مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com

لا تصدقنا يا رسول الله فنحن كاذبون

 

لا تصدقنا يا رسول الله فنحن كاذبون

أوسلو في 28 فبراير 2008

خجِلٌ أنا منك ايها الحبيب المصطفى لأنني واحد من مليار ونصف المليار مسلم هم أتباعك قولا، وأكثرهم خصومك فعلاً!

قلتَ بأنَّ مَنْ كذَب عليَّ عامداً متعمِداً فليتبوأ مقعده من النار ، ونحن نكذب عليك عندما ندّعي بأننا نفديك بأرواجنا، ولو كنا صادقين لخرجت تلك الملايين تناهض طغاتها ومستبديها ومعذّبيها وسارقي لقمة الخبز من أفواه أولادها.


أليست كرامتنا من كرامتك؟
ألم تقل لنا بأنَّ من مات دفاعا عن ماله فهو شهيد؟
ألم تقل لنا بأن من غشّنا فليس مِنّا؟

كرامتنا، يا رسول الله، فرّطنا فيها كما لم تفعل أُمّةٌ من أمم الأرض ولو بلغ بها الضعفُ مبلَغه، والآن يمكن لأيّ جاهل أو متخلف أو معتوه أن يركب ظهورنا فنُطيعه كما تطيع الماشية عصا راعيها، بل نتبرع أحيانا بالعصا للراعي، فهو وليُّ أمرنا.

لا تصدقنا يا حبيب الله، فلو كنا نحبك لخرجت ملاييننا تطالب بالافراج عن المعتقلين والمسجونين ظلما وبهتانا وزورا، فكرامتهم من كرامتك، ونحن نقرأ ونسمع ونتابع ما تهتز له السماوات السبع والأرض وما فيهن، ولا تتحرك ضمائرنا قيد شعرة، فكيف ندّعي أننا نفديك بأرواحنا؟

خرج من يقولون بأنهم أحبابك يصرخون في كل الشوارع والميادين بأن دماءهم ثمن لإيمانهم بك، فلما قلنا بأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عاتب عليكم لأن غضبكم هذا ينبغي أن يبدأ برفض كل صور المهانة والاذلال في السجون وأقسام الشرطة، ومن يحب النبي فلينضم فورا إلى حركة احتجاج دفاعا عن كرامة المسلمين وكرامة من يعيش معهم من شركاء الوطن، فينغضون رؤوسهم، ويديرون ظهورهم، فأرواحنا هنا تفكر سبعين مرة قبل أن تفديك.

مئات الآلاف يخرجون في شوارع السودان، وأكثرهم يتضورون جوعا وفقرا وعِوَزا، ويلهب ظهورَهم سوطُ طاغية فتح لهم بيوتَ الأشباح، وخدّرهم بالدين بدلا من أن يحرّرهم به، فيقولون بأنهم يدافعون عنك، ويتقدم المظاهرات لصوصٌ وأفّاقون ومستبدون وغشّاشون، وكان يجب أن يبدأ التعبيرُ عن حبهم لك بالتوجه ناحية السجون والمعتقلات واطلاق من فيها حتى يخضع ولي أمرهم صاغرا ومُلَبّيا نداء الكرامة الذي زرعتَه فينا.

لا تصدق الاخوان المسلمين والسلفيين والفضائيين وعلماء الأزهر وجمعية الدعوة الاسلامية وجماعات الاصلاح وكل من يدّعي حبك وطاعتك والالتزام بالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولو كنا صادقين في حبنا لك، يا نبي الرحمة ورسول السلام، لبدأنا برفض الطغاة، وأرغمناهم على احترام كرامتنا، وأخلينا كل السجون والمعتقلات من المظلومين الذين يدْعون اللهَ قياما وقعودا وعلى جنوبهم، فنصُم نحن آذاننا لئلا نسمعهم، وترتعش أوصالنا بملاييننا أمام بضع عشرات من زبانية ولي الأمر الذي فرض كفّه على أقفيتنا فصَمَتنا صمت القبور.

لا تصدقنا يا رسول الله فمئات الملايين من أتباعك لا يستطيعون أن يحركوا حجرة من أمام المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله ليرينا من آياته إنه هو السميع البصير، ويستطيع الذين يدنسون المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وهم قلة يقل عددها عنا تسعين مَرّة أو أن يرهبوا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فنأتيهم صاغرين، ونعقد مؤتمرات للتوسل والبكاء يقف على رؤوسها أولياء أمر المسلمين، فيرفض مدنسو الأرض التي باركها الله حتى الانصاتَ إلينا.

لا تصدقنا يا رسول الله ولو كنا نحبك ما أصبحنا فرقا وطوائف يقتل بعضها بعضا، ويأكل كل منها لحم أخيه حيّاً وميتاً، ويدعي أنه الأقرب لك ولآل البيت، والحقيقة أننا جميعا، بكل مذاهبنا وطوائفنا وفِرَقِنا الأبعد عنك في عالم الكراهية والتكفير الذي غرقنا فيه.

لا تصدقنا يا خاتم الأنبياء والمرسلين، فنحن نعلم أن محبتنا لك ليس لها طرق عدة للتعبير عنها فهو طريق واحد يبدأ سلوكا قبل القول، ومن يحبك حقا فهو عدو لدود وخصم عنيد للطاغية ولمن يهين كرامة الانسان وللغش والمخدرات والفساد وتهريب الأموال والتطرف والتشدّد والغلوّ والارهاب وتزييف الاقتراع وتوريث الحُكم عنوة واستغفالا.
لا تصدقنا يا من كان خُلُقُه القرآن ونزل عليه الروح الأمين، فنحن فرسان إنْ اقترب حاكم من الاستخفاف بتغطية شعر المرأة، ونحن فئران إنْ أمر نفسُ الحاكم باغتصابنا، وأدخل رجال أمنه العصا في مواضع العفة من أتباعك المخلصين.
ونحن أبطال في مصارعة البعيد، ونحن أرانب في مقارعة القريب.
لا تصدقنا يا خاتم الأنبياء والمرسلين فعالَمنا الاسلامي من نيجيريا إلى مصر، ومن الجزائر إلى سوريا، ومن الأردن إلى المغرب، ومن الصومال إلى قازخستان يعشعش فيه الفساد، وتزيد فيه الرشوة عن عدد مرات ذكر الله.
لا تصدقنا، طه الحبيب، فقد صنعنا دينا جديدا من دين أكمله الله وأتم علينا نعمته به، فنحن الآن نعيد عبادة الأصنام في عشرات الآلاف من الفتاوى الفجة والساقطة، وفي معممين فضائيين يُطِلّون علينا في بيوتنا، وينشرون الغث، ويحشرون في رؤوسنا أفكارا معوقة وتخلفات ذهنية ويقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ضئيلا.
لا تصدقنا رغم أننا أكثر من ثلث سكان الكرة الأرضية، ولدينا ظلم وفقر وفساد وأميّة وتخلف وجهل وطغاة كما لم يشهد أي زمن اسلامي منذ بدء بعثتك النبوية الكريمة.
لا تصدقنا يا رسول الله فعشرات الآلاف من المواقع الاسلامية التي تناصرك وتتوعد راسمي الكاريكاتير المسيء لك تدعم في الواقع الارهاب والطغاة، وتغمض العين عن الظلم، ولا تقترب من القضايا الرئيسة للاسلام، وتقول لمن يطلب منها الدفاع عن حقوق الانسان .. خليفة الله في الأرض: اذهب أنت وربك فقاتلا، إننا ها هنا قاعدون.
كذبنا عليك جهرا وعلنا وصراحة عندما صدّقنا بأنك طلبت منا أن نسمع ونطيع ولي الأمر ما دام يقيم فينا الجمعة والعيدين، لكن الحقيقة التي أخفيناها أنك كنت ستقول: ما دام يحافظ على كرامتكم ويحفظ لكم أموالكم وأعراضكم وحرياتكم وأرضكم.
طريق واحد للتعبير عن حبنا لك يبدأ من أمام قصر أو خيمة الطاغية في أي مكان، في العراق وسوريا ومصر وتونس والأردن وليبيا والسودان وغيرها حيث يرتع الطواغيت ويرقصون على مقابر جماعية لأهلنا، وبغير هذا الطريق فنحن نكذب عليك عامدين متعمدين.
أرواحنا تفديك يا رسول الله وذلك بصناعة عالم الحب والتسامح والحرية والأخذ بأسباب التقدم والكتاب والثقافة ومعاهد البحوث والاعلام الملتزم واعطاء غير المسلمين نفس حقوق المسلم لا تقل عنها ذرة أو أصغر.

أرواحنا تفديك يا رسول الله عندما نقاتل الغش والفقر والبيروقراطية والتخلف، ويصبح كل مكان فيه مسلمون نموذجا للنظافة والطهارة ففيه تسجد جباه لله رب العالمين.

أرواحنا فداء لك يا من أدَّبَه ربه فأحسن تأديبه، فستخرج هذه الجموع الهادرة والمدافعة عنك ضد رسامي الكاريكاتير لتدافع عن كرامتها أولا، وترسم في أذهان الآخرين صورة جميلة ومشرقة ومتسامحة ونبوية لحبيب الله المصطفى، صلى الله عليك وسلم، وسنتوقف عن التكفير وعن إيذاء الآخرين وعن تحقير أي مذهب أو طائفة أو فرقة أو دين أو عقيدة، فالله هو الذي سيحاسب الناس .

لقد وضعنا نحن عنوة الصورة في أذهان رسامي الكاريكاتير قبل أن تسيء ريشتهم لحبيب الله، ومن ينظر إلى مشهد مسلمين في سوق أو مستشفى أو مدرسة او جامعة أو عشش صفيح أو تجمع للأثرياء أو عشوائيات بالقرب من قصور أولياء أمورهم لما تردد في أن يتهمنا بأننا رسامو الكاريكاتير.

نعتذر إليك يا رسول الله عما أصابك من أذانا قبل أذاهم، ونَعِدُك بأننا من الآن فصاعدا سنحميك بصدورنا وأرواحنا ودمائنا وسنبدأ من كرامتنا في رفض الطغاة،ولن نتأخر عن تلبية نداء الكرامة، ولن يبقى في سجون أولياء أمورنا مظلوم واحد، ولن ينتهك ضابط أمن جسد انسان أمام أعيننا وبصرنا أو حتى خلف الجدران والقضبان.

نَعِدُك بأنْ نحميك حبا وإيمانا بدعوتك وذلك بأن نكون جنودا ضد الغش والفساد والكسل والفقر والكذب والتحايل، وأن يصبح كل مكان يقيم فيه الموحدون بالله أنظف وأنقى وأطهر مما عداه، وأن يشهد غير المسلمين المقيمين معنا بأن مساواتهم الكاملة بنا هي شرط إيماننا بالله ورسوله وبالكتاب الذي أنزله الله عليك.

والآن صدّقنا يا رسول الله عندما نقول لك بأننا خصوم لمن يقف مع طاغية، وأنَّ من يصمت على الظلم لا يقل ظلما عمن دنس صورتك الجميلة بريشته، وأننا لن نتظاهر من أجلك قبل أن نرد إلى أنفسنا كرامتنا فهي من كرامتك.

الدفاع عنك يبدأ من مكان واحد نتجمع فيه أمام قصر الزعيم في أي بلد إسلامي يحكمه طاغية، ومن يتخلف أو يبرر معركة الدفاع عنك من مكان آخر فهو لا يختلف عن رسامي الكاريكاتير، ومن لا يحميك بروحه وصدره برفض توريث السلطة لابن الطاغية فهو رسام كاريكاتير ولو لم يمسك ريشة قط.
سيدنا وحبيبنا ورسولنا ونبينا..
نعتذر إليك فنحن الذين طلبنا، ضِمْنا، من مسيئيك أن يرسموا صورة كاذبة لحبيب الله، ولو كنا نحبك حقا ونؤمن بك رسولا ونبيا ورحمة للعالمين لخرجنا الآن في كل شوارع ومدن وأزقة وحواري وقرى عالمنا الاسلامي نطالب بالحفاظ على كرامتنا، أي بالحفاظ على كرامتك.
الآن أكاد أسمع همساً يسري بين قارئي كلماتي فأكثرهم يخشون طغاتهم أكثر من خشيتهم الله، والمعركة من بعيد سهلة كمن يسبح بجوار سفينة، والمسلمون جماعات وأفرادا وجمعيات وهيئات ومنظمات وقوى وطنية تخاف سيد القصر أكثر من خوفها عذاب الجحيم.
نحن، يا رسول الله، نضحك أمام المقابر الجماعية التي يدفننا فيها الطغاة، ولا نكترث أن تنتقل سلسلة العبودية التي في أعناقنا من زعيم كبير إلى ابنه، ونتابع معركة حجاب تلميذتين في فرنسا ولا نسمع صراخا في مخفر الشرطة المجاور.
لو رأيت أمَّتَك اليوم لبكيت على أحوالنا، وعلى ازدواج سلوكنا، وعلى ضعفنا وهواننا.
فلا تصدق، ياحبيب الله، موقعا أو فضائية أو مقالا أو كتِابا أو مظاهرة أو تجمعا احتجاجيا أو ندوة أو صراخا أو تدميرا لسفارة، أو مقاطعة أو دموعا تغرق وجوه المسلمين الغاضبين، فحبنا لك يبدأ من العصيان المدني والانتفاضة الشعبية.

نفديك يا رسول الله عندما ندافع عن كرامتنا فهي الدليل الوحيد على إيماننا بالله وبرسوله وبخلافة الأرض وبروح الله فينا، وأي طريق آخر سيؤدي إلى أن يحمل كل رسام كاريكاتير ريشته ويسيء إليك .. ايها الحبيب المصطفى، صلى الله عليك وسلم.

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج

http://www.ahewar.org/m.asp?i=461
http://taeralshmal.jeeran.com
http://blogs.albawaba.com/taeralshmal
http://taeralshmal1984.maktoobblog.com


الحروب الصليبية العنكبوتية .. شروط النصر وعلامات الهزيمة

أوسلو في 12 يناير 2008

هذه المرة لن يحتاج التجييش إلى فرسان وخيول وسيوف وخُطَب رنانة يلقيها رؤوس الكنيسة ليباركوا بها الحالمين بأنهار دماء تجري في القدس لتنهي عصر الهلال.
هذه المرة لن يرفع قائدو الحَمَلات الأَعلامَ، وينشدون في الطريق إلى المكان المقدس الثالث لدى المسلمين أناشيد حماسية ضد كل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين ودعوة خاتم الأنبياء والمرسلين .. صلوات الله وسلامه عليه.
هذه المَرّة لن يخرج صلاح الدين من مصر ليطلب من حُجّاج بيت الله الحرام العودة من معبر رفح، لكن وليّ أمر المسلمين يشترط على هؤلاء المسنين المرضى أنْ يُقَدّموا أوراقهم الثبوتية لقوات الاحتلال الصهيونية لعلها تختار من بينهم من تخيل وهو يرجم الشيطان في الحج أنه ( يقطع أفعى اسرائيل إلى نصفين ..يمضغ لحم الدبابات، ويأتينا من غير يدين).
ولن يخرج صلاح الدين من سوريا فولي أمر المسلمين في دمشق لم يأمر باطلاق رصاصة واحدة على هضبة المرتفعات منذ عقود.
هذه المرة لم يستطع ثلاثة وأربعون صلاح الدين في ثلاث وأربعين دولة اسلامية أن يردّوا على سيد البيت الأبيض وهو يتحدث علانية عن الحروب الصليبية ثم يقول بأنها زلة لسان.
الحروب الصليبية الجديدة ستدخل كل بيت، وسيعطينا بيل جيتس الفرصة لكي نتابعها عن كثب.لم يحدث في أي عصر من العصور أنْ تبرع المسلمون لخصومهم بخارطة الطريق لمعرفة نقاط ضعفهم، ومن أراد أن ينال منا فلن يحتاج الأمر لأكثر من ساعة زمن يتصفح على النت مواقع اسلامية وردودا وفتاوى وآراء وحوارات حتى تقع بين يديه مئات الأدلة التي سيستخدمها لاحقا كشهود لصالحه في محاكمة عقيدة المسلمين.
علينا أن نتجرأ بعقد مؤتمر اسلامي موسع لتنقية ما يتعارض مع الصورة الجميلة والنقية للقرآن الكريم الذي أنزله الله وحفظه في صدورنا.
لم يعد أي خصم للاسلام في حاجة إلى أن يرتدي خوذته، ويحمل سيفه، ويقفز فوق فرسه، فنحن أصبحنا خصوما للاسلام نقدم على طبق من ذهب كل ما يسيء إلينا، ونتجادل، ونتحاور، ونحفظ عن ظهر قلب فتاوى تصغر بجانبها كل الاسرائيليات التي اقتحمت تراثنا والتصقت به كما يلتصق الخفاش بوجه من يؤذيه.
فتوى تجيز تقليد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بوضع قدح من عيدان تحت الفراش لنتبول فيه، ثم نعيده إلى مكانه كأن الرائحة طوال الليل ستتحول إلى بارفان باريسي.
وفتوى تُحَرّم نظر المرأة للرجل، ولكن لا مانع أن تعطي، مثلا، لجهاز التلفزيون ظهرها وتسمع ما يقوله.
وفتوى تُحَرّم التعامل مع البنوك الاسلامية وغير الاسلامية، أي أنك تُحْرْم دولتك من أموال ستساهم في تقوية الاقتصاد، وتضع مدخراتك ربما تحت الفراش أيضا.
وفتوى تقول بأنه إذا منحتك الدولة عملا وحجبه عنك موظف حتى تدفع له الرشوة فلتدفعها.
وفتوى تقول بتحريم النوم على البطن.
ومسلمة تسأل عن حرمة مشاهدة شقيقها ووالدها لشعرها وهي مضطرة لرفع الحجاب لدى الوضوء!
أما الرد على الذي يدعوه خاله لطعام رغم أن الخال يعمل في كازينو، فهو أن يستجيب للدعوة ويأكل شريطة أن لايشبع!
وسائل يستفسر عن شراء دش، ويضبطه على قناة ( المجد) فقط، فطلب منه الشيخ أن لا يفعل.
وفتوى بخصوص نسبة الكحول الحلال والحرام في أنواع العطور.
أما لو امرأة تصلي وابنها يلعب في أشياء خطيرة قد تؤذيه فلا تخرج من الصلاة إلا أن يكون اللعب النار!
ومسلم يقول بأن لحيته تسبب له متاعب واستدعاءات من جهاز أمن الدولة، وهو خائف على أهله وأسرته فهو عائلهم، فهل يجوز له حلق اللحية؟
وطبعا يقول المفتي بأن هذه الأسباب ليست كافية!
ومسلم يقول بأن له صديقا يعمل والده في أحد البنوك الربوية، وأحيانا يعطيه الزميل مشروبا أو شيئا من الطعام أو أي شيء آخر ( مثل كراسة المحاضرات ) فهل يجوز ذلك؟
وآخر يسأل عن حكم استخدام الكحول في تضميد الجروح، وأحمق يسأل إن كان سلام النصراني عليه باليد ينقض الوضوء؟، ومسلم يسأل: هل يجوز قبول دعم النصارى للمساجد؟ وقال المفتي بأن الدعم لا يجوز، أي أن كل الأموال التي تدفعها حكومات الغرب وأمريكا لدور العبادة يجب استثناء المساجد منها!
والمفتي يقول بتحريم مطالعة ( إحياء علوم الدين ) للإمام أبي حامد الغزالي.
ومسلم يطلب سرعة البت في معضلة تقابله وهي أن أخاه سيكتب عقد قرانه في فندق، فهل يذهب لتهنئته ثم يعود فورا؟ ويرد المفتي بالطلب من الأخ أن يقوم بتهنئة أخيه قبل موعد حفل الزفاف.
والمفتي يقول بأن أطفال المسلمين في الجنة باستثناء الطفل الذي قتله سيدنا الخضر فهو في النار!
ومسلم يسأل عن السهر للمذاكرة بعد أداء صلاة العشاء، وهل يجوز له تحصيل العلم ليلا؟
والمفتي يقول بتحريم الانتخابات التي ستؤدي إلى حكومة فيها شيعي وعلماني ونصراني.
والمفتي يرى عدم جواز المظاهرات، أي لا تحتج كمسلم ولو كان الحاكم ابن ستين ألف كلب.
مئات .. آلاف .. عشرات الآلاف من هذا الهراء والعبث والنتن والتخلف والحماقة والغباء دخلت أنسجتنا، وارتوت بها عقولنا، وصنعت مسلمين في مشارق الأرض ومغاربها قادرين على انتاج طغاة بغزارة، واحتقار حقوق الانسان، ومخاصمة العصر، وازدراء الآخرين الذين يدينون بعقائد مختلفة.
لم تكن الحرب الجديدة صراعا للحضارات، لكنها في الحقيقة محاولات جادة وحثيثة وذكية وخبيثة لانهاء الخطر الأخضر فكريا وثقافيا وعسكريا واقتصاديا.
وظهرت بوادر هزيمة المسلمين للعالم كله عندما قمنا بعد تسليم رقابنا للطغاة باعادة تسليمها للعلماء الفضائيين والإنترنتيين، ثم توسعت دائرة عالم الكراهية فيتكاثر الذين يؤمنون بأن الهراء جزء من ديننا الحنيف، وأصبح الدين بعد ذلك رجالا وفتاوى وعمامة ولحية وموقعا على النت أو منتدى أو برنامجا على فضائية حمقاء يطل منها البطل الجديد.
كنا ونحن صغار نلتف حول مالك بن نبي والشيخ محمد الغزالي ونقرأ ردود الدكتورة بنت الشاطيء على الدكتور مصطفى محمود، ونعيد قراءة معارك الرافعي والمازني والعقاد وطه حسين.
كان تفسير الشيخ محمود شلتوت يدخل العقل والقلب في نفس الوقت، وظلت فتاوى الأستاذ الإمام محمد عبده كأنها لكل العصور، ولعلها سبقت فكر المسلمين لعدة أجيال.
أما الآن فلو وقفت الدكتورة وفاء سلطان تحاور الشيوخ الفضائيين، (إلا قليلا منهم) لأردتهم صرعى من الفصل الأول للحوار. ويتلقى المسلم ضربات موجعة من آلاف المواقع، وتنشر أكثرها الغث والمقزز مخلوطا ببعض العقل ومستندا على آلاف الحكايات من بطون الكتب وأفواه علماء العصر الحديث. لكننا مشغولون ببول الرسول ورضاع الكبير وتحريم قيادة المرأة للسيارة وصديقة ساركوزي التي عرض عليها أحدهم أن يقيم حفل زواج الرئيس الفرنسي بها لتصبح العلاقة بينهما حلالا.
صباح اليوم أدرت روموت كونترول التلفاز فواجهتني ابتسامة رقيقة ولطيفة من الشيخ الحبيب علي الجفري وهو يتحدث عن التبرك بالبهائم التي رأت المصطفى الحبيب ، صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نتقرب إلى الله بذكرها، كما ذكر العلامة الفضائي المولود في جدة عام 1971

الإنترنيت هو مصباح علاء الجديد، ولستَ هنا محتاجا لأن تفركه وتنتظر العفريت المارد، فهو أمام أرنبة أنفك وإنْ تحركت أصابعك على الكي بورد، فسيظهر العفريت هذه المرة خلف كلمة ( بحث .. )، ويأتيك بكنوز الدنيا ومعارف الانسانية قبل أن يرتد إليك طرفك، ولو كتبتَ ( أنيسة الحسيني ) مثلا، فستجد نقداً لدينك أكثر مما كتبه عشرات الخصوم في كتب بلغات لم ولن تقرأها.
هزيمة المسلمين لا مراء فيها أو جدال حولها إلا إذا التزم المسلمون بشروط النصر قبل أن يهيل علينا الآخرون التراب، ويعود رئيس أمريكي إلى المنطقة ليتفقد أحوال رعاياه وعبيده العرب والمسلمين.
وأول شروط النصر تبدأ في مؤتمر اسلامي كبير ويستمر شهرا أو أكثر ويحضره مع علماء المسلمين أيضا نقاد وفلاسفة وأكاديميون وباحثون وأدباء ولو كانوا في الجانب الذي لا يرضى عنه عامة المسلمين فهم القادرون على اثارة قضايا وموضوعات تتطلب رؤى عصرية وشرعية ومستنيرة.
والشرط الثاني جمع مئات الآلاف من الفتاوى، (تساؤلات وردود) التي ظهرت في العقود الثلاثة المنصرمة، ثم تعريضها لتشريح كامل، وإنهاء عصر الفتاوى الفجّة، وترك مساحة حرة يتحرك فيها المسلم المختنق.
والشرط الثالث جمع كل ما تم نشره عن الاسلام من نقد وتجريح واهانات وصور كارتونية وكتب ومقالات وموضوعات في منتديات ومواقع وغيرها، ثم القيام بحملة مضادة أكثر ذكاء وعقلانية وتسامحا وانفتاحا دون أن ننال من عقائد الآخرين، ثم ننفي عن الاسلام ما يراه علماء المؤتمر متناقضا مع الاسلام الحنيف.
الشرط الرابع هو اعتبار الاسلام دين التسامح، وأن لا ينشغل المسلم بعقائد غيره، وأن تصدر قرارات تعتبر الخلافات المذهبية والعقائدية والطائفية غير مانعة لكل صور التعاون، وأنَّ تكفير صاحب أي مذهب لمذهب آخر حرام ولو بين يديه كل الأدلة والقرائن.
والشرط الخامس يتحقق بمصالحة العصر على أسس جديدة ليست قائمة على أفكار علماء الكراهية والحقد واللون الأسود والتحريم المتواصل.
والشرط السادس اعادة الاعتبار للقرآن الكريم، فهو المرجع للمسلمين، والقرآن قبل السنة النبوية، وكلام الله العلي القدير يسبق كلام الأنبياء والرسل، وأن ما نختلف عليه في السنة له مرجع واحد هو كتاب الله العزيز.
والشرط السابع اعادة التوجيه الالهي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليصبح العمل بها مناسبا لقضايا وهموم المسلم الحديث، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل التظاهر ضد الطغاة، والمطالبة بالافراج عن المعتقلين الأبرياء، واعتبار تعذيب المواطن شرك بالله، واغتصابه من قبل أي ضابط أمن هو تجديف وكفر وحرب علنية على الاسلام.
والشرط الثامن اعلان مساواة المسلمين بغيرهم في كل شيء، وأننا اخوة في الوطن، واخوة في الانسانية وشركاء في قطعة أرض لا فضل لأحد فيها على الآخر، وفي مصر يصبح المسلم أخا للقبطي مواطنا وإنسانا.
والشرط التاسع لا يتحقق إلا بوقف تحقير الآخرين أوتكفيرهم، وأن المسلم في حالة مصالحة وسلام مع الآخرين كلهم باستثناء قوات الاحتلال.
أما الشرط العاشر فهي الكلمة الطيبة والتي أصلها ثابت وفرعها في السماء، وأن نضرب المثل ببلادنا وسلوك مسلمينا قبل عرض ديننا وقضايانا ودفاعاتنا الفكرية.
وحقوق الانسان هي المحك الرئيس، واخلاء السجون من معتقلي الرأي والضمير هو أول دفاع حقيقي عن قيم الاسلام العظيم.
عندما يتوقف المسلمون على الانترنيت عن خوض غمار عالم الكراهية والعنف وازدراء الآخر والحديث عن خلافات مضت عليها قرون ..
وعندما يتوقفون عن ملاسنة أخوانهم، أو سب وشتم مخالفيهم ...
وعندما يبجلون الثقافة في كل صورها، الشرقية والغربية والآسيوية والأفريقية، ويعيدون الاحترام للكتاب، ويعتبرونه سلاحهم الأمثل والأقوى ...
وعندما لا يعاتبون الآخرين أنْ سقطوا من بطون أمهاتهم على دين غير الاسلام ...
وعندما يتحدوّن العالم كله بثقافة المحبة والتسامح، حتى مع النضال ضد قوى الاستعمار والاحتلال، وقبول الآخر، ومنحه كل الحقوق التي للمسلم ..
وعندما لا يتعجل المسلمون حساب الآخرة أو يخوضوا فيه مسبقا، فنتركه لعلام الغيوب العزيز المتعال ..
فهنا نكون قد حققنا أهم شروط النصر.

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج
http://www.ahewar.org/m.asp?i=461
http://taeralshmal.jeeran.com
http://blogs.albawaba.com/taeralshmal
http://taeralshmal1984.maktoobblog.com
Taeralshmal@gawab.com

حقوق السوريين في خوف أقل

كان شاباً في الرابعة والثلاثين من عمره تم تغييرُ الدستور في دقائق معدودة ليناسب عمرَه العرشي، فتدخل اللغةَ العربيةَ كلمةٌ جديدةٌ هي قَصْري ( نسبة إلى سيّد القصر ) لكنها مشتقة من قاصر وفقاً للدستور قبل تعديله.
كان السباق على أشدّه، فــ( أعمامُه)، أي رجال الوالد الراحل، رحمه الله، يريدون الاحتفاظَ بالوصاية. وجنرالات الاستخبارات يملكون ورقة التخويف من غضب وتمرد الشعب، لذلك فكعكتهم في الوصاية أكبر من كعكة الأعمام.
والشعب الطيب الذي كان كلُّ بيتٍ فيه مشروع انقلاب، يقوم بكتابة وثيقة تمليك من زعيم راحل إلى زعيم قادم دون المرور على ربيع دمشق.
تكبر صُوَر الرئيس الشاب في الميادين والشوارع وعلى نوافذ السيارات وفوق رأس كل صاحب محل، فتكبر رهبة السلطةُ في عيون أبناء الشعب.
المعادلة الطبيعيةُ في العلاقة بين الحاكم والمحكوم يتحدد لها وقتٌ معيّن، فإما أن يصنع الشعبُ الزعيمَ، أو يتولى الزعيمُ اعادةَ صناعةِ الشعب.
إما أنْ يقنع الشعبُ قائدَه أنه يعمل في خدمتهم، أو يقتنع أبناءُ البلدِ بأنهم في خدمة السيد.
وظهرت النتيجة في أقبية السجون والمعتقلات، وأقنعت أجهزةُ الاستخبارات السورية طبيبَ العيون الشاب أنَّ السوريين أخطر عليه من قوات الاحتلال في الجولان، وأن السلطة المُطلقة لزائر الفجر هي لحماية النظام، وأنَّ مجلس الشعب الذي وافق بالاجماع على نضوج فخامة ابن الرئيس ليصبح الرئيس الابن لم يوافق بالاجماع أيضا(!!) على أن الشعب السوري ناضح ويستحق الكرامة والحرية والاستقلال.
السلطة في سوريا أصبحت موزعة بالتساوي بين الحرس القديم والرئيس الشاب وأسرة الرئيس وأجهزة الاستخبارات، وكل طرف يدّعي أنه صاحب الحق الأوحد في امتلاك رقبة الشعب السوري.
لا مانع من تقسيم أحلام القادة المغتربين، فأن يعود عبد الحليم خدام أو رفعت الأسد أو يهرب فاروق الشرع ثم يحلم بالعودة زعيما فلن يغير من الأمر شيئا، بل قد يَمُدّ في عمر النظام لأنَّ أحلامَ الذين لا يخاطبون كرامةَ شعوبهم لا تختلف عن أحلام من يدوسون بأحذيتهم عليها، ومن اشترك في السلطة ثم غادر القصرَ وأراد العودةَ إليه مُحَرّراً يساهم في الواقع في اطالة عُمْر النظام.
الرهان هنا على غضب الشعب السوري، فالرئيس الشاب والرؤساء الفرعيون لممتلكات وأصول شركة سوريا لصناعة الاستبداد، وأجهزة الاستخبارات يؤكدون أن السوريين غير قادرين على الغضب، فقبضة السيد تُلَوّح من شرفة قصره ليتحول من ربيع دمشق إلى خريفها، ووسائل التعذيب أكثر ديجيتالية من قبل، ومن كان قادرا على تصفح موقع للمعارضة السورية على النت في مقهى بقلب عاصمة الأمويين فليتبوأ مقعده لدى ضابط أقرب أو أبعد مخفر شرطة تمهيدا لاضافة صفحة جديدة في فصل البحث عن المفقودين في تاريخ سورية الحبيبة.
الاختفاء القسري لغة لا تنتهي مفرداتها فهي ليست في كتب النحو والصرف والقواميس، إنما هي تخرج من أي فرع من فروع أجهزة الأمن، ليلا أو نهارا، فتصطدم بالمواطن الطيب الباحث عن مكان لبلده تحت الشمس فيتم نقله فورا إلى ما وراء الشمس.
المواطن عبد المجيد مجبور يتم اعتقاله من أمام محله في مدينة اللاذقية. لعله لم يعترف بأي تهمة وجهها إليه ضابط الأمن، وبعد أيام يتم اعتقال والده عبد القادر مجبور وهو من مواليد 1950.
المواطن عبد اللطيف بن سمير البحر من مواليد 1984 ولم يكن قد بلغ عامه الثاني والعشرين عندما اعتقلته أجهزة الأمن دون دون توجيه تهمة إليه!
فالمواطن المسكين الذي ظن أن حياته المليئة بالبؤس والمرض وآلام العظام والعجز في الأجزاء السفلى قد تنتهي إلى شفاء في يوم ما، لكن سلطات الأمن قد تحاول اقناعه أن أقبية سجونها هي العلاج الطبيعي. يبحث عنه أهله، وبكل الأدب والاحترام والابتسامة المخابراتية الشهيرة تأتي الجملة الأكثر شهرة: لا نعرف أين هو، ولكننا سنبذل الجهد للعثور عليه!
إنها الجملة التوأم لما يقوله زائر الفجر: نحتاج إليك في زيارة قصيرة لمخفر الأمن وستعود بإذن الله بعد ساعتين!
مع ملاحظة أن (بإذن الله) هنا ليست دينية لكنها استخباراتية، ويمكن أيضا استخدامها في أي موقف، حتى تاجر المخدرات يقول بأن البضاعة ستصل بإذن الله!
الاعتقال التعسفي هو الدرس الأول الذي يتلقاه المواطن ليتقوص ظهره قبل أن يلهبه السوط، لكنه الدرس الأخير الذي لا تتعلمه السلطة عندما يقوم مواطن بتكسير صورة السيد الرئيس في أحد الميادين الكبرى في ربيع دمشق الذي لم يأت بعد، وتنشر افتتاحيات الصحف خبر تحرير الوطن، ونَصّ البيان رقم واحد.
اللبنانيون يفشلون في اختيارهم الرئيس، والسوريون ينجحون في اختيار الرئيس إياهم.
مواد الدستور السوري كلها تُحَرّم وتمنع امتهان كرامة المواطن لكنها مثل قرارات الأمم المتحدة بالنسبة لاسرائيل.. لا أسمع .. لا أرى!
مطالب السوريين متواضعة إلى درجة الملهاة الكوميدية، فهم لا يطلبون أكثر من خوف أقل، وأجهزة الاستخبارات لا تطلب منهم أقل من خوف أكثر.
أما نحن فنطالب بتحرير الشعب والرئيس والمواطن والعقل والقلب، أعني قلب العروبة النابض. تبّاً للصمت فهو الاحتلال الثاني للوطن السجن.

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلوفي 05 يناير 2008
http://taeralshmal.jeeran.com
Taeralshmal@gawab.com
http://blogs.albawaba.com/taeralshmal


حوار بين مواطن مصري و .. ضابط شرطة

أراد ضابطُ الأمن في أحد ميادين القاهرة أن يتبسط مع مواطن مصري يقف مع عشرات غيره خلف حاجزٍ أمنيّ أقامه رجالُ الرئيس لمنع توسعة نطاق مظاهرة لا تخيف كتيبةَ أرانب مذعورة، فقام بينهما الحوار التالي:
الضابط: أراك منذ الساعات الأولى للصباح تقف في موقعك ولا تبرحه إلا قليلا، فلماذا لا تعود إلى أهلك وتترك هذا الهزلَ فنحن أعرف بأمن الوطن منكم؟
المواطن: إنني أمارس حقي في الاحتجاج على الظلم الذي يقع على رؤوس أبناء شعبنا منذ أكثر من ربع قرن.
أنت تمارس واجبك في الحفاظ على أمن الوطن وأنا أمارسه بطريقة مختلفة.
الضابط: ومن قال لك بأننا هنا لحماية الوطن؟
إن مهمتنا الوحيدة هي الابقاء على الرئيس ونظام حكمه وبالتالي كل رجال الرئيس يدخلون في تلك الحماية ولو كانوا لصوصا وتجار مخدرات وناهبي خيرات الوطن وولاد ستين ألف كلب.
المواطن: وماذا عن القَسَم باسم الله العظيم الذي أقسمتَه بُعَيّد تخرجك في كلية الشرطة، وأنك تحمي الشعب؟
الضابط: هذه أمور روتينية يعرف كل منا أنها لا تساوي قيمة الدقيقتين اللتين استغرقهما القَسَم. نحن يد السلطة التي تبطش بها، ولسانُها الذي يصبّ في أذنيك شتائمَ لا قِبَل لكرامتك بها، ونحن عصا السلطة التي تدخل في فتحة شرج المواطن فيبتهج السيد الرئيس عندما تتناهى إلى سمعه أوجاعكم وآلامكم وصراخكم.
مشاعرنا بين اصبعين من أصابع الزعيم، فإن أراد لكم الكرامة والحرية والقيم الانسانية السامية أطعناه، واستخرجنا من أعماقنا نوازع الخير فينا. وإن أراد أن يذيقكم العذاب ألوانا وأشكالا، فإن رؤوس الشياطين تطل من عيوننا، ونتحول نحن إلى قساة غلاظ القلب تم نزعُ نفخةِ روح الله من قلوبنا.
المواطن: ألا تشعر بين ألفينة والأخرى بتقريع الضمير وأنت تقف أمام الله، العزيز الجبار، استعداداً ليوم الوقوف الأكبر .. يوم لا ينفع زعيم أو طاغية، ولا يشفع لك تبرير بأنك عبد المأمور؟
الضابط: ضميري يتحرك بالروموت كونترول الذي تعبث به يدُ سيّدنا، وهو قد يغلقه متى يشاء.
كلنا نرهن ضمائرنا لدى السيد الكبير، فالطاغية في أي مكان، وليس فقط في مصر، قادر على أن يتسلل إلى أحلامنا ويشاهدها كما يشاهد ناقد فني شريطاً سينمائيا ليستخرج منه مالم يره الآخرون.
عندما أرسل الحسن الثاني أسرة الجنرال أوفقير إلى سجن تائه في عمق الصحراء، تم فصل الأم مع ابنها عبد اللطيف وهو في الثالثة من عمره عن بقية أفراد العائلة، وكان يفصل بينهم حائط سميك لأكثر من أحد عشر عاما.
كانت البنات يكبرن ويتألمن، والأم تتعذب فبينهما وبين بناتها أقل من متر واحد ولم تَرَهُنَّ لأحد عشر عاما.
أين ذهبت ضمائر كل الحراس الذين تعاقبوا على حراسة الأسرة في هذا المكان النائي؟
كان من الممكن أن يحدث ولو مرة واحدة أن يستيقظ الضمير ويسمح حارس أو أكثر للأم وابنها برؤية فلذات أكبادها لدقيقة أو أقل.ولكن لأن الضمير يظل رهينة في يد الزعيم، نتحول نحن إلى ذئاب مفترسة.
بلى فأنا أقف أمام الله في كل يوم، لكن صلاتي لا تنهاني عن الفحشاءوالمنكر والبغي.
المواطن: هل تصل تقارير مُفَصّلة عما تقومون به إلى السيد الرئيس، خاصة الاغتصاب والحرق وهتك عِرض المصريات والتصفية الضرورية لمن تروّن أهمية ازاحته وارساله إلى العالم الآخر؟
الضابط: هل أنت أهبل أم عبيط أم تريد أن ترهن مثلنا ضميرك لدى سيدنا وزعيمنا المبجل؟
هل نحن نتبرع بجعل المصريين حشرات تحت أحذيتنا دون موافقة مسبقة من الرئيس؟
هل كان سيادته في سجن انفرادي طوال ستة وعشرين عاما وغير مسموح له بقراءة الصحف أو متابعة الأخبار أو مقابلة أي شخص من الداخل أو من الخارج يقص عليه نبأ جحيم سجونه ومعتقلاته؟
ألا يعرض عليه وزير الداخلية تفاصيل جرائمنا فيؤشر بالموافقة على استمراراها؟
ألم يتحدث مع مئات الشخصيات العالمية عن حقوق المصري التي يفتخر الحيوان إن قرأها أنه ليس مواطنا في عهد رئيسنا وزعيمنا؟
نحن نفعل ذلك لنرضيه، وهو الذي يأمرنا باغتصابكم.
دعني أُسِرّ لأذنيك بشيء آمل أن تفهمه جيدا: أيّ مواطن مصري يحاول أن يجد تبريرات للرئيس هو في الحقيقة مشترك معنا بصورة غير مباشرة.
إنه ضابط أمن ولكن في صورة مواطن.
إنه باحث عن عمل مع الرئيس ويعرض رهن ضميره ولكنه لم يضع نجوما بعد على كتفيه ولا نياشين على صدره.
المواطن: ولكنكم عشرات الآلاف غير المرشدين والمخبرين فكيف تمكن الرئيس من اعتقال كل ضمائركم، أعني كيف يحرك روموت كونتروله مشاعركم؟
الضابط: لو أراد أن يضم إلينا ثلث المصريين أو نصفهم أو ثلثيهم لما أحتاج الأمر لجهد كبير.
كل الطغاة قادرون على العثور بسهولة ويسر على من يبطش، بل من يأكل أجساد مواطنيه وهم أحياء.
الزعيم هو الذي يصنع الشعب، وليس العكس!
المواطن: ولكن ماذا عن الشرفاء من رجال الأمن؟
لماذا لم يتمكن الرئيس من جعلهم ينساقون خلف أوامره، ويقتلون ضمائرهم بأيديهم أو يرهنونها لدى الزعيم حتى يأتي آخر غيره ويلتصق بكرسي الحكم؟
الضابط: لأنهم لا يعصون الأوامر مباشرة، وهم يعملون الخير في صالح المواطن خفية وبعيدا عن أعين مرشدي الرئيس، فإذا تلقى تقريرا عن يقظة ضمير ضابط فإن نقله أو عزله أو الاطاحة به تصبح أقرب من أرنبة أنفه.
إننا نملك صلاحيات لو قرأتها على مسامعك لبكيتَ على مصر ما بقيّ لك من عمر.
صحيح أننا نستهلك من ميزانية الدولة أضعاف ما تم رصده للتعليم والبحوث العلمية والصحة والعلاج والدواء مجتمعين...
وصحيح أننا نكذب عليكم عندما ندّعي أن الشرطة في خدمة الشعب، فنحن وأنتم في خدمة الرئيس...
لكن كارثتكم في الضوء الأخضر الذي تلقيناه فهو يشمل كل شيء لم يدر بذهن أكثر المتشائمين والكارهين لرئيسنا.
إننا نملك صلاحيات تجعل السلطتين التشريعية والقضائية تتراجعان إلى أن تصبحا في خدمة السلطة التنفيذية، وأما فصل السلطات الذي نصّ عليه الدستور فهو لا يساوي ثمن الورق الذي طُبع عليه.
فأنا، مثلا، أستطيع أن أضرب بحذائي وجه أي قاض يمثل العدالة، بل يمكنني أن أصطحب أي مواطن تحكم له المحكمة بالبراءة عقب الحُكم مباشرة، وألقي به في السجن دون أن ينبس حماة العدالة ببنت شفة.
وأستطيع إنْ أردت أنْ آمر باغتصابك، سِراً أو عَلَناً، وأن أصبّ على جسدك كيروسينا وأشعل فيه النار، وأن أُحضر إلى قسم الشرطة أهلك وأولادَك وجيرانك وأذيقهم عذابا لم يعرفوه من قبل.
إننا صناعة محلية لا تضاهيها صناعة أخرى ثقيلة أو خفيفة.
إننا نتلقى أحيانا متهمين أرسلتهم أجهزة الأمن الأمريكية لننتزع منهم اعترافات لو سلّطت عليهم ذئاباً حقيقية لما فعلوا مثلما نفعل نحن.
هل تتذكر الفنانة التي اعترفت بالقتل تحت التعذيب فلبثت في السجن خمس سنوات كانت أرحم لها من المكوث عدة أيام بين أيدينا، رغم أنها بريئة؟
هل سمعت عن مواطنك المصري الذي تلقى وجبة جديدة من التعذيب لأنه كان يضم فخذيه ونحن نُدخل العصا في فتحة شرجه، فاعتبرناها مقاومة غير مشروعة؟
المواطن: لهذا نكره الرئيس حسني مبارك كما نكره الموت والمرض والسرطان والغزو الأمريكي والاحتلال الاسرائيلي!
الضابط: هذا بهتان عظيم، فلو كنتم تكرهون الرئيس لما بقي في قصره كل هذه السنوات.أنتم تكملة لنا، وتسخرون ممن يحدثكم عن حقوقكم،
المصريون يكرهون المصريين، وتلك حقيقة لا مِراء فيها ولا ريب حول صحتها. إنكم تعتبرونها بلدا للأسياد ومهمتكم ليست أكثر من الوقوف على أعتاب أبوابنا تطلبون العفو والمغفرة لذنوب لم تقترفونها.
عندما يطل رأس مصري ينبهكم بأم الجرائم وهي عالم الاستعباد والاستحمار الجماعي توجّهون إلى صدره سِهاماً كأنه المجرم الحقيقي.
لم تَعُدْ الكلمةُ تؤثر في أيّ منكم، وحجتكم الواهية هي أن الفقر قادر على اشغالكم، وأن لقمة العيش واللهثَ خلفها والبحثَ عما يَسُدْ رمقَ الأسرة تمنعكم من الاحتجاج.
المواطن: إن السوط الذي بيدك يقطع لساني قبل أن يلهب ظهري، وسلطاتُك المطلقة التي تجعلك مفترسا وقادرا على نهش لحمي تقف حجر عثرة أمام قدراتي في التمرد والاحتجاج والمطالبة بحقوقي.ومع ذلك فالله يمهل ولا يهمل، وأنت رأيتَ بنفسك كيف أصدر القضاءُ العادل أحكاما عادلة على ضباط أُدينوا بتعذيب مواطنين مثلي!
الضابط: هذا هو السر في طاعة المصريين العمياء لأيّ فرعون، فالمصري تلسع ظهره ووجهه وقفاه سبعين مرة في كل يوم، فإذا قررتَ بعد عدة سنوات أن تخفف ضربات السوط قليلا، قدّمَ لك عظيمَ الشكر وموفور الثناء على طيبتك وكرمك ورحمتك ورقة قلبك.
آلاف من حالات التعذيب والاغتصاب والانتهاك والاذلال يشيب لها شعر الجنين، فإذا ذَرَّ الرئيسُ الرمادَ في العيون، وقدّم على مذبح الاستغفال عدة ضباط في محاكمة علنية، سقطت بعدها من ذاكرتكم كلُّ جرائمنا حتى لو حفرنا لثلث سكان مصر مقابر جماعية.مشكلة المصري في ذاكرته تجاه السلطة فهي كهارد ديسك بأقل من ميجابايت.أما احالتك نتائج صمتك إلى السماء لعل الله يرسل طيرا أبابيل إلى قصر العروبة وقصر عابدين ومنتجع شرم الشيخ فيُخَلصكم من الرئيس فهو من التخدير باسم الدين، واستخدام الرسالة السماوية السامية والعظيمة والرائعة والداعية إلى الكرامة والحرية كأنها قات يمني أو بانجو مصري أو هيروين أفغاني. القضية ليست خوفا من بطشنا، فأنتم ملايين يشملكم أيضا عشرون ألف قاض، وأربعون ألف محام، وعشرات الآلاف من الأكاديميين، وعدة ملايين مغترب بعيدين عن قبضتنا، وسبعة آلاف صحفي واعلامي، وربع مليون مثقف انخرط أكثرهم في أحزاب سياسية.
الحقيقة التي ستصدمك هي أن كل هؤلاء، تقريبا، مع النظام، ويدافعون عنه فعلا وليس قولا، ويقيمون سَدّاً منيعا لئلا يسقط.أنتم لا تختلفون عَنّا إلا في قرار تعيين السلطة، ولو استبدل الرئيسُ بنا أكثر وطنييكم لفعلوا مثلما نفعل نحن.
إنني لا أصدق أن ملايين المصريين خائفون، والأقرب إلى المنطق والعقل والواقع أنكم جميعا تسجدون للرئيس ويبدو الظاهر الكاذب أنه سجود لله الواحد القهار.
حوارات سابقة للكاتب:
حوار بين سمكتين في قاع البحر
حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين
حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك
حوار بين زنزانتين في سجن عربي
حوار بين حمار و .. زعيم عربي
حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك
حوار بين سجين حر و .. حر سجين
حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن
الحوار الأخير بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث
حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع
حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة
حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية
حوار بين وافد و .. كفيل
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 10 يناير 2008 النرويج
http://www.ahewar.org/m.asp?i=461
http://taeralshmal.jeeran.com
http://blogs.albawaba.com/taeralshmal
http://taeralshmal1984.maktoobblog.com

 
A service provided by Al Bawaba