طائر الشمال

مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gmail.com

يا شباب مصر .. لا تــُصــَدِّقوهم!

أوسلو 7 فبراير 2012

أحيانا تسقط التواريخ، أو تتوارى خلف أحداثٍ جِسام فيشير المرء للحدث حتى لو لم يعرف تاريخَه!
فأنت تقول: قبل الحرب العالمية الثانية، أو بعد الثورة الفرنسية، أو عندما وصل كريستوفر كولمبس للعالم الجديد، أو قبل الثورة البلشفية، وسيأتي اليوم الذي يؤرخ فيه من يصف حدثا مصرياً بأنه قبل أو بعد ثورة 25 يناير الشبابية.
بعد عدة أشهر ستضيف شركات السفر في الدليل السياحي أثراً جديدا من معالم مصر ، فيطلب الفوج السياحي زيارة الأهرام، ووادي الملوك، والمتحف المصري، وميدان التحرير الذي سيطلق عليه ميدان 25 يناير حتى لو لم يعترف به زاهي حواس فهو وزير في حكومة قام بتعيينها طاغية أفقده شبابُ التحرير شرعيتـَه!
لأول مرة في ثلاثين عاما يسير المصري في كل مكان في العالم مرفوع الرأس، فهو ليس سليلَ الفراعنة، وليس بطل أفريقيا في كرة القدم، وليس صاحب مسلسلات رمضان التلفزيونية، لكنه شقيق لشاب ينام تحت دبابة في ميدان التحرير، وابن خالة فتاة تتحدى بقوة إرادة فولاذية أعتى طواغيت العصر.
يريدون سرقتكم في وضح النهار، ويجلسون باعتزاز زائف وفخرٍ هَشٍّ عن يمين وعن يسار نائب رئيسٍ لم يَعُدْ رئيساً إلا في مُخَيّلة خُصوم الشعب المصري.
يتحدثون في كل شيء إلا مطالبكم العادلة، ويبتسمون، ويتضاحكون تحت صورة الطاغية، ويكاد رفعت السعيد وخصومه الإخوان المسلمون يرقصون فرحاً فوق المنضدة الدائرية، فالسيد البدوي أقنعهم أن حُمُصَّ المولد انتقل من ساحة المسجد في طنطا إلى قاعة فاخرةٍ تتصدرها صورة سفاح استأجر لبلطجيته الخيل والبغال والحمير والجمال ليركبوها، فإذا بها تـُشهد العالم أن مصر تحكمها عصابة، وأن مغارة علي بابا لا تزال تمنح الأربعين ألف حرامي ما لم تنشره( الجارديان) عن ثروة زعيمهم حسني مبارك التي بلغت خمسمئة مليار جنيه!
وجاءكم عمرو موسى في اليوم الثاني عشر نازعا ربطة عنقه مثلما فعل أحمد شفيق، وحاول التهدئة، واقناعَكم بعدم اهانة السيد الرئيس!
لكنه اكتشف في عيونكم المصرية الواسعة والجميلة أنكم أنضج منه، وأكبر من جامعته العربية، وأن هتافاتكم لن يتخللها مقطع لشعبولا ( باحب عمرو موسى .. )، ولم يتمكن من تلميع قاتل مئات من زملائكم الذين كانت أرواحكم الطاهرة تحلق فوقكم، فتنصرف غاضبة عندما تستقبلون منافقا من قوىَ المعارضة، وتعود بعدما ينصرف.
جاء أحمد زويل من بلاد العم سام، وقدّم لحكومة غير شرعية اقتراحات عن حقوق المواطنين، والافراج عن المعتقلين السياسيين، وغيرها..
لكنه أسقط العنوانَ الرئيسَ لمطالبـِكم العادلة.. الشعب يريد اسقاط النظام!
يراهنون على أن أجسادكم الغضّة سيرهقها الجوع، ويـُتعبها العطش، ويبطئها النـَصَبُ والتعب وليالي الميدان الطويلة، لكنكم كنت تتفننون في الصمود مع اشراقة صباح مصري جميل لأربعة عشر يوما ستجعل أيَّ مؤرخ في قادم الزمان يبدأ الكتابة من تاريخ غضبتكم المباركة.
يراقبكم سبعة ملايين مصري في الخارج، وعشرات الملايين في الداخل، وتستقبل السماوات العُلا أدعية تصعد فلا تدري الملائكة إن كانت مرّت على هلال أو صليب.
هل وصلتكم الرسالة الخاصة بثروات كبير اللصوص؟
لقد نقلتها كل وكالات الأنباء، وجعلت أثرياء الدنيا يحسدون طاغية مصر على نصيبه من أفواه جائعي بلده، وكان من المفترض أن يتغير شعار ثورتكم فورا ويصبح ( الشعب يريد محاكمة النظام )، فالمطلوب مذكرة استدعاء لكل أركان الحُكم ورجال الأعمال وعائلة مبارك، فرحيلُه الذي كان أضعف الإيمان أصبح جريمة غض الطرف عن أخطر لصوص العصر.
يشاهد مبارك وعائلته وكلابه وأزنابه وحيتانه ومنافقوه شريط الفيديو، مرة تِلْوَ الأخرى، فهذه سيارة تدهس المصريين، وهؤلاء قناصة تصطادهم، وتلك أوامر عُليا باخلاء مصر من مليون رجل أمن حتى لا يبقى من الوطن شيء آمن، وهؤلاء بلطجية بأسلحة بيضاء وقلوب سوداء ووجوه صفراء يمارسون ضدكم فِعل الشياطين.
اللغة الخادعة لم تخدعكم، وتهشّمت حروفها تحت قوة صلابتكم، فهذا يقول تهدئة، وذاك يؤكد على أهمية كرامة الرئيس لأنها من كرامة الجيش، وثالث يطلب منكم العودة لبيوتكم بعدما انتصرتم، ورابع يتهمكم بالاخوانية، وخامس يؤكد أن هزيمتكم قادمة لا محالة، وسادس يـُرجع سبب الفوضى لاحتلالكم ميدان التحرير، وسابع يتعلل بالموضوعية والعقل، وثامن يـُقسم أنه سيعيد إليكم حقوقكم ( وليس شهداءكم ) من أنياب الطاغية ونائبه و .. رئيس وزرائه.
لا تصدّقوهم فهم تلامذة القنوات التلفزيونية المصرية، والنظام القاتل لا يزال يحكم، واللصوص يتمتعون بخيراتكم، والسفاح يقوم بِسَنّ سكينته، وضباط الأمن الذين تراجعوا عن مواقعهم مخالفين قـَسـَم الشرف وحماية المواطنين لصالح بلطجية مبارك سيعودون لصناعة شهور الجحيم حتى سبتمبر القادم.
لا تصدقوا من يتحدث باسمكم ولو كان أكثر الكبار تقوىَ، ومصداقية ظاهرية، وحكيم زمانه.
لم تعودوا مدافعين فقط عن مصر، ولكنكم خط الدفاع الأول عن الوطن العربي الممتد من المحيط إلى الخليج، وأنتم أمل كل عربي لم يدوس فوق رأسه طاغية، وفوق ظهره ضابط أمن، وتنتظره زنزانة ليقبع فيها ما بقي له من عمر.
لو كان الأمر بيدي لحجزت مكاناً على أول طائرة، وهرولت إلى ميدان التحرير، وقبـَّلت رأسَ كل واحد فيكم لأتطهر، وتعود إلىَ عقلي حِكْمَةُ الشباب، وإلىَ قلمي حماسة الفرسان.
قدّاس الأحد في الميدان كان أطهر من أي قداس آخر في كنيسة ولو أقامه البابا بنفسه، وصلاة الغائب التي أداها المسلمون في حماية الأقباط كانت عند الله أقرب من كل صلوات شيخ الأزهر التي دعا فيها الله أن يحفظ ولاة أمورنا.
استمروا، واعتصموا بالميدان فهو حبلُ الله، وارفضوا كل صور الحوار فالثورة المنتصرة يأتيها المنهزمون من السلطة راكعين، وطالبين الصفح والنسيان.
المنتصر لا يتفاوض، ولا يرسل وسطاء، ولا يناقش، ولا يتنازل، لكنه يُملي شروطه، ويحدد ساعة الصفر لاستسلام المنهزم.
لا تبحثوا عن فارس نبيل في جيش مصر فأربعة عشر يوما والذئب ينهش في أجسادكم لم تـُحرك نخوة، وشهامة، ورجولة، وكرامة أبناء أبطال العبور.
العسكر الثلاثة الكبار وسفاح مصر يخاف كل واحد منهم أن يغدر به الآخرون، وقوىَ المعارضة تتسابق على نصيبها من الكعكة كما فعلت إبان الانتخابات البرلمانية المزورة، ومبارك ونائبه ورئيس الوزراء يرفضون عودة عشرات الآلاف من ضباط الأمن، فورقة تدمير مصر تبدأ من التلويح بعدم الأمان، وسيطرة المجرمين ومرتزقة النظام تشترط انسحاب ضباط الأمن حتى يتم تأديب الشعب الذي ثار بثورة شبابه.
يراهنون على فُرقتكم، ولا يعرفون أنكم أسرة واحدة بملايين الأفراد من السويس والاسماعية إلى القاهرة وبورسعيد، ومن بنها والمحلة إلى أسوان وسيناء.
ألم يأن الوقت للدعوة لاحتلال مركز الفساد والكذب والزيف والخداع، فيكون هناك يوم ( البيان رقم واحد )، ويتوجه مليون أو أكثر إلى ماسبيرو، وهنا فقط سيتهاوى النظام، وتعلنون أسماء المطلوبين للعدالة، وتقومون بطرد كل قوى التخلف الإعلامي.
اجعلوا أحد أيام اعتصاماتكم المليونية لــ ( البيان رقم واحد)، واستأصلوا رأس الأفعى من إعلامه، وليكن لكم إعلام الثورة الشبابية، وباحتلال ماسبيرو ترفع ثورة الشباب راية النصر.
احفظوا أسماء من يتحدث باسمكم، وحاسبوهم بعد سقوط النظام فقد أرادوا، عن سوء نية أو حُسْنـِها، اغتيال ثورتكم الطاهرة.
والله يرعاكم.
وسلام الله على مصر.

يا ابن الكلب .. ألن تغرب عن وجوهنا؟

أوسلو في 30 يناير 2012

كان من المفترض أن يكون صباحُ اليوم الأحد بداية عيد لكل عاشق لأرض مصر الطيبة، وتلقيتُ فعلا من التهاني ما أثلج صدري، واتصل الكثيرون يهنئونني على عشرين عاما من مناهضتك، واعتباري إياك عدو مصر الأول.
كنت أعرف حجم الزلزلة التي يجيش بها فؤادي، وأستطيع قياس كمية الكراهية التي أحملها لك، والتي لو قمت بتوزيعها على شعب مصر كله، لتمنى كل واحد أن يقوم بسحلك في كل شوارع مصر، ثم يعيد تسليمك لمواطن آخر يعيد السحل مرة أخرى.
كنت لا أرى في كل المسؤولين المصريين إلا عبيدا تحت قدميك ، وخدما بين يديك، وأصفارا عن يسارك، وكلابا عن يمينك، وفئرانا أمامك، وأرانب تسير خلفك.
كان القريبون مني يتفقون مع البعيدين في أنني أحمل ثأراً معك لم أحمله من قبل لأكثر الطواغيت دراكيولية، وأشدهم قسوة وغلظة ودموية، فلم أكترث، ولم أعبأ بغمزاتهم، وتعرضت لكل المتاعب لعلي أخفف عنك قلمي، لكنني كنت أرى قرني الشيطان الرجيم أجمل من قرنيك، وأشفق على إبليس منك، وأخشى عليه من وسوساتك اللعينة.
لم تعد عيناي ترى غير أوامرك في كل مجازر، ومذابح، وجرائم، وانتهاكات، واغتصاب أي حق، أو مصري، أو مال، أو لقمة مِنْ فـِيه جائع.
عشر سنوات تصارع فيها أملي بالعودة وتقبيل تراب وطني، ويأسي في أن يفهم أبناء شعبي أنك عدوهم الأول والرئيس والأكبر.
كان منافقو الصحافة يعتبرونني، لكراهيتي إياك، جربـاً ينبغي تجنبه، وابلاغ من يهمه الأمر بالابتعاد عني، والشكوى لسفير أي بلد أقوم بزيارته حتى أن سفيرا عربيا استضافني مع آخرين، فعاتبه سفيرك لأن السفير العربي دعاني إلى داره.
كنت أراك مسؤولا عن بطش وزير داخليتك، وعن اغتصاب مواطنيك في أقسام الشرطة، وعن التعليم الفاسد في مصرنا، وعن أولاد الشوارع، وعن سرقة بعض الأعضاء في أجساد المصريين وهم في غرف العمليات، وعن العنوسة، وعن البطالة، وعن حكومات نتنة تـُقَبّل جزمتك في كل مرة تعطيهم توجيهاتك.
كنت أرى الفنانين والمذيعين والأدباء والإعلاميين والحزبيين، إلا ما ندر، قردة ترقص لك، وتـُلقى الحجارة من فوق الأشجار على الآمنين تحتها.
كنت أرى قلبك الأسود كأنه قطع من الليل مظلمات، أو أعماق بحر لـُجّي يغشاه موج، ولكن كل من حولي يحاولون اقناعي أن أبعد يدي عن رقبتك، وأمسك في رقاب رجالك، فلم استجب ولو لمرة واحدة، ولم أعاتب كلبا من كلابك نبح في وجهي، أو هزّ ذيله فرحاً بك أو.. بابنك.
وخرج شباب مصر في 25 يناير وهم لا يعرفون حاكما قبلك، ولا يرجمون الغيب في حاكم بعدك.
لم تحركهم جماعة، أو فرقة، أو حزب، أو شيخ، أو كاهن، أو مسجد، أو كنيسة، أو زعيم معارض فشل في احتلال مقعد على مقربة من أحمد قتحي سرور، فقرر تحريك الشارع و هو لا يستطيع تحريك اصبعه أمام رئيس مجلس الشعب، أو في مؤخرة أحد ذئاب قصرك، أو كلاب حزبك.
تمنيت التهنئة الكبرى صباح الأمس السبت، لكن لم يخالجني أدنى شك في أنك تكره مصر والمصريين، وتريد أن تحرق الوطن كله،وتخرب ممتلكات العامة والخاصة، وتنزل الرعب في البيوت، وتطلق بلطجيتك من السجون والمعتقلات بالآلاف لكي يروعوا الآمنين، ويزيفوا الحقيقة لتبدو كأن شباب مصر هُم اللصوص، والقتلة، والقبضايات.
منذ سنوات كتبت مقالي( هذا الرجل مجنون .. هذا الرجل نيرون) وكنت أتنبأ بنيرونيتك، فإذا بك تقفز إلى الدرجة القصوى لسيده وأستاذه كاليجولا، فنشرت مقالا في يناير 2009 تحت عنوان ( ألم أقل لكم بأن مبارك شيطان يحكم مصر؟)!
السبت 29 يناير 2011 سيكون يوما يلطم كل مؤرخ وجهه قبل أن يبدأ يشرح ملابسات يوم القيامة المصري، فلأول مرة تظهر أنيابك بارزة لا تخفى على أحد حتى لو قال عنها أسامة سرايا، وعبد الله كمال، ومجدي الدقاق، ومكرم محمد أحمد وغيرهم بأنها ليست أنيابا بدماء حمراء قانية، إنما أسنان بيضاء ناصع بريقها!
لا أريدك أن ترحل الآن، لكنني أحلم بسحلك في كل شارع سقط فيه شهيد مصري، وفي كل حارة تخضبت بدماء شاب فقدته أسرته في عمره الربيعي، لكنه استبدل بحياته ملايين الحيوات المصرية، وفرش لمستقبل شباب لم يمت، أرض وطن عاش بفضل شجاعته.
ولو سحلك ثمانون مليونا فستظل كمية الغضب عليك تخنق صدري، وتعطب جهازي العصبي، وتضاعف نبضات قلبي.
ترى هل يوجد في مصر إنسان، أو حيوان، أو نبات، أو جماد لا يحمل لك كراهية كأنها سحب سوداء تغيم نهار القاهرة؟
كنت أعلم أنك ستخطط لاحراق مصر، ونسف ثرواتها التاريخية، واطلاق مجرميها من السجون، وذبح الأبرياء بالمئات في أماكن لا تدخلها كاميرا، ولا يعرف موقعها غير رجالك.
كنت أعرف أن شمشون كأن أشرف منك، فقد هدم المعبد على نفسه وعلى أعدائه، أما أنت فقد عزّ عليك أن تعيش مصر بعد هروبك، وأن تعود الملائكة للتحليق فوقها، وتترك الشياطين تتلبس بك.
لا أعرف في هذه اللحظة الأليمة غير أمنية واحدة لو تحققت لي، فسترقص الدنيا فرحة في وجهي ما بقي لي عمر.
إنها خلاصة كل كتاباتي وهي أن أقف أمامك، وأصيح: يا ابن الكلب، ثم أبصق في وجهك بصقة جمعتها لثلاثة عقود.
وسلام الله على مصر.

 
A service provided by Al Bawaba