مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com

الكويت .. دمعة وباقة زهور

أوسلو في 5 مارس 2007

مر على الخليج العربي زمن كان الخليجيون يحسدون الكويتيين على ديمقراطيتهم، وكانت الكويت تمثل الحُلم الأكبر للمثقف والتاجر والاعلامي ومن أراد أن ينشر كتابا بعيدا عن رقابة سلطة بلده حتى أنني عندما التقيت الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، في أوائل السبعينيات قال لي بأنه قام بتهريب كتاب ( الاسلام في وجه الزحف الأحمر ) ليتم طبعه في الكويت.

كانت السلطة التشريعية تحت قبة البرلمان تعرف حدودها، وتحترم الفصل بين السلطات، وتقُدر المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية.

لهذا عندما حمل آل الصباح الكرام مسؤولية تحرير الوطن الصغير من براثن الاحتلال العراقي الآثم كانت السلطة التنفيذية حاسمة، وهي أن تتولى بمفردها مهمة طرد المحتل العراقي بكل الطرق الممكنه، بما فيها الأصدقاء والمال والاعلام والكلمة المسموعة لأمير البلاد الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، والتي التف المجتمع الدولي حوله إثر القاء الكلمة على منصة الأمم المتحدة.

الآن تسرع، بل تلهث دول خليجية مجاورة للحاق بركب الحضارة والتقدم والتطور، فالكلمة العليا للسلطة التنفيذية.

لا أحد يعترض على عبقرية الفكر الاداري للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولا ينبس مواطن ببنت شفة إن أصدر السلطان قابوس أمرا ساميا بتعيين امرأة وزيرة للتعليم العالي، وتتكدس الدوحة بمؤتمرات علمية واقتصادية وحفلات غناء وترفيه، ونفس الأمر ينسحب على مملكة البحرين.

الكويت .. هذا البلد الطيب صاحب أول تجربة ديمقراطية في المنطقة، والذي قاد الفكر التسامحي والحر عبر ديوانياته، والذي التف كل أفراد شعبه حول آل الصباح الكرام منذ أكثر من قرنين فكان الأمن والأمان ، وكان الوعد الحق بالتحرير بعد غدر الثاني من أغسطس عام تسعين، وأوفى آل الصباح بعهدهم .

هذه الكويت الجميلة .. العروس الخليجية الرائعة تتراجع تحت مطرقة السلطة التشريعية، والتقسيمات القبلية والطائفية، فرياح التشدد الديني القادم من المملكة العربية السعودية لم يتمكن من اختراق الحدود القطرية، ووقف على أبواب الامارات، وعجز عن شم هواء سلطنة عمان، وتدحرج على جسر الملك فهد قبل الوصول للبحرين.

لكنه وصل إلى أقدس بقعة في الكويت وهي الحرم الديمقراطي لممثلي ونواب الشعب.

هل الحصانة البرلمانية سيارة مفخخة؟

كيف يقف عضو محصن برلمانيا ليهدد بالاستجواب إن لم يتول أحد جماعته حقيبة وزارية؟

صراع سلطة أم تمثيل شعب؟

هل المطلوب أن تصاب الدولة كلها بالشلل خشية أن يبادر مسؤول بمشروع أو فكرة أو احتفال أو معرض للكتاب أو استقبال ضيف فتنزل مطرقة العضو المحصن برلمانيا وتكسر الرأس؟

لا أفهم حتى الآن معنى التكتل أو القبلية أو الطائفة أو التجمع المعبر عن اتجاه معين!

لماذا لا يترك أعضاء السلطة التشريعية مذاهبهم وتوجهاتهم وجماعاتهم وانتماءاتهم خارج القاعة لتصبح الكويت فقط هي المهيمنة على الفكر والرأي والنقاش والحوار والنقد والرفض والقبول؟

ما معنى هذا التقسيم للمواطنيين بين اسلاميين وغير اسلاميين؟

هل هي دعوة لاقناع أهل البلد بأن الله، تعالى، منحاز إلى فئة دون أخرى في الكويت؟

حذر عبد الرحمن الكواكبي في ( طبائع الاستبداد ) من الاستبداد الديني فهو الأخطر، لأنه بكل بساطة يتحرك داخل دائرة المقدس، ويدّعي أن الله يقف معه هو فقط، وأن حساب الآخرة سيكون عسيرا على من يخالفون أصحابه الرأي والفكر والاجماع.

في نفسي حزن شديد على ما آلت إليه أوضاع الكويت من استعراض قوة السلطة التشريعية في مواجهة السلطة التنفيذية.

الغريب أن هذا يحدث، ويتفاقم في نفس الوقت الذي يشعر الشعب كله بالتفاؤل من وجود أكبر تناغم وانسجام بين رجال الصف الأول الثلاثة، الأمير وولي العهد ورئيس مجلس الوزراء.

كان العقل والمنطق والموضوعية والخوف على الكويت والثقة برئيس وزراء تعرفه كل دار في الكويت يؤدي بالتالي إلى أن يذهب كل أعضاء مجلس الأمة إليه طالبين منه أن يختار من يشاء، وأن لا يكترث لتجمع أو طائفة أو قبيلة أو توجه لجماعة، وأنه السياسي المُحنك والاداري الذكي والمثقف المُطّلِع والعارف بهموم وقضايا الكويت، والمسؤول الذي لا يجامل في الحق أحدا ، فلا حاجة لاستشارات جانبية، وعرض التوازنات، وحساب قوة كل طرف.

الشيخ ناصر محمد الأحمد الجابر الصباح لا يحتاج لتعريف، واختيار الأمير له للمرة الثالثة لتشكيل الحكومة كان رسالة واضحة بتلك الثقة اللامتناهية من أمير البلاد ورمز الوطن.

استعراض القوة البرلمانية مخلوطة بالدين، ومغلفة بالدروس الأخلاقية، وواضعة المقدس مع المحصن تحت قبة البرلمان سيؤدي إلى شلل البلاد، وتراجع ثقة المواطن، وازدياد الجذب والشد، واعتبار حكم وطن كأنه صراع قوة واستعراض تمثيل شعب.

السلطة التنفيذية هي المسؤولة أمام الشعب، وعندما يفشل مشروع أو تتراجع الدولة فإن أفراد الشعب يحاسبون الحكومة ، أما السلطة التشريعية فلن يعبأ الكثيرون بتوجيه اتهامات لأي منهم.

الديمقراطية الكويتية ينبغي أن تكون بدون أنياب، ولكن بحسابات منطقية وعادلة وموثقة وأن لا تقيد المسؤول والوزير، وأن لا يظن عضو مجلس الأمة أنه مدير الرقابة على المصنفات الفنية أو أحد المطاوعة الذين يخربطون أغلفة المجلات لئلا تبدو سيقان النساء ظاهرة للمحرومين.

خوفي على الكويت من هذا الخلط العجيب بين رياح المطاوعة القادمة من السعودية، والتقسيمات الطائفية القبلية بين أفراد المجتمع، وعدم قياس سرعة التطور مقارنة بالدول الخليجية المجاورة، فنكتشف فجأة أن المسافة الزمنية بين الكويت والامارات أصبحت عدة عقود، وبين التسامح الكويتي ومثيله العُماني حقبة طويلة، وبين الأمر التنفيذي الكويتي والقطري بُعد المشرقين.

ليس أمام الكويتيين حل إلا بخفض درجة تسخين النقاش والجدال لينزل من درجة الهوس والصراع تحت قبة البرلمان إلى مساءلات في أهم قضايا الوطن تقوم بها السلطة التشريعية دون شروط مسبقة.

آل الصباح الكرام حملوا عبء مسيرة الديمقراطية، ولا يزال الشعب الكويتي كله يمنح الأسرة الحاكمة الولاء التام، لذا فإن تقييد السلطة التنفيذية بتهديدات الاستجواب بحجة أنه عمل دستوري تقوم به السلطة التشريعية سيدفع بالأوضاع إلى منعطف خطر، وسيجعل حل مجلس الأمة عملية روتينية تؤدي في النهاية إلى شلل القوانين، وتراجع الابداع.

عندما يأتي الوقت الذي تكون فيه شروط عضوية مجلس الأمة أكثر عدلا، ومرتبطة بالثقافة والفكر وأن يكون نصف الأعضاء أساتذة جامعيين وأكاديميين، وأن يكون الثلث على الأقل من النساء، وأن تصبح الكويت دائرة انتخابية واحدة يترشح المرء وفقا لعمله الوطني والسياسي والثقافي والفكري، وأن يقدم برنامجه الكترونيا، وأن لا يكون تاجرا أو زعيم قبيلة أو محسوبا على طائفة معينة، فإن فرص التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تصبح عادلة وصحية وخالصة لوجه الوطن.

الوزير الكويتي مشغول بالنجاة من الاستجواب والتساؤلات والتهديدات والأسئلة المفَصّلة، ويستتبع ذلك بالتالي خوف وتراجع في قوى الابداع، وتردد في اتخاذ القرار.

لو تقدم أحدهم باقتراح لانشاء وزارة للسياحة مستقلة، وتقديم مشروعات سياحية وقرى على الشواطيء وحملات دعاية في العالم كله، فإن القوى الدينية البرلمانية ستجد سبعين ثغرة، وكلها متعلقة بالنساء والملابس والجنس وتقديم الخمور في الفنادق وانهيار الأخلاق.

كل ما يرفه على النفس الكويتية، ويدخل البهجة إلى قلوب الكويتين والوافدين، والغناء والموسيقى وهلا فبراير تَعَرّض لحملات ضغط حتى الكتاب الأكاديمي الذي يصعب فهمه لكثيرين من أعضاء البرلمان كان له نصيب من القمع الفكري.

نعود مرة أخرى ونؤكد أن السلطة التنفيذية هي المسؤولة أمام الشعب، وأن آل الصباح الكرام شرعية شعبية ودستورية، وأن سباق التطور والتقدم الذي يجري على قدم وساق ستتحمل مسؤوليته السلطة التنفيذية التي يمثلها آل الصباح الكرام، ولن يبحث المواطنون بعد عشرين عاما أو ثلاثين عن اسم عضو مجلس الأمة الذي عرقل مشروعا للسياحة أو للكتاب أو للاعلام أو لتكافؤ الفرص، أو لمنع الحديث عن الطائفة والمذهب، لكنه يُحَمّل آل الصباح الكرام تلك المسؤولية.اللعب بالحصانة البرلمانية يُعَطّل مُقدرات الوطن،والكويتيون في مشهدهم الحاضر محظوظون برئيس وزراء لو تركتْ القوى الأخرى له كل الحرية لتحول المشهد الكويتي إلى خلية نحل، وإلى حالة من الفخر تسري بين أفراده.


السلام عليكِ يا سلطنة عمان

 

أوسلو في 15 مارس 2007

في عالمنا العربي يتم اعتبار المؤتمرات والندوات وتوجيهات الرجل الأول كأنها حقائق خرجت للعلن، وظهرت نتائج تطبيقها حتى لو كانت على ورق لم يقرأه حفنة من الناس!

وفي سلطنة عمان لا يعترف السلطان قابوس بوعود المسؤول عن تحقيق توجيهاته السامية قبل أن تخرج للعلن، ويتم تطبيقها، وتفرز نتائجها.

في عالمنا العربي يتعامل المجتمع مع الأحلام كأنها حقائق، وفي سلطنة عمان يُنظر للحقائق على أنها أحلام تحققت.

يمكن لأي وزير أو مسؤول كبير أو محافظ أن يقف أمام زعيمه في العالم الثالث، ويرفع يده بالتحية قائلا: تمام يا أفندم، أي تم توجيه تعليمات الزعيم لمن بيدهم تطبيقها، حتى لو كان هذا كذبا وبهتانا وضحكا على الذقون وخداعا للنفس.

ويبتسم الزعيم، وتخرج مانشيتات الصحف تزركش، وتزين، وتزيف أوراق الوطن.

في سلطنة عمان لا تنطلي هذه اللعبة بين المسؤول والزعيم على السلطان قابوس بن سعيد.

عندما وقف السيد علي بن حمود البوسعيدي وزير شؤون ديوان البلاط السلطاني أمام الحضور في ندوة التنمية المستدامة لقطاع الزراعة وسوق العمل، لم يقل لهم بأن السلطان قابوس سيسعد بنتائج الندوة، لكنه عبر عن فكر زعيم هذه الدولة التي يمتد حلم قيادتها من منتصف عام سبعين إلى هذه اللحظة، فقال بأنها ستكون برنامج عمل لا يقبل إلا التنفيذ!

ليس لدى العمانيين وقت لالتقاط الأنفاس، فالنهضة المباركة تعتبر فكر القائد وفكرة الزمن توأمين. ليس هناك وقت للاحتفال النهائي بنجاح التجربة، حتى أهم عيدين وطنيين في يوليو ونوفمبر يتم استخلاصهما عنوة من وقت المسيرة ولفترة وجيزة، ثم يكمل العمانيون صناعة الزمن الجميل.

تلك هي كلمة السر في عبقرية النهضة العمانية.

مئات من الندوات التي لم تذهب أدراج الرياح، والمواطن العماني لا يتعلم فقط من مقاعد الدراسة أو تجارب الحياة، لكنه أمام دولة يتم تطبيق فكر قائدها في الادارة عبر شبكة رائعة من التواصل لا يخرج عنها أحد إلا أعادته إلى منظومتها المتكاملة.

إنهم مشغولون بالحفاظ على الموروث الاقتصادي، وبمحاربة التصحر، وبتعلم أصول الزراعة على أحدث الطرق والتقنيات، وحماية مصادر المياه من التلوث والملوحة، وتطبيق سياسة التعمين التي أطلقها السلطان قابوس بن سعيد فجعل أبناء شعبه يؤمنون بأن العمل شرف، وأن كل مهنة تحقق فائدة للفرد والمجتمع وعائدا ماديا هي في نطاق ذلك الشرف الوطني الذي يتجمع ويصنع ما نطلق عليه النهضة المباركة.

إنهم مشغولون بالحد من الرعي الجائر، والنهوض بالمراعي الطبيعية والتنمية المستدامة للثروة الحيوانية، وتحسين التركيبة المحصولية، وترشيد استخدام الموارد المائية، والحفاظ على التربية وحمايتها على المدى الطويل.

إنهم مشغولون بقضايا محلية داخلية، ويعتبرون أن دور السلطنة يكبر دوليا عندما يتقدم ويتطور البلد من الداخل.

 

إنهم مشغولون برصف الطرق وإنارتها، وإنشاء مراكز صحية وتأهيل مستشفيات بكافة التخصصات وجعلها في مستوى أرقى وأنظف وأحدث مستشفيات عالمية وتشهد بذلك منظمة الصحة العالمية.

إنهم مشغولون بايصال المياه النظيفة لكل شبر في سلطنة عمان، وباللحاق بركب الحضارة، وبمحاسبة أي مسؤول تأخر أو تردد في تنفيذ توجيهات سامية انعكست تطبيقا دقيقا.

إنهم مشغولون بكرامة الفرد، وبعالم التسامح غير الطائفي، وبالتدين الفطري الذي يجعل العبادة في كل ما يثمر تطورا وسعادة وتعمير الأرض.

العمانيون يصنعون قدرهم بتغيير ما بأنفسهم، فإذا تداركوا خطأ مشروع أو ثغرات في خطة خمسية أو استحالة تطبيق قواعد وبنود أي خطة عمل، فإنهم وبكل التواضع الجَمّ يراجعون أنفسهم.

لو تم اكتشاف بديل للطاقة وفقد النفط قيمته فإن سلطنة عمان هي الدولة الخليجية الأقل تضررا لأن البنية الأساسية في الزراعة والصناعة والتجارة والطرق التي تربط أنحاء البلاد ببعضها وصناعة المواطن غير المدلل ستكون حماية لهذا البلد.

عبقرية النهضة العمانية بدأت يوم أن اكتشف السلطان قابوس بن سعيد أن الاستثمار في الانسان العماني هو ثروة البلاد التي لا تنضب، وأن المواطن غير المدلل نفطيا هو القادر على تحمل تبعات التطور والتقدم.

المواطن الخائف لا يصنع حضارة، ولكن يصنعها من يشترك فيها ويضع بصمته على قدم المساواة مع كل مواطني بلده.

ومن هنا كان المدخل الذي عرف سِرّه السلطان قابوس بن سعيد منذ سبعة وثلاثين عاما، أي اشتراك المواطن في النهضة وتحمله نتائج النجاح والفشل، شريطة أن يتم تطبيق قواعدها وتوجيهاتها على الجميع بدون استثناء.

المنشآت الصناعية المتفرقة في أنحاء البلاد، والدخول في منافسة الدول السياحية، وصناعة الولاء من المواطن لوطنه، وتطوير الثروة الحيوانية والزراعية، وتوسعة رقعة التعليم، وعشرات غيرها جعلت هذا البلد الآمن أكثر أمنا وسلاما وثقة بمستقبل واعد، وأقل خوفا من اكتشاف بديل النفط، فالعودة للوراء مستحيلة في فكر السلطان قابوس بن سعيد.

والسلام عليكِ يا سلطنة عُمان.


مات .. يموت .. سيموت الرئيس! قراءة في حلم لم يتحقق

أوسلو في 4 سبتمبر 2007

سيبكيه القليلون، وسيفرح لرحيله الكثيرون.
أما أنا فلن أستطيع حبسَ دموع دافئة ستنزلق رغماً عني فوق وجهي، ليس لأنَّ عزرائيل قام أخيراً بزيارته دون أنْ يصطحب في طريقه سيدةَ مصر الأولى أو ابنَه الوريث أو الابن البكر الذي يملك أربعين مليار دولار من أموال شعب يذهب بعض تلاميذه إلى المدارس بدون طعام إفطار.
ولن أبكي لأن مصر أصبحت يتيمة بعد أقل قليلا من ثلاثة عقود كانت كأنها ثلاثة قرون سوداء تشبه ظلمات في بحر لُجّيٍ يغشاه موج.
لكنني سأبكي لأن أمنيتي لم تتحقق في أنْ أتابع وقائع محاكمة الطاغية وهو يطرق خجلا، ويتجنب عيون الحاضرين في قاعة المحكمة، ثم يجيب على أسئلة القاضي التي ربما تستغرق عدة شهور فجرائم مبارك منذ تولّيه السلطة تعجز عنها شياطين كل طغاة منطقتنا العربية.
تمنيت أن أسمعه يجيب على أسئلة عدالة المحكمة، والقاضي يسأله بصوت جهوري غاضب وحزين وغير مُصَدّق لِما يسمع:
ماذا فعلتَ في تقارير التعذيب التي كانت تصلك بالآلاف، وتتكدس على مكتبك، وتقرأ عن الذين قام رجالك باغتصابهم، وانتهاك حرماتهم، وادخال الورق المقوى أو العصا في مواضع العفة منهم؟
كيف كان شعورك عندما قرأت عن مواطنك المصري الذي آمنك الله على كرامته، فقرر ضباط أمنك لادخال البهجة إلى نفسك الحقيرة أن يجبروه على ارتداء ملابس نوم حريمي، ويخرج إلى الشارع أمام الجيران ورجال الحي وكل الذين كانوا يبجلونه ويوقرونه ويحترمونه، حتى أصيبت والدته بالشلل بعد هذا الحادث؟
كنت تعلم أن ابنك البكر يحصل على نسبة مئوية تصل أحيانا إلى خمسين بالمئة من مشروعات تبدو ناجحة قبل أن تتم الموافقة عليها، وإلا فلن يحصل أصحابها على موافقة الدولة. فكيف قمت باسكات ضميرك كل تلك السنوات على أم الجرائم؟
تعرف أن نفايات الحديد تحت الأرض الزراعية في محافظة البحيرة أدت إلى كوارث صحية في عهدك المشؤوم، فلماذا وافقت عليها؟
كنت تحمي يوسف والي بعدما قرأت مئات الوثائق الحيّة وغير القابلة للانكار عما قام به من تخريب للزراعة، واستيراد مواد مسرطنة، فقمت بنفسك بالتجديد له، والاحتفاظ به حتى تنتقم من أكبر عدد من مواطنيك، وكانت النتيجة الآن أن ثلث سكان بلدك أصيبوا بأمراض من مزروعات أرض السموم. ألم تفكر في التخفيف عن آلام شعبك؟
أكثر من ربع مليون مصري مروا على معتقلاتك، ومن شهرتها وقسوتها وسادية القائمين عليها ليُسعدوك، كنت تتسلم من أمريكا متهمين في قضايا تتعلق بالارهاب لانتزاع الاعترافات منهم، فرجالك أصبحوا أكثر شهرة من كل زبانية التعذيب في العالم. ألم تخجل مرة واحدة وأنت تقف أمام الله؟
قمت بتزييف كل الانتخابات والاستفتاءات، وكانت الصناديق الجديدة مُعَدّة سلفا بمعرفتك، ألم تخجل من مرآتك وأنت تنظر إلى وجهك كمزيف ومخادع وكاذب، حتى عندما وعدت شعبك بأن لا تجدد لولاية ثالثة، ففرضت عليهم الخامسة؟
ما هو دورك في اسقاط طائرة مصرية في سماء أمريكية بها 33 من خيرة خبراء مصر العسكريين؟
بعدما أرسل إليك صدام حسين جثث 4800 من مواطنيك المقيمين في العراق ، وكنت تعلم أنه تَمّتْ تصفيتهم بأوامر من طاغية بغداد، ثم طلبت تقريرا بعدما فاحت رائحة عفنة عن صمتك، فهل لك دور في تصفية المصريين، ودور فيما يحدث لهم في ليبيا بين الحين والآخر؟
كان لي صديق وهو قاض مثلي، ومستشار يحترمه ويقدّره كل جهاز العدالة. خرج مع زملائنا ممثلي السماء على الأرض للاحتجاج على ظلمك، فأوحيت لكلاب أمنك أن يُعَلّموه أن القضاء تحت حذاء السلطة التنفيذية، فركله الضابط بحذائه القذر على وجهه قائلا: أنت مستشار وابن كلب. طبعا الرسالة وصلتك، والحادث تم عرضه عليك من وزير الداخلية والصحافة ووكالات الأنباء، فماذا كان شعورك وقتها بعدما قام زبانيتك بتنفيذ أوامرك؟
كنت تكره المصريين كراهية شديدة، وتزدريهم، وتحتقرهم، وتتلذذ بسماع أخبار تعذيبهم، وقمت بمنح ثلاثة من ضباط التعذيب أوسمة ليفهم الجميع كمية البغضاء التي تحملها لشعبك. فمن أين أتيت بكل تلك القسوة والمرارة والحقد على شعب منحك رقابه، وأطاعك طاعة عمياء، وتمنى عليك أن تنصفه، فزادت كراهيتك له. ألم تكن لك روح من نفخة الله، ونفس قد تمر عليها أوقات تصبح سوية ووديعة، أم أن كل حياتك كانت طاعة للشياطين ، بل تحديا لابليس لعلك تكون أكثر منه عصيانا لله عز وجل؟
قمت بتخريب مصر سياسيا واجتماعيا ورياضيا واقتصاديا ، وقزّمت دورها، وعبثت في نفوس المصريين الطيبين فقفزتْ في عهدك على السطح سلوكيات مُشينة وفهلوة وبلطجة واستغلال، ولم تكن أنت بحجم أقل المصريين شأنا، فقمت بالانتقام منهم في أنظمة التعليم والثقافة واللغة، ورفضت القضاء على الأمية أو وضع مشروع قومي للقضاء على البلهارسيا، فهل كراهيتك للثقافة والفنون والآداب والكِتاب هي التي جعلتك تحاول ما وسعك الجهد جعل مصر تتراجع في كل تلك المجالات؟

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، ونقطة ماء من بحر واسع لو كان مدادا لنفد قبل أن يكتب القاضي جرائم الطاغية محمد حسني مبارك.
عندما يموت الرئيس، وكل زعيم ذائق الموت، فستكون دموعي غزيرة على محكمة لم تُعقد ليشهد كل الذين صمتوا، أو برروا جرائمه، أو امتدحوا في ظلمه كأنه عدل، أن مصر العظيمة كانت كلها في قبضة حكم شيطاني لا يعرف الرحمة...
ستبقى دمعتان على وجهي تشير الأولى إلى عجز كل القوى الوطنية والمعارضة والمستنيرة والعاشقة لمصر والمثقفة وأساتذة الجامعات والكُتّاب والاعلاميين والنقابيين والفنانين وغيرهم عن التوحد حول فكرة حب الوطن، وحول التعجيل في تحرير مصر من طاغيتها، فظلتْ أم الدنيا تتوجع وتصرخ وتستصرخ فلذات كبدها وأرضها الطاهرة.
والدمعة الثانية على عجز كل القوى الدينية الاسلامية والمسيحية التي تقف أمام الله، عز وجل، في مساجد وكنائس مصر، وتقرأ عن مناهضة الشر والطغيان والاستبداد وممثلي الشيطان، ثم لا تفهم أن صمتها كان انحيازا لكلمات لابليس، ومناهضة لروح الله، ومعصية لأوامر الخالق، ونقصا في العبادة، وتجميعا لسيئات ستحسب على كل رجال الدين المسلمين والأقباط يوم يقفون أمام الله فيسألهم عن صمتهم أمام جرائم الطاغية حسني مبارك.

تلك هي خلجاتي، وأنا لا أعرف إن كان عزرائيل قد قام فعلا بزيارة الرئيس حسني مبارك، أم ينتظر قريبا من فراشه، أم أن صعود روح الرئيس مؤجلة إلى أجل قريب أو بعيد!
نشرت منذ عدة سنوات مقالا تحت عنوان ( وقائع محاكمة الرئيس حسني مبارك) واكتشفت أنها لم تكن أمنيتي فقط، إنما عبّرْت في المقال المحاكمة عن تمنيات الملايين من الصامتين أو المضطرين إلى الصمت ، ولو قام انقلاب عسكري مصري خالص ووطني ليس لأي من قياداته علاقة بقوىَ خارجية فسأرقص في شوارع أوسلو ولو غطّاها جليد كثيف، وهبطت برودتها إلى ثلاثين تحت الصفر.
سأكون أول من يبعث تهنئة إلى البطل المنتظر .. قائد الانقلاب العسكري فقد أنتظرته طويلا .. طويلا .


أصل الحكاية ما تضحكش

أوسلو في 2 سبتمبر 2007

لأول مرة في التاريخ المصري يقف الشعبُ استعداداً لزيارة سرادق ضخم بطول الوطن السجن وعرضه، لكنه لا يعرف إنْ كان سيتلقى العزاءَ، أم سيُقَدّم العزاءَ أم أنَّ المصريين سَيُسَلّمون رقابَهم للمالك الجديد، والمستبد الشاب، والوارث رغم أنف كل منّا، والمدعوم من الغرب وأمريكا؟
كل القوى الوطنية أعطت اشارة البدء لابن الرئيس أنَّ أقفيتنا تَمَّتّْ تعريتُها، وأننا مستعدون لربع قرن قادم من المهانة والذُل والاستكانة، وأنَّ المطلوب لحفظ ماء الوجه أنَّ يغض الطرفَ عن غضبة زائفة لنا، وأننا سنرفض التوريث في عدة مظاهرات على استحياء، وبعض العناوين الصارخة لمانشيتات الصحف التي لم تطالبها إدارة التوزيع في ( الأهرام ) بالمستحقات عليها .
لهذا رفضت كل القوى الوطنية دعوتي للعصيان المدني في 2 مايو 2005 حتى أن معظم القيادات أسكتتها بالصمت والاهمال وعدم الاشارة لها.
ثم جاءت الدعوة للانتفاضة الشعبية المصرية في 23 يوليو 2006 والتي وصلت إلى كل القوى المعارضة في مناقشات ودعوات ورسائل استمرت عدة أشهر، وخاصة في مندرة ( كفاية )، لكن من قال بأن الوطنيين في مصر يريدون تغيير النظام؟
فجأة قال النائب المعارض حمدين صباحي بأنه سيدعو وحزبه للعصيان المدني، واختار 23 يوليو 2007، وحتى يتم احتساب موقف، ولا تعترض السلطة، وينسب كل معارض لنفسه فكرة الدعوة للعصيان المدني ، قيل بأن على المصريين أن يلتزموا بيوتهم في ذلك اليوم المشهود!
ونزل الخبرُ على الطاغية بَرْداً وسلاما، فالمصريون سيجلسون في بيوتهم لعدة ساعات، ولا مانع أن ترتفع أسهم المعارضة في أنها صاحبة الدعوة للعصيان المدني.
أما التمرد الحقيقي، ورفض السلطة، والدعوة بكل الطرق في صحف يقرأها ملايين من المصريين فهي خطوط حمراء من يتجاوزها فهناك زنزانات مجاورة للدكتورأيمن تنتظر من يرفع عينيه أمام الطاغية.
مشكلتنا في مصر كما كتبتُ مرات كثيرة أن المصريين يعتقدون بأنها ليست بلدهم، وأن الرئيس ليس موظفا كبيرا يحصل على أجره في مقابل عمل إداري كبير يشمل الوطن كله، لكنه من نسل فرعون يطلب من هامان أن يبني له صرحا لعله يطلع إلى إلَه موسى.
مشكلتنا ذلك التوجس والريبة والخوف والشك الذي يحمله المصري للمصري فيظن أنه سيقوم بتسليم رقبته إلى سيّاف القصر، فجعلنا الطاغيةُ عيوناً له بدلا من أن تكون عيوننا مصَوّبة نحوه لئلا ينحرف أو يسرق أو ينهب أو يفسد.
مشكلتنا في مصر هي القدرة الشديدة على التبرير، فإن كنت اسلاميا فطاعة ولي الأمر واجبة حتى لو كان طاغية وشيطانا وابن ستين ألف كلب.
وإن كنت معارضا ومسالما فأنت لا تتعجل التغيير، وأكثر من ربع قرن من المهانة والتخريب والتدمير والأصفار يمكن أن تمتد لمثله خشية احداث فوضى في البلاد.
وإن كنت من الأغلبية الصامتة فعليك أن تلوذ بغرفتك، وتغرق وسادتك بدموع الحزن ، وتصرخ صرخات مكتومة لا يصل صداها لسيد القصر.
مشكلتنا أن بعبع العراق يلوّح بها مساندو الطاغية، ويزيّفون الحقائق، ويَدّعون خوفَهم على أم الدنيا، لكن الحقيقة أن عرقنة مصر ( لا قدر الله) هي في استمرار أسرة مبارك، الأب والابن والحفيد والسيدة الأولى .
مشكلتنا أننا لا نميّز بين النكتة والعزاء، ولا نعرف الفارق بين ابن الحلال وابن الحرام، وأننا نضحك في جنازة وطن، وأننا لا نعرف العدو من الصديق.
مشكلتنا أن المصريين أصبحوا كلهم فلاسفة ومحلليين ومدوّنين وإنترنتيين وأعضاء في منتديات ومواقع وخبراء في معرفة كل الشؤون والشجون.
مشكلتنا أن الكلمة أضحت عبثا، وأننا نساوي بين الجاهل والعالم، وبين المثقف والأمي، وبين التاجر والفهلوي، وبين المنبر والمقهى، وبين وجه القاضي وجزمة ضابط الأمن.
مشكلتنا في مصر تلك الكراهية التي صنعها النظام الفاشي والنازي والعنصري والحاقد والعفن والنتن والارهابي للطاغية مبارك، فبدلا من أن نوّجه كراهيتنا إليه وإلى أسرته، أصبجنا نتنازع، ونتنابز، ثم نتسابق في مزاد الوطنية، فالمصري لم يعد قادرا على أن يجد مبرراً لخطأ أخيه المواطن، ولكنه يجد سبعين تبريرا لولاد الكلب.
مشكلتنا أن من يقرأ للآخر يبحث بين ثنايا كلماته عن ثغرات فيثب عليه كما يثب جمال مبارك على ظهورنا بأمر المترجل الأب .
يلهب هذا الطاغية أقفيتنا بلسعات سوط تفلق الصخرة الصماء، فإذا قام فينا من يقوم بالتنبيه يصبح خَصَْمَنا الذي يهيننا .
مشكلتنا في مصر أننا لازلنا نضحك، ونرقص، ونشاهد أكروبات، ونكتب عن كل شيء ما عدا الزلزال الذي يضرب وطننا منذ ربع قرن.
مشكلتنا في مصر أن كل مصري يعرف أن كل مصري آخر يعرف، لذا لم يعد هناك داع للحديث والكتابة واطلاق صفارات الانذار، والحديث عن موعد الإعصار أو الطوفان أو الوباء ، فنحن لا نعرف أن ( الحكاية ما تضحكش ) .
ملايين ينتظرون انتقال الروح من مبارك الأب إلى مبارك الابن، وكل مصري لديه سيناريو لانتقال رقبته من سلسلة يمسك طرفها الرئيس المحتضر إلى سلسلة جديدة سيربطها في أعناقنا باحكام الرئيس الشاب القادم.
مشكلتنا في مصر أن المصري يضحك لدى سماعه النحيب والصراخ ولعنات ربّات البيوت والعاطلين عن العمل والمعذَّبين والمغتصَبين والسجناء الأبرياء والمرضى والملوثة أكبادهم ورئاتهم ودماؤهم.
مشكلتنا في مصر أن الدين والسياسة والثقافة والانترنيت والمدارس والجامعات والنوادي والسينما والمسرح والفنون كلها أصبحت في خدمة التخدير والتغييب الجماعي .
مشكلتنا تلك الكمية الهائلة من الغرور بالمعرفة الذي نفَخَنا جميعا فلم نعد نشاهد اللصوص يتقاسمون بلدنا، والطاغية يقرأ علينا صباح كل يوم وثيقة الاستعباد والاستحمار .
مشكلتنا في ذاكرتنا التي لا تستطع أن تُشحن النفس بالغضب لأكثر من ثلاث دقائق، ثم نستلقي من الضحك على المشهد الذي أمامنا، حتى لو كانت الحكاية ما تضحكش!

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج
http://taeralshmal.jeeran.com
http://www.taeralshmal.com
Taeralshmal@hotmail.com
http://Againstmoubarak.jeeran.com
http://blogs.albawaba.com/taeralshmal


 
A service provided by Al Bawaba