مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com
14 تشرين ثاني, 2007
Oslo 30.09.2007
لو كان هناك عدل في هذا العالم لوقف الرئيس حسني مبارك أمام القضاء بتهمة نشر شائعة موت الشعب المصري بدلا من وقوف صحفيين واعلاميين نشروا خبرا دون أن يتأكدوا من عزرائيل نفسه أنه لم يقم بعد بزيارة سيد القصر في ميونيخ أو باريس أو القاهرة أو شرم الشيخّ!
الرئيس حسني مبارك مسؤول مسؤولية كاملة طوال ربع قرن عن ترويج شائعة موت الشعب المصري، واصدار شهادة موثقة من كل زبانيته ولصوص قصره وكلاب أمنه أن المصريين ماتوا عام 1981، وتم دفنهم ، وخرج الرئيس والرئيسة ووولداهما في الجنازة، وقاموا جميعا باهالة التراب على أعرق شعوب الأرض.
الرئيس مبارك نثر شائعة موت شعبه عندما أمر بأن يضرب ضابط أمن أحد القضاة بالحذاء، ويسبه على مسمع من عشرين ألف قاض قائلا: حتى لو كنت مستشارا فأنت ابن كلب.
وتأكدت الشائعة لديه عندما تحرش رجال أمنه بفتيات مصر العفيفات، وشاهد الملايين على الشاشة الصغيرة كرامتهم وحرمتهم يتم انتهاكها، ثم أكملوا مشاهدة بقية المسلسل التلفزيوني، وخلدوا إلى نوم عميق.
وكان واثقا ثقة اليقين من أن شائعته بموت الشعب المصري أضحت حقيقة واقعة، بعد صمت جيش العبور والأبطال، ومئات الآلاف من أفراده يرتعدون خوفا وهم يراقبون من ثكناتهم أبناءهم واخوانهم وأحبابهم يتعرضون للمهانة والضرب والتعذيب والحرق والاغتصاب، ثم تتم سرقة ونهب أموال الشعب، وكأن نياشين الأبطال تبخرت في سماء مصر فتكونت سحابة سوداء لا يدري المرء إن كانت تحمل غازات سامة أو تستعد لتُسقط دموعَ المصريين فوق النيل الخالد.
ولم يخالج الرئيسَ أدنى شك في أن المصريين بكل ما يحملون من شهامة ونجدة الملهوف والحفاظ على الكرامة ماتوا مع وصوله إلى الحكم، فقررتْ السيدة الرئيسة في مواجهة حق الصحافة التي نشرت بأن صحة الرئيس ليست ( زي الفل )، أن تقدم الأحرار والشرفاء إلى محكمة تم ارسال الحُكم الذي ستصدره من مكتب الرئيس أو مكتب رئيس لجنة السياسات لكي يثبت الطاغية أن حذاء الضابط كان يمثل أوامر السلطة التنفيذية للسلطة القضائية، أما السلطة التشريعية فهي في أغلبها موزعة بين خدم الرئيس من الحزب الوطني، ودعاة ( الاسلام هو الحل )، الذين يلعب أكثرهم الثلاث ورقات المقدسة.
حزب الغد الذي منح نصف مليون من أتباعه أصواتهم لزعيمهم، صمت كل أعضائه رغم أن الدكتور أيمن نور يتعرض لأحط عملية موت بطيء تقوم بها سلطة طاغية.
الاخوان المسلمون لا يزالون في حيرة من أمرهم منذ عام 1928، فهم يعطون الأولوية لتربية الفرد المسلم ، ثم امتدت العدوى إلى كل قطاعات الشعب، وأصبح كل المسلمين دعاة وقضاة ومبشرين ومنذرين ومنتظري شهادة، ولكن نسبة الأمية ارتفعت، والادمان على المخدرات تمكن من جسد نصف مليون مصري، والفساد اليومي أصبح نصيبُ الفرد منه أكثر من عدد صلواته.
الناصريون يعلمون أن إرث الزعيم الراحل لم يتبخر في الهواء، وأن مشروعا قوميا ووطنيا يستطيع أن يصمد، ويجابه الطاغية، لكنهم قاموا بتغيير الناصرية عدة مرات.
الوفديون منشغلون بحروب داخلية، وبسباق على الزعامة بدون طربوش.
الآن كشّرت المباركية عن أنيابها أكثر من أي وقت مضى، في الوقت الذي لا تستطيع قوى المعارضة الوطنية أن تتوحد على كلمة سواء للوطن وليس لغيره.
العصيان المدني .. تلك الدعوة النبيلة للاطاحة بمبارك قتلها حزب الكرامة عندما قام بتحويلها إلى عمل سلبي في 23 يوليو الماضي، والجلوس في البيت في يوم عطلة لمشاهدة التلفزيون.
كلنا على قائمة الاصطياد، كما وصفها الكاتب الوطني الكبير محمد عبد الحكم دياب، وسيقوم الطاغية المستبد بتصفيتنا واحدا تلو الآخر، والتصفية هنا قد تكون أدبية أو جسدية أو اتهامات مزورة، أو تخصيص زنزانة تحت الأرض لكل من يعارض توريث عرش مصر من مستبد إلى مستبد، ومن ارهابي يحتضر إلى ارهابي شاب.
العدالة تقتضي أن يقف حسني مبارك أمام ممثليها، ويخفي وجهه بيديه من الخجل والعار، وأن يوجه له القاضي دون أن يُلَوّح ضابط أمن بجزمته أمامه سؤالا عن صحة شائعة موت الشعب المصري.
ولكن قبل المحاكمة ينبغي أن ينفي الشعب العظيم عن نفسه تهمةَ الموت وذلك بالتمسك بالحياة والكرامة والعزة، وأنه المالك الحقيقي لمصر وليس عصابة الأربعة.
أيها الصحفيون والاعلاميون والمثقفون والوطنيون والأكاديميون والعلماء ورجال الدين الاسلامي والمسيحي وكل الأحرار والشرفاء من مقيمين على أرضها أو مهاجرين بعيدا عنا...
الطاغية لا يختلف عن نيرون، وسيحرقنا جميعا ومعنا مصرنا إن لم نسارع بازالة كل الفوارق الحزبية والعقائدية والمذهبية والايديولوجية والاجتماعية، وتبقى مصر .. مصر فقط هي التي نسمع صراخها ونحيبها وأوجاعها وآلامها، واستصراخها إيانا.
مرة واحدة نلبي نداء مصر في أكثر من ربع قرن ..
مرة واحدة نقول بصوت مشترك وعال كما قالت كل شعوب الدنيا: إن مصر بلدنا وليست ملكية خاصة لهؤلاء اللصوص القساة.
مرة واحدة يقول المصريون بأنهم لا يقلون شجاعة عن الرهبان البوذيين المسالمين في رانجون.
مرة واحدة نقف أمام الطاغية ونصرخ في وجهه بأن شهادة وفاة الشعب المصري التي استخرجها مزيفة، وأن فينا نفخة من روح الله،
مرة واحدة نغضب، وحينئذ ستبتهج السماء والأرض، وسيقول أحفادنا بأن أجدادنا مروا من هنا، وحرروا مصرهم، وتركوا لنا بلدا حرا كريما.
14 تشرين ثاني, 2007
Oslo 05.10.2007
العالم العربي هو القطعة الجغرافية الوحيدة في الدنيا التي يظن أهلها أن النتائج المنطقية لعملية حسابية هي مفاجأة!
كل الأشياء الأكثر وضوحا من سماء الأزرق الكبير تمثل لنا مفاجآت رغم زعم كل واحد من أهل الضاد أنه ( يفهمها وهي طايرة)، وأنه لمّاح وذكي وفهلوي، بل هو معهد استراتيجي متحرك لتحليل الواقع والاستنباء بالمستقبل.
وعندما يلقي أحمد عبد الله علي صالح خطاب الرئاسة، أو يُقْسِم جمال مبارك على احترام الدستور، أو يستقبل القائدُ الشاب سيف الاسلام القذافي ضيوفَه في خيمة والده الراحل قائد ثورة الفاتح، أو تغتال الطائرات الاسرائيلية إسماعيل هنية أو تكتشف دمشق وجود إيللي كوهين جديد في أعلى مناصب الدولة أو نعرف أن هواتف الأردنيين والفلسطينيين في المملكة الهاشمية مراقَبة إسرائيليا أو تكشف صحيفة بريطانية حسابات أعضاء الحكومة العراقية في مصارف أوروبية وبها ملايين دخلت مباشرة من جهات رسمية أمريكية، فسيضرب أكثرنا كفّاً بكفٍ كأنها مفاجأة لم تدر بذهن أعلانا ذكاء وخبرة تحليلية!
المشهد العراقي أينما نظرت إليه، مكانا وزمنا، فسيقودك حتما إلى أن التقسيم كان أكثر وضوحا من الاحتلال نفسه، وأن المطلوب فقط هو نقل الحالة النفسية الآمنة من وطن موحد إلى وطن مجزء، ومن عشق نخيل العراق إلى التمييز بين أنواع التمر في كل منطقة، ومن منارة مسجد تخشع فيه قلوب المؤمنين إلى اسم المسجد حيث تحدد الطائفة حجم ونوع مفتاح الجنة.
ألم نكن نعلم جميعا أن الديكتاتورية تؤدي إلى هزيمة الوطن ولو بعد حين؟
يصعد هتلر في عام 1933 ليلقي خطاب الأمة، لكن عودة تحليلية لزمن مضى تفضح حماقة التبرير، فالمشروع النازي كان يحمل معه هزيمة أمة مثل ربيبه الفاشي، بل إن ستة ملايين سوفييتي تخلص منهم ستالين لم يكونوا بعيدين عن سبب تفكك الاتحاد السوفييتي بعد ذلك بثمانين عاما.
ألم يكن التقسيم الأمريكي لسماء العراق عام 1991 لثلاث مناطق بخطوط عرض بداية التقسيم الأرضي؟
ثم جاء الاحتلال الأمريكي فوق ظهور المتعاونين العراقيين من معارضة الخارج والداخل والتي تكوّنت بفضل غباء وحماقة وغطرسة طاغية بغداد، وبدأت حروب الكراهية، واكتشف العراقيون (فجأة) أنهم شيعة وسُنّة وأكراد وتركمان ومسيحيون.
لا يختلف التقسيم عما قام به الاستعمار في أي مكان آخر، فالكوريتان الجنوبية والشمالية تمزقتا بفعل قوى خارجية، ويوغوسلافيا انشطرت لعدة مناطق، وساهمت الكراهية الطائفية في عمليات الابادة والقتل والخطف، ثم الهجرة من مكان إلى آخر أكثر أمنا للانضمام لنفس الطائفة، لكنه أسرع مفعولا لتحقيق التجزئة.
والعراق كان لأكثر من ست عشرة سنة ينقسم في داخل الذهنية العراقية، لذا لم يقف السُنّة بجانب اخوانهم الشيعة خلال ثورة مارس التي كادت تقضي على صدام حسين، ولم يكترث الشيعة لابادة الأمريكيين اخوانهم السُنّة منذ بدء الغزو الأمريكي الهمجي.
وظن الأكراد أن دولة مستقلة عن العراق ستجعل تركيا تتفاوض معهم على قََدَم المساواة، واحتارت دول الجوار بين الانحياز لطائفة أو الخضوع للأمر الواقع والتعامل مع العراق كثلاث دول لم تعلن استقلالها على الطريقة السوفييتية بعد.
الأمريكيون قاموا بتقسيم العراق عمليا بعدمامهدت الديكتاتورية لتربة خصبة من الكراهية، وجاء المغرضون والحمقى والبلهاء والفضائيون ليعرضوا بضاعتهم في تحميل أحد الأطراف مسؤولية أم الجرائم، لكن الواقع أن التحليلات السياسية والاستراتيجية والقومية والوطنية والثقافية ساهمت معظمها في تفتيت العراق عمليا لأنها لم تنطلق من مكان واحد وهو التسامح الديني والعقيدي والمذهبي.
حكومة فيشي العراقية غرست في الجسد العراقي الجريح الطائفية كحقيقة لابد من التعامل معها ب ( عقلانية )، فجاءت عشرات الآلاف من الحكايات في الكتب والصحف والانترنيت والفضائيات والشارع والبيت لتعلي من شأن طائفة، وتحمّل الأخرى، أو الأخريات مسؤولية تدهور الوضع.
لم يعد الآن بعد قرار أسيادنا في الكونجرس الأمريكي مَفَرّ عن التراجع، ألم تكن الهندُ أمةً واحدة، فخرجت من أحشائها باكستان، ثم جاء مولود جديد في الناحية الأخرى من الوطن الكبير لتكبر بنجلاديش كعملاق فقير يجعل الدول الثلاث في حالة خوف وتوجس حتى لو كانت تحمل توقيع معاهدات سلام دائمة؟
دفع العراقيون ثمنا باهظا عندما تعاونوا مع صدام حسين خوفا ورعبا ولم يفكر أي استشهادي أو انتحاري في تفجير سيارته في موكب الرئيس!
تسع أو عشر عمليات خالصة لوجه الحرية والوطن يقوم بها العراقيون ضد الحرس الوطني للطاغية كانت كفيلة لتحرير العراق قبل أن يتصل بالأمريكيين متعاون عراقي مغترب يدفء مؤخرَته موتورُ دبابةٍ أمريكية تخترق شوارعَ عاصمة الرشيد.
سيقول قائل: ولكن طاغية بغداد قام بتجنيد ثلث سكان العراق للتجسس على الثلثين الآخرين، وتلك حجة على العراقيين وليست لهم. السلاح الوحيد لصناعة معجزة افشال التقسيم هو التسامح، ورفض أي حديث في الشارع أو البيت أو المقهي أو حتى بين صديقين أو شقيقين عن تحمّل طائفة أخرى مسؤولية انهيار وطن، وتجزئة أمة عريقة، وتحقيق حلم إسرائيلي طال لنصف قرن.
وعندما يفكر العراقي بأن مفتاح الجنة ليس مع طائفته فقط أو رجال مذهبه أو قيادات فرقته فقد تعرف على الطريق الوحيد لتوحيد العراق رغم أنف كل خصومه في الداخل والخارج.
14 تشرين ثاني, 2007
Oslo 1009.2007
سؤال ما أنفك يطارد لساني ردحا طويلا من الزمن، وأخشى طرحه لئلا يؤدي عدمُ فهمه إلى نتائج عكسية!
لكن في الأعوام القليلة المنصرمة أصبح السؤالُ جواباً، وأضحى الاستفهامُ حالةً من الواقع إنْ احتجتَ لشهود عليها آتيك بآلاف منها قبل أن تقوم من مقامك، وبأضعاف ذلك قبل أن يرتد إليك طرْفُك!
لماذا يرتبط التديّن ارتباطا عضويا لصيقا، في معظم الأحوال، بحالة كراهية لكل شيء .. للنفس والناس والمرأة والحرية والجمال والآخر والدنيا؟
تكاد تتنازل الشمس لها إن أردت أن تضرب مثلا بالوضوح، وأي انكار لتلك الظاهرة كأنه تثبيت واثبات.
في المنتديات الإسلامية على النت، وفي الأقسام الدينية لمنتديات عامة لن تحتاج لأكثر من بضع دقائق حتى تظن نفسك في ساحة الوغى، وترى أناسا، يبدأون بالسملة وينتهون بذكر اسم رب العالمين، يفترسون الخصوم، ويخلقون من الحوارات سيوفا مُسَلّطة على من يخالفهم، ويستخرجون من آيات التسامح أوامر للقتل، ويُخفون تحت ألسنتهم قواميس للشتائم والسباب واللعنات كأن أصحابها سقطوا من بطون أمهاتهم في غرزة مخدرات أو في مصلحة أحداث بأحد السجون العربية.
حاول أن تجتهد في فكرك، وتستخدم عقلك، وتعرض رؤيتك الجديدة في قضايا مثل النقاب والحور العين والفروقات بين الارهاب والمقاومة، أو شارك بمداخلة أو مقال عن المساواة بين المرأة والرجل أو قيادة السيارة أو عدم أهلية أحد الشيوخ الفضائيين أو هاجم عالَم الفتاوى الفجّة والساقطة أو قُمْ بالمطالبة بمساواة المسلمين بغيرهم أو اطلب الرحمة من الله لشخصية مسيحية أو شكك في حديث أحادي وضعيف قيل بأنه ورد عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
انتقد الإخوان المسلمين أو أسامة بن لادن أو الظواهري أو الشيخ عمر عبد الرحمن، أو اكتب بأن من قاموا بتفجير البرجين التوأمين لا يعبرون عن روح الاسلام إنما هم إرهابيون، ولا تنس أن تقول بأن غير المسلمين ممن أتوا اللهَ بقلوب سليمة ومتسامحة وطيبة سيدخلهم اللهُ في رحمته.
فَنّدْ الفهمَ الديني لعمرو خالد أو الدكتور عمر عبد الكافي، ويمكنك أن تعرج على حياة أبي هريرة، وعارض بعض أفكار ابن تيمية، وقلّ بأن فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز لم تصالح العصر، ويمكنك رفض فتاوى العثيمين أو آل الشيخ.
قُلّ بأن صوت المرأة ليس حراما، وأن الغناء والموسيقى ترقق الطباع، وأن الفنون ضرورية للمجتمع، وأن من حق غير المسلمين بناء دور العبادة في أي مكان في العالم الاسلامي مادام المسلمون يمارسون نفس الحق في أركان الأرض الأربعة.
لن يترك لك معارضوك ومخالفوك فرصةً لالتقاط الأنفاس.
ستكتشف حينئذ أنَّ ممارسة الدعوة الدينية كما يفهمونها هي لسان سليط، وشتائم بذيئة، وسباب سافل وقبيح.
سيدهشك هذا الكم الهائل من البغضاء، ولن يقرأوا دفاعك، ولن يصل أي منهم للسطر الثالث من تعقيبك ثم تنفجر في وجهك براكين الحقد، والتكفير واتهامك في شرفك وأهلك وعِرْضِك.
سيقولون عنك جاهل وكافر أو مُوال للكفار والمشركين، أو تضع السم في العسل، أو عميل صهيوني.
ستقف حائرا ومندهشا وفاغرا فاك وغير مصدق أن هؤلاء هم المدافعون الجدد عن خاتمة الرسالات السماوية، وأنهم يقرأون القرآن الكريم، ويقفون أمام الله عز وجل في كل يوم طالبين أن يهديهم الصراط المستقيم.
قنابل موقوتة من البغضاء التدميرية، وسيارات مفخخة من كراهية مفترسة.
جوعى جنسيون خلطوا الحرمان بطاقة تفجير داخلية لا تفرّق بين اللسان الذي يطلق شظايا نارية، وبين قلب أتحدى أحدا أن يجد فيه نقطة بيضاء لا تراها العين المجردة.
كيف جمع هؤلاء بين التديّن الذي يرقق الطباع، ويلين النفس، ويلطف حشا الفؤاد، ويقترب من أسمى لحظات تحليق الروح في سماء الإيمان، وبين عشق مَرَضي لرؤية الدماء تسيل من وجوه خصومهم ومخالفيهم وأي مجتهد يستخدم رخصة إلهية باستعمال العقل والتدبر والتفكير؟
سيقول قائل بأنهم أقلية لا ينبغي أن نكترث لها، وأرَدُّ عن تجربة في الانترنيت والبريد الالكتروني ومتفرقات وكتب ونشرات ونقاشات وغيرها بأنهم كثيرون، ويمنعني الحياء والخوف على ديني من أن أقول بأنهم الأكثرية المتدينة.
ولكن الدين حالة حب وتسامح وانسجام مع الطبيعة، ورحمة تسكن القلب فيتسع للجار والمخالف والآخر بل وكل من لا يدين بالاسلام .
إنه دين يأمرك أن تأخذ بالعفو، وتقول للناس قولا ليّنا، وتعرِض عن الجاهلين، ولا تجعل أحدا ينفضّ من حولك إنْ كنت فظا غليظ القلب.
إنه دين الحرية في الاعتقاد، وشرط اسلامك أن يسلم من لسانك ويدك الآخرون، وإذا خاطبك أشد الناس كراهية لك فقل: سلاما!
إنه دين يضع لك في ميزان حسناتك الابتسامة، والكلمة الطيبة.
ومع ذلك فقد ظهر جيل من المسلمين كأنه تربى في أحضان تجار المخدرات، ورضع حليبا مخلوطا بتوابل مُرّة، وهو جيل تعرّف على الشاشة الصغيرة قبل أن يتلقى تربية منزلية، وأصبح عضوا في عدة منتديات على النت قبل أن يقرأ كتابا واحدا.
وصفتهم من قبل في مقال لي بأنهم ( صعاليك الإنترنيت) وأعتذر الآن عن هذا الوصف اللطيف والمخفف فهم شياطين النت وتلامذة إبليس.
لم يتعلموا من القرآن الكريم حرفا واحدا، إنما قرأوا فيه وعيونهم مُثَبّتة على نفوسهم المحشورة بين قرني الشيطان.
إنهم الطابور الخامس الجديد الذي سيجعل العالم كله يبغض الاسلام ، ويكره المسلمين، ويعيدنا قرونا إلى الخلف.
إنهم يقدمون على طبق من ذهب لخصوم المسلمين هدايا لم يحلموا بها، وتبريرات لكي يقوم الآخرون بعمليات شحن جماعية وسلطوية تساهم في العنصرية بكل صورها.
إنهم أشد خطرا على المسلمين والاسلام من المنافقين ومن قوى الاحتلال ومن الجهل والأمية والفساد.
إنهم أعداء الدين الجدد الذين يدافعون عن الدين ظاهرا، ويكيلون له ضربات قاضية بحقدهم وجهلهم.
صغار وشباب وطلاب جامعة وبلطجية ومسجلون خطرون وجهلة وأنصاف أميين لكنهم جراد انتشر على الانترنيت، وتعامل مع الكي بورد، ويُحصون مشاركاتهم كما يحصي البخيل أمواله صبحا ومساء.
يعرفون بعضهم باسماء حركية تتمسح بالدين وبشخصيات اسلامية، ويحشرون آيات قرآنية سامية في غير موضعها، ثم يدسون سمومهم من ألسنة حداد.
إنهم الأعداء الجدد الذين آذوا الاسلامَ كما لم تؤذه كل الحروب والغزوات والاستعمار الفكري والعسكري في تاريخه. إنهم الصورة الالكترونية الجديدة التي يختبيء خلفها إبليس.
14 تشرين ثاني, 2007
Oslo 15.09.2007
لا أستطيع أنْ أتخيل للحظة واحدة أن نارَ سَعَر، اللوّاحة للبشر والتي تقول هل من مزيد ستبتلع جسدي رغم ذنوب وآثام طوال عمري كنت عند حسن ظني بربي فغفرها لي، وأدخلني فسيحَ جناته برحمته التي وسعت كل شيء. صورة الجنة في مخيلتي ليست كما خاض في وصفها آلاف العلماء والفقهاء، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
تركت لنفسي أن تنهل من رحمة الله في الآخرة قبل يوم القيامة، وأن تتخيل، وتحلم، وتضع حيرتها وتساؤلاتها وأمنياتها كأن الساعة قامت، وقيل بأن أحباب الله في جنات وعيون، ومقام أمين.
هل هناك مانع أن أترك لخيالي العنان منطلقا من ثقتي بربي، وحسن ظني بمالك المُلك الذي لو كان لدى الخلق كلهم خزائن رحمته لأمسكوا خشية الانفاق، فأصف بعض مشاهد حياتي في الجنة؟
أول شيء سيبث الحيرة في نفسي هو أن كل مَن في الجنة سيعود إليه شبابه، ولا أدري حقا هل سيكون في الخامسة والعشرين من العمر أو أقل أو أكثر، ولكن الحيرة في تصوري لمليارات من البشر في جنة الخلد وكلهم في نفس العمر، ويتمتعون بالقوة والصحة والعافية.
هذا يعني أنني سأكون شابا في عمر والدي، رحمه الله، وسيقدّم والده لي، أو جده أو حتى الجد الأعلى، وكلهم شباب في الخامسة والعشرين تقريبا، ولم أنس أن أولادي وأحفادي وربما أجيال من صُلبي لمئات الأعوام القادمة سيدخلون الجنة، وكل منهم في مثل عمري.
الخلود في الجنة يعني أن لا موت اطلاقا، وربما أعيش عدة ملايين من السنوات أو حتى بلايين، لا أكبر خلالها، ولا يشيب شعر رأسي، ولا أشعر بملل، ولكن ماذا سأفعل؟
قطعا لن تكون المكافأة في الآخرة طعاما وشرابا وجنات تجري من تحتها الأنهار فقط، وملابس من سندس واستبرق، لكنها حياة ممتعة وبهيجة وفيها النور الأكبر .. وجه ربي ذي الجلال والاكرام.
يصف العلماء، وينقل عنهم الداعية عمرو خالد، أن بيت المسلم في الجنة طوله ألف عام!
تزداد حيرتي فماذا سأفعل بمفردي في كل هذا البيت؟
وهل هناك أثاث وأرائك وفراش للنوم؟
من سيساعدني في تأثيث هذا البيت، وهل سأستقبل ضيوفا أحتاج لألف عام سيرا على الأقدام للترحيب بهم على باب البيت؟
أحاول أن أعصر فكري لمعرفة كنه المناخ والفصول، وهل ستكون هناك شمس أخرى جديدة وثابتة في مكانها، تشرق وتغرب، أم أن الجنة ستدور حولها.
وماذا عن الهواء والعواصف الترابية والجاذبية، وكيف ستكون الطرق والحدائق والأشجار؟
هل سيكون هناك مطر وبرد ورعد وسحاب، أم أن الجو أقرب إلى الدفء طوال الوقت؟
ماذا لو أن في نفسي شوقا إلى برد وجليد، يعقبه ربيع تتفتح فيه الأزهار، ثم صيف حار يليه خريف تتساقط فيه أوراق الشجر لتعلن نهاية حياة نباتية تمهيدا لبيات شتوي تستعد فيه الزهور والورود والنباتات والأشجار للولادة من جديد؟
وهل ستكون للأماكن أسماء؟ وهل يمكن أن أنتقل من مكان إلى آخر بعد عدة مئات من السنين؟
هل ستظل الذاكرة قوية في استدعاء أشياء وأسماء أرضية للخيال؟
ستكون الأرض كلها هباء منثورا، وربما تختفي في هذا الكون العظيم ومعها كل الكواكب السيّارة والشمس والقمر فهي مُسَخّرات للانسان عندما كان خليفة في الأرض، أما الآن فهو في جنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين.
تصورات فوق أخصب الخيالات عندما أبحث عن مرادفات أرضية في جنة الخلد!
لن يكون هناك مَرَضٌ، أو تخمة من كثرة تناول الطعام، ولن يزداد وزني أو ينقص جراما واحدا، ولكن ماذا عن النوم؟
هل سأنام بعد تعب وارهاق أم بعد راحة واسترخاء؟
ولماذا أنام؟
لن أحتاج إلى نظّارة القراءة أو إلى عدسات لاصقة، فيمكنني القراءة المتواصلة لعدة آلاف من السنوات دون توقف، ولكن ماذا سأقرأ؟ ومن سيكتب ما أقرأه؟ وهل ستكون هناك كتب بالمعنى الأرضي، وطبعات فاخرة، وغيرها؟
لا شك أن المعرفة والتعلم ستكونان على رأس أمنياتي في الجنة، ولعلي لا أصدق تحقيق حلم أقصى درجات المعرفة في قراءة ملايين من الكتب خلال حياتي الخالدة في الجنة، ولكن ماذا سأفعل بكل هذه المعرفة؟
هل سيُبعَث الأميّ في الجنة قارئا، أم سيظل أميّاً مادام حيا في جنة الخلد؟
وهل لو بعثه الله قارئا، فهل ستكون لغته سليمة وفقا لقواعد وضعها علماء اللغة في الأرض التي اختفت من الوجود؟ وماذا عن الاختلافات اللغوية واللسانية؟
سيكون أمرا مدهشا أن يتحدث كل من في الجنة لغة واحدة، هي اللغة العربية، وهذا يعني أن الصينيين واليابانيين والتايلانديين والمنغوليين وكل أصحاب الألسن واللغات العجيبة على الأرض المختفية سيتحدثون لغة عربية سليمة وفصيحة، ولكن هل سنكون جميعا في نفس المستوى الفكري واللغوي؟
أمنيتي هي أمنية كل مسلم، أن أقابل رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، وأصافحه، وأعانقه، ، وستكون المفاجأة أكبر مما توقعت، فالحبيب المصطفى شاب وسيم في مثل عمري، ولن يعرفني إنْ تقدمت إليه بعدما يجيء دوري في صف طويل من مئات الملايين، فأنا قد عشت بعده بأكثر من ألف وأربعمئة عام، وسيكون اللقاء سريعا جدا، فخلفي عدة مئات من الملايين، وكلهم شباب، يريدون أن يصافحوا خاتم الأنبياء.
هل يمكن أن أتخيل حياة خالدة دون متعة وغبطة وسعادة البحر؟ لا أدري إنْ كان بحر الجنة ملحا أو عذبا، وفيه أسماك أم خال تماما منها، ولكن ما أعرفه أنني لن أغرق ولو سبحت سبعين عاما، ولن يتملكني نَصَبٌ أو تعب أو ارهاق.ربما أحزن بعض الشيء، رغم أن الحزن كلمة غير موجودة بالمرة في الجنة، عندما أقابل أحب الناس لي، وهو والدي، رحمه الله، فسيكون شابا صغيرا لم أعرف ملامحه من قبل، فهو مرتبط لدي بالكهولة وبعض الشيب الذي زحف على شعر رأسه، وقليل من التجاعيد التي عرفت طريقها إلى وجهه الكريم، فكيف لي أن أعرفه وهو في عمر ابني، رغم أن ابني في عمر جدي، وجد والدي يماثل في العمر أحفاد ابني؟
يتملكني خجل لعل حروف كلماتي تفصح عنه عندما تقترب من الحديث عن الحور العين، فأكثر من سبعين منها تعود لكل واحدة منهن عذريتها، وفقا لآراء العلماء والفقهاء، لن يترك لي وقتا لشيء آخر، وأغلب الظن أنهن يتحدثن اللغة العربية، ويعرفن اسمي ولقبي، وأن مهمتهن امتاعي قدر الامكان، فأنا شاب مثل كل أهل الجنة، وعلماء ديني يؤكدون لي أن الفحولة ستكون في أقصى قوتها وجبروتها وعنفوانها لملايين الملايين من الأعوام، فماذا سيبقى لي من وقت للحديث مع أحبابي، والتمتع بكل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟
لن أكترث كثيرا لمعرفة أسماء الحور العين، ولكن هل هن رهن إشارتي، أم سيُقِمْن معي، خاصة أن بيتي طوله ألف عام؟
هل ستكون هناك علاقة مودة ومحبة مع بعض من الحور العين، وهل كلهن نسخ مكررة، أم أن كل واحدة منهن تختلف عن الأخرى؟
لا أظن امرأة أو زوجة لن تشعر بغيرة منهن رغم أن الشيطان سيكون مصفدا في قيود ويدفع في الجحيم ثمن عصيانه وتحدّيه لرب العزة منذ بدء الخليقة إلى يوم الحشر.
حديث حرج ينبغي أن لا يتناهي بتفاصيله لمسامع الزوجة على الأرض أو حتى في الجنة، فهي تغضب، وتقلب الحياة على رأس زوجها لو أشار لفكرة الزواج من أخرى، فما بالك بأكثر من سبعين من أجمل نساء الجنة لن يتركوا لزوجها لحظة واحدة يختلي خلالها بزوجته؟
ستجابهني مشكلة كبيرة وهي العثور على أصدقائي وأحبابي الذين عرفتهم في الحياة الدنيا، وسأحتاج لذاكرة حديدية تستعيد كل مشهد من حياتي الأرضية الطينية، وهذا يعني أن الخطايا والآثام والذنوب ستمر هي أيضا بخيالي، ولعلها تعكّر صفوه.
لا أعرف كيف سيكون تغيير الملابس لارتداء أخرى نظيفة، وهل سأختار غيرها، أم ستختفي القديمة لتحل محلها جديدة تلقائيا؟
رائع أنني لن أحتاج لطبيب أسنان أو عمل حشو لأضراسي حتى لو تناولت سكريات لعدة مئات من السنوات، ولن أقوم بصبغ شعر رأسي فهو سيظل لامعا، نظيفا، جميلا ولن تشيب منه شعرة واحدة، فالخلايا لا تموت، والقلب لن تزداد نبضاته حتى لو بذلت جهودا جبارة في عمل ما.
أجلس على أريكة، وأشرب شرابا طهورا، وتمر من أمامي جموع حاشدة قد تصل إلى ملايين من البشر، ولن أتعرف على أحد بسهولة فكلهم شباب في عمر واحد وتبقى مشكلة استدعاء من تعرفت بهم في حياتي الأرضية، ومعرفة إن كانوا يتمتعون بنعيم الجنة أم أنهم في جهنم خالدين أبداً؟
كيف سيكون الاتصال بيني وبين الآخرين خاصة إن كان بعضهم يقيم في بيوت من الجنة تبعد عن بيتي ملايين الكيلومترات وحتى لو ألتقينا، فعن أي شيء سيدور الحديث؟ سيلهج لساني بشكر العلي القدير، وسأحمده وأشكر فضله، وأصلي ما دامت الجنة باقية، وهي حقا باقية وخالدة لزمن لا نهائي لا يستطيع عقلي أن يستوعبه.
هل سيكون هناك صباح، وظهر، ومساء، ونور وظلمة؟
لو أنني سقطت من مكان مرتفع في الجنة فلن أموت، ولن يمسني ضرٌّ أو جرح أو تنزف من جسدي نقطة دم واحدة، وهذا رائع بكل المقاييس.
سينزع اللهُ الغِلّ من القلوب، وستبقى الرحمة والمحبة والتسامح، وهذا يعني أن كل الذين يسبّونني على النت، ويشتمونني، ويقومون بتكفيري، ويروجون لأحاديث الافك عن تفسيرات لم تخطر على بالي قط، لن يتمكنوا، لو أدخلهم الله الجنة، من ممارسة هواية التكفير والسبّ واللعن.
أظن أنني لن أطلق لحيتي في الجنة أو حتى شاربي مع افتراض أن شعر الوجه سينمو ويحتاج إلى قص وتهذيب، أو حلق وتنظيف.
يشغلني نظام ميكانيكية الجسد في الجنة، وهل ستكون هناك أمراض من كثرة الطعام، وكيف سيكون نظام الاخراج والفضلات، أم أن عالم الطهارة سيسري على كل شيء، أيضا تلقائيا، حتى مع الحور العين، أي لن أكون جُنُباً للحظة واحدة؟
في الجنة مليارات من البشر ، ومن كل الأجناس والألوان والأزمنة، ولن تكون مفاجأة لي أن أقابل من أصحاب الجنة أصحاب ديانات وعقائد ومذاهب أخرى، فالجنة ليست حكرا على سكان الشرق الأوسط أو المسلمين فقط، والانسان فيه نفخة من روح الله، وهناك طيبون ومسالمون وخيّرون قضوا أعمارهم يبحثون عن الحقيقة، ولم تصلهم دعوة الاسلام، أو قام بايصالها متطرفون ومتشددون فنفّروا الآخرين بدلا من تقديم الاسلام في صورة جميلة ومشرقة.
وهناك مئات الملايين قبل كل بعثة نبوية من بدء الخليقة، وأيضا أناس عاشوا في جبال ووديان ومجاهل وعُزلة، وبحثوا عن الرحمن الرحيم دون أن تصلهم دعوة نبوية أو كتاب مقدس، فآمنوا بالله بطريقتهم، وتمنّوا الجنة قدر عقولهم، ووثقوا في العزيز الجبار دون أن يسمعوا حرفا واحدا من كتب الرسالات السماوية.
أصحاب الجنة دخلوها برحمة الغفور العزيز الذي يقول للشيء كن فيكون، ولم يدخلوها عن طريق صكوك الغفران أو فتاوى الجمعيات الدينية أو رضا مشرفي المنتديات الانترنتية أو توصية من أمير جماعة اسلامية أو قائمة بأسماء الذين يتابعون قناة ( اقرأ )، أو الذين اكتشفوا أنهم فقط الفرقة الناجية.
في الجنة سأكتشف أن ما أعرفه أصفار لا نهائية ومتراصة بدون أي قيمة، وهذا يعني أن دهشة المعرفة ستكون في قمتها وعمقها وصدقها، فكيف ستكون علاقتي بالمعرفة والعلوم والثقافة واللغة والكتاب؟
سيتمنى كل الآباء والأمهات في الجنة الذين توفاهم الله وأطفالهم في أعمار مبكرة أن يكونوا معهم، ولكن هل سيكبر الأطفال في الجنة؟ وهل سيبلغ الطفل الحُلمَ والمراهقة؟ وماذا سيتعلم من طفولته إلى شبابه؟ وكيف ستصبح التربية إن كان كل شيئ بديعا، ولا يوجد غير الخير؟
ماذا عن كل الاختراعات التي اكتشفها العقل البشري بفضل الله الذي علم الانسان ما لا لم يعلم؟ الكمبيوتر والهاتف والعمليات الحسابية المعقدة والتليسكوب والميكروسكوب والتصوير والترجمة والفنون والآداب والموسيقى والمنطق والألعاب الرياضية والشعر وملايين من أوجه المعرفة، أين ستذهب؟ وهل للانسان في الجنة نصيب منها؟
متعة العبادة دون وسوسة إبليس ستكون أكثر متع الجنة قُرباً لأصحابها، وستخشع الوجوه والقلوب كلها لذكر الله، ولن يكون هناك لغو أو أحاديث في غير موضعها، إنما أكبر مكافآت أهل الجنة، أي أن نرى وجه ربنا ذي الجلال والاكرام.
الزمن جديد، ولا أعرف كيف سأقوم بحسابه، فاليوم ليس شمسيا أو قمريا، وعدد ساعاته لن تكون بالضرورة أربعا وعشرين، فقد تكون الشمس الجديدة حاملة كل الفصول، فتشرق وتغرب، ويكون هناك ليل أو نهار، أو حتى لا يكون هناك ليل اطلاقا. كل ما يطلبه أهل الجنة سيجدونه أمامهم، وأظن أنني سأطلب ترجمة عربية لكل الكتب التي صدرت منذ بدء الخليقة، ولكن ماذا عن الكتب التي تتعارض مع المشهد الجديد في جنة عرضها السماوات والأرض، وليس للشيطان فيها أي وجود؟ عندما أرتدى ملابس من حرير واستبرق وسندس خضر، فلن أكون أفضل من غيري، أو يمتدح آخرون في ذوقي، فكل من في الجنة يرتديها، وربما يختار ألوانا أخرى.
هل الأسمر سيبعث يوم القيامة أسمرا، وكذلك الأشقر، والأصفر والقصير والطويل والبدين والوسيم والدميم، أم سيكون كل أهل الجنة بنفس القدر من الوسامة والجمال الباهر والعقل الرزين والعلم المتساوي والايمان الذي لا ينقص أو يزيد عن الآخر قيد ذرة؟
ذوو الاحتياجات الخاصة والمعاقون ذهنيا وخَلْقيّاً حتى لو كانت درجة الاعاقة في أقصاها سيُبعثون، حسب ظني، في حالة صحية وجمالية وذهنية متكاملة، وستكون فرحة ذويهم وأهلهم بهم غامرةً، ولكن ماذا عمن عاش فاقداً للذاكرة، فهل ستكون حياتُه في الجنة بدون ماض أرضيّ يستدعي مَشاهدَه بين ألفينة والأخرى؟
كيف ستكون سرعة السير أو الجري في الجنة؟ وهل سيمكنني الطيران بأجنحة أو بدونها للقاء أحبة وأصدقاء في أماكن تبعد عني آلاف السنين لو حاولت الوصول إليها مهرولا؟
لقائي ببعض الذين تمنيت رؤيتهم في عصور مختلفة من نبي الله يوسف عليه السلام وصلاح الدين الأيوبي والمتنبي وابن رشد وعبد الرحمن الكواكبي سيكون غريبا بعض الشيء، فأنا وأي منهم من أزمنة مختلفة وربما لا أجد أحاديث مشتركة كثيرة، وفي ذهني قائمة بمئات الأسماء على مر العصور التي سأبحث عنها في الجنة، ولا شك أن كثيرين منهم ليسوا مسلمين لكنهم كانوا أعمدة حق صلبة، وصنعوا عدالة، وكافحوا من أجل الفقراء والمساكين والمظلومين.
سأكتشف أن المقاييس الأرضية المهتزة والضعيفة وأحيانا الحمقاء والمتخلفة التي أملكها للحكم على الناس كانت أوهن من بيت العنكبوت، فالله، تعالى، هو الحي القدوس الأعلى الذي يُدخل من يشاء في رحمته، وفي الجنة سألتقي أناسا ظننتهم لن يشموا ريحها ولو على مبعدة ألف ميل، وسأعرف أن الجنة لم تكن من نصيب أناس كنت واثقا ثقة اليقين أنهم من أهلها وأصحابها، بل لكل منهم أكثر من بيت فيها.
طعام الجنة ليس فقط فواكه من كل الأصناف، وأنا أظن أنها ستكون شتوية وصيفية واستوائية، لكنه طعام لم تر العين مثله قط، ولكن هل ستكون هناك طيور وحيوانات؟ وهل الأسماك بلحومها الطرية في مياه عذبة أم في مياه مالحة؟
أغلب الظن أنني سأبحث عن جهد وعمل مرهق للاستمتاع بالراحة بعدها، فإذا جلست عدة مئات من السنين، وأكلت وشربت وتعبدت وتحدثت أحاديث هادئة وجميلة لا لغو فيها فربما أحتاج للحركة والجري والسباحة رغم أن الجسد في الجنة لا يصيبه ارهاق.
وماذا عن الذين فجروا أنفسهم في الأسواق وفي مدارس الأطفال والمستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس، أو الذين ظنوا مخالفيهم في الدين يستحقون القتل والذبح، أو الذين فجروا أنفسهم في حافلات تحمل أطفالا ونساء؟
لن أعثر في الجنة كلها على أي منهم، وأحلام المهووسين جنسا في حور عين ينتظرن على أحر من الجمر انتحار المسلم وهو يفجر نفسه في سوق مكتظة بالآمنين ذهبت أدراج الرياح، واختفت مع أول صرخة حزن وفزع لطفل فقد والده أو والدته دون أي ذنب إلا الثقة بأن الانسان فيه من روح الله فاكتشف أن بعض الناس فيهم من روح الشيطان.
سألت في الجنة عن شيوخ أكثر شهرة من الشيف أطيب، وعن أمراء لجماعات احتمت بالجبال في اليمن والجزائر والمغرب، واختفت كالأشباح في العراق، وفي الكهوف الأفغانية فلم تقع عيناي على أي منهم، لكن ريح المسك اخترقت أنفي جراء مرور أبطال استشهاديين أمامي كان هدفهم الوحيد في الحياة الدنيا قوات الاحتلال من العسكر فقط في كل مكان في العالم شهد ظلم الغزو والاحتلال والقمع والقهر.
مدهش أن تكتشف في الجنة كم كنت مخطئا في الحكم على الناس، وأنه لم يدخلها إلا من جاء ربَّه بقلب سليم، وأن أناسا صلوا وصاموا والتحوا وكحّلوا عيونهم وظلوا سنوات طويلة في حياتهم الأرضية ينهون، ظاهريا، عن المنكر، ويتوعدون المشركين والكفار والمخالفين بنار جهنم، لم يفتح رضوان بابها لهم.
اكتشفت في الجنة أن مساحة التسامح في قلبك تحدد سعة بيتك فيها، وأن محبتك لكل الناس الذين خلقهم الله وأكرمهم ونعّمَهم هي الطريق الآمن والسليم والمستقيم والأقصر إلى رضوان الله ورحمته وعفوه وغفرانه.
سألت في الجنة عن الفرقة الناجية من السُنّة والشيعة واليزيدية والاباضية والجعفرية والعلوية والقرآنيين وكل المذاهب والطوائف فوجدت الجواب في أن الجنة ليست حكرا على فرقة ناجية واحدة، وأن خلافاتنا في الأرض كانت عبثا صبيانيا وحماقة فكرية واستعلاء من أصحاب مذهب يظن كل منتم إليه أن مالك المُلك العزيز الجبار سيقرّبه إليه، ويرسل الآخرين إلى نار جهنم وجحيمها الأبدي.
جريمة فادحة ظن الانسان في حياته الطينية على الأرض أنه يتقرب في ارتكابها من الله، عز وجل، فإذا به يسرق عدالة السماء ليستبدل بها ظلم الأرض، وقام بتوزيع سكان الجنة والنار وفقا لمزاجه وكراهيته وحقده ونفسه الضعيفة وتربيته القائمة على أنه الأفضل والأحسن والأتقى، ولم ينتظر عدالة يوم الحشر، يوم يقوم الناس لرب العالمين،
سألت في الجنة عن أعضاء في آلاف من المنتديات الدينية على الإنترنيت الذين كانوا يقومون بتكفير الآخرين، و والتشكيك في إيمان من يجتهد فكريا، واحتكار الفتوى، وغض الطرف عن الطغاة، وتسطيح قضايا حقوق البشر، واعتبار كل من ليس مسلما هو عدو لله وخصم للمسلمين فلم أجد أيا منهم، فقد كانوا في حياتهم الأرضية سيارات مفخخة من الكراهية والبغضاء، وكادوا يمتصون من الشاشة الصغيرة دماء اخوة لهم خالفوهم فاستحقوا غضبهم الحاقد.
سألت أيضا عن مسلمين مصريين كانوا يقاطعون اخوانهم وشركاء الوطن من الأقباط بل أيضا ممتلكاتهم، وقتلوا منهم أكثر من عشرين بريئا في قرية الكشح، فلم أعثر على أي أثر لهم ومن آذى قبطيا دون وجه حق، أي لأنه ليس على دينه، فلن يكون له من رحمة الله نصيب.
بسطت في الجنة أمنياتي وتساؤلاتي فأنا أمام العزيز الغفار فغمرني نور من الرحمة.
هل ستنساب في الجنة أنغام موسيقية هادئة كمتعة سمعية؟ وهل هي أنغام أرضية أم أن الانسان سيبدأ من جديد في اكتشاف ما يبهجه ويزيده سعادة بعيدا عن وسوسة الشيطان؟
لن تكون هناك فائدة لملايين المعلومات الأرضية عن الفلك والتشريح وجيولوجيا الكرة الأرضية والزلازل والعواصف وأنواع الأمراض وعن الفقر والحروب وتاريخ الساسة وحقوق الانسان ومعارك النقابات واتفاقات الهدنة وأسعار الدولار .. ولكن هل سيبدأ الانسان من جديد في التعلم عن حياة خالدة جديدة، وهل ستكون هناك فوارق بين أصحاب الجنة في درجات العلم والثقافة والمعرفة، أم سنكون على قدم المساواة؟
سأكون في شوق جديد لعبادة الله آناء الليل وأطراف النهار ( هل سيكون هناك ليل ونهار )، ولكن أكثر من سبعين من الحور العين سيأخذن كثيرا من وقت العبادة والشكر.
لحظات الندم في الجنة كثيرة رغم أن رحمة الله وسعت كل شيء فغفر لنا، وأكثرها هي الساعات الأرضية التي ضاع خلالها الوقت في بغضاء ومشاحنات وكراهية المخالفين والحكم الظالم على الآخرين والظن بأن الله سيكون بدون شك منحازا لرأي أتبناه فإذا بي كنت مخطئا حتى النخاع، فعالم كراهية الآخرين يحرق النفس والقلب ويدمر العواطف ويضع أمام الإيمان ضبابا قاتما يحجب الرؤية.
في الجنة بحثت جاهدا عن جماعات كانت تضرب الناس على ظهورهم وتجلدهم لكي يطيعوا الله ولو على نفاق، وعن رجال دين فضائيين أفتوا بقتل من يجتهد، أو يُعمل عقله في ملكوت الله، أو يستخدم رخصة التفكير التي منحه إياها العلي القدير فلم أجدهم.
بسطت أيضا أمام الله أمنيات وتساؤلات لو كتبت عنها في هذا المقال لصدرت فتوى بقطع رقبتي، أو أمر شيخ الأزهر بجلدي ثمانين جلدة كأنني أهنت رئيس الدولة وهو زي الفل، فقررت المرور عليها مر الكرام فهي بيني وبين خالقي الأعظم، فوجدت الله أكثر رحمة ومغفرة مما تخيلت طوال حياتي الأرضية الطينية.
وهنا .. وجدتني قد استيقظت من حلم بين الغفوة والنعاس، وقفزت أمامي من الشاشة الصغيرة شياطين تضرب بأصابعها النارية الكيبورد، فهي لم تفهم مشهدا واحدا من مشاهد حياتي في الجنة!
14 تشرين ثاني, 2007
Oslo 29.09.2007
أيّ طاغية في العالم يعرف سلفا حدّه الأقصى في الاستبداد واستخدام الوسائل القمعية لقهر الشعب وجعل أفراده رُكّعاً سُجَّدَاً أمامه ولو كانوا في بيوتهم.
ليبيا حالة خاصة لم يشهد العصرُ الحديث لها مثيلا في كل دول العالم.
جاء حين من الدهر ظننا أن عيد أمين دادا رئيس أوغندا هو الأكثر حماقة وتهريجا حتى أنه اشترط على الرئيس الراحل أنور السادات أن ينتظره في احدى ضفتي قناة السويس وهو سيأتي سابحا!
وجاء وقت كنا على يقين من أن الامبراطور جان بيدل بوكاسا الذي جعل من جمهورية أفريقيا الوسطى وهي أفقر بلاد الدنيا امبراطورية، ثم أنفق خزينة الدولة على الاحتفال وعندما غضب تلاميذ مدارس وتظاهروا لم يأمر فقط بقتلهم، ولكن قيل بأنه شارك في أكل لحومهم، هو الأكثر حماقة. أما العقيد الليبي فتحتاج الحيوانات المنوية إلى قرن او اثنين ليفوز منها الأسرع والأقدر على استنساخ القذافي في مكان ما من كرتنا الأرضية البائسة.
لذا فلم يكن غريبا أن يصل الاهمال في المستشفيات الليبية إلى درجة العفن، وأن تصبح غرف العمليات أكثر قذارة من تجمعات القمامة.
في دولة بوليسية همجية ونظام أقرب إلى التخلف بأحط صوره يمكن أن تتوقع أي شيء، وأن يظل تعذيب الممرضات البلغاريات وزميلهن الفلسطيني قائما لأكثر من سبع سنوات شهدت على ظلم الانسان لأخيه الانسان، وعلى أن نظام العقيد خطر على البشرية وليس على الشعب الليبي فقط.
صفقة بيع وشراء خسيسة، يستحمر فيها الديكتاتور الليبي شعبه، ويبصق على حقوق الانسان، ويستخدم أعفن واٌقسى الوسائل لانتزاع اعترافات الممرضات حتى أن المتخصصين من الأطباء العسكريين حقنوا البلغاريات والفلسطيني بمواد مخدرة لاستنطاقهم في اعترافات مزورة ليس لها أي أصل من الصحة.
أحكام الاعدام التي صدرت ثلاث مرات كان الهدف منها احتقار السلطة القضائية، واعتبارها ذيلا لسلطة الخيمة، وأن أرواح ونفوس وأجساد وأموال وممتلكات الليبيين تحت حذاء العقيد يدهسها متى شاء وكيفما أراد.
عار بكل المقاييس أن يظل هذا المستبد ثمانية وثلاثين عاما يهين شعبا من أعرق شعوب شمال أفريقيا، ويعيد عجلة التاريخ إلى الوراء، ويمارس وأولاده وطغمته وزبانية اللجان الشعبية الأمنية أوسع عملية سجن لشعب بأكمله.
تاريخ هذا الرجل إدانة في المستقبل لكل الذين يقفون معه، والذين يصمتون على ظلمه، والذين يعرفون ويمارسون مهنة الخرس الجماعي، ويقطعون ألسنة أنفسهم لئلا يغضب عليهم، أو يتوقف على الأقل رضاه عنهم.
عادت البلغاريات إلى وطنهن واصطحبن زميلهن بعدما حصل على الجنسية البلغارية، وظل الليبيون في مأزق لا يستطيعون الخروج منه، فمئات الأطفال انتهى بهم الاهمال إلى مرض الايدز ومات منهم أكثر من ستين طفلا، ولكن الكارثة لم تقع بعد ، وقد يصيب مرض وبائي ليبيا من جراء هذا الاهمال، وليس بعيدا أو غريبا أن يتم حقن الليبيين بالايدز، وحينئذ سنلطم وجوهنا لأننا كنا أكثر صمتا من الجماد،وجبنا من الفئران، وفزعا من الأرانب.
صفقة البيع الخسيسة والظالمة كانت صفعا على أقفية كل الليبيين، فالرجل في حماية الغرب وأمريكا، ونفط شعبنا الليبي قد لا نبالغ إن قلنا بأنه ربما يتم رهنه لتسعين عاما قادمة، وأن استقلال ليبيا الذي انتزعه الشعب الحر العظيم تم دفنه في صحرائها الواسعة أو تحت خيمة العقيد.
محاكمة القذافي ليست مهمة الشعب الليبي فقط، لكنها أمانة في عنق كل حر مهما كان موقعه ومكانه ومركزه وجنسيته ودينه، وإذا لم تحدث هذه المحاكمة في غضون عامين من الآن فترقبوا كارثة أشد هولا ورعبا من الطاعون.
كلنا، وفي مقدمتنا من يضحك، ويمزح، ويلقي النكات، مشتركون في جريمة ابادة الشعب الليبي، وعندما تعُمّ الكارثة هذا البلد الرائع الجميل الذي كان من الممكن أن يصبح جنة شمال أفريقيا فلن يستطيع أي منا أن يتبرأ من الاشتراك في أم الجرائم.
زلزلت الأرض بعضَ زلزالها عندما تقدم أحد المحامين عن ضابط متهم بتعذيب الطبيب الفلسطيني، وأحضر معه ( مكنسة ) ليثبت لهيئة القضاء أن طرفها لا يمكن أن يدخل في فتحة شرج الطبيب المتهم، وهو دليل في عُرف القضاء الليبي الجماهيري على براءة الضابط!
أشعر بقرف واشمزاز وغثيان من صمت عالمنا العربي على جرائم العقيد، بل أكاد أصل إلى يقين بأن كل صلوات العرب من زعماء وشعوب في المساجد والكنائس مرفوضة من السماء أو معلقة بينها وبين الأرض حتى نقطع هذا الصمت المخيف، ونقف مع شعبنا الليبي قبل أن يحقنه العقيد بفيروس مرض الايدز أو بأي وباء آخر.
الأفارقة الذين أصيب ثلث سكان قارتهم السمراء بمرض نقص المناعة اكتسحوا ليبيا بحثا عن عمل، ونقلوا معهم المرض، ولم تبخل العاهرات السمراوات على أحفاد عمر المختار بالمرض المصنوع في الولايات المتحدة الأمريكية والمستوطن في الولايات المتحدة الأفريقية.
جرائم قائد الفاتح من سبتمبر تحتاج لمئات الجلسات في محاكمة عادلة يكون الشهود فيها ملايين من المظلومين والمساكين والضعفاء.
لكن أخطر من مرض نقص المناعة هو مرض نقص الشجاعة فهو الذي جعل التهريجَ نظاما للحكم، والكتابَ الأخضر رسالةً سماوية، وأموالَ النفط لضحايا الارهاب القذافي، وحقوقَ الانسان لا تساوي بصقةً من مدير السيرك الجماهيري.
أيها العرب والليبيون،
كلنا مجرمون بدرجات متفاوتة، وكلنا نستحق حُقنةً بدلا من الأطفال المساكين،فقد مارسنا الصمتَ كأننا من نسل الشياطين، وخشينا على أرواحنا كأن الله لا يحمي عباده، ولن يمر وقت طويل قبل أن نخجل من النظر في عيون أولادنا فنحن جبناء في زمن الجماهير العبيــطــة.
عندما نخجل مرة واحدة ونحن نقف أمام الله، عز وجل، في مساجدنا وكنائسنا، فإن تحرير ليبيا يبدأ من تلك اللحظة.
14 تشرين ثاني, 2007
Oslo 30.09.2007
في جلسة غير عادية تساوي خلالها وافدٌ لدولة خليجية مع كفيله، ولم تدم إلا قليلا، قام بينهما الحوار التالي:
الوافد: لازلت أنتظر موافقتك الكريمة على سفري لفترة قصيرة أزور خلالها أهلي، وأعود أمي المريضةَ في إحدى المستشفيات الحكومية.
الكفيل: لماذا لا تتصل بهم هاتفيا، وتطمئن على والدتك؟
الوافد: لكنني لم أحصل على عطلة لأكثر من أربعة أعوام، ولم أتمكن من اصطحاب عائلتي، وأولادي في حاجة ماسة إليّ، وزوجتي لم يلمسها أحد منذ مغادرتي أرض الوطن، وما أشد حاجة كل منا للآخر!
الكفيل: لا أحسب أنني سأجد أي صعوبة في العثور على وافد يعمل في خدمتي لعشر سنوات كاملات دون أن يحصل على عطلة واحدة أو يقوم بزيارة أهله.
الوافد: لكنني قمت بالتوقيع على عقد عمل يسمح لي بعطلة مرة في كل عامين مع بطاقة سفر، وتأمين، وبعض الامتيازات الأخرى التي نثرتها رياحُ النسيان أو الاهمال أو الرفض.
الكفيل: يمكنك أن تسافر في بدايات العام القادم بعد انتهاء موسم العمل الشاق، ولكن على نفقتك الخاصة، وربما تعود فتجدني قد استعنت بأحدٍ غيرك، أو يتم الغاء اقامتك!
الوافد: لكنني عملت لديك طوال تلك الفترة كحمار يحمل أثقالا ولا يتمرد، أو يتردد في حمل أضعافها، أو يبدى انزعاجه من سوط يلهب ظهره.
لقد كنتُ خادمَك المطيعَ، وصديقَك الذي تأتمنه على أسرار لا تعرفها زوجتك، وأخفيت حقائق كثيرة من أجلك، ورأيت ضعفك وقوتك، ولمست صدقك وكذبك، وعرفت الفواصل بين إيمانك وكفرك، وانتعش عملك، بل يمكنك أن تستريح في عطلة طويلة وأدير أنا كل شيء.
الكفيل: وهل كان لديك خيار آخر في بلدك أو في بلاد الله الواسعة؟
لقد أطعمتك بعد جوع، وآويتك بعد تشرد، وأسقيتك بعد عطش، فلماذا لا تشكرني على تلك النعمة التي تحيط بك من كل جانب؟
الوافد:هل أنا أعمل لديك، أم أنا ضيفك أم سجينك؟
إنك تحتفظ بجواز سفري لئلا أهرب منك، وتجدد لي إقامتي مرة في كل عام،وخصمت منذ شهرين من مرتبي الضئيل قيمة دواء كنت في حاجة مُلِحّة إليه!
إنك لا تختلف كثيرا عن تاجر البندقية لوليم شكسبير ، وقد وصف أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح مكاتب استقدام العاملين وصفا بليغا ، فأنتم لا ترحمون ضعيفا أو محتاجا أو مريضا.
إن ظروف عملي لديك تتعارض مع كل المواثيق والأعراف الانسانية، ولو عملت ثلث تلك الفترة في دولة اسكندنافية، مثلا، لكنت الآن حاصلا على جنسيتها، وأذهب كل أربع سنوات للتصويت في الانتخابات، وأحتمي بنقابة العمال في أصغر ظلم يقع علي، وتتم معالجة ابني مجانا حتى يبلغ السابعة من عمره، وأحصل على أجر أي وقت اضافي أعمله ولو كان ساعة أو نصفها أو أقل من نصفها!
الكفيل: أنتم لا تشكرون من يَمُدّ إليكم يَدَ المساعدة، ولست أنا الذي خصم من مرتبك قيمة بطاقة السفر، لكنني أعطيك أجرك كاملا، ولست مسؤولا أنْ مكتب استقدام العاملين يستقطع من مالك أو جسدك أو يرتشف من دمك لترا أو لترين!
الوافد: لكنني أبحث عن حقوقي في عدد ساعات العمل، والعطلة الأسبوعية والسنوية، فضلا عن حقي الطبيعي في الاستشفاء إنْ مرضت دون أن تخصم من مرتبي شيئا مهما صغر.
إنني لا أعرف وطني الأم إلا قليلا، وأنا غريب عنه، وغريب فيه، وعشت معكم، وساهمت في بناء بلدكم، وكنتُ أعمق ولاءً له ولشرعيته الحاكمة من كثير من مواطنين تجري في عروقهم دماء نقية زرقاء.
لماذا تهددني بين الفينة والأخرى بــ ( تفنيشي ) على أول طائرة، وكأنني جئت رغم أنفك لأسرقك؟
الكفيل: يبدو أن حقوق الإنسان في الغرب قد لوثت عقلك، والرسائل التي تصلك من أصدقائك في دول أوروبية جعلتك تميل إلى عصياني، وتستعد للتمرد، وترهف السمع لحكايات عن حقوق الفرد داخل مجتمع متحضر، وأنا أرى أنك تضع نهاية خدمتك بالقرب من أرنبة أنفي.
الوافد: إنني أعرف أصدقاءً لي سقطوا من بطون أمهاتهم فوق تراب هذه الأرض الطيبة، ويتحدثون اللغة ويعرفون اللهجة ولا يستطيع خبير في الألسن أن يميزهم عن أهل البلد، ومع ذلك فتتم تجديد الاقامة لهم مرة في كل عام، ويصطفون في طوابير طويلة، ويعاملهم الموظف الصغير في إدارة الجوازات والجنسية كأنهم أغراب، أو باحثون جدد عن عمل.
العدالة هي التي تخلق الولاء، والمساواة تصنع في قلب الوافد حبا جارفا لوطنه الجديد، وسقوط التمييز بينه وبين المواطن هو أقصر الطرق لصناعة المواطن الجديد تماما كما تفعل دول المهجر.
الكفيل: إنك هنا تخلط السياسة بأهوائك، وتضرب لي أمثلة ببلدان قامت على الهجرة وانتهى فيها زمن المواطن الأصلي.
المهاجر الايرلندي لاستراليا، واللبناني للبرازيل، والكوري لنيوزيلندا، والسويدي لكندا، والصيني لأمريكا الشمالية، والتركي للمكسيك ساهم أجدادهم في إبادة السكان الأصليين، ثم قامت حضارات جديدة زيّفت التاريخ، وتوَلّت مسح الذاكرة على مدى مئات الأعوام.
أما هنا فالأمر مختلف تماما، فنحن قد نذوب إذا تجنس الوافدون، وفي بعض المدن الخليجية تعثر في أسواقها وشوارعها بشق الأنفس على مواطن من أهل البلد.
دول المهجر التي حدثتك عنها لا تفتح أرضها وذراعيها لهذه العمالة الرخيصة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن في خليجنا عمالة زائدة لو غابت لما خسر الاقتصاد الوطني شيئا، ولو عادت إلى بلدها خادمةُ منزل أو سائقُ سيارة فإن الدولة الخليجية هي التي تربح من تخفيف العبء على المرافق العامة واستهلاك الكهرباء والماء والطرق والصرف الصحي وعوادم السيارات ومئات غيرها من المرافق التي لا تتحمل الدولة الضغط عليها.
الوافد: وهل كل الوافدين آسيويون أميّون؟ إن هناك خبراء وعلماء ومستشارين وأكاديميين وإعلاميين وأطباء ومدرسين يساهمون في نهضة البلد، ولكنهم يخضعون أيضا لظروف مشابهة من انعدام الحقوق وفي مقدمتها حق الحصول على الجنسية أو الاقامة الدائمة أو منافسة ابن البلد في الحصول على وظيفة هوالأصلح والأنسب لها.
إننا يمكن أن نُثري بلدكم إنْ أحسنتم اختيار مضيفيكم، ولا يعقل أن يتساوى العالِم والأميّ في الرؤية الوطنية للوافدين.
بعضنا جاء ليأخذ، والبعض الآخر جاء ليعطي.
بعضنا يمنح اقتصادكم الوطني دَفعة إلى الأمام، والبعض الآخر يُعيده خطوات إلى الخلف.
ثم إنني لا أفهم كيف يستقيم ظلم الكفيل للوافد مع شعارات دينية برّاقة تمتد بطول كل دول الخليج العربية.
الكفيل: إننا خائفون من الانصهار داخل المضيفين، وترتعد أوصالنا من مجرد فكرة المساواة، فكيف أتساوى أنا بسائقي أو تقف زوجتي وخادمتها نِدّا لنِدّ؟
الوافد: أظن أنك لم تسمع شيئا من أقوالي، وأنك لم تنصت إلاّ لصوت مخاوفك، ولم تتخيل إلاّ مجسمات كوابيسك!
أنا أتحدث هنا عن الحقوق الانسانية البسيطة والعادلة والمطلوبة في كل الشرائع السماوية والأرضية.
عندما أحدثك عن الظلم فهو حديث محبة لرغبتي الشديدة أن أبقى هنا ما بقي في جسدي نَفَسٌ أخير، وأن يدلف جثماني بهدوء وسَكينة في تراب أرضكم الطاهرة يوم يقضي الله أمرا كان مفعولا.
إن ابني الأصغر يشعر بغربة شديدة عندما نعود في عطلة إلى أرض وطني، ويتعجل العودة إلى هنا.. إلى زملائه وأقرانه وأحبابه، وحتى إلى اللهجة المحكية المحببة إلى نفسه.
لكنه بُحكم القانون غريب وأجنبي يحتاج إلى ختم أوراق والديه في كل عام، كأنها شهادة حسن سير وسلوك.
هل تصدق أنني لا استطيع علاج شقيقته الأكبر منه في معظم مستشفيات الدولة التي احتضنتهم، وتربوا في دفئها، وخشعوا لنشيدها الوطني، وقَبَّلوا بكل الولاء عَلَمَها وهو يرتفع في ساحة المدرسة، وفي مباريات الدوري الأخير؟
الكفيل: إن لك أن تتخيل النتائج لو أن ثلث مليون فلسطيني حصلوا على الجنسية الكويتية قبيل الغزو العراقي الآثم، ومليون هندي لا يعرف واحد في المئة منهم لغة أهل البلد فيمنحهم الإماراتيون الجنسية، وأكثر من مليوني يمني في السعودية تتم مساواتهم بأبناء البلد، ومئة ألف فيلبيني يتمتعون بكل الامتيازات التي حصل عليها القطريون الأصليون لو أن إدارة الجوازات والجنسية في الدوحة منحتهم الجنسية القطرية!
كيف يمكن للأمن أن يعم البلاد، وللسلام أن يهيمن ظله على الوطن لو أفلتت من بين أيدينا امكانية الرقابة على الوافدين، وطرد أي أجنبي يخل بأمن البلاد، وتحقيق التركيبة السكانية السليمة عندما يحين الوقت؟
الوافد: لكنكم مسؤولون عن الخلل في تلك التركيبة السكانية، وعن وجود ملايين من الوافدين الذين يحصلون على أدنى الأجور في مقابل أعمال بسيطة يمكن أن يقوم بها ابن البلد!
قل لي بربك لماذا لا يقوم المواطن الخليجي بغسل سيارته بنفسه؟
لماذا لا تتولى ربة البيت تربية الأبناء بدلا من القائهم في أحضان أم بديلة، آسيوية تُعَجّم ألسنَتَهم، وتمنحهم حناناً مدفوع الأجر، وتنتقم منهم إنْ تعرضتْ لظلم والديهم، وتُعَلّمهم قيما ومباديء تتعارض تماما مع عادات وتقاليد البلد المضيف؟
المستشار العربي أو الإعلامي أو الطبيب أو المهندس الذي جاء ليساهم معكم في نهضة البلد يظل عشرين أو ثلاثين عاما كأنه وَصَلَ مطار العاصمة الدولي منذ بضعة ساعات .
هل سمعت عن جرائم للكفيل يندى لها الجبين؟
هل يزور النومُ مقلتيك عندما تقرأ عن الرجل الذي حشر زوجته وولديه داخل صندوق ، وقام بشحنهم مع بضاعته ومشترياته عائدا إلى أرض وطنه بعدما رفض الكفيل منح زوجته الأستاذة الجامعية جواز سفرها؟
هل سمعت عن إمام المسجد الذي قضى تسع عشرة سنة في دولة خليجية، ولا يعرف أولاده وطنا غيرها، ويتحدثون لهجتها فلا تُفَرّقهم عن زملائهم ( الأصليين !! )، ومع ذلك تَعَرّض للضرب داخل المسجد، ثم جاءه تهديد عدة مرات بأنهم سيفنشونه على أول طائرة هو وأولاده؟
لماذا لا تكون الدولة هي الكفيل، ويصبح من حق العامل الأجنبي أن يلجأ للقانون، وأن لا تهدده أي جهة خاصة أو صاحب سطوة أو مال، وأن يحتمي بعدالة القضاء، وأن يعمل في أي مكان يحتاجه بشروط يرضاها الطرفان؟
نظام الكفيل يسيء لدول الخليج العربية اساءة بالغة، وينبغي أن يصدر أمر أميري أو ملكي باحالته إلى المعاش كبقايا سُخرة لا تليق بشعوبنا العربية الخليجية.
الكفيل: في هذه الحالة ستتحول الدولة إلى فوضى، وسيتحايل الوافد على القانون، وسيبحث عن فرص عمل أفضل بعدما نكون قد أنفقنا عليه مبالغ كبيرة دخلت معظمها في بطن صاحب مكتب الاستقدام .. تاجر البندقية الخليجي، كما تصفه أنت؟
الوافد: ولكن هذا في مصلحة الدولة ورخائها ورفاهيتها وتطورها.
الوافد الحر الذي يتساوى مع ابن البلد هو المواطن الجديد الذي لن يختلف ولاؤه للوطن المضيف عن ابن البلد.
إن تنقية الوافدين قبل وصولهم، واختيار الأصلح والأكثر كفاءة ووضع شروط أهمها اجادة اللغة العربية قراءة وكتابة سيحيل التركيبة السكانية إلى ميزان جديد تماما ، وربما تقفز دول الخليج للامام عدة عقود.
هل فكرت في الضغوط التي تثقل مرافق الدولة وأثرها السلبي من جراء وجود عدة ملايين آسيوي يتحدثون لغة الاشارة، لكنهم يزاحمون بلدكم الصغير في استهلاك مرافق الكهرباء والماء والصرف الصحي والسكن، ويكدسون أسواقكم ببضائع مزجاة ورخيصة وتتعارض مع أبسط أنواع الذوق العام ؟
الكفيل: ومن قال لك بأنني مهموم بمصلحة وطني قبل أن تتحقق مصالحي الخاصة؟
إنني لا أقوم بتعيين وافد لي، أو خادمة في منزلنا الكبير، أو أقرأ في حقوق الانسان قبل أن أتوجه إلى مكتب استقدام العمالة، لكنني أشتري من المكتب بضاعة كان قد استوردها سواء كانت سيارة أو بطيخا أو ملابس أو ألعاب أطفال أو أناسا ينتمون إلى نفس الأب .. آدم عليه السلام.
إنك تعاتبني كأنني أنا الذي صنعت نظام الكفيل!
لو أصبحت الدولة هي الكفيل، وتحول سوق العمل إلى منافسة بين الباحثين فإن الأصلح هو الذي سيبقى بيننا.
أنت تحدثني عن عوالم مثالية من الوافدين المثقفين والمتعلمين وخبراء الكمبيوتر وأساتذة الجامعات وكبار الأطباء الذين تركوا أوطانهم ليبحثوا في بلدي عن فرص عمل لم يعثروا عليها.
إن الكفيل ليس بهذه الصورة السوداء الدراكيولية التي تحاول أن تصفها أنت في نقاشك معي.
إنني، مثلا، أطعم العامل مما لدي، ولدينا في منزلنا ثلاث خادمات لا ينفقن من أجورهن الزهيدة شيئا فكل شيء يحصلن عليه مجانا، وملابس زوجتي التي لا تستخدمها وهي كثيرة تذهب فورا إلى الخادمات في البيت ويرسلنها لأهلهن.
إنني استخرج الزكاة فتذهب لمن يعملون لدي، ولدينا خادمة قضت ثلث عمرها معنا وأصبحت واحدة من أهل البيت.
الوافد: وماذا عن الحقوق الأخرى؟
ألا تحتفظ بجوازات سفر العاملين لديك؟ أليس الحق الذي تملكه في أن تلقي من تغضب عليه في أحشاء أول طائرة عائدة لبلده هو قمة المهانة للوافد؟
ماذا تفعل الشرطة عندكم إذا استقبلت سائقا هنديا أو بنجاليا يرتدي ملابس رثة، ويتحدث اللغة بصعوبة ومشقة، وقد جاء خصمه معه وهو من أهل البلد ويرتدي ملابس بيضاء كأنها جليد تساقط على جسده، وتنتظره سيارة مرسيدس أمام المخفر؟
هل سيقف رجل الأمن محايدا أم أن أذنيه ستنحازان تلقائيا لحكاية ابن البلد وهو يعبر عنها في مقابل عجز الآخر تماما عن شرح وجهة نظره؟
الكفيل: وهل ثرائي أو أناقتي أو كوني من أهل البلد يقلل من شأن رؤيتي للنزاع أو الخصومة.
ثم إن لدينا جهازا قضائيا أكثر عدلا من أجهزة القضاء في بلاد ثورية يتحدث كل أهلها ليلا ونهارا عن اذابة الفوارق بين الطبقات!
هل المصري الذي تسرق السلطات الليبية أمواله وتلقي به في صحراء السلوم أكثر قيمة من المصري الذي يصل إلى أعلى المناصب في خليجنا، حتى أن كثيرين من المستشارين في الديوان الأميري هم من الاخوة المصريين؟
في الكويت حدث تجاوز خطير، بل جريمة في حق مواطنين مصريين في قسم الشرطة، ولكن الصحافة الكويتية هي التي كشفتها، ودافعت عنهما، أما العراق الثوري في زمن طاغيته فقد أرسل جثث 4800 مصري قامت سلطات البعث الصدامية بتصفيتهم دون أن يرف جفن لسيد القصر في قاهرة المعز.
إن الكفيل يقوم أيضا بحماية الوافد الذي قد يكون أميّاً، وخبراته لا تسمح له بأكثر من غسل السيارة أو حمل الطلبات من السوبر ماركت.
الوافد: أنت تهرب من حقائق أضعها أمامك واضحة فتقوم بضرب أمثلة بعيدة عن الواقع المخيف لملايين من الوافدين.
هل حقوق الوافد محفوظة في القلب الكبير والرحيم للكفيل؟
وماذا لو كان الكفيل الذي تصوره لي ملاكا أرسلته العناية الالهية للوافد المسكين هو من القساة، الغلاظ القلب، وتجار لحوم البشر؟
ماذا لو أمرت أنت خادمتك أن تعمل طوال ايام الأسبوع دون أن تتوقف لحظة واحدة لتلتقط أنفاسها؟
لمن يلجأ الوافد إن أحاق به ظلم، أو قمت أنت، مثلا، برفض نقل الكفالة قبل أن يعود إلى بلده، ثم يبحث من جديد عن تأشيرة دخول، فيدخل دائرة الجحيم من جديد؟
الكفيل: إن تجارة البشر تبدأ في بلدكم حيث الرشوة والفساد واستقطاع لحم المسكين من مكاتب منح التأشيرات قبل أن تطأ قدماه أرض بلادنا العزيزة والمليئة خيرا.
إن مكتب الاستقدام الذي يستورده اشتراه من تاجر جشع من أهل بلده، وقبل أن يصل إلى خليجنا يكون قد تعرض للاحتيال والنصب عدة مرات في بلده الأم.
لدينا خمسة ملايين هندي في بلادنا، وفي بعض المدن لا تعثر إلا بشق الأنفس على مواطن من أهل البلد يمشي على قدميه، فكلها وجوه آسيوية تعيش في أمان، وخيرنا لغيرنا، ولن تجد من بينهم من يتسول أو ينام بدون طعام عشاء رغم أننا لا نحتاج في الواقع لأكثر من خمسة بالمئة منهم، والباقي عمالة زائدة.
إن ذهبنا الأسود يقلل من مخاطر المجاعة في العالم العربي، وقوافل الخير الخليجية الخاصة والحكومية تجوب الوطن العربي من بحره إلى نهره.
كل الذين تتحدث عنهم من أطباء ومستشارين وأصحاب مشاريع وأكاديميين ومدرسين وغيرهم يقيمون معنا سنوات طويلة دون أن يفكر إلا قليل منهم في العودة إلى أرض الوطن الأم حتى لو كان يعرف مسبقا أنه سيربح ضعفي أرباحه هنا. أليس هذا دليلا على أن الوافد هو الذي يتمسك بالحياة في بلادنا ويبتعد عن شبه الموت في وطنه؟
الوافد: أنت لا تعرف مشاعر الغربة والخوف وانعدام الأمان. إن الوافد لديكم كعامل ( اليومية ) الذي ينتظر على ناصية طريق فتأتيه سيارة السيد، وتختاره من بين المئات.
إنه على كف عفريت، فهو ليس مقيما اقامة دائمة ولم يتشرف ولو ولدته أمه فوق ترابكم بحمل الجنسية للدولة الخليجية التي يعشقها ، بل لا يعرف غيرها وطنا له. إننا نريد أن نكون شركاء في الوطن، وأنتم تريدوننا ضيوفا يمكن أن يرحلوا فور انتهاء وجبة العشاء.
الكفيل: وأنت تتناسى أن عليكم واجبات تتساوى مع الحقوق التي لديكم، أو التي تطالبون بها.
وليس كل وافد ملاكا يحلق بجناحيه فوق أرضنا. الوافدون أيضا يقومون بعمل تجاوزات، ويرتكبون جرائم، ويتولون تهريب المخدرات، ويتحايلون على القوانين، وأكثرهم ينتظرون حقوقا لهم، ويغضون الطرف عن واجبات كثيرة.
الوافد: ما اشد حاجتنا إلى الحوار، فنحن لسنا أشرارا يتربصون بكم، وأنتم لستم أسيادا تحتجزوننا رغم أنفنا. إننا في سفينة واحدة، ومن يخرقها لن تسأل المياه عن هويته قبل أن تتسرب وتغرقها. ما أشد حاجتنا إلى رسالة تسامح وعدالة ومساواة، وتكاتف لحماية قيم الخير وتوجيهات خالقنا جميعا، فكلنا من نفس الطين .. وننتمي لنفس الأب، وأخطاؤنا لا تقل عن أخطائكم!
حوارات تم نشرها للكاتب:
حوار بين سمكتين في قاع البحر
حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين
حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك
حوار بين زنزانتين في سجن عربي
حوار بين حمار و .. زعيم عربي
حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك
حوار بين سجين حر و .. حر سجين
حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن
الحوار الأخير بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث
حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع
حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة
حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية
14 تشرين ثاني, 2007
Oslo 06.10.07
ثلاثون ألف معتقل تم توزيعهم على تسعة وعشرين سجنا غير السجون الخاصة بالأحداث والأطفال، فأنْ يظن التونسي أن قبضة الرئيس ستلتف حول أعناق الكبار فقط، فهو مخطيء.
تحتل تونس المرتبة الرابعة في العالم بالنسبة لعدد المعتقلين مقارنة بعدد السكان، لكن من يتسلل إلى مركز الأحلام في رأس الرئيس فسيجد نفسه في مواجهة مشهد واضح لحلم ظل ملازما لسيد قصر قرطاج منذ أن أزاح الرجلَ العجوز وجلس مكانه.
الحلم هو أن يتم اعتقال كل أفراد الشعب التونسي في سجون ومعتقلات تكفي لأن تبتلع في جوفها كل من شاء حظه العاثر، وعاش بعد السابع من نوفمبر عام 1987 في تونس الخضراء.
السجن المدني في تونس حالة خاصة من سجون الوطن العربي، فنصيب السجين فيه 60 سنتيمترا مربعاً وهي لا تسمح له أن ينام إلا واقفا أو فوق زميله، بل إن أحد السجناء قال بأنه لم يقابل زميلا له في نفس الزنزانة لمدة شهر من اكتظاظها لأنها كانت غرفة صغيرة بها حوالي 300 سجين!
هل تريد أن تموت من الجنون قبل أن تصعد روحُك جرّاء التعذيب الدراكيولي لمصاصي الدماء من زبانية الجنرال التونسي؟
إنه الحبس الانفرادي لعشر سنوات أو أكثر تصبح أقصى أمانيك أن تشج رأسك بالضرب في الحائط.
الاهمال الصحي في سجون الجنرال يؤدي إلى الوفاة، ولكن هل يستطيع أي سجين أن يُضرب عن الطعام ليصل صوته للرئيس؟
في هذه الحالة، مثلما حدث مع على المزوغي وعبد الوهاب بوصاع ورضا الخميري،فإن الموت هو النهاية الحتمية.
الصحفي الهادي يحمد نشر مقالا بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان وتحدث فيه عن السجون التونسية، فاضطرته السلطات إلى تقديم استقالته، ثم هاجر نهائيا من وطنه.
أما الصحفي محمد بريس فقد نشر في صحيفة ( الأنوار ) تحقيقا عن ماسح أحذية، فتم اعتقاله باعتبار أن الكتابة عن أحد ماسحي الأحذية في تونس يسيء لصورة قائد حركة التصحيح.
والطاغية لا يكتفي بمنع الحديث وكتم الأنفاس وقطع الألسن إنْ تعلق الأمر بنشر ما يشوه صورته الملائكية، لكنه يعاقب من تشتم أجهزة الأمن من مقاله اسقاطا ضمنيا على سيد قرطاج.
فمدير تحرير صحيفة ( الشعب ) تم استدعاؤه لأن صحيفته نشرت تحقيقا عن غضب الشعب الاندونيسي من غلاء المعيشة، فأعتبر زبانية بن علي الموضوع تحريضا غير مباشر ضد الحكم في تونس.
لجنة حماية الصحافة وهي منظمة أمريكية مستقلة وضعت الجنرال زين العابدين بن علي كواحد من العشرة المعادين للصحافة وللكلمة الحرة، ولا يزال الرئيس التونسي يحقق تقدما في كراهيته للاعلاميين والصحفيين والكُتّاب والمثقفين وأخشى أن يأتي اليوم الذي يمنع فيه الكِتابَ والصحيفة.
في تونس يقوم رجال الأمن متخفين في ملابس مدنية بحضور المؤتمرات الصحفية، ومراقبة الحاضرين، ومعرفة المتحدثين، وعمل ملف كامل لكل من ترى السلطةُ أنه قد يمثل خطرا مستقبليا على الجنرال الطاغية.
والسلطات التونسية تنافس مثيلاتها العربيات في مطاردة الصحفيين والاعلاميين، واختطاف من يتجاوز خطوطا حمراء وضعتها أمام كل صاحب قلم، أما الصحفي توفيق بن بريك فكان محظوظا ولم يتعد التعامل معه ضرّبَه بسلسلة في الشارع، والقاء قاذورات على سيارته، والتعرض للتهديد في مبنى الداخلية.
ومع ذلك فوقاحة الرئيس لا تماثلها وقاحة كل الطغاة المستبدين فهو يُصِرّ على أن حرية الصحافة في عهده لا تضاهيها أو تشابهها حرية أخرى للكلمة في أي مكان.
رئيس مكتب وكالة الصحافة الفرنسية رفض تملق السلطات كما أشار كتاب ( صديقنا الجنرال زين العابدين بن علي)، فدبّرت له سلطات الجنرال خطة مُحْكَمة عندما أرسلت فتاةً في موقف السيارات، فرآها تسقط أمامه، فلما هَبّ لنجدتها صرخت في المارة بأن الرجل يحاول اغتصابها، ولم يكن هناك حل لهذا العمل الدنيء والوضيع إلا أن تتدخل السفارة الفرنسية، ويتم اخراج الرجل من تونس، فالرئيس يبحث عن الرقيق فقط.
يستعذب الجنرال تعذيب أهالي المعتقلين كما كان الحسن الثاني يفعل في المغرب، ففي تونس إنْ خرج السجينُ حياً فإن فصله عن أسرته يمثل إحدى المتع التي تمارسها أجهزة الأمن، فتطلب منه أن ينتقل إلى مكان بعيد عن أسرته وزوجته وأولاده إمعانا في الإذلال، أما السجين حمادي الجبالي والوالد لثلاث بنات فقد رأت السلطات أن قضاءه خمس عشرة سنة في سجونها الموحشة ليس كافيا لتعليمه آداب العبودية في عهد الجنرال، فكانت توافق على زيارة بناته له شريطة أن يشاهدوا خياله من بعيد!
أي قلوب حجرية صماء تلك التي تقبع في صدور أجهزة الأمن التونسية؟
أي أنياب دموية قاسية ومفزعة تلك التي ثَبّتَها الشيطان في وجه الرئيس لينتقم من شعبه.
خمسون عاما منذ الاستقلال ولم تعرف تونس الخضراء غير زعيمين ( مدى الحياة)، أي أن الملكية الوراثية تصبح أكثر جمهورية من النظام الثوري السائد في ثكنات قصور هؤلاء الواثبين على العروش ظلما وعدوانا.
عندما تم اعتقال منصف المرزوقي رئيس رابطة حقوق الانسان التونسية والمحامي عبد الرحمن الهاني ونشرت هيئة الاذاعة البريطانية الخبر، نقلت وكالة الأنباء الكويتية الخبر فقامت سلطات الديكتاتور بقطع خطوط الهاتف والفاكس عن مكتبها في العاصمة التونسية!
في الثالث من سبتمبر الماضي أكمل زين العابدين بن علي عامه الواحد والسبعين وتُخْفي السلطات أيَّ أخبار عن مرضه، وعن صراعه مع السرطان، فزعماؤنا كلهم ( زي الفل )، وتستطيع حرم الزعيم أن تشير بإصبعها إلى فضائية عربية تتشرف باستضافتها لتنفي عن زوجها امكانية مرضه أو حتى موته وربما تضع أصابعها في عيوننا عبر الشاشة قائلة بأن عزرائيل نفسه لا يستطيع أن يقترب من سيد القصر!
عائلات المعتقلين تتعذب مثلهم، ويقرر المئات الاضراب عن الطعام من أجل آبائهم واخوانهم وأبنائهم في سجون الجنرال مثل برج الرومي وناظر ومرنة وباجة وبرج العامري والمنستير وسوسة وبلاريج والهوارب والمرناقية والسجن المدني، بل وتونس كلها التي أصبحت بيتا للأشباح يقوم عليه شيطان لم تعرف شياطين الطغاة له مثيلا، فمتى يغضب شعبنا التونسي؟
14 تشرين ثاني, 2007
Oslo 07.10.07
الولاية الثانية للرئيس الشاب ولم يتطرق في خطاب العرش الثاني لأهم قضايا الوطن وهي كرامة المواطن السوري التي تحددها الجهات الأمنية، وتضع لها المقياس، وتهينها أو ترجيء اهانتها إلى وقت لاحق.
سبع سنوات مليئة بالوعود انتهت إلى كارثتين: أما الأولى فهي سيطرة فكرة الاجماع الشعبي على اعادة انتخاب الرئيس السوري بشار الأسد بنسبة تقترب من النسبة التي وضعها صدام حسين، وقام زين العابدين بن علي بتطبيقها، وهي تعني أن حفنة صغيرة جدا من سكان الوطن السجن قالت لا، أما الأغلبية الساحقة فلا تزال تتشرف بأن تكون في خدمة القصر، وتحت أمر الرئيس ولا يرفع أحد فيها عينيه أمام مخبر أو ضابط أمن أو مرشد لأجهزة الاستخبارات.
الكارثة الثانية التي قدمتها إسرائيل هدية للسيد الرئيس في ولايته الثانية هي اختراق الطائرات الاسرائيلية حرمة المجال الجوي السوري، والقيام بعملية ضد لبنة مشروع نووي سلمي، وهي تكملة للهدية الأولى التي منحتها لطبيب العيون في ولايته الأولى عندما حلقت الطائرات المعادية فوق القصر الجمهوري بعاصمة الأمويين لابلاغ رسالة لسيد القصر أن أسيادا آخرين على الحدود لا تستطيع دمشق أن تطلق حجرا عليهم وهم يرتعون في الهضبة السورية المحتلة منذ أن توقفت المدافع لأكثر من ثلاثة عقود خلت!
سبع سنوات ونحن نحمل الاثنين معا: محبتنا لدمشق ويأسنا من أي تغيير.
الرئيس بشار الأسد اختار الطريق الآخر المعادي لأماني شعبنا السوري وهو طريق السجون والمعتقلات والرقابة، حتى عالم الانترنيت أصبحت سورية فيه بقبضة أجهزتها الأمنية مساوية لكوريا الشمالية والصين وليبيا وتونس.
المحامي عبد الله سليمان علي لم يرتكب جريمة، إنما مارس حقه في انشاء موقع إلكتروني في أغسطس عام 2005.
وأرتكب المحامي جريمة نشر شكوى لم ترض عنها أجهزة الأمن فتعرض مكتب الرجل إلى حريق أتى عليه بعدما قام قراصنة الأمن الإلكتروني بسرقة أرشيف الموقع مما أنزل الرعب في قلوب الذين قرأوا، وعلقوا على المقالات أو تم الاحتفاظ بأسمائهم الحقيقية في أرشيف المشبوهين.
في 23 سبتمبر 2007 حكم القضاء السوري بالسجن على مواطن أدين بتهمة كتابة تعليق في موقع الكتروني!
وزير الاتصالات والتكنولوجيا عمر سالم اصدر قرارا يجبر أصحاب المواقع على نشر البريد الإلكتروني واسماء الذين ينشرون تعليقات ليسهل اصطيادهم، وهناك توجيهات لمقاهي الإنترنيت بالتجسس على المرتادين وأحيانا يتبرع صاحب المقهى بتصويرهم لكي يأمن على حياته حتى لو ضحى بالذين آمنوه على حياتهم.
لا تقدم السلطات السورية المتهم بنشر مقالات أو تعليقات على الإنترنيت فورا إلى المحكمة، ولكن عليه أن يختفي أولا في سجون ومعتقلات الوطن، وأن يبحث عنه أهله لعام أو اثنين، وأن يثق بأنه لن يخرج حَيّاً، ثم بعد ذلك يتم تقديمه للعدالة الظالمة وغالبا لا تحكم بالبراءة فالقضاء في خدمة السيد، والقاضي .. ممثل السماء على الأرض لا يرفع عينيه أمام ضابط أمن.
المفقودون في سورية قضية أم جريمة؟
إن عددهم الهائل غير معروف بالمرة، وقد يكونون آلافا أو عشرات الآلاف، لكنهم في كل الأحوال إدانة صريحة لكل من يدّعي أنه مهموم بسورية، وعاشق لها، وخائف عليها من اختراق الطائرات الاسرائيلية حاجز الصوت، لكنه في الواقع خائف من اختراق الضمير لحاجز الصمت.
كما أن مهانة السوري يمكن أن تنتهي بكلمة واحدة تخرج من بين شفتي سيد القصر، فإن معرفة مصير المفقودين ومحاكمة مجرمي الاختطاف والاخفاء وحفر المقابر الجماعية يتوقف أيضا على لحظة روحية تلمس فيها السماءُ الأرضَ السورية، ويقترب ضمير الرئيس الشاب من الروح العليا، فيأمر، ولن تقف قوة في قلب العروبة النابض أمام أمره الملزم والحاسم بانهاء دولة الاستخبارات وجعل تلك المهمة السامية والوطنية ضد أعداء يتربصون بسورية، وليس ضد مواطنين يبللون ترابها بدموعهم خوفا عليها.
كأن الرئيس السوري لا يعرف عن التاريخ الأمريكي سطرا واحدا، ولا يعرف أن حقوق الانسان الرخيصة والمهانة بل والصفرية في سورية هي التي ستمهد لدعم دولي مساند لواشنطون لو قررت أمريكا معاقبة إيران في سورية، أو احداث مزيد من التجزئة في العالم العربي، أو إنهاء دولة قد تصبح قوية جنوب تركيا أو شمال إسرائيل أو على مبعدة ساعة من بيروت. سبع سنوات والرئيس الشاب الذكي والمثقف والمُطّلع على المشهد الدولي بحكم ثقافته الغربية وتعامله مع تكنولوجيا المعلومات يُصَرّ على الانحياز للزنزانة ضد المواطن البريء، ولصناعة الخوف ضد تحرير مواطنيه، ولعالم الكراهية رفضاً لالتفاف الشعب حوله حبا واحتراما وتقديرا.
سبع سنوات عجاف أتيحت للرئيس فيها عشرات الفرص للحصول على الشرعية الشعبية وليس وراثة الحكم وتغيير الدستور ليناسب عمرُ الرئيس شرطَ توليّه الحُكم، لكن طبيب العيون اختار غرس اصبعه في عيون أبناء شعبه والحالمين بالحرية.
مَنّ مِنّا لا يتذكر ماهر عرار السوري الكندي الذي سلمته سلطات نيويورك للاستخبارات السورية لكي تنتزع اعترافا منه خلال جحيم عشرة أشهر، ثم اكتشف العالَم بعد الافراج عنه أنه بريء ولا يعمل بالسياسة قط؟
مَنّ مِنّا لا يشعر أنه ملتزم أدبيا ومعنويا ودينيا وضميريا بالمعتقلين ظلما وبهتاناً لسنوات لا نهائية في أقبية تحت الأرض تعف منها الحشرات؟
لهذا صمتت رئاسة الدولة عندما اخترقت اسرائيلُ حاجزَ الكرامة السوري، فالاسرائيليون يعلمون جيدا أن ضباط الاعتقال والاختطاف والتعذيب السوريين هم طابور خامس يعمل لصالح تل أبيب وينتظرون عدوانا أمريكيا صهيونيا لتكافئهم قوات الاحتلال كما فعلت مع المعارضة العراقية.