مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com

إعلاميون وفندقيون وجواسيس

أوسلو في 17 مايو 2008


هل انتهى عصر البحث التقليدي عن الجواسيس الذين يخدمون جهات معادية للعرب؟
هل الجاسوس هو فقط الذي يتبرع بمعلومات عن صفقة أسلحة، أو تغييرات في المناصب، أو زيارات سرية يقوم بها مسؤولون حكوميون؟
في الواقع فقد اختفت تقريبا الأساليب المشار إليها، وأصبح الجاسوس الآن منافسا للوطنيين، ومثقفا يلقي محاضرة عن خطر الاستعمار، وإعلاميا مرموقا يتم تكريمه على مرأى من جمع غفير يصفقون له حتى تدمى أيديهم.
إنه ليس بالضرورة نسخة كربونية من إيللي كوهين، أو هبة عبد الرحمن سليمان أو عزام عزام أو ليفي افرايم أو هشام محجوب أو فارس مصراتي أو سمحان مطير أو سمير عثمان أحمد، لكنه نوع جديد تماما يناسب العصر، ويؤدي مهمته تبرّعا دون أنْ يتلقى في كثير من الأحيان الأوامر أو أدوات التجسس أو الحبر السري أو مظروفا به أجر الخيانة مع نزهة باريسية وسهرة حمراء في المولان روج.
الجاسوس الجديد لا يعمل بالضرورة لحساب إسرائيل، لكنه متطوع بكامل رضاه ووعيه لجهة قد تبدو ظاهريا وطنية، وفي الحقيقة هي سلطة قمعية تمثلها بعثات دبلوماسية لا يدري المرء إنْ كانت إمتدادا للسجون والمعتقلات أو هي فرع أنيق ودبلوماسي لجهاز أمن الدولة.
كوهين الجديد قد يكون موظفا في فندق في الخليج يتبرع لسفارة بلده بمعلومات كاملة عن ضيوف الدولة، وعن تحركاتهم ولقاءاتهم ومضيفيهم وكيفية الحجز وأسماء الموظفين والعاملين لدى المضيف، خاصة إن كان يحتل مركزا رسميا وقياديا.
إنه عين البعثة الدبلوماسية التي لا تحتاج لكتيبات صغيرة تجمع ما فيها من معلومات، إنما هي مهمة بعض موظفي الفنادق، فيكتبون التقارير أو يبلغونها هاتفيا، ولك أن تتخيل هذا الكم الهائل من المعلومات الذي يتدفق على المؤسسات الأجنبية والهيئات والبعثات الدبلوماسية حتى لو أرسلتَ من غرفتك إلى غرفة أخرى مظروفا به رسالة أو كتاب، فكوهين الجديد قادر على ايصال المعلومة لسفارة بلده قبل أن تستيقظ من نومك أو تبدأ أولىَ لقاءاتك.
وقد يكون إعلاميا وطنيا مكرّما من أكبر مضيفيه، وتتفتح له الأبواب، ويُلقى محاضرة في مؤتمر أو ملتقى أو اجتماع فتظن للوهلة الأولى أنك أمام مناضل جهادي يستعد لتفجير نفسه في موكب لمدرعات العدو، فإذا به مكلّف بتقرير يقدمه لأمن الدولة فور عودته لمطار عاصمة بلده.
إنه الإعلامي الجديد الذي يمسك القلم ويفكر في السلطة، ويخط كل حرف وذهنه منشغل بضابط الأمن الذي سيبتسم في وجهه، وربما يقوم بحمايته إنْ غضب عليه رئيسه المباشر.
سألت سائقي في إحدى مرات زياراتي السنوية عن بعض أعداد مجلة ( طائر الشمال ) التي كانت في السيارة، فلم يتلعثم أو يتردد، لكنه قال بوقاحة: لقد أرسلتها إلى سعادة السيد سفير بلدي هنا لكي يطّلع عليها!
سألت صديقا عزيزا ومدير تحرير صحيفة عربية عن هذا الهلع الذي أراه في عيون زملائنا في السلطة الرابعة وهم يجتمعون بعيدا عن الوطن وفي عيد وطني لدولة عربية شقيقة، فقال لي بصراحة أدهشتني: إننا نكتب التقارير ضد بعضنا، ونتوجه فور العودة كل إلى ضابط الأمن المكلف به تلقيّاً وحماية، حتى لو تناول أحدنا طعام العشاء مع معارض في الخارج.
وكوهين الجديد ترتعش أوصاله، وتكاد تنكسر مفاصل ركبتيه إنْ أعطيتَه كتابا يقرأه وفيه مناهضة لسلطات بلده، فهنا تصبح صاحبة الجلالة .. السلطة الرابعة أكثر هشاشة من ورقة شجرة تسقطها نسمة خريف رقيقة.
إنه لا يكتفي بالفزع من الروح الأرنبية المترسخة داخله، لكنه يفكر في موظفي الفندق فكثيرون منهم سيوقظون سعادة السفير من فراشه الدافيء، وربما يفكر الإعلامي بأن تقرير السفارة سيقع بين يدي جهاز الأمن في بلده قبل أن ينبلج صباح جديد.
عندما تتسلم مفتاح غرفتك في الفندق، ويبتسم لك موظف أنيق ومهذب ويكاد يُقَبّل يديك من أدبه الجمّ، فتأكد بأن صورة جواز سفرك قد وصلت لسفارة بلدك قبل أن تشاهدها جهات أمن مضيفك الكريم.
تخيل موجات متدافعة من المعلومات عن مؤتمر عسكري أو أمني أو زيارة مسؤولين أجانب لم تعلنها الصحافة، ويعرف تفاصيلها موظفو الفندق وكوهينوه الجدد!
بعض الدول العربية الثورية تعتمد اعتمادا كبيرا على موظفي الفنادق في دول الخليج وعلى إعلاميين كبار، مقيمين أو زائرين، يتولوّن مهمة غير شاقة، بل يستطيعون أن يُحصوا أنفاس الزائر منذ وصوله إلى مغادرته.
إنهم هجين جديد مكوّن من لقاح أمني مع آخر إعلامي بنكهة دبلوماسية.
( رجلنا في دمشق ) كتاب عن إيللي كوهين قرأت ترجمته النرويجية منذ ربع قرن، والآن يمكنني أن أستعير نفس العنوان فتقول: ( رجلنا في الفندق ) أو ( رجلنا في الملتقى الإعلامي )!
كنت لفترة طويلة أخشى التواجد الآسيوي الكثيف وأعتبره أكبر خطر يحيق بخليجنا العربي، بل لقد خشيت أن يتحول هؤلاء إلى ذراع طويلة لبلادهم الآسيوية التي تضيق بسكانها وفقرها الأرض بما رحبت.
الآن أخاف على خليجنا من الكوهينيين الجدد الذين باضتهم دجاجة الأمن، وفقستهم سفارات بلادهم.أخاف على خليجنا العربي من إعلاميين ووشاة يهمسون في آذان مضيفيهم كما يفعلون مع أجهزة أمن بلادهم، فيقومون بــ ( تطهير ) خليجنا من زائرين وأصدقاء وعشاق له، لكي تتفتح لهم أبواب جديدة، ومجالات أرحب لكل أنواع الوشاية الدنيئة.
إنهم لا يقلّون خطرا عن جواسيس الأعداء الذين أشرنا إليهم، فهم من لحمنا وديننا وعروبتنا ويتحدثون لغتنا، لكنهم يضمرون لنا كراهية حقنتها في صدورهم مشاعر الخوف من السلطة، والرغبة في التعاون معها ضد أبناء وطنهم.




أنت متهم لأنك تحب وطنك

أوسلو في 29 مايو 2008

للاستماع والمشاهدة
http://www.youtube.com/watch?v=5jijvExtTLI

خبران صغيران يفصل بينهما عالمان مختلفان تماما، لكن يمكن اعتبارهما صلب القضية التي نتحدث عنها.
الأول عن اضراب موظفي 12 مطارا نرويجيا، مما اضطر الملك هارالد الخامس والملكة سونيا إلى ركوب قطار الليل بعد العثور على تذاكر سفر بصعوبة، وذلك للوصول قبل الموعد في صباح اليوم التالي.
وللمواطن العربي أن يتخيل موظفا في القصر الملكي النرويجي يرجو مكتب الحجز أن يجد تذاكر سفر للملك والملكة وبعض موظفي الديوان.
أما أن تخرج طائرة خاصة ليستقلها العاهل النرويجي فهو الأمر غير الطبيعي، تماما كما حدث مع والده الملك أولاف عندما قطع العرب بترولهم عن الغرب خلال حرب أكتوبر 73، فجلس الملك في المترو، واشترى تذكرة من المحصل كأي مواطن آخر. وكان يركب دراجته في التنقل من مكان إلى آخر.
المشهد المقابل تظهر فيه صورة رجل استخبارات سوري غاضب إثر ابلاغه بأن إمام أحد المساجد لم يتوجه إلى الله تعالى في نهاية الخطبة بأن يطيل عمر فخامة الرئيس بشار الأسد.
أما الحديث عن أن سكرتير الرئيس لم يجد تذكرة سفر لفخامته من دمشق إلى اللاذقية فقد يصيب مستمع الخبر وناقله بهوس ضحك متواصل أو بكاء مستمر!
شمرت أجهزة صناعة الكلمة عن سواعدها، وتلقى مثقفو السلطة أوامر ذاتية مبرمجة منذ أربعين عاما بأن تمتدح شجاعة الرئيس الذي سيجعل المفاوض الإسرائيلي يتبول في ملابسه رعبا وفزعا وهو يجلس على مائدة المفاوضات مثلما جلس جنرالات صدام حسين في خيمة صفوان، والجنرال شوارتسكوف يهمس في أذن الجنرال خالد بن سلطان بن عبد العزيز!

أجهزة الاستخبارات والتي تهمس في أذن الرئيس بأنها تقوم بحمايته تقرر في عملية بطولية خارقة اعتقال فاطمة مصطفى أحمد وهي في الثانية والعشرين من عمرها وكانت حاملا في الشهر الخامس، واختفت مع زوجها عمر بن أحمد خطاب ، فالشمس لم يخلقها الله لتسطع على قلب العروبة النابض، ولكن لكي يختفي المواطن السوري وراءها دون محاكمة، فوجود السلطة القضائية إهانة للسلطة التنفيذية، أما السلطة التشريعية فينتخب الشعب أعضاءها للتعبير عن رغبات سيد القصر.
أنت سوري، وتحب وطنك حبا جما، وتذوب عشقا في كل نسمة هواء تلفح رجلا أو إمرأة’ أو حجرا أو شجرة أو قطة متشردة أو طفلا يطل برأسه من نافذة حافلة مسرعة ، لكن حبك ينبغي أن لا يقترب من إثارة غضب حماة الرئيس، وإلا فقد ثكلتك أمك قبل أن تعود إلى دارك، فالاختفاء القسري ممهور بتوقيع الرئيس الشاب حتى لو لم يمسك القلم أو يخط حرفا فيه.
النكتة الوحيدة في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة التي تبكي وتضحك في الوقت عينه سامعها تتعلق بحقوق الإنسان.
يصل المهندس راسم السيد سليمان الأتاسي رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا إلى مطار دمشق الدولي، فالمهمومون بقيمة الإنسان العربي في إنتظاره بالعاصمة البحرينية، لكن أجهزة الأمن تكتشف في صدره أحلاما تهز هيبة الدولة، وهي أخطر من الإحتلال الصهيوني لهضبة الجولان، وأغلب الظن أنها عن كرامة المواطن.
يبصق مدير أمن المطار على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ثم يعيد المواطن إلى المعتقل .. أعني الوطن حيث لا تستطيع أن تميز بينهما.
تستطيع محكمة أمن الدولة في سوريا أن
تحجز لك مكانا في زنزانة ستكون من أسعد مخلوقات الله لو أن فتحة التهوية فيها كانت أكبر من قبضة يدك، والتهمة محاولة إضعاف الشعور القومي!
لكن هناك تهمة جديدة هي القيام بأعمال لم تجزها الحكومة!
ترى هل سيأتي الوقت الذي يتم فيه إعتقال مواطن لأنه مر بجوار كلب، ولم يرفع يده بالتحية، باعتبار أن الكلاب تتعاون مع السجانين في نهش لحوم المعارضين، ومن لا يحترمها يقلل من هيبة الدولة؟
الشاب عبد الله البحر بن سمير لم يبلغ الحادية والعشرين من عمره، وقد ارتكب جريمة بشعة في حق الدولة وهي أنه كان يبحث عن والده وشقيقه المفقوديّن منذ فترة، فتم اعتقاله.
التهمة ليست مشكلة فهي تأتي لاحقا، بل يمكن للمتهم أن يختار التهمة التي سيمثل بها أمام القضاء، فالمهم أن الخوف يسري في كيانه، وأن تقتله حيرة التفكير في مصير لا يعرفه، وأن يعرف أن التجديف في حق الله واحدة من الصغائر التي لا تقارن بجريمة حب الوطن والاهتمام بشؤونه ومشاكله وقضاياه.
أما أن تظن بأن الله أعطاك من نفخة الروح فيك كرامة تصحبك من المهد إلى اللحد، فأنت قد حفرت قبرك بيدك، وحجزت زنزانتك قبل أن تغسل دورات مياه سجنها بوقت طويل.
عضو المنظمة السورية لحقوق الإنسان وديع دك الباب هز هيبة الدولة أكثر مما فعلت طائرات إسرائيلية حلقت فوق القصر الجمهوري بدمشق، ونشر مقالا عن ( دمشق عاصمة للثقافة العربية ) وطالب بأن تكون الكرامة قبل الثقافة.
لو أنه اشترك مع المقاتلات الإسرائيلية في ضرب مشروع المفاعل النووي السلمي لكانت جريمته مخففة وبسيطة، أما أن تلعب الشياطين برأسه، ويظن أن حبه لبلده ولشعبه ولأرضه الطيبة يمنحه حق الحديث عن أهمية الكرامة، فالرئيس الشاب لا يتسامح مع الخيانة العظمى للدولة.
هل تحب سوريا حقا، ومع ذلك فأنت تصمت على عشرات من الجوانتانامو المتفرقة في قلب العروبة؟ عليك إذن أن تعيد النظر في حبك، فهو كراهية ولو ظنها البلهاء غزَلا صامتا!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج
Taeralshmal@gmail.com

رسالة مفتوحة إلى فيصل القاسم

أوسلو في 10 يونيو 2008

الاستماع والمشاهدة
http://www.youtube.com/watch?v=xnjgkPQ56UU

مَرَّ تقريباً شهرٌ ونصفُ الشهرِ علىَ الثلاثاءِ الأسّوَد الذي اصطدتني فيه، وحاولتَ احراقي واغتيالي على الهواء، ثم سعيتَ إلى دفني في نهاية الحلقة، في رسالة واضحة وصريحة لكل أجهزة القمع والقهر في العالم العربي بأنك أديّتَ إليهم خدمة ستكون لصالحك في أعناقهم، أفرادا ومجتمعين.
أعترفُ لك بأن الأسبوعين الأوليّن بعد جريمة برنامجك مَرّا كأن جبلا من الحزن والهَمِّ والغضب كان يضغط على قفصي الصدري، ومن عادتي أن أجد لمن يُسيء إلى مِنْ عذرٍ واحدٍ إلى سبعين عذرا، أما في الثلاثاء الأسود فلم أعثر لك إلا على سبعين ذنبا لا يستطيع الزمن أن يُحَرّكها من مكانها قيد شعرة.
أستعيد كل دقائق اليوم المشؤوم، فتزداد علاماتُ الاستفهام أضعافا مضاعفة!
كيف تحوّلتَ من شخص وديع قبل البرنامج إلى مساعد أول طاغية أو جلاد لمستبد أو مفترس لصالح سيد القصر؟
كأنك ذاكرتَ الدرس مئات المرات، وحفظته عن ظهر قلب، وتم اجراء امتحان في جهاز أمن الدولة عن كيفية ارباك ضيفك، وقطع حديثه، واقتطاع كلمات في نهايات الجمل الاستئنافية قبل أن يكملها، والاستهزاء به، والسخرية مما لديه، وحجب أي فرصة على توثيق وإذاعة معلومات وبيانات وأسماء و ....
أتذكر تعبيرات وجهك بعد البرنامج وأنت تريد إيصال رسالة أمامي ليسمعها اللواء .. الضيف الآخر، وكأنها شهادة وفاة لينقلها عنك إليهم، حيث استلقوا جميعا على ظهورهم، في مكاتب الاستخبارات، ضحكا وفرحا وغبطة من مصر إلى ليبيا، ومن تونس إلى الأردن، ومن سورية إلى العراق، ومن السودان إلى الجزائر، فقد ضمنتَ لنفسك قاعات كبار الزوار، ونياشين تستقبلك، ونجوما تتراقص فوق أكتاف مضيفيك.
ولكن كيف كانت ليلتك الأولى بعد عودتك إلى فراشك الدافيء في عاصمة المصالحة اللبنانية؟
ألم يقرعك ضميرُك؟
ألم يؤنّبك ولو للحظات خاطفة عن عملية بيع إعلامي زميل على الهواء؟
المفاجأة التي لم تكن أنت تتوقعها جاءت من هؤلاء الأشراف، وحتى ممن يلمسون الشرف بأطراف ضمائرهم، فقد غضبوا عليك، ونزعوا ثقتهم عنك، ورأى كثيرون منهم أنك كنت كمن أخطأ الرصاصة فلم يقتل ضيفه، لكنه أصاب ( الاتجاه المعاكس)، فأعطوك ظهورهم، وتغيرت ملامحك في أذهانهم وفي مخيلاتهم.
كيف طاوعتك نفسك أن تختار زميلا لك، وتمارس معه أمام الملايين ما يفعله ضابط الأمن ومرشد السلطة وسجّان الرأي، فتقطع لساني ثم تطلب مني الحديث، وتكتم فمي لتصيح مستهزئا بأن ضيفك صَكَّ وجهه، وتلعثم لسانه، وفقد القدرة على الحديث؟
أين كانت أخلاق الإعلامي المتمرس، والمثقف المستنير، خاصة وأنك لا تحتاج لمزيد من المال أو السلطة أو الحماية، ولا يقترب منك سوط، ولا يتوعدك كرباج، ولا تتهددك قائمة بالمترقب وصولهم إلى مطار بلد عربي؟
بقدر ما كان جبل الحزن وجلد الذات والغضب عاليا وثقيلا، بقدر ما فتحتَ لي كوة صغيرة، كبرت مع الوقت لتستخرج تحديات كانت كامنة داخلي، وأفكارا لم تدر بذهني، واصرارا أن الهزيمة بداية الوقوف من جديد.
وانتهيت من عدد جديد من (طائر الشمال)، وخرجتُ إلى فضائية في بلجيكا أتحدث عن السجون والمعتقلات، وفتحتُ لنفسي نافذة على النت في شرائط مصورة لتكملة رسالتي عن عالم الأبرياء المنسيين والمختفين والمعذبين في أقبية تحت الأرض (التي تتكلم عربي)!
وفي ذهني عشرات من الأفكار التي تتزاحم لتفوز كل منها بالخروج إلى النور، وتعافيت تماما من الثلاثاء الأسود، لكن حيرتي عن رد فعل ضميرك لا تزال كما هي.
صحيح أن الوجع كان شديدا ومحرجا لأحبابي وأصدقائي ومعارفي وأهلي.
وصحيح أن البعض عاتبني عتابا شديدا، وبعض البعض تهكّم وسَخَرَ، واعتبر الحلقةَ اختبارا يرسب فيه من لا يصيح، ويقاطع الآخر، ويسابق لسانُه فكرَه، وتلوّح قبضة يده في الهواء، ويهددك بالانسحاب على الهواء.
لكن سعادتي كانت تحملها مفاجأة المفاجآت، فقد تلقيت رسائل دعم ومحبة وتعاطف وتأييد، رغم أدائي الذي قارب الصفر أو أدنى، فلم تكن لتنطلي عملية الذبح البارعة على أكثر مشاهديك، بل ومحبيك أيضا.
اتصل بي مثقف كبير، وسياسي محنك قائلا: أمْا أن الدكتور فيصل القاسم باعك على الهواء، فهذا لا يشك فيه حتى من يملك من الفكر ذرة، ومن الفهم أقل منها!
لكن لمصلحة مَنْ قام بعملية البيع والقتل والحرق، بل والدفن التي أعلنها في نهاية الحلقة، فذلك ما لم يحط به صديقي علما؟
اكتشفت عالما رائعا وجميلا من المحبين الطيبين الذين ناصروني، وساندوني، وشدّوا من أزري، ومنحوني كلمات دافئة لو أنك، المنتصر، تلقيتَ قليلا منها لأسعَدَتْك ما بقيّ لك مِنْ عُمْر.
هل تصدق أنني لم أشاهد (الجزيرة) بعد عودتي إلا كلمح البصر أو أقل، فحتى شعارها اختلط في ذهني بالثلاثاء الكاذب، والغريب أن كثيرين أبلغوني أنها نفس مشاعرهم، وأنهم لم يعودوا قادرين على تصديقك.
لم أتمكن من الاجابة على سؤال متكرر طرحه كثيرون: لماذا ظهر الدكتور فيصل القاسم بعد أقل من خمس دقائق كأنه يحمل لك كراهية دفينة، أو كأنه يتوعدك بمصير لا يختلف عن مصير كل من جئت تدافع عنه؟
ترى هل سيأتي الوقت الذي يجبرك فيه ضميرك، ربما في لحظات نادرة من السمو الروحي، أن تقف في اتجاهك المعاكس، وتعتذر عن تلك الجريمة، ولا تأخذك العزة بالإثم؟
بين الحين والآخر، ولو طال الزمن، وعندما أشعر أن الجريمة في طيّ النسيان، ساقوم بتذكيرك مطاردا ضميرك وأخلاقك لعلها تصادف مِرّة واحدة أسمى قيم الحياة .. الاعتذار عن أم الجرائم، عندها قد أسامحك. أما الثلاثاء الكاذب فغير قابل للنسيان!


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج

 
A service provided by Al Bawaba