيه .
فأبوبه مُشرعه بحكم السقوط وشبابيكه مخدوشة
بالهجران .
ومن أمرنا يا تيسير اننا صرنا في هذه المدينة
لا نرثى لحالنا ، نعيش عادي جداً في هذا الإطار الضيق
ولو ضاقت علينا، نتضاير ..
رغباتنا وهنت ، وضعفت همتنا عليم الله ..
أصحو من النوم كل يوم توجعني أحلامي ويخدش خاطري
الإحتمال .

تعرف يا بشير لولا الكتابة وبعض المعينات
الخارجيه لكان الواحد الآن في منازل أخرى ..
أشعر برغبة في السفر .. سفر ممتد وطويل ،
سفر لا محطة فيه ..
أصبحت أحس بتوق للتخلص من المكان .. والخروج عنه ؛
أحتاج ، كمان ، أن أخرج عن هذا السياق الجارح ،
وعن التاريخ والأساطير الكثيره التي سدت نفسنا
عن الحياة .
قبل سنوات وحتى وقت قريب ، كنت أبحث عن النكهة ،
عن الطعم الجديد في أصابع الأيام ..
الآن صرت أبحث عن مخرج !
____________________
وحدة : إفطار الكفيف .
(Breakfast of a Blind Man)
من أعمال بابلو بيكاسو
في المرحلة الزرقاء .
تم توقيعها في العام 1903
بألوان زيتية على قماش .
من محفوظات متحف الـ متروبوليتان
بـ نيو يورك .
سلامات يا ناظم ..
بيقولوا سلامات دي كانت تحية الشيوعيين العرب
في السبعينيات ..
وبيقولوا برضو إنو كان في حاكم ظالم ظلم شديد
في واحد من الأزمنة الغابرة إسمه " سلا " وأن هذا
الحاكم مات .. فصار الناس يهذون في الشوارع :
سلامات .. سلامات !
غايتو ربنا يعين ..
شكرا لك يا ناظم كلماتك الرقيقه ..
+
__________________________
تأملات الفيلسوف/ Philosopher Reading
من أعمال رامبرانت / Rembrandt
تم توقيعها بألوان زيتية على قماش
في العام 1631 ..
من مقتنيات المتحف الوطني بـ ستوكهولم
السويد .
إنعام ..
أرجو أن تكوني في أحسن حال ..
هذا بلد لا عايز يفطمنا ولا يملا جوفنا بالحليب !
ما عارف أقول ليك شنو يا عماد ،
تسرقني من أمر الكلام حيرة وتأخذني
عنه ..
ما عارف أمشي وين .. لا هنا نافع ولا
هناك نافع ..
مرات بشعر بإن قلبي خلاص وقف ، إلا في
حاجه بسرعة بتجي تغسله ، وتخليه يعاود
تاني .. الحاجه دي ما عرفتهل شنو ، لكن
كل ما يحصل لي شي كويس بلقى نفسي شاعر
بالإمتنان الشديد لها ؛
تعرف يا ياسر ، عمنا المرحوم صلاح جاهين
قبل أن يخرج من هذه الدنيا ، كتب نصاً من
أبدع النصوص ، إسمه الرباعيات .
ورباعيات صلاح جاهين باب في الحكمة والتأمل
والنور .
من أحب هذه الرباعيات إلى قلبي وحده بتقول :
يا باب يا مقفول ...إمتي الدخول
صُبرت ياما و اللي يصبر ينول
دقيت سنين ... و الرد يرجع لي : مين ؟
لو كنت عارف مين أنا كنت أقول
عجبي !!!
وبعد كل هذا الحزن يا هنادي الذي خربش قلوبنا
المسكينة ، هل نستطيع الحياة ؟
الحزن يا عزيزتي يكبلنا ويثقل كاهل الجسد ، فتشعر
أنك فيل يمشي على قدمين ..
أتذكر الآن سؤال للشاعر إبراهيم نصرالله :
الحرية .. ماذا لو جاءت ذات صباح ووجدتنا متلبسين
بنسيانها ؟؟
ما رأيك يا هنادي ؟
عزيزي عبدالله شمس الدين ،
ومن نكدي أني كتبت لك حكاية طويلة عن اللون الأزرق وحسين شريف
وبيكاسو والأحزان ( وما بينهم ) ، إلا أن الكلام ده كلو إتمسح !!
لا علينا ، ربما أعاود كتابة العلاقات دي ..
بس لا يفوتني أن أشكرك لمداخلتك ..
والله غالب زي ماإنت عارف ..
والله يا عماد لمن ألقاك بدخل في إستمحان عجيب ،
حيث لا اعرف أكتب ليك شنو .. الحكاوي كتيره يا
صديقي ..
الأيام دي والتي قبلها أمشي في الشوارع الوطنية
وأرى ما أرى فلا أفهم شيئاً فاتساءل على وزن الأغنية
الشهيرة :
يا ربي أنا من هنا ولا من زحل ؟
أتمنى لو أن لي حاجة أو جهاز أستطيع من خلاله أن أفصل
نفسي ولو لساعات عن المحيط : عن الصحف اليومية والأخبار
الشينة ، الإحتكاك العام ، صوت العربات ورنات الموبايلات ،
الأكاذيب المبعثرة على الطرقات وفي الهواء الطلق ..
والله يا عماد أنا مرهق للأخير ، الطاقة التي أسحب بها نفسي
تشيل وتحط جبل .
وأنا ، بعد كل هذا العمر ( ثلاثون عاماً ، أو تزيد ) أمشي
في الشوارع ذاهلاً ، لا أعرف لو أني أمشي بحق أم أحلم ..
أشعر بشيء ثقيل وغير واقعي يلفني ، وما قادر أفهم ده شنو .
ليلاً ابذل كل ما بوسعي حتى أعيش وأواصل الحياة ، أستعين
بأصدقاء :
فيروز ، محمد منير ، مارسيل ..
و ...........................
.............................
........ ، ..................
.... .
وبعد ده كلو لا أنام !
وهذا الهواء جارح يا عماد على راي محمود درويش ؛
لعن الله دين وسنين
التأمل الذي يجعل بينك وبين المتعة غشاوة وشوك ..
نور ، سلامات يا عزيزي ..
والله أنا حكاية نلوم زماننا والعيب فينا دي ما
واقعه لي تمام ، إذ أن العيب فينا وفي زماننا
وفي حظنا المنحوس وخلافه ..
غايتو لمن أشوف المدينة دي ، والسودان ده ،
ولمن أتابع الأخبار والحروب وألمح النزوع العجيب
للقتال والإحتراب .. أستعجب وأحس بالمحنة الضارية ..
أسأل الله السلامة ..
فهل من مجيب ؟
05 كانون اول, 2006
احجار كريمة
احجار كريمة
قبل أيام زرت منطقة النقعة الواقعة في شمال الخرطوم الشرقي ،
والنقعة منطقة تحتوي على مجموعة من العلامات التي تعود للحضارة
المروية القديمة ..
وصلت النقعة سالكاً طريق الخرطوم - شندي (المسفلت) لمسافة 150 كلم
ونتجه بعدها شرقاً لحوالي الإربعين كلم في الرمال ..
الطبيعة صحراوية وقاسية وفقيرة .. ولا أثر للحياة في هذه المنطقة ..
جبل عالي يتوسط الأفق وأشجار سنطية تتناثر على المدى ..
متحف برلين ومجموعة من المهتمين بالأثار والتاريخ في السودان نشطوا
خلال الفترة المضية والسنوات الفائتة في إلقاء الضوء على هذه البقعة
وحضارتها ، وإستمر الأمر ببدء عمليات الحفر والتنقيب والترميم في
المنطقة بجهد إنساني وعلمي عظيم ومقدر .
ذلك اليوم كانت الدعوة موجهة لزيارة معبد آمون ؛
بعد رحلة يسيرة نسبياً .. وصلنا ..
أنا شخصياً ، هالني ما رأيت ..
كانت الصحراء مرشوقة ومعشقة بالأحجار الكريمة ..
أحجار صبرت لآلاف السنوات تحمل في قلبها أسراراً عظيمة وحكايات ساحرة .
احجار تحمل الدليل الدامغ على عظمة العلوم والفلسفات التي ولدت ونشأت
في المنطقة ..
أحجار صادقة وكريمة ..
تعالوا نتفرج ..
ونحكي ..


" أباداماك " أول من يستقبلك في هذا الفضاء التاريخي

























وكان كمان من الجميل تنوع الناس والسحن والألوان
في الحضن الجغرافي ده ..


الناس : فتافيت الماس !
