مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com

سفير الكويت لدى سلطنة عمان .. الضيف هو المضيف

 

أوسلو في 5 يوليو 2007

أصحابُ أيّ مهنة يعتبرونها حِكراً عليهم فقط، فالطبيبُ الذي يتقدم بطلب لنقابة الموسيقيين ينظرون إليه برَيّبة، والفنان الذي يفتح مكتبا للمحاماة يفتح باباً للثرثرة عنه في نقابة المحامين.

أما السلك الدبلوماسي لأيّ دولة فيحيطه أصحابه بسورٍ عالٍ لا يتسلقه إلا مَنْ تدرّج في الدبلوماسية، ويعتبرون من يعمل معهم من خارج وزارة الخارجية غريبا ومطلوب منه أن يقوم بحل ألغاز المهنة.

ولكن المفاجأة أن القادم من خارج الخارجية قد يملك رؤيةً واسعة، وقدرة عجيبة على التحرك خارج وداخل النطاق الدبلوماسي لتحقيق أكبر مصلحة لبلده.

هكذا كان الفريق أول سعد الدين الشاذلي عندما قام الرئيس السادات بتعيينه سفيرا لمصر في لشبونة فأثبت قدرة فائقة في العمل الدبلوماسي والوطني ( مع تحفظنا لاحقا على موقفه المناصر لطاغية بغداد).

الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح يمثل ظاهرةً تستحق أن نقف عندها طويلا، متأملين قدرته على انجاز أي عمل تعْهَد له به الدولة كأنه متفرّغ لزمن طويل، أو باختصار كأن هذا عملُه الوحيد.

سنوات طويلة وهو مدير إدارة المراسم والاستقبال، والساعد الأيمن لسمو الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، والرجل الذي كان الأمير الوالد يثق به كأنه ابنه وكاتمُ أسرارِه.

في العيد الوطني الأربعين وعيد التحرير العاشر كان الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح العقلَ المحرّك للاحتفال، والجندي المجهول وراء نجاح الحفل والاستعراض واستقبال الضيوف وكان يطّلع على كل ورقة صغيرة أو كبيرة أو اعلان ليضعها في موضعها الصحيح.

قاريء نهم، ومتابع جيد لأحداث الوطن الصغير والمنطقة، ومضيف يخجلك تواضُعه الجَمّ، وإذا دعاك فلن يجالسك إلا قليلا لأنه يرى أن مهمته تنحصر في خدمتك ما دمتَ ضيفَه.

ابن بارٌ للكويت، لكنه أيضا موضع ثقة من كل كبار آل الصباح الكرام، فهو لم يكن في يوم من الأيام في حيرة بين طرفين، لكنه ينتظر الأمر من أمير البلاد لكي يخدم فيما طُلب إليه أن يقوم به.

ولكن أليس العمل لسنوات طويلة مديرا لادارة المراسم والتشريفات والاستقبال والبروتوكول هو في حد ذاته دبلوماسية على يمين ولي العهد رئيس مجلس الوزراء آنئذ؟

هل يمكن أن يكون السفير ممثلا للضيف والمضيف بنفس القَدْر؟

سفير الكويت لدى سلطنة عُمان هو سفير للبلدين معا، ويمثل الشيخ صباح والسلطان قابوس كأنه يتلقى التوجيهات من الزعيمين في نفس الوقت.

في عهده تحوّلت سفارة الكويت في مسقط إلى خلية نخل، ونشاطات البعثة الدبلوماسية فخرٌ للديرة، والشيخ فيصل يملك قدرة عجيبة على استخراج طاقة أي موظف لديه في حدّها الأقصى.

متابع جيد للساحة العُمانية، وهو لم يعد همزة الوصل بين البلدين، إنما جسر التواصل بين العُمانيين والكويتيين.

يكتب مقالات عن سلطنة عمان، ويحلل الفكر العبقري للسلطان قابوس بن سعيد، ويعقد صداقات مع عدد هائل من المسؤولين العُمانيين والمثقفين والاعلاميين، وإذا زاره مسؤولون كويتيون اعتبر أن واجبه دعوة نظرائهم العُمانيين وتسهيل العمل المشترك.

في السفارة الكويتية هناك ديوانية بيت الكويت تنقلك وأنت في مكانك لا تبرحه إلى كل مكان تريد أن تذهب إليه، فالسفير يحدثك في الفن والشعر العامي والعمل الدبلوماسي والحروب والسياسة الخليجية، ويمزح لكسر جليد الخجل لدى الضيف، وإذا تحدث فهو يملك القدرة

على الدخول إلى اللغة الدبلوماسية أو الخروج منها وِفقا لطبيعة الضيف.

منذ أن تولى تمثيل أمير الكويت لدى سلطنة عُمان تمكّن من جعل البلدين كأنهما في حالة وَحْدَة دون الاعلان عنها.

متحدث لبق بصوت يرتفع وينخفض مع كل جملة فلا تشعر إلا بالألفة لحديثه، ويشد انتباهك ولو اختلفت معه.

هل الوحدة بين بلدين هي اتفاقية مكتوبة؟

من يتابع نشاطات الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح يخرج بانطباع آخر، وهي أن الوحدة لها صورة أخرى يقوم السفير بصنعها دون حاجة لاتفاقات وعهود ووعود، بل يتحرك مواطنو البلدين من وإلى الأخرى كأنهم فعلا في حالة وحدة.

القيادة الكويتية ممثلة بأمير البلاد وولي العهد الأمين ورئيس مجلس الوزراء تقدر ما قام به سفير الكويت لدى سلطنة عمان.

أحسب أن الشيخ الدكتور محمد صباح السالم الصباح يتابع بفخر واعتزاز ما قام به الشيخ فيصل في مسقط.

الدبلوماسية ليست دروسا صَمّاء، ولا قواعد للسير في الطريق، ولا دليلا للبعثات الدبلوماسية، ولا هي حفلات واستقبالات.

إنها مبادرات شخصية أيضا، وأذكر أنه قبيل وصول الوفد الشعبي الكويتي في 15 ديسمبر 1990 لأوسلو سألتُ سفيرَ مصر أن يقوم معي باستقبال الوفد، لكنه تردد، ثم تراجع خائفاً من المسؤولية. وجاء القنصل العام ( السفير سليمان عوّاد المتحدث باسم رئيس الجمهورية حاليا )، وأقنع السفيرَ بأن قضية الكويت هي قضية كل الأحرار، وأنها أيضا قضية مصرية، فأقتنع السفيرُ واستقبل الوفدَ الشعبي الكويتي برئاسة الشيخ سلمان دعيج الصباح.

وزارة الخارجية الكويتية محظوظة بعدد هائل من السفراء والدبلوماسيين الذين كانوا ولا يزالون يمثلون خَطّ الدفاع الثاني عن الوطن.

الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح قام بتوحيد الكويت وسلطنة عمان دون الدخول في مفاهيم وشروحات ومعاني الوحدة بين بلدين.

لوزارة الخارجية الكويتية أن تفخر بسفيرها في مسقط،ولكن من حق آل الصباح أيضا أن يفخروا بابنهم في سلطنة عمان، ومن يريد أن يرى بنفسه فعليه بزيارة جنة الخليج .. سلطنة عمان، وأن يقوم بزيارة ديوانية الكويت داخل البعثة الدبلوماسية، ويطلع على مقالات ونشاطات وما قام به الشيخ فيصل، وهنيئا للبلدين بسفير واحد.


لماذا لا يكترث حكام الخليج لخطر التواجد الآسيوي؟

أوسلو في 5 يوليو 2007

في خلال فترة الاحتلال العراقي الآثم لدولة الكويت نشرتْ لي صحيفة ( الشرق ) القطرية مقالات كثيرة، وثلاثة لقاءات مع كل من نيلسون مانديلا وأمين الجميل وشل ماجنا بوندفيك وزير الخارجية النرويجية آنئذ ( رئيس الوزراء لاحقا )، لكنها امتنعت عن نشر مقالين يتيمين لأنهما تجاوزا الخطوط الحمراء:

أما الأول فكان حوار بين سمكتين في قاع البحر، والثاني كان ( هل تتحدث اللغة الآسيوية ؟ ) .

أتفهم تماما متعة جلب العمالة الرخيصة، ومكاتب استقدام هؤلاء المساكين التي يملكها أناس وصفهم أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بأن لا رحمة في قلوبهم، تعمل أكثرها كما كانت سفن القراصنة البيض تجوب سواحل أفريقيا، مع الفارق أن المكتب ليس لديه أسطول بحري.

وأتفهم أيضا حاجة هؤلاء المساكين لأي عمل ولو كان مقابل مبلغ زهيد يخجل أي مواطن خليجي أن يعطيه لابنه الصغير كمصروف جيب أو شراء لعبة بلاي ستيشين تو!

ولكن ماحدث في السنوات الثلاثين المنصرمة تجاوز مرحلة الاقتراب من الخطر إلى مرحلة ما قبل الانفجار.

إنهم ملايين يتحدثون، ويأكلون، ويشربون، كأنهم لم ينتقلوا من بلادهم قيد شعرة، بل لقد تمكنوا من اجبار السكان الأصليين أن يتحدثوا مثلهم، وأن يضطر الخليجي، خريج جامعة هارفارد أو متروبوليتان، لكسر قواعد اللغة، واعادة تركيب الجملة الانجليزية ليصبح الخطأ هو الشائع نزولا عند رغبات السائقين وعمال المنازل.

الحضارة ذوق وتمدن وانسجام بين الجديد وبين أصالة الأرض وتراث الشعب وتقاليد ثرية ينبغي المحافظة عليها، ولكن الذي يحدث في خليجنا العربي هو بكل بساطة أسيوة الطعام والشراب والذوق وبهرجة الألوان والملابس النسائية، بل أصبح الدخول إلى محل والحديث باللغة العربية كأنك ترتكب جريمة اهانة صاحب المحل.

يحتاج هؤلاء الملايين إلى المشاركة في كل شيء، وهو حق طبيعي، فهم شركاء في الماء والكهرباء واستخدام الحمامات وايجاد نظام صرف صحي للتخلص من مليارات الليترات المكعبة من فضلات الملايين.

ويعمل أحيانا عشرون أو ثلاثون آسيويا في مكان لا يزيد عن مئتي متر مربع لتنظيفه وغسل أرضيته وتلميع زجاجه.

والآسيوي يقاطع ابن البلد، فلا يتحدث لغته، ولا يقرأ لكاتبيه، ولا يعرف أسماء الصحف والمجلات والدوريات. ولا يشارك في أي مظهر من مظاهر الحياة باستثناء العيد الوطني وأغلب الظن أن أكثرهم يعرفون اسم زعيم البلد التي يقيمون فيها.

والآسيوي يمارس العصيان المدني السلبي احتجاجا على الأجور المتدنية، فهو يعمل كالسلحفاة، ويتحرك كمريض في أيامه الأخيرة.

والآسيوي يستورد أرخص البضائع وأشدها رداءة، وأكثرها لا يناسب المستهلك الخليجي، فيجذب إليه أبناء الجاليات الأخرى الباحثة عن الأشياء والبضائع الأقل سعرا وجودة، فيدور رأس المال بعيدا عن متناول أيدي أبناء الخليج أنفسهم، فإذا كان نظام الضرائب متأخرا، ولا يمنح خزينة الدولة ما تحتاجه بحكم أن الذهب الأسود قادر على التعويض، تكون النتيجة في صالح الخسارة القومية.

في البيت تحل الخادمة الآسيوية محل ربة الدار، وتقوم بتربية الطفل والسهر على اعوجاج لسانه ليصبح أعجميا خليجيا.

ويكبر الطفل، وتتدرب معدته لسنين عددا على الطعام الآسيوي، والذوق، واللون، والبهارات، والروائح رغم أن أصول التربية الصحيحة تبدأ برائحة الأم، وتنتهي بها قبل النوم.

والآسيوي العازب المحروم جنسيا يستطيع أن يفرغ شحناته حيث لا يعرف أبناء البلد عن عذابات الحرمان الجنسي لملايين منهم تتحرك أجسادهم كسعار من الحرمان يمتد بطول البلد المضيف وعرضه.

بعض الفتيات الآسيويات اللائي لا يجدن عملا، أو يهربن من مخدومهن، ينتهي بهن الأمر إلى بيوت دعارة مغلقة في أحياء آسيوية، يفرغ فيها الوافد طاقته الجنسية، وتنتقل إليه بعض الأمراض التناسلية.

الدول الآسيوية التي لها جاليات ضخمة في خليجنا العربي ليست ساذجة، فهي تعرف أن أبناءها عيونها، وأن مئات الآلاف من الشباب المدرب عسكريا قادر في أي اضطرابات أو طرد جماعي أن يحتل أي مدينة خليجية في أربع وعشرين ساعة.

القضية الأخطر هنا هي أن المسؤولين عن التخطيط في خليجنا العربي لم يتنبهوا بعد إلى أن الوضع كارثي، بل ربما تنبهوا، ثم صمتوا خوفا من الكبير الذي يأتمر برغبات الأكبر.

سلطنة عمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تسير بخطوات محسوبة وذكية في التعمين، ويحتل العمانيون في هدوء ودون أي ضجة مفتعلة تثير الآخرين الأعمال والمهن التي كانت حكرا على التواجد الآسيوي الكثيف.

ضاعت كل الصرخات والصيحات في الهواء، واختفت في أدراج كبار المسؤولين نصائح وارشادات ودراسات قيّمة قام بها أكاديميون ومثقفون خليجيون، وكلها تشير إلى الاقتراب من مرحلة الطوفان الآسيوي.

أبناءُ الخليج سعداء بالسذاجة الظاهرة والأميّة وقبول أحط الأعمال بأدنى الأجور، هذا فضلا عن تاجر البندقية الذي لو عاش وليم شكسبير في عصرنا لجعله صاحب مكتب استقدام العمالة الآسيوية.

بعض أبناء الخليج فرحون بالتحدث بالانجليزية، لكنها للحق لغة ثالثة ليس لها أي صلة بتلك التي نعرفها أو حتى الآسيوية التي لا نعرفها.

في أوروبا يعمل المواطنُ في كل شيء، بل تقوم ربة البيت أحيانا بأعمال النجارة والسباكة في بيتها، ويدهن الرجل ولو كان وزيرا أو مدير شركة بترول أبواب داره، ويقوم بتنظيف زجاج النوافذ ويغسل سيارته بنفسه.

مشهد قبيح رأيته عشرات المرات وهو لخادمة آسيوية تحمل طفلا رضيعا وتسير خلف أمّه، ولا تعرف ربة البيت أن الأمومة تختل عندما ينفصل الطفل في مرحلة الطفولة عن هذا الجسد الدافيء الذي يمنحه الأمن والأمان، وتتسلل إلى أنفه الصغير رائحة الأم التي ستظل معه إلى آخر يوم في عمره، يستمد قوته منها، ويتذكر طفولته من خلال حُضْن لا يمكن استبداله.

التركيبة السكانية اختلت تماما، والخطر يعرف تفاصيله المسؤولُ والمواطنُ معا، والمستقبلُ أمانة في عنق أبناء الخليج بقدر متساوٍ.

كتبت مرات عديدة، ونشرت تحذيرات انطلاقا من محبتي لهذا الجزء العزيز على نفسي من وطني العربي الكبير، لكن حالة الصمت رانت على أصحاب القرار كأن أسيوّة الخليج قَدَرٌ لا مفر منه، وأن كل الانجازات والمكتسبات ستنتهي إنْ عاجلا أو آجلا إلى أيدي وافدين آسيويين قاطعوا السكانَ الأصليين من لحظة قدومهم.



محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج
http://taeralshmal.jeeran.com
http://www.taeralshmal.com
Taeralshmal@hotmail.com
http://Againstmoubarak.jeeran.com
http://blogs.albawaba.com/taeralshmal


حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية

 

حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية
أوسلو في 5 يوليو 2007

كانت السوق مزدحمةً لا ترى فيها إلا من نساء وفتيات منقبات، وبعضهن يمسكن في أيديهن أطفالا صغاراً، إنْ أفلتْ طفلٌ من يد أمه ثم بحث عنها فقد تمتد لحظاتُ الرعب والخوف وقتا طويلا حتى تسمع أمُّه صراخَه.

خرجت إحداهن مسرعة من أحد محلات بيع الذهب والبائع المسكين ينادي بأعلى صوته، لكنها اختفت في الزحام، ولا يعرف البائع إنْ أبلغ الشرطةَ أكثر من وصف دقيق لنبرات صوتها، ثم وصف أدق لكُحل عينيها!

بعد دقائق اصطدمتْ في الزحام بمنقبة أخرى يبدو أنها سيدة، فاعتذرت السيدةُ بأدب جَمّ، ثم دار بينهما الحوار التالي:

المنقبة الأولى ( السيدة ): الزحام شديد هذا اليوم، وحرارة الشمس تخترق ملابسَنا السوداء القاتمة فتلهب الجسد، ويتصبب العرق كأن المطر يهطل في قيظ الصيف الحارق.
المنقبة الثانية(الفتاة):الحمد لله على نعمته في كل الأحوال. هل تقيمين بالقرب من هذا السوق؟
الأولى: لا، ولكن السائق الهندي ينتظرني في الجانب الأيمن من الساحة الكبيرة، وهو كما تعلمين لن يتعرف عليّ وسط هذا الحشد من النساء المنقبات، والبعض ترتدي الخمار فلا يميزها عن الأخريات خبيرٌ في الرائحة ونوعية الأقمشة وطريقة مشيتها.
الثانية: آه، كم هو رائع هذا النقاب والخمار، فغباء الرجال الذكور في مزايدة حراسة العفة قد أتاحت لنا ما لم يتحه سفورُ الوجه ولو في أكثر المجتمعات تحررا!
إنني أستطيع أن أسرق، ثم انطلق هاربةً دون أن تستطيع أي جهة التعرف علي بعدما يتيه جسدي المغطى سوادا مع أجساد الآخريات.
الأولى: أختلف معك، أختي الكريمة، فأنا أرتدي النقاب نزولا على رغبة زوجي، ومن تطع زوجها فقد أطاعت الله!
الثانية: أما أنا فأرتديه لأنه يمنحني الحرية في أن أفعل ما أشاء، بل يظن الرجال أن نقابي هو حزام عفة.
الأولى: أما أنا فعفيفة في أخلاقي، ولا أسرق، ولا أرتكب المحرمات، لكنني أقوم بتأدية دوري في المجتمع كحالة سلبية انسحبت منه، لا يراني أحدٌ، تماما كالتي تنظر من نافذة بيتها على المارة فلا تشارك الآخرين خشية أن ينظر أحدهم إلى وجهي فيفتنه في دينه!
الثانية: أنت طيبة، ومسلمة ساذجة تطيع ذكور قومها كما يطيع الرعاعُ سوّطَ الجلادِ، وأوامرَ الزعيمِ، ورغبات ربّ البيت مهما كانت مخالفتها لكتاب الله العزيز!
هل تصافحين ابن عمك إن التقيتما مصادفة في الطريق، أو اضطرتك ظروف لطلب مساعدة؟
ضحكت الأولى فبدا بريق عينيها يوشي بضحكة بريئة جميلة لم يرها من ذكور القوم من قبلُ إلا أفرادُ أسرتها وزوجها، ثم قالت وكأنها تتهكم على نفسها:إنَّ ابن عمي لم ير وجهي منذ أن كنا طفلين يلعبان في فناء بيتنا القديم. لقد عاد من أمريكا بعدما قضى عدة سنوات، وفي اليوم الثالث لوصوله تعرض لحادث سيارة أليم فتم نقله إلى المستشفى وهو في حالة خطرة، وقمت بزيارته مع والدته، لكن لم ير وجهي!
الثانية:ولكنه ابن عمك، وعلى فراش الموت تقريبا، فكيف يستقيم حوار بينكما وهو لا يعرفك، وحتى صوتك تغير منذ طفولتك؟
الأولى: إن ذكور قومنا الفقهاء والعلماء يقولون بأن كشف الوجه حرام، وأن الله تعالى، مالك المُلك، سيغضب مني لو شاهد ابن عمي وجهي!
الثانية: وهل صحيح أنك تصدقين هذا الهراء وتلك الخرافات والخزعبلات؟ هل الله الذي خلقنا شعوبا وقبائل لنتعرف سيصبّ غضبه على من يلبي نداءه؟
الأولى: إن ذكور قومنا يقولون بأن الوجه عورة وفتنة، وأنا جميلة رغم مرور عدة سنوات على زواجي، ولو رأى ابنُ عمي وجهي فسيثار جنسيا ولو كان كل جسده حطاما عاجزا عن الحركة!
الثانية: الحقيقة أن هذا المرض الذي يظنه ذكور قومنا حراسة للعفة والفضيلة قد جعلني أفعل ما أشاء وقتما أريد.
أول أمس ذهبت مع صديق أخي الأكبر إلى بيته، ولم يكن هناك أحد في البيت. ومررنا أمام سكان الحي من رجال ملتحين يحرسون الفضيلة في يقظتهم ومنامهم. قاموا بالقاء التحية عليه، ولعلهم ظنوا أنني شقيقته الصغرى.
قضينا وقتا ممتعا وكان الشيطان ثالثنا ورابعنا وعاشرنا.

الأولى: إنك داهية في صورة فتاة. وفتنة داخل أقمشة سوداء. ولا أريد أن اذكر الوصف الأدق خشية غضبك، فهو لا يليق بك!
الثانية:إنني لم أفعل أكثر من الاستجابة لدعوة الفقهاء والعلماء والسلطة والحمقى والبلهاء والساذجين والمزايدين والصامتين والجاهلين بأن نتدثر، ونختبيء، ونتخفى، بالنفاق، ونغض الطرفَ عن جرائم لا حصر لها ما دامت تحدُثّ بعيداً عن الأعين.
سأُمرر لأذنيك سراً احتفظت به طويلا وهو عن صديقة عزيزة إلىَ قلبي، لكنها لعوبٌ تستطيع أن تفتن الشيطان نفسه لو تجسد في صورة رجل.
لقد قضتْ صديقتي ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ في أحضان شاب، وفي منزل الأسرة الكريمة الفاضلة. كانت لديها غرفة في الطابق الثاني، وأقنعت والدها بأن صديقتها تحتاج إليها للخروج من مشاكل عائلية خاصة، لكنها فاضلة ولا تتحدث مع الرجال، وتؤمن أن صوت المرأة عورة.
إننا، سيدتي الفاضلة، منافقون حتى النخاع، وساذجون حتى الحماقة، وبلهاء إلى أعلى درجات العته.
إن حُرّاس الفضيلة الذين يؤكدون لنا في كل ساعة من ساعات الليل والنهار أن المرأة من ضلع أعوج، وأنها شيطان في البيت، وأنها أكثر أهل النار، وأن كل ما فيها عورة هم الذين يحرسون آثامنا وذنوبنا، ويقفون على أبواب الرذيلة ريثما ننتهي من ممارستها.
الأولى: أما أنا فتقوى الله في قلبي، ولا أخون زوجي ولو في خيالي لبضع ثوان، وأحرص على بيتي حرصي على إيماني، لكنني، كما ذكرت لك، اخترت طريق الطاعة العمياء، وانسحبتُ تماما من دوري كالنصف الآخر من المجتمع واختبأت داخل هذه القطعة من القماش السوداء، تتحرك كما يُراد لها خشية أن يكون ذكور القوم على حق فيتقلب وجهي على جمرات السعير يوم لا ينفع مال ولا بنون.
الثانية: كلنا ضحايا هذا الفهم السقيم والهوس الجنسي الذي أصاب ذكور قومنا.
الأولى: أتفق معك تماما، فطالما تمنيت أن أمارس حقي في الحياة الحُرة الطبيعية، وتَبْينُ مشاعري على وجهي، ويرى الآخرون غضبي، وحلمي، واحمرارةَ الخجل، واصفرارةَ المرض، ومشاعرَ الكراهية، واشاراتِ المحبةِ، وايماءاتِ الموافقة، وتعبيرات الاحتقار.
إنه ليس حقي بمفردي أنْ أخفي وجهي أو أبديه، لكنه حق للآخرين أن يتعرفوا على من يتحدث معهم، وأن يستخلصوا قناعاتهم من الوجه المكمل للحديث، في البيع والشراء والمدرسة والمستشفى والشارع والسوق والأهم علاقات العائلة الكبيرة لتستقيم الحياة بعيدا عن مرض الشك والوسوسة.
إنَّ عفتي كانت ستستمر لو كنتُ كاشفةً لوجهي، أما أنتِ فربما كان هناك من سيلجمك عن الخطيئة لو كنتِ سافرةَ الوجه.
الثانية: أحيانا يذهب بي الشك مبلغ اليقين في أن الرجل قد جاهد طويلا في اقناع المرأة باخفاء وجهها ليخفي هو آثامه وموبقاته.
منذ فترة قصيرة لمحتُ أحدَهم وهو يسير بجانب فتاتين ترتديان الخمار، وعلى مقربة منه كان هناك رجل يسير خلفهما، وعرفتُ على الفور أنه صديقه. كنت أعلم أن زوجة الرجل سافرت قبل ذلك بأسبوع إلى بلد أهلها لأسباب عائلية . لم أكن بحاجة لإعمال الفكر أكثر من دقيقتين لمعرفة السيناريو القادم لرجلين وفتاتين.
إن تغطية وجه المرأة يتعارض مع روح الإسلام، ويتناقض مع تعاليمه السمحاء، ويصطدم بالفهم السامي والرائع والحقيقي والصحي والعقلاني لصورة التقوى والإيمان بأن الله تعالى أكبر وأعظم وأسمى من أن يخلق الذكر والأنثى ، ويجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف ثم يفرض علينا عدم التعارف.
الأولى: غريب أمرك فأنا أرى فيك فتاة متقلبة بين الإيمان الشديد و .. والمعصية الوقحة.
إنني لا أختلف معك في أن العلي القدير جمع معجزات الجسد في الوجه، ولو خانتك الكلمةُ فإنَّ الوجهَ قادرٌ على تكملة ما عجز عنه اللسان. أمام المحامي والقاضي ورجل الأمن وزميلك في الدراسة وفي العمل. ومع البائع الغشّاش ومع السائق المحروم جنسيا الذي لا يعرف صرامَتَك وعفََتك إلاّ مِن الوجه.
أتفق معك أن إخفاءَ الوجه يكاد يرقى للمعصية بسبب طاعتنا لفكر الهوس الجنسي الذي يأخذ بألباب ذكور قومنا، وتتملكني الرغبة في أحايين كثيرة أن أنزعه عن وجهي ليرى الآخرُ ما عجزتُ عن شرحه.
أول أمس كادت نظرات رجل تخترق كل خيوط قماش خماري، وكدت أشاهد خيالَه المريضَ يتحرك كما يتحرك الشيطان. تمنيّتُ أنْ أنزع الخمارَ ليرى نظرات الاحتقار والازدراءِ في وجهي. فأنا امرأةٌ متزوجةٌ وعفيفةٌ وأخشى اللهَّ في سرّي وجهري.
الثانية: وهل أنا راضية عما أقوم به؟ لقد اصطدمتُ بك منذ لحظات وكنتُ هاربةً من محل بيع ذهب بعدما سرقتُ قطعةً ثمينة، وهرّولت مُسرعةً حيث يتزاحم السوادُ مع السوادِ في مشهد مأتمي كأنَّ المرأةَ ليست ابنةَ حواء، إنما هي الابنة المدللةُ للشيطان الرجيم.
إنني أشعر بمتعةٍ لا شبيه لها وأنا أختلس الخطيئةَ من حُراس الفضيلة.
لو لم أكن محبةً وعاشقةً لبلدي ووطني وأهلي لما رفضتُ بحزم وصرامة طلباً بنقل حقيبة من مكان إلى لآخر، وكنت أعرف أنها تمهيد لعمل ارهابي.
أنا لست بهذه الصورة الإبليسية التي تظنين أنها تختفي تحت هذا الخمار.
عندما يرتكب المرءُ جريمةً فإن أول ما تبحث عنه أجهزةُ الأمن لو كان أفرادها يعرفون ألف باء السياسة الأمنية هو وصفٌ لمرتكِبِ الجريمة، ورفع البصمات التي خلقها الله منذ البدء بحيث لا تتشابه بصمتان لشخصين على وجه الأرض.
معجزتان تكفي الواحدة منهما أن نؤمن بأن لهذا الكون البديع خالقا عظيما سيأتيه كل من في السماوات والأرض طوعا أو كرها.
الوجه والكفان، إنْ أخفيناهما فقد أهلنا الترابَ على أعظم معجزتين في الخَلْق.
المجتمعُ الأحمق الذي تسانده سُلطة ساذجة ويمهر توقيعَ مرورِ الحماقةِ فيه تبريرٌ أبْلَهٌ مِن رجال يدّعون فهمَ الدين والدنيا هو الذي فتح ذراعيه ليحتضن الإرهابَ والرذيلة.
إنني أتمنى مثلك أنْ أخرج للناس، وأتحدث معهم، ويروّن وجهي، وأكشف مشاعري، ويحترمني الرجل لكوني انسانة لا تختلف عنه، لا أنْ يأتي مِنْ كُتب الأقدمين بأدلةٍ مِن عنده يدّعي فيها أن كشفَ وجهي يغضب الله.

الأولى: هذا يعني أن تنتقمين من الرجال، أم هناك أسباب أخرى خلف تصرفاتك الطائشة؟
الثانية: إنني أريد أن أثبت للرجل بأن مَنْ يخشاه هو رجل مثله، وقد يكون شقيقَه أو أباه أو عمَّه أو صديقَه الحميم.
إنَّ في نفسي غضباً شديداً من تلك الازدواجيةِ التي يعيشها ذكورُ قومنا، فأكثرهم يفكرون بالنصف الأسفل من الرجل والمرأة على حد سواء.
كانت مصادفة بحتة عندما نزعتُ النقاب لأقل من دقيقتين في ميدان عام، وكنت أشعر بالتهاب في وجهي من جرّاء احتكاك قطعة القماش به مع حرارة الصيف. أخرجتُ المرآةَ أنظر فيها، فإذا برجل من حراس الفضيلة ينهرني أمام الناس وكأنني أرتكب الزنا فوق الرصيف.
المفاجأة لم تكن هنا، ولكن بعد أقل من نصف ساعة شاهدتُ نفسَ الرجل يتحرش بالنساء في مكان مزدحم!
إنَّ فضيلةَ المرأة تبدأ من فضيلةِ الرجل، ورجالُنا عبيدٌ لأسيادهم، والرجل هو الذي يُرهب الآخرين، ويتاجر في السلاح، وهو صاحب المواخير والبارات وبيوت الدعارة، وهو الذي حَمَلَ لنا مرضَ الإيدز في سفرياته المشبوهة.
والرجل يتملق السُلطةَ، ويغتصب النساءَ، وينتهك حرمات الرجال في السجون والمعتقلات، ويحفر مقابر جماعية باسم الزعيم لأبناء بلده، ويقوم بتزييف التاريخ وتزوير أوراق الوطن، ويُجبرنا على فهمه السقيم لاسلامنا الرائع والحنيف.
والرجل يُهين المرأةَ ويضربها ثم يحلم في صلاته بالحور العين اللائي تعود لكل منهن عذريتها بعد الجماع.
والرجل مريض بالمرأة يمارس معها سُلطة فَقَدَها في العمل بين يدي رئيسه، وفي قسم الشرطة تحت سوط ضابط الأمن، وأمام الفقهاء والعلماء وهم يشرحون له كيفية معاملة المرأة في الفراش والمضاجعة والحيض والنشوز، لكنهم لا يعلّمونه آدابَ السلوك، ورفضَ العبودية وقبل ذلك الحفاظَ على كرامتِه كمواطن حُرّ ومستقل.
الأولى: ألمس فيك غضباً عارماً يزلزل كياناً صغيراً وضعيفاً. إنك، أختي الصغيرة، في حاجة ماسةٍ لرجل يحميك، وصدر ترتمي فيه، وأسرة تصنعها نطفة ذكر فتصبحين أمَّ العيال.
الثانية: إنني أبحث عن كياني كمسلمة لا تحدد لها مفاهيمُ الرجل كل حركة وايماءة واشارة، أو يعتبرني عاصية ومنحلة لأنني أطعت اللهَ فكشفتُ وجهي.

الأولى: لا يذهبن الظنُ بك إلى أنني في الجانب المعارض لمأساتك والتي تعاني منها ملايين من المُسلمات، فأنا أحلم أيضا بالحرية الملتزمة، والمشاركة العفيفة والوقورة، وأنْ اختلط مع كل أفراد العائلات التي نعرفها، وأن أصافح صديق ابني وأحترمه ويحترمني.
إنني مقتنعة بأن الله، تعالى، غاضب على رجال هذه الأمة الذين استخرجوا من دينه العظيم ورسالة الاسلام السمحاء صغائر وتفاهات أُنَزّه إسلامَنا الحنيفَ أن تكون منه.
الرجلُ الذئبُ يرى في كل رجل آخر ذئباً ينافسه على فريسة، لكنه لا يرى نفسه واحدا من هؤلاء الرجال الذين يفترسون المرأةَ في خيالاتهم.
المشكلة أن الرجلَ احتكر تفسيرَ الدين كما احتكر السلطةَ والحروب والاغتصاب وتجارة المخدرات وبناء السجون والمعتقلات وبيوت البغاء ودَعْمَ الزعماء الطغاة ومساندة المستبدين.
إنني مقتنعة في داخلي أن تغطية الوجه معصيّة للخالق، وأن الحياة لا تستقيم إلا بالتعارف، لكننا أمام حماقة الرجل ونقصان عقله لا نستطيع أن نعترض، فسيقوم بالتكفير، وسيفهم شيئاً آخر، وسيدّعي كَذِبَاً وبُهتاناً أننا نطالب بالحريةِ الغربية، وبالانحلال، وبكشف الوجه حتى يسهل الصيد.
ألم أقل لك من قبلُ بأنَّ الرجال ناقصو عقل ودين؟
صديقة لي منعها زوجها منعاً باتا من قيادة السيارة لاصطحاب أولادهما من وإلى المدرسة.
كانت تريد حمايتهم، أما هو فيريد حماية نفسه ظنا منه أنها سترتمي في أحضان أول رجل فور كشفها الوجه أو قيادتها السيارة.
والرجل كعادته لا يشك في المرأة قبل أن يشك في نفسه، ولا يرى في كل الرجال الآخرين مخالب قبل أن يتحسس مخالبه بنفسه.
والرجل غبي إنْ تعلق الأمرُ بحماية أولاده لأن الذئبَ الذي يتربص بهم رجلٌ مثله، ويعرف تكتيكَ الانتهاك والاغتصاب والتحرش.
الكارثة أنه بعد ثلاث سنوات اكتشف الأبُ والأم بأن السائقَ الأعزبَ والمحرومَ جنسياً كان يتحرش بأطفالهما لدقائق معدودات لدى الصعود إلى السيارة والخروج منها. وأحيانا يدّعي أنه يربط الحزامَ، فيتحسس أجسادَهم البريئةَ.ومع ذلك فملايين من ذكور الأمة يغضون الطرفَ عن الجريمة التي تحدث يوميا، ولا يتقون اللهَ في أولادهم الضعفاء.
ألم أقل لك بأنَّ الرجلَ غبيٌ؟
الثانية: أنت سيدة فاضلة تحافظين على زوجك وعِرْضِك وشرفك ودينك ولا تعرفين الرجل أكثر مني رغم صِغَرِ سنّي .
إنني أراهم في كل مكان، وأدخل معهم الغرف المغلقة، وأرفع رأسي عالية بعد تغطية وجهي ونحن متجهان لارتكاب ما لم يدر بذهن كل الذين ينظرون إلينا، فيروّن امرأة أو فتاة أو حتى رجلا متخفيا في ثوب أسود.
أنني جزء من مجتمع أحمق، ومنافق، ينشغل رجالُه بمنع الخلوة، لكنهم يصنعون طُرقا أكثر سلاسة وسهولة لارتكاب المحرمات.
صديقة لي جميلة لو شاهدها باحثون عن زوجة لتصارعوا عليها، ولأختارت من بينهم الأصلح والأفضل والأقرب إليها.
اقتربت من عامها الثلاثين ولم تتزوج بعد، فهي واحدة من ملايين العوانس في عالمنا العربي المنافق.
بكت لي بحرقة أبكتني بدوري وهي تحكي قصة مَنْ تقدموا إليها وفقا لأوصاف نساء أخريات أو بعض من يعرفها.
كانت النتيجة رفضا منها لهؤلاء الذين أراد كل منهم الزواج بفتاة لم يرها قط، ولم ينبض قلبه، أو تتحرك مشاعره العفيفة، أو يمتلك حرية الاختيار بنفس القدر مع حريتها.
إنها تعيش في عالم الحريم، وتمر السنوات، ويبهت الجمال ، وتنتظر مجهولا يطرق باب بيتها ليشتري تلك البضاعة التي اقترب تاريخ انتهاء صلاحيتها حسبما يرى مجتمعنا.
الأولى: ولكن هناك فتيات عانسات وسافرات الوجه في مجتمعات مختلطة، أليس كذلك؟
الثانية: في هذه الحالة تكون هناك ظروف أخرى، ويمكننا الحديث عن أن الزواج ( قسمة ونصيب )، وأن الله سيؤتي من فضله العفيفات.
أما ما أتحدث عنه فهو صورة من صور الرق، فيخفي الرجل بضاعته والتي غالبا لا ترى شاريها إلا يوم المزاد، أعني عندما يطرق بابها.
الاسلام خاتمة الديانات السماوية، وينبغي أن يتصالح المسلمون مع العصر فهم يملكون كلمات الله العزيز الوهاب الصالحة لكل مكان وزمان.
هل تعرفين لماذا طلب الاسلامُ اشهارَ الزواج؟
حتى يعرف الناس بعضهم بعضا، ويقطع الطريقَ على الرذيلة، ويعرف الجيران وزملاء العمل وكل من قابلهما أن هذه زوجته!
الأولى: أرى فيك حكمة الخبيرات، وإيمانا قويا خلف معصية وقحة، ورغبة في التوبة تكشف عنها مفاهيم مستنيرة لفتاة تنتقم للأسف الشديد من كل شيء حولها. أما أنا فأبحث عن السلام داخل بيتي، وأطيع زوجي ما أمرني، وأكتفي بدوري في المجتمع متحركة داخل هذا الثوب الأسود، أشم رائحة قماشه، واستنشق خيوطه، ولا تتسلل أشعة شمس تمنح بشرتي صحة وعافية وجمالا طبيعيا.
إنني لا أملك القوة للتصادم مع الرجل فهو يستطيع أن يأتي لي بأقوال رجال مثله عاشوا في زمن مضت عليه مئات الاعوام، ثم يجعلهم حَكَماً بيني وبينه.
إنني أرفض التصادمَ معه، فهو يملك الحق في الضرب، وأن يهجرني، وأن يحتفظ بالأولاد لأنني ناشز، وأن يستعين بالسلطة والأمن وحُراس الفضيلة والقضاء وكلهم سيقفون معه لاصلاح هذا الضلع الأعوج.
إنني رهن اشارته، لكنه يعلن للملأ أنني مُتَوّجة مَلِكِة في البيت.
كم أنا مشتاقة لطاعة الله عز وجل في التعرف على البشر الذين خلقهم، واكتساب المعرفة، وأن يقوم الرجال الآخرون بتوجيه الحديث مباشرة لي دون وسيط، وأن أتحكم في أقوالي وأفعالي، وأعرف الفارق بين الحملان والذئاب دون مساعدة من رجل آخر.
إنني لست بحاجة لاخفاء وجهي لأثْبِت إيماني للآخرين، فتقوى الله في قلبي، والشيطان الذي يتغلب علىَ الرجل بهمسة غير مسموعة سيجد أمامه امرأةً أقوى من الرجال، وأشرف من كثير من حراس الفضيلة.
الثانية: أما أنا فقد تحالفت مع الشيطان لبعض الوقت. قد يطول أو يقصر. إنني مطيعة أيضا لغباء الرجل والسلطة، فأرتدي قُفّازاً عندما أسرق، ولا يعثر خبراء رفع البصمات على أيّ أثرٍ لي.
وأخفي وجهي عندما أرتكب المُحَرّمات، وكلها مع رجال، وهم كثيرون، بل أخشى أنْ أقول بأنَّ أكثرهم حراسٌ للفضيلة في الشارع والبيت والعمل.
إذا كان كلُّ الرجالِ يخشون كلَّ الرجال ويعتقدون أنهم يتربصون بنسائهم وبناتهم، فماذا بقي لنا من قِيَمِ الخيّر والمحبة والتسامح والايمان؟
لقد رأيتُ بنفسي فتيات يمارسن كلَّ صور الرذيلة، لكنهن يتمتعن في المجتمع باحترام شديد لأن الرجل الغبي يظن أنَّ اخفاءَ الوجه هو الضربة القاصمة والقاضية لوسوسة الشيطان، وكل الاغراءات التي يقدمها إبليس.
فجأة قطع عليهما الحديثَ بكاءُ طفلٍ صغيرٍ يبدو أنه فَقَدَ أمَّه في زحام السوق. كان ينظر بعينين مذعورَتيّن باحثاً عن تلك التي تُعطيه الحبَّ والحنان وقد كانت منذ لحظات تمسك بيَدٍ دافئة يَدَه الصغيرةَ الغضّة فتسري في نفسه البريئة كل مشاعر وأحاسيس الأمان كأن الحبل السُرّيَ لم ينقطع منذ سقوطه من بطنها.
يرتفع بكاءُ الطفل وعيناه تبحثان في نساء وفتيات متشحات بالسواد ويغطين وجوهَهن في مشهد عجيب كأنهن في سرادق عزاء يودّعن الحياةَ بعدما انسحبن منها زمناً طويلا.
بعد لحظات يختفي الطفلُ، وتخفتْ رويّدا .. رويدا صرخاته، ولعل حيرتَه تظل قائمةً عن السبب الذي دفع بكل هؤلاء النسوة إلى لعب دور الأشباح المتنكرة والمتشابهة، ولو كان بينها رجل أو أكثر للتحرش جنسياً لما اكتشفنه إلا بصعوبة بالغة.
الأولى: أشعر أنَّ غضَّ السلطات الطرفَ عن النقاب والخمار هو دعوةٌ صريحة لقوى الارهاب أنْ تتخفى في صورة امرأة. لقد حدثتْ بالفعل عشراتُ الحوادث الارهابية في عالمنا العربي، ولكن من الواضح أن هناك تكاملا بين غباء السلطة وغباء الرجل بعدما عثر رجالُ الدين على تبريرات وأدلة سطحية فجعلوها قاطعةً لتصبح الدعوةُ للارهاب واخفاءِ الرذيلةِ مقدسةً.
إنني أتذكر حتى الآن مقالا مُطَوّلا، ثم ردودا على المحاوريّن من الدكتور محمد شوقي الفنجري ( صحيفة القبس الكويتية في 17 أكتوبر 1986 ) يُثبت فيه بالأدلةِ والبراهين الاسلامية غير القابلة لتأويلات أخرى أن في النقاب كراهية شديدة، وكانت المرأة تصلي خلف النبي، صلى الله عليه وسلم، كاشفةً وجهها، ولم ينزل الوحي بأيّ أمر لها أن تُغَطّيه رغم وجود رجال يستقدمون ويستأخرون في الصلاة للاقتراب من المرأة أو الابتعاد عنها.
الثانية: تنتابني مشاعر المهانة الشديدة عندما أُغَطّي وجهي وأغطي معه هويتي وشخصيتي وانسانيتي لمجرد أن الرجل لا يريد أن يَطّلِع آخرون على مِلْكِيته الخاصة.
هل تُصَدّقين أنَّ بعضَ المنقبات اللائي يتسلمن شهادات التخرج في حفل عام من زعيم الدولة يرفضن مصافحَته؟ لماذا يخرجن من بيوتهن، ويذهبن لحفل التخرج، ويتشرفن بتسلم الشهادات؟. حتى ابتسامة الفرح، أو ضحكات السعادة الغامرة تم منعهن من ابدائها خشية أن يفتتن الرجال، وتسري حالة رعشة جنسية بين كل ذكور الحفل ، وتهتز السماوات والأرض ومن فيهن من هَوّل الجريمة!

الأولى: تُحَيّرني كثيرا معضلةُ الرجل الذي يسمع الآذان خمس مرات في اليوم، ويقوم لله فجرا وصبحا ومساء، ويقرأ ويسمع آيات بيّنات، ويتعلم الخيرَ وكبحَ جماحِ نفسه وشهواتها، وتمنعه عاداتٌ وتقاليد وتربية وأصول اجتماعية وتهذّبه سنوات الخبرة والخشية من الله ومن الضمير، ومع ذلك فهو يظن أن أسفله مرتبط بأعلاه، وأن شهواته الجنسية في خياله، وأن عينيه لا تبحثان في المرأة عن المشاركة الانسانية، إنما يقفز إلى ذهنه الفراش كلما تخيل رجلا شاهد وجه امرأة.
نحن ضحايا مرض الرجل وضعفه وعدم ثقته في الآخرين، وأحيانا نصبح ضحايا رغبة الرجل الجامحة أن يخفي جرائمه وذنوبه وشهواته، فيخفي وجوهنا لئلا ينكشف هو أمام المجتمع.
الرجلُ في كثير من الأحيان يطلب تغطية وجه المرأة ليختفي هو، لا ليُخفيها.
إنه يغمض العيّنَ عما في تغطية وجه المرأة من آثار ضارة على الأسرة والعائلات وقيمة الشرف وكرامة المرأة.
عندما يفسر الرجلُ أحاديثَ الأقدمين، ويقرأ لمن تحللت عظامهم منذ ألف عام أو يزيد يتعمد ازاحةَ العقلِ جانباً، ويركع لرجال لم يرَهُمْ كما يفعل مع سيّد القصر في بلده.
ألا تتعجبين عندما تتابعين معارك الرجال وهي مُسْتَمِرّة منذ مئات الأعوام بسبب حوادث انتهت، أو حوارات وخلافات سياسية وقَبَلّية وتفسيرات مضت عليها قرون؟
ألا تضربين كفّاً بكفٍّ وتتحسرين على نخوة الرجال وشهامتهم وعقولهم وهم يمارسون القتل والذبح والطائفية، وندفع نحن النساء الضعيفات ثمن تهور الرجل وحماقة تفسيراته وعبادته لنصوص الأقدمين؟
الثانية: لو لم تكن هناك نصوص قاطعة ومقدسة لظننت أنَّ الأصلَ في الخَلْق هي حوّاء، وأنَّ اللهَ خَلَقَ الرجلَ من ضِلع أعوج في أُمِّنا الأولى!
إنني غاضبةٌ أكثر منك على هذه التفسيرات الذكورية لعالم الأنثى، وأرفض تماما الانكباب على قراءة فتاوى المرأة التي تكتظ بها كتب قديمة وحديثة وصحف ومجلات وفضائيات كأن الرجل انتهى من صراعه مع السلطة، وبسط هيمنة الخير، ونزع الظلم عن المعتقلين والمسجونين، وأصدر تشريعات تُحَرّم اغتصابَ المرأة، والتحرش بالطفل.
الرجل يمنح قفاه لكل ممثلي السلطة، وعندما يعود إلى البيت يبحث عن تفويضٍ من السماء لفرض سطوته على نصفه الآخر.
الأولى: شاهدت فيديو كليب لرجال يرجمون امرأة زانية ( قَطّعاً مع أحدهم )، ويا ليتني لم أشاهده.
كانت القسوة فيه واضحةً وكأن الرجال يلقمون ضمائرهم ومشاعرهم البليدة، أو كأنهم يسارعون في اخفاء جرائمهم في جسد تلك المرأة التي تتلوى وتصرخ مع كل قطعة حجر مدببة تصيبها.
الثانية: بل إن الرجم بالكلمات والنظرات والأوامر والنواهي أشد غلظة وحِدّةً وقسوة مِنْ تلك التي تصفينها لي.
إننا نحن النساء أمام مسؤولية عظمى ملقاة على عاتقنا لتحرير الرجل من هوسه الجنسي، ومن عبوديته للسلطة، ومن كراهيته لنفسه، ومن عالم المزايدات الدينية التي تخرج بالدين الحنيف المقدس من جماله وكماله وروعته إلى قشور وبلاهة وبلادة.
الأولى: بل يحتاج الرجل أن يتعلم قبل كل شيء أن الله أكبر، وأن خالق السماوات والأرض أسمى من أن ننسب إليه، سبحانه وتعالى، الظلم الذي حرمه على نفسه.
الرجل يحتاج لعلاج سريع قبل أن يُدَمّر الكونَ كله، ويدمر نفسه وهو يهدم المعبد علينا جميعا.
لازلت حتى الآن في صدمة عندما قرأتُ لشاب يقول أنه عندما يرى فتاة أو امرأة تروق له، يتخيل أنها من الحور العين، ويمارس معها الجنس في خياله، ويظن، بل يؤمن أنه يحصل على الاثنين معا: متعة ممارسة الشهوة في خياله، والثواب في ايمانه بقرب الارتماء في أحضان ثلاث وسبعين حورية، بل إنَّ أحدَ الفقهاء أكد له أنه سيكون في حالة انتصاب دائم في جنة الخلد.
الثانية: أتركك الآن فلدي موعد مع أحد حراس الفضيلة وقد أمرني بتغطية وجهي بخمار لا يبين منه حتى خيال العينين، فهو متزوج، ويخشى على بيته وأسرته، ولا يعرف أن ما يقوم به، سيفعل مثله أخي وربما أبي.
إنها دائرة من النفاق الاجتماعي، ودفن النعام رؤوسه في الطين وليس فقط في الرمل.
الأولى: إنني أدعوك، أختي الصغيرة، إلى الالتزام بالقيم والمباديء والخير والشرف، وعندئذ لن يجد الرجلُ صَيده بتلك السهولة.
الثانية: في هذه الحالة سأنزع النقاب، وسأكشف عن وجهي، فأنا أيضا خلقني الله، ونفخ في من روحه. إنَّ نظرةً واحدة لمشهد الأرض البائسة حروباً وطائفيةً وفقراً يجعلنا نثق أنَّ أكثرَ أهلِ النار يوم القيامة هم الرجال.

حوارات تم نشرها للكاتب:
حوار بين سمكتين في قاع البحر
حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين
حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك
حوار بين زنزانتين في سجن عربي
حوار بين حمار و  .. زعيم عربي
حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك
حوار بين سجين حر و .. حر سجين
حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن
الحوار الأخير بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث
حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع
حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة
 
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو النرويج
http://taeralshmal.jeeran.com
http://www.taeralshmal.com
Taeralshmal@hotmail.com
http://Againstmoubarak.jeeran.com
http://blogs.albawaba.com/taeralshmal


استدعاء عاجل لصدام حسين من قبره

أوسلو في 3 يوليو 2007

بعدما وجّهَت واشنطون لرئيس الوزراء العراقي انتقادات كثيرةً لعدم قدرته على ضبط الأمن، قرر أنْ يرسل في ظلام الليل أحَدَ ثقاته إلى قبر الرئيس العراقي السابق صدام حسين لعله يحظى منه بالجواب الشافي لو كانت الروح لاتزال مترددة في الصعود.

تسلل الرجلُ فعلا، وبذل جهدا خارقا لرفع الأتربة والغطاء عن الرئيس، ثم فجأة وجده مستلقياً على ظهره وهو يبتسم بعدما تركه الثعبان الأقرع ليبحث عن علي الكيماوي فقد عَلِمَ بالحكم باعدامه.

صدام حسين: كنت أعلم أنك ستأتيني ، فالوضع الجحيمي للعراق لم يعد يحتاج لتساؤلات، إنما لاجابة واحدة لم يعثر عليها أمريكيوكم تماما كما فشلوا في العثور على أسلحة الدمار الشامل.

مبعوث الحكومة: ولكنك أنت السبب في كل ما حدث للعراق خلال أربعة عقود، وأنت الذي فتحت أبواب جهنم، وقتلتَ أكثر من ربع مليون عراقي في عهدك المشؤوم، وزرعت القسوة والكراهية والرعب، ومهدت للطائفية، وخضت حروبا عبثية من أجل أوهامك.

صدام حسين: وأنتم تخلصتم مني قبل أن أُسرد على مسامعكم أقل القليل مما حدث في عهدي. خشيتم أن ترتبط جرائمي بكم في الحصار على العراق الذي أودى بحياة مليون طفل، وببرنامج النفط مقابل الغذاء والذي اكتشف العالم فيه أنكم أيضا لصوص لا تختلفون عن رجالي وعن قوات الاحتلال.

حاكمتموني عن أقل جريمتين، وقمتم بلفلفة المحاكمة، وأسرعتم في لف الحبل حول عنقي قبل أن يلتف حول أعناقكم.

كلنا مجرمون وطائفيون وقتلة، والمعارضة العراقية في الخارج لا تختلف عني، والأمريكيون يدمرون بلدنا بأيديكم وأيديهم، كما دمرونا بيدي عندما كانوا الدعم والسند والحماية لي في كل سنوات طغياني.

مبعوث الحكومة: لكن الأوراق اختلطت الآن ولا نعرف الفارق بين المقاومة والارهاب، ونحن رجال الحكومة لا نستطيع أن نستمر يوما واحدا دون حماية أمريكية، وقد وعدناهم أن يظل نفط العراق بين أيديهم فهو أكبر احتياطي نفط في العالم.

يظن البلهاء أن المقاومة بعثية رغم أننا لم نسمع عن استشهادي بعثي طوال تاريخكم الأسود، سواء كان في العراق أو في سوريا. أعترفُ بأننا أسرعنا في شنقك قبل معرفة الحقيقة. الآن نقف موقفا حرجا أمام أبناء شعبنا، فَمِنّا لصوص وقتلة ومحتالون وعيون للاحتلال تعاونت معه قبل الغزو بوقت طويل. عدنا فوق دبابات أمريكية بعدما خَدّرْنا الجميع بكلمات الشرف والفضيلة وكتبنا عن جرائمك.

صدام حسين: لقد ظننتُ في المحاكمة أن تاريخي كله سيتم عرضه ليذهب معي إلى الجحيم كل من خان العراق، فالحرب مع إيران كانت أيضا أمريكية، ومجلس التعاون العربي مع مصر والأردن واليمن كان يخدم نفس المصالح.

لقد خشيتم من عرض سنوات تشابك جرائمكم مع جرائمي، خاصة خلال الحصار وثورة مارس عام 1991 وقبلها احتلالنا للكويت.

ألم تكونوا وسطاء ونهبتم من الكويتيين أموالا في مقابل الايحاء لهم بأنكم تبحثون عن أسراهم؟

ألم يرفض اللواء وفيق السامرائي التعاون مع القضاء الكويتي وأجهزة الأمن لكشف حقيقة تصفية الأسرى رغم أنه رئيس جهاز استخبارات سابق؟

ألم تُحَوّل لكم أجهزة الاستخبارات الأمريكية أموالا طائلة في مهجركم وغربتكم، وعندما عدتم معهم أهلّتم الترابَ على أوجاع أهلكم؟

كلنا نستحق نار جهنم بدرجات متفاوتة، فأنا لست المجرم الوحيد، وارجع إلى حكومتك لتسألهم عن ثروات أعضاء الحكومة، ورؤسائها السابقين الذين لم يبخل عليهم الاحتلال من أموال حرام.

مبعوث الحكومة: لكن بغداد سقطت مع غطرستك وغرورك وكبريائك في أقل من ساعتين، بل قام جيشك بتسليم المحتل مفاتيح عاصمة النهرين فلم يصدق الأمريكيون أنها فعلا قلعة النسور.

لو كنتَ قد صنعتَ أحراراً لجَنّبَتنا كل هذا الدمار والعار وانهيار وطن. جيشك تخلى عنك لأن العراقيين كانوا يحلمون بأحذية اليانكي فوق رؤوسهم فهي أقل امتهانا من أجهزة أمنك.

صدام حسين: لكنكم كنتم تأكلون وتشربون وأنتم ترتعدون خوفا في عهدي، أما الآن فلك أن تقارن سجن أبو غريب في عهدي وعهد أمريكيكم!

لماذا لم يقم شرفاؤكم بعملية استشهادية واحدة في عهدي، أو تفجير سيارة في الحرس الجمهوري؟

أين كانت بطولاتكم عندما صنعتُ لكم جمهورية الرعب، وتمكنت من العثور بسهولة ويسر على مليوني عراقي سادي وأكثر قسوة وغلظة من الذئاب المفترسة، فكانوا يدي التي أبطش بها، وقدمي التي أركل بها، وسلاسلي التي ألفها حول أعناقكم؟

مبعوث الحكومة: لنترك الماضي قليلا فنحن نريد أن نعرف ماذا يحدث الآن؟ هل صحيح أن رجالك يمكن أن يضحوا بأنفسهم من أجل البعث؟ هل البعثيون هم الذين يفجرون الملاجيء والمستشفيات والأسواق والمساجد أم الاسلاميون أم الأمريكيون أم القوى الموالية لجيراننا؟

صدام حسين:تبحث عن الاجابة لديّ رغم أن أجهزة الاحتلال المتقدمة تستطيع أن تعرف ما يهمس به عراقي لآخر في غرفة مظلمة تحت الأرض!

ألا يعرف الأمريكيون حقا من الذي يقوم بالعمليات الاستشهادية ومن هم الذين يفجرون السيارات في الأبرياء؟ عندما تناهت إلى سمعي كلمات مثل شيعي وسني ورافضة وتكفيري، واسماء مثل مالكي وجعفري وحكيم وجلبي وعلاوي وأشياء كثيرة لا أتذكرها استطعت على الفور تكوين صورة حية في ذهني عن وطن مشتعل لن يتركه عراقيوه واحتلاله إلا خرابا وأطلالا وبوما ينعق فوق المقابر الجماعية.

عد إلى من بعثك وقل له بأن جرائمي لا تختلف عن جرائمكم إلا في النوعية وطريقة ارتكابها. وقل له بأنني هنا تحت الأرض في انتظاركم جميعا، واحدا تلو الآخر، بعثيا وسنيا وشيعيا وكرديا وأمريكيا وحكوميا. لقد صنعتكم، موالين ومعارضة، وأعاد الاحتلال صناعتكم من جديد. تبحثون عني في الوقت الضائع فقد رحلت ومعي أسرار فضائحنا جميعا. لو كان الشعب هو الذي حاكَمَني لكنتُ أنا وأنتم الآن مع دود الأرض.

محمد عبد المجيد 

طائر الشمال
أوسلو النرويج
http://taeralshmal.jeeran.com
http://www.taeralshmal.com
Taeralshmal@hotmail.com
http://Againstmoubarak.jeeran.com
http://blogs.albawaba.com/taeralshmal


الكتاب الأخضر في القارة السمراء .. أوهام العقيد

أوسلو في 2 يوليو 2007 

عندما أقنع متزلفو السلطة الرئيسَ العراقيّ السابق صدام حسين بمشروع ( صُوَر القائد المهيب ) لتوزيعها على كل شخص في العراق، وأنْ لا ينسى عراقيٌ واحدٌ زعيمَه وسيّده لحظةً واحدةً ولو وقعت عيناه على أرض خلاء في مكان مهجور، كانوا يعلمون أن الطاغيةَ هو الذي وضع الفكرة في أفئدتهم المذعورة قبل ألسنتهم.

تلك هي المعضلة المعقدة والمتشابكة لصناعة الاثنين معا: الطاغية والشعب، السوط والظَهر، الكفّ والقفا، الزنزانة وأدوات التعذيب، القلم والأيدي المرتعشة.

العقيد حالة عجيبة ودرامية وكوميدية ومأساة يختلط فيها الضحك بالبكاء ولا تستطيع أنْ تفصلهما، فلا تدري إن كان في القاموس الليبي معنيان مختلفان لكلمة المهرج، وهل يمكن أن تضحك وأنت تستمع إلى حكيم فيلسوف، وأن تبكي في سيرك للتهريج؟

تاريخ أحفاد عمر المختار منذ أقل قليلا من أربعين عاما يجعلنا نعيد النظر في كل الأيديولوجيات والمذاهب والأفكار والزعامات وسيكولوجية الشعوب.

ماذا لو أن صانعي الطغاة وقفوا على قارعة طريق وأختاروا أكثر الناس بلاهة وتخلفا، وعادوا به إلى القصر ليعلنوه سيّداً على الجميع؟

أغلب الظن أن الخطبة الأولى له سيستخرج منها معظم أفراد الشعب جواهر مِن الحِكَمِ، ولآليءَ من العبقرية حتى لو وقف أمامهم، وفتح أزرار ملابسه وطرطر عليهم ( وهو تعبير طفولي للتبول ) !

وربما تخرج الجماهير للتبرك بالطرطرة، ويكتب رؤساء تحرير الصحف الكبرى افتتاحيات تاريخية عن الحدث الجلل الذي سيجعل البلد في ركب الأمم المتقدمة.

لا أعرف لماذا أتصور العقيد يجلس في خيمته الملونة وعن يمينه خزنة تتسع لمليارات الدولارات الخضراء، ووزير ماليته يؤكد له بأنه كلما تمكن من انفاق المال فإن الذهب الأسود يتحول إلى ورق أخضر ويدخل من الناحية الأخرى!

ويخرج الليبيون في مظاهرات يومية احتفالا بهدر أموالهم، والعبث بوطنهم، وبناء سجون جديدة لأبنائهم!

يمدّ العقيدُ يده فيُخرج رزمةً بمليون دولار ويمنحها لفريق كرة قدم ألماني مفلس شريطة أن يرتدي اللاعبون فانيلات عليها شعار الكتاب الأخضر.

ثم يُخرج رزمة للصحفيين والمثقفين وباعة الضمير الذين يتكدسون في المكاتب الشعبية لبلده استعدادا لاطعام أولادهم أموالا حراما نظير الصمت عما يحدث في جماهيرية الصمت.

يفشل في الانضمام لحلف وارسو قبل وفاة الاتحاد السوفييتي تحت حذاء جورباتشوف.

ويفشل في لعب دور رامبو على الساحة اللبنانية.

يقرر القيامَ بعمليات اغتيال واختطاف للكلاب الضالة، أي الشجعان الذين يعارضون طغيانه وتخلفه، ويصمت الغربُ ردحاً من الوقت فلا يزال العقيد قادرا على حلب البقرة الممتدة لنصف شمال أفريقيا ، من السلوم إلى الحدود مع تونس.

يأمر بقتل 1200 مواطن ليبي في سجن ( أبو سليم )، ويصمت الضمير العربي والاسلامي والدولي صَمْتَ الحِملان، فنفط العقيد فيه قوة يسيل لها لعاب الشرق والغرب على حد سواء.

الخَزنة لاتزال مليئةً فيقرر دعم الجيش الجمهوري الايرلندي الذي يثير الفزع والرعب في شوارع لندن، وبعد سنوات يبيع أسرار نفس الجيش للاستخبارات البريطانية.

يفشل في زعامة العالم العربي، فكل أسياد القصر في وطننا العربي الكبير زعماء فكيف يكون بينهم؟

حتى لو لم يبلغ ابن زعيم عربي أربعين عاما ففي خمس دقائق كان مجلس الشعب السوري قادرا على تغيير الدستور وجعل الأربعين تصبح أربعة وثلاثين رغم أنف كل علماء الرياضيات، فنسبية آينشتين لها عدة استخدامات.

يقف العقيد أمام شعبه ويقول لهم بأنهم ماعز، فيضحك الليبيون كما يضحك السجين عندما يصفعه مدير السجن على قفاه.

يَحُكّ جلد رأسه فتظن أن خبرات سنوات الحُكم ستتحول إلى عبقرية وتنزيل من التنزيل، فيقول لشعبه بأن أوروبا تطمع في ليبيا لأن البطيخ الليبي لا مثيل له!

يحضر بعض مؤتمرات القمة العربية، وينفث دخان سيجاره الكوبي في وجه الرئيس مبارك.

ويضحك الزعماء، ويأخذ أكثرهم الأمر هزلا وكأن الشعب الذي يرزح تحت حكم هذا الفاشي لا يستحق من زعمائنا وقفة جادة ورجولية وأمينة.

تآمر تقريبا على أكثر الدول العربية، واشترك في عمليات ارهابية لا حصر لها، وأوجع المغرب سنوات طويلة بدعمه الصحراويين في قضية لا ناقة له ولا جمل.

ظن أن جيشه سيصمد بالسلاح أمام بنادق متهالكة للتشاديين، فعاد الجنود الليبيون في صناديق خشبية كما يعود الأمريكيون من العراق.

قام برحلة في مملكة سوازيلاند، وكانت سيارته تلقي بالعملة الخضراء على فقراء يلهثون خلفها لمجرد تحقيق نشوة أن هناك من يهتف له.

بعدما قام بتسليم كل وثائق واسرار خصوم أمريكا وأوروبا في مقابل وعد بأن لا يكون مصيره كمصير طاغية العراق السابق، سمح له الغرب أن يلعب من جديد لعبة الولد المطيع، لكنه يصيح بين الحين والآخر.

صناعة البطل التي أجاد وصفها المفكر العبقري مالك بن نبي تسمح بمساحة من الحرية لرجل الاستعمار أن يلعب البطولة، وأن يشتم قوى الاستعمار، وأن يلعن سنسفيل جدود الاحتلال وذلك لتغطية الخيانة كما تفعل امرأة لعوب عندما تدعو الناس إلى الصلاة علنا.

أفريقيا الفقيرة والتي تئن تحت الايدز والجوع والمرض والملاريا وحرب العصابات والتفرقة والمذهبية والفساد والقحط والتصحر والجفاف والأمية تنتظر الآن بناء خيمة للعقيد في غانا أو غينيا أو بوتسوانا أو النيجر فربما يصبح كل أفريقي مليونيرا، وربما يأتي النرويجيون والسويديون والسويسريون يعملون أجراء لدى الأفارقة.

والعقيد يؤمهم في الصلاة، ويحدثهم عن الولايات المتحدة الأفريقية كأن الدكتورة كوندي ستبحث عن عمل كخادمة لدى أسرة في ليبيريا حيث تم اختطاف ثلث سكانها، وباعهم القراصنة عبيدا منذ مئات الأعوام.

والعقيد الذي دفع من أموال شعبه أكثر من ثلاثة مليارات دولارا تعويضا لجريمة ارتكبها، قرر أن يصبح زعيما لأفريقيا حتى لو أنفق ما بقي فوق ظهر الأرض من مال وما تحتها من ذهب أسود ولو كان الثمن تحويل الليبيين لمتسولين في جربة وسوسة والحمامات في عهد الجنرال زين العابدين بن علي!

عامان فقط وتحتفل ليبيا بالعيد الأربعين للعبودية المختارة، ويُشَمّر المثقفون والاعلاميون عن سواعدهم ليدبجوا مقالات وقحة في مدح الديكتاتورية، وكتابات عفنة عن ضرورة لعق أحذية الطغاة، وكلمات سافلة عن فلسفة التخلف، والرسالة السامية لرسول الصحراء.

الخطوة القادمة بعد فشل الولايات المتحدة الأفريقية وتفريغ ليبيا من أموال شعبها، ربما يتجه العقيد لتوقيع معاهدة تأجير ليبيا للحكومة الأمريكية، وسيسمح له الأمريكيون أن يشتمهم ويلعن أجدادهم!

محمد عبد المجيد 


رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج
http://taeralshmal.jeeran.com
http://www.taeralshmal.com
Taeralshmal@hotmail.com
http://Againstmoubarak.jeeran.com
http://blogs.albawaba.com/taeralshmal


ليلة القبض على سوريا


أوسلو في 3 يوليو 2007

عندما أزمع الكتابةَ عن سوريا وقضاياها وهمومها ومشاكلها وأحزانها وأفراحِها تقف اللغةُ مترددةً قبل أن تسعفني بمفرداتها، وكلما أمدّتني ضادُنا الجميلة بألفاظ أخشى على قلب العروبة النابض منها، ينتقل الترددُ من اللغةِ إلى أصابعي، فما كرهتُ شيئاً مثلما كرهت قطعَ شعرةِ معاوية مع دمشق.

شرحتُ كثيراً في السنوات العشر الماضية قصةَ حبي لسوريا التي بدأت عام الوحدة بين الاقليمين الشمالي والجنوبي وظلت دمشق في قلبي لا تبرحه فهي جزء من دعاء الشرق، وجبهة الصمود، وآخر المقاومين المحترَمين!

لكن الواقع يُكَذّب تلك الصورةَ الورديةَ في ذهني، ويُخرْجني من عالم الحُلم إلى عالَم الواقع المرير.

تهكمتُ على نفسي مؤخرا قبيل اعلان نتيجة الاستفتاء على الرئاسة السورية، وقلت لها ربما تكون النتيجةُ أقل من ثمانين بالمئة فالرئيس الشاب الذي تعلّم في الغرب يعرف أن نسبة التسعين في المئة تثير الاحتقارَ لدىَ الشعب، وكل صور الازدراء لدىَ المثقفين ومنظمات حقوق الانسان.

قلت لنفسي أيضا بأن الرئيسَ الشابَ لن يجعل ضيوفَه الكبارَ من زعماء ورؤساء وفود وغيرهم ينظرون إليه تلك النظرةَ الدونية التي لا نخطئها جميعاً عندما نقرأ نتيجةَ الاستفتاء فصدام حسين حصل على مئة في المئة، وزين العابدين بن علي اقترب كثيرا منها، أما مبارك فقد وافق على المسرحية الأمريكية للانتخابات وجعل النسبة المئوية لنجاحه كأنها حقيقية، ثم قام بتأديب منافسه الدكتور أيمن نور، وألقاه في بيوت الأشباح المصرية.

كان المشهد من طبيب العيون مؤذياً للعيون، فسوريا العظيمة ذات التاريخ النضالي، والتي يسكن في كل بيت منها قائد انقلاب عسكري ينتظر الفرصة المناسبة ليثِبَ على الحُكم يجعلها الرئيس الشاب أضحوكة أمام العالم كله، ويجعل شعبنا السوري يلطم وجهه في المرآة، فأجهزة استخبارات بشار الأسد جعلت النسبة أكثر قليلا من سبعة وتسعين بالمئة.

إنه الاستبدادُ بكل ما فيه من عنف ودماء وقسوة إلا أن هناك أيضا مشاهد كوميدية ليست مقتصرة فقط على الأخ العقيد قائد ثورة الفاتح، لكنها تنسحب على كل الطغاة والمستبدين وهم يزيّفون إرادة الشعب، ثم يعيدون صناعة الأيدي المرتعشة والأسنان المصطكة لتكملة الصورة النهائية للعلاقة بين الشعب والسلطة، بين الرعية والحاكم، بين الماشية وراعيها.
كانت النتيجة صفعةً على أقفية أبناء أكثر شعوب المنطقة تمرّدا ووعياً وطنياً وانخراطاً في العمل السياسي وفهما لتشابكات المنطقة وصراعاتها الخفية.

كانت النتيجة شبيهة بيوم أنْ وقف أعضاءُ مجلس الشعب وقد تلقى كل منهم أوامر من سيد القصر أن يشتموا، ويلعنوا، ويسبّوا عبد الحليم خدّام الرجل الذي تولى تربية الرئيس الشاب.

ووقف ممثلو الشعب يرتعشون، ولا تستطيع رُكَبُهُم أن تحملهم، وتكاد تسمع صراخَ لغة أهل الجنة وهم يفككونها، ويعجّمونها، ويطلقونها في آذاننا كأنهم غاضبون عليها لأنها قامت بتعريتهم.

أربعون عاما وجيشنا السوري تأكل مشتريات أسلحته ثلث ميزانية الدولة، ويقف على أبوابه عدو لا مندوحة عن نزاله يوما ما، وتحتل جولانَه فرقٌ رمزيةٌ من الجيشِ الاسرائيلي لو كانوا على حدود الجزائر أو تشاد أو الصومال أو إرتيريا لما زار النومُ عيونَهم.

ومع ذلك فهذا الجيش لا يستطيع أن يتصدى لطائرات إسرائيلية تحلق فوق قصر السيد الرئيس، وتعطي إشارةً بأنها قادرة على اصابة هدفها حتى لو كان طبيب العيون في فراشه.

ويصمت جيشنا البطل، وتسكت كل المدافع، وتصُمّ أجهزةُ الاستخبارات من الحدود التركية والفلسطينية واللبنانية آذانها، وتصُكّ وجهَها كأنها عجوزٌ عقيم.

فالمعركة الحقيقية هي مع المواطن السوري، والخوف الحقيقي يعرف طريقَه إلى السلطة عندما يتنفس أبناءُ البلد، وأقبيةُ السجون قادرةٌ على تذكير السوريين بأنَّ كرامتَهم هي آخر اهتمامات السيد الرئيس.

عندما يتم توقيف شاب صغير في الثالثة والعشرين من عمره ( محمد نافع الصايل من دير الزور ) وتتم محاكمته بعد عامين من الاعتقال فتلك لعمري كارثة إنسانية تتنافى مع كل القيم والمباديء والأعراف.
إن التعامل مع حيوات الناس وسنوات أعمارهم وعدم الاكتراث بقضائها في داخل السجون انتظارا لمحاكمات قد لا تأتي أبدا، هو غاية الامتهان لكرامة المواطن.
عندما يقوم صحفيان( مهند عبد الرحمن وعلاء الدين حمدون ) بالاستعداد لعمل تحقيق صحفي عن النقابات في سوريا، فإنه من الطبيعي أن يطرحا أسألتهما على النقابيين.

لكن أجهزة الاستخبارات البارعة في انزال الرعب في قلوب السوريين تقرر احالتهما للمحاكمة بتهمة طرح أسئلة على نقابيين عن موضوع صحفي لم يتم نشره بعد، وأن مضمون الأسئلة ينال من هيبة الدولة!

أي اذلال هذا يريده الوطن من المواطن ثم يطالَب بعد ذلك بالدفاع عنه؟

قلنا عشرات المرات ونكرر مثلها أضعافا مضاعفة ولن نملّ الحديثَ عنها فهي لُب الموضوع، وصُلب القضية، بأن المواطن الذي تطلب منه الدولة الخنوعَ والمسكنةَ، وتطُعمه خوفاً، وتسقيه رعباً، وتلقي به في زنزانات قذرة بدون محاكمة لعدة سنوات هو مشروع تعاون مع أعداء الوطن. إنها صناعة نُسخ جديدة من إيلي كوهين وهؤلاء سيرشدون عن عناوين وأسماء ضباط التعذيب في أجهزة الاستخبارات إذا سقطت سوريا، لا قدر الله، في براثن خصومها وأعدائها، وهم كُثر.

المواطنُ الحرُّ هو الضمان الوحيد لوطنٍ حر، وهو الذي تفكر كل القوى المعادية فيه قبل إلحاق الأذىَ ببلده أو نظامه.

والمواطن السوري الحُرّ الذي يجلس أمام ضابط استخبارات ويضع ساقا فوق ساق، ويرتشف قدحا من القهوة دون أن يرفّ له جفن أو تتسارع نبضات قلبه هو القادر على حماية سوريا.

والمواطن السوري الذي يقدم جواز سفره في مطار دمشق لضابط الأمن، وينظر في عينيه، ويؤكد لمنتظريه في الخارج بأنه قادم إليهم بإذن الله دون أي تأخير، هو نفس المواطن الذي سيستثمر في بلده، وسيدافع عنها في كل المحافل، وسيمنحها روحه وأمواله ودعمه، وسيساهم في افشال أي مؤامرة ضد النظام.

أنا لا أفهم كيف تفكر أجهزة الأمن في مستقبل طالب يتم اعتقاله، ثم تتأخر محاكمته عاما أو اثنين أو أكثر وكأن مستقبله ودراسته وحياته لا تعني أحدا في الدولة كلها!


تهمةٌ فيها من اللاعقلانية والظلم والغباء ما يجعلها بصقة في وجه كل من يؤمن بحقوق إنسان خلقه العلي الكريم، ونفخ فيه من روحه.التهمة هي ( تعريض البلاد لأعمال عدائية )، وهي فضفاضة، وواسعة، وزئبقية، أينما نظرت إليها لا تصطدم إلا بوجه غليظ سادي لضابط مخابرات لا يعبء لاسرائيل، ولا يكترث لنشاطات الطابور الخامس، إنما المهم أن يقول كما قال قائد الاحتلال في العراق بعد القبض على صدام حسين: سيداتي سادتي .. لقد قبضنا عليه!

آه أيها الشهامة والنخوة والرجولة العربية التي حتى عندما جاء الاسلام برسالة خاتم الانبياء تركها كما هي: إنها نجدة الملهوف، ونخوة رجال كانوا يخجلون من اطلاق السهم في ظهر الخصم.

يونس خضر يونس يتم الحكم عليه بثلاث سنوات لأنه نشر أخبارا من شأنها أن توهن نفسية الأمة! هل صحيح أن بلادنا أصبحت هشة وتحتاج لأجهزة استخبارات قوية تحاكم المواطنين الذين يقتربون من ( نفسية الأمة ) خشية أن تسقط، وتتحطم كما تتحطم لعبة طفل رخيصة مصنوعة في تايوان؟

الاختفاء القسري هو نتيجة طبيعية لاختطاف مواطن كان عائدا إلى منزله، وفجأة تتوقف سيارة، وينزل منها رجلان كما في الأفلام الأمريكية، ويصطحباه إلى مكان مجهول.أي امتهان هذا لكرامة ابن البلد وأهله وأبناء وطنه عندما يتم منعه من أن يتصل بوالدته أو شقيقه ولا نقول المحامي فتلك رفاهية في عالم الاستبداد.

وتبدأ عملية العقاب الجماعي عندما تقوم الأسرة بالمرور على أقسام الشرطة، والاتصال بالمستشفيات، ودفع ( إكراميات ) للصغار والكبار من الأمن على حد سواء من أجل معرفة مصير ابنهم.

الصحفي سالار أوسي من القامشلي كان متوجها في بدايات شهر يونيو إلى نادي الصحفيين.

ثم اختفى كما اختفى من قبله الكثيرون، فأمريكا اللاتينية في ظل حُكم العسكر كانت هكذا. يختفي المواطنُ كحشرة سقطت تحت حذاء عسكري، وقد لا يعود أبداً إلى أهله.


في العاشر من يناير 2005 تقوم المخابرات العسكرية بمدينة حلب باعتقال الطالب محمد عبد القادر طالب وهو يدرس في كلية الهندسة. يختفي كما اختفى غيره، وأسرته تستجدي أعلى سلطة في البلاد، لكن أهله نسوّا في غمرة اللهفة على ابنهم أن قانون الطواريء المعمول به منذ عام 1964 يسمح للدولة أن تُلقي القبض على أي مواطن، ولو تم توجيه تهمة النظر إلى ضابط الأمن بطريقة تهدد رخاء واقتصاد وسلام الدولة فإن القاضي قادر على أن يستخرج من اللاقانون مواد شبحية تُثَبّت التهمة على المواطن المسكين.

فؤاد الشغري يتم الحكم عليه بالاعدام بموجب القانون 49/1980الخاص باعدام كل من ينتسب لجماعة الاخوان المسلمين. ثم يتم تخفيف الحكم إلى 12 عاما، وهي أيضا تعني الاعدام ولكن في خلال فترة العقوبة.

أما فارس نقور فهو حالة من الظلم لا مثيل لها في كل الأحكام التي أص