مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com
23 حزيران, 2007
ولا عزاء لسوريا
طائر الشمال في ابريل 2002
تعاني سوريا من أزمة اقتصادية، ويحيط بها خصوم ينتظرون سقوطها ثمرة ناضجة بين أيديهم فلم تعد شجرة النبل قادرة على حملها! فنظام صدام حسين على الرغم من الصورة الظاهرية للتعاون بين بغداد ودمشق يرى إنهاء عصر الأسد الابن أو روح الأب تشفيا في عداء تاريخي لم يزل طعمه مرا في حلق طاغية بغداد.
وتركيا المريضة اقتصاديا ودينيا والتي تحكمها ديموقراطية تحت أحذية العسكر والفساد المستشري فيها كأنها امتداد للجزائر ونيجيريا وباكستان تمسك بيد الغرب أكسير الحياة عن سوريا، فتمنع الماء أو تتركه يروي عطش السوريين، مواطنين ونباتات وحيوانات، وفقا لإشارات قادمة من تل أبيب، فالإسرائيليون يعرفون كيف يضعون الورقة الخضراء في جيوب جنرالات الأناضول.
ولبنان الشمالي قوي بجنوبه، وعنيد بشامه، لكن الجامعة الأمريكية تقف في قلب بيروت تراقب مظاهرات الصفيريين وهم يطالبون برحيل القوات السورية تمهيدا للتقدم ناحية حزب الله وإجباره على الاختيار ما بين وطنه لبنان أو بين دمشق وطهران ومزارع شبعا، وكأن هذا الاختيار حتمي ومقياس للوطنية وحب لشجرة الأرز!
ولا تزال مرتفعات الهضبة السورية تخضع لقوى الاحتلال الصهيوني على الرغم من كل قرارات الشرعية الدولية التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة. وإسرائيل تستعد لجولة أخرى من الحروب مع العرب، فالمعارك والقتل والاحتلال هي التي تعطي الحركة الصهيونية شرعيتها وإلا فقدت شعبيتها بين قوى الاستعمار وبين اللوبي الصهيوني في الإدارة الأمريكية، ثم إنه لا بد من احتلال أرض عربية جديدة حتى تتفاوض إسرائيل على الانسحاب من جزء منها!
لم تتغير مفردات الوطنية في دمشق رغم إيمان الكثيرين بأن عصرا جديدا قد بزغ، وأن لغته خليط من العبرية، والعربية، وأن زعماء هذا العصر يعتبرون أن هناك كتابين مقدسين فقط هما التلمود وبروتوكولات حكماء صهيون!
عندما يخرج وزراء الخارجية العرب من اجتماعهم الطارئ تكون العصا الأمريكية قد سبقتهم هناك حيث يدلي كل منهم بتصريح مختصر أو مقتضب، وفي آخر اجتماع ضمهم لرفع الراية البيضاء مع أبي عمار، خرجوا باثنين وعشرين لسانا عربيا غير مبين، فعلي التريكي وزير خارجية العقيد خائف كرئيسه من أي غضب أمريكي، وفاروق قدومي كان كأنه قادم من منتجع سياحي ويتحدث عن السلام والإمكانيات المتوفرة، وأحمد ماهر، الذي لا أعرف حتى الآن كيف عثر عليه الرئيس حسني مبارك مع أن مصر تستطيع أن تمد الخارجية بسبعين وزيرا في كل يوم يمثل كل منهم مدرسة في الدبلوماسية والثقافة والمعلوماتية والشكل والمظهر والحديث والمنطق والوطنية، يتحدث( أي وزير الخارجية المصري) عن الإجماع العربي في المؤتمر!
ووزير خارجية الأردن يعلم أن التحالف الأردني- الصهيوني أشد قوة وأمنا ودفئا من التضامن العربي، أما وزير خارجية موريتانيا فسينقل للإسرائيليين كل ما دار في الاجتماع. وحده وزير الخارجية السوري فقط فاروق الشرع كان صريحا وواضحا ومناهضا للغطرسة الأمريكية والاحتلال الصهيوني والظلم الدولي والتعاطف الغربي مع القتل والتدمير! فاروق الشرع الذي وقف مرة في مدريد يرفع وثائق تدين الإرهابي اسحق شامير في مفاوضات للسلام، لا يمكن أن يستخدم لغة كثيرين من زملائه في وصف إرييل شارون أو الدفاع عن موقف ياسر عرفات أو تأييد وقف ثورة التحرير الفلسطينية فلسطيني.
ترى ماذا يتبقى للعرب إن ترجل الفارس السوري النبيل؟
هل سيأتي يوم أغبر أسود مظلم يجلس فيه وزير الخارجية السوري مع نظرائه وزملائه وهم يتحدثون عن ذكريات الماضي عندما كانت هناك أمة عربية واحدة وقضية مركزية ونضال ضد الاحتلال ولغة مشتركة، وهم الآن في انتظار زميلهم العزيز وزير الخارجية الصهيوني؟
كابوس مفزع يطارد المواطن العربي عندما يشاهد وزراء الخارجية العرب يخرجون من اجتماعهم وكأنهم كانوا في سرادق للعزاء يتخلله حفل عرس احتفالا بالتخلص من الانتفاضة التي كانت تثير غضب أمريكا عليهم وعلى الزعماء وعلى الوطن العربي كله.
إلى متى ستصمد سوريا وهي تسمي الأشياء بمسمياتها، وترفض مقايضة الوطن في مقابل كلمات غزل تخرج من البيت الأبيض أو دولارات تصب في الخزانة السورية أو دعم غربي بمباركة أمريكية لتحسين الاقتصاد السوري؟
الواقع يؤكد أن سوريا هي المتحدث الرسمي باسم الحقوق العربية المهضومة وهي الملاذ الأخير لحركة النضال ضد الصهيونية وهي الصوت العربي الوحيد الذي يمكنه أن يقول لا للبطش والجبروت والظلم الأمريكي.
يبقى شيء أخير كتبنا عنه مرارا ولم نزل نطالب به السلطات السورية كما تطالب هي العرب بوقفة واحدة ضد الهجمة الأمريكية الصهيونية: أن يفرج الدكتور الرئيس بشار الأسد عن آخر معتقل رأي سوري، ويسمح لمنظمة العفو الدولية بزيارة أي مكان ترغب فيه في أي شبر من قلب العروبة النابض.
نحن مع سوريا في هذه الأوقات الحرجة من تاريخ أمتنا، ولكن على سوريا أن تقترب منا، وأن تمد إلينا يديها نظيفة وطاهرة ولا أثر فيها لأي تعذيب لمواطن سوري. نحن مع سوريا ظالمة أو مظلومة فهي قلعة النضال الأخيرة، وعلى دمشق أن تبادلنا نفس المحبة والتكاتف والتراحم وذلك بإنهاء كل صور الظلم الأمني الذي يقع على الضعفاء والمساكين وفي مقدمتها جعل الاستخبارات السورية في مواجهة أعداء الوطن وليس في تخويف المواطن.
شكرا للرئيس الدكتور بشار الأسد لأنه استجاب وأفرج عن مئات وأغلق سجنين مخيفين، وحرر بعض أعضاء الجماعات الإسلامية من كابوس مصادمات مر عليها أكثر من عشرين عاما، لكنها خطوات لا تكفي للانتصار على العدو وتحقيق الرخاء وتحرير الوطن، فإما أن يتم انتزاع الخوف نهائيا من صدور المواطنين الذين يخشون أجهزة الأمن وتحرق كل ملفات السوريين في الغربة ليعودوا آمنين إلى الوطن أو أن الفارس النبيل سيترجل ولن يتحرر الجولان! هل يحتاج هذا الخيار إلى التردد لحظة واحدة؟
انتهاء المهلة المحددة للافراج عن الشعب السوري
طائر الشمال في مايو 2002
ضميري المهني يضغط على كياني كله للكتابة عن حقائق الوضع في سوريا، لكن عشقي الشديد منذ صغري لقلب العروبة النابض يرجئ دائما رغبات قلمي إلى وقت لاحق، لعل مفاجأة تحدث، أو خبرا تطيره وكالات الأنباء ويطير معه قلبي فرحا وبهجة بانتهاء دولة المخابرات والإفراج عن الشعب السوري وتحقيق وعد الرئيس بشار الأسد.
ويطول الانتظار، ويزداد الحزن في النفس والقلب معا، وأكاد أتوقف عن الكتابة خشية أن أقف في الجانب المضاد والمعادي والمناهض لدمشق.
كان ومازال أملي كبيرا في فجر شامي مشرق كوجه حسناء حلبية تهب عليه نسمة رقيقة باردة، لهذا أرسلت عدة مرات للرئيس الراحل حافظ الأسد، وكتبت مقالات عشق في سورية، وتمنيت فيها أن يتنفس شعبنا هواء نقيا بعد إلغاء الأحكام العرفية وإغلاق المعتقلات والإفراج عن كل المعتقلين السياسيين.
وتصادف أحد مقالاتي مع الإفراج الفوري عن أكثر من ألفي معتقل بأوامر مباشرة من الرئيس الراحل حافظ الأسد، حتى أن القائمين على مجلة( الفرسان) الباريسية وقتها ظنوا أن لنا علاقة بالقصر الجمهوري في دمشق.
وعندما جاء الشاب طبيب العيون الذي تربى في مدرسة الأسد الوطنية وتأثر بالفكر الليبرالي الغربي ذهب الظن بي إلي أن الأمر لن يستغرق أسابيع قليلة ثم يفرج الرئيس بشار الأسد عن كل المعتقلين من أبناء شعبه، وينهي إلى غير رجعة دولة المخابرات والأمن.
وفعلا أفرج بشار الأسد عن ستمائة سجين سياسي في السادس عشر من أغسطس عام ألفين، وتوقف الإفراج، وبدا أن الحرس القديم فهم اللعبة جيدا، وران صمت مخيف على القصر الجمهوري، فالرئيس لن يفرج عن المزيد!
تذكرني قصيدة( دعاء الشرق) بسورية، وعندما قمت بزيارتها مرة واحدة يتيمة بدعوة من الدكتور محمد سلمان وزير الإعلام(السابق) كدت أتعرف على كل حجر في دمشق لم أكن رأيته من قبل، وتساءلت: هل حقا الحب يبدأ من دمشق كما قال نزار قباني في قصيدته التي كان مطلعها: يا تونس الخضراء جئتك عاشقا وعلى جبيني وردة وكتاب.. إني الدمشقي الذي احترف الهوى فاخضوضرت لغنائه الأعشاب.
يتملكني غضب شديد لأي هجوم ظالم على سورية، ولذا قمت بالرد على أنيس منصور عندما هاجم شعبنا السوري الذي لا زلت أعتبره في وحدة لم تنفصل بين الإقليمين الشمالي والجنوبي للجمهورية العربية المتحدة. وحزنت بشدة عندما تلقت الصحافة المصرية القومية توجيهات بالغمز واللمز في الموقف السياسي الوطني السوري بعيد مؤتمر قمة بيروت الذي عرض النازي الصهيوني آريل شارون حضور جلساته!
ومنذ تولي الدكتور بشار الأسد رئاسة الجمهورية وأنا أحاول ما وسعني الجهد تجنب الاصطدام وكأنني عاشق من طرف واحد، ليس بالقطع خوفا من أجهزة الأمن، فصفحات طائر الشمال تشهد منذ صدورها أننا لا نخاف إلا الله الواحد القهار، فطائر الشمال لا يستطيع أي موزع صحف في عالمنا العربي أن يعرض علينا توزيعها، والمرة الوحيدة التي تلقى منا موزع وناشر في عاصمة عربية طردا به ستمائة نسخة تركها في المطار ورفض تسلمها.
وكثيرون من معارفي وأصدقائي يطلبون مني عدم إرسال المجلة لهم خشية أن تحوم شبهات حولهم، وكذلك فعل نائب رئيس تحرير مجلة أسبوعية عندما قال لي في وقت لاحق بأنه يخشى أن يعرف أي من زملائه الإعلاميين أنه يقرأ طائر الشمال! بل إن مدير شركة خطوط طيران عربية في عاصمة أوروبية بعث إلينا رسالة هجاء رافضا تماما تسلم المجلة خشية أن يؤثر هذا على منصبه.
ترى هل يميز المسئولون السوريون بين مقالات يفيض على جانبيها عشق شديد لسورية وبين أخرى تطفح بغضا وكراهية وظلما؟
بكل ما في نفسي من حب لسورية وخوف عليها، أستطيع الآن التأكيد على أن لا فائدة، فلا تزال دولة المخابرات تهيمن على رقاب شعبنا، والحرس القديم
يقيمون جدارا سميكا حول الرئيس الشاب، وبشار الأسد لم يعرف بعد أن كل ضابط أمن يعتقل مواطنا سوريا بدون وجه حق، فإنه يعمل لصالح إسرائيل حتى لو ظن أنه يحسن صنعا!
التهم الحمقاء التي يتم توجيهها إلى أي معتقل لا تختلف كثيرا من شخص لآخر، فعندما تم اعتقال النائب المستقل مأمون الحمصي، وجهت السلطات له تهما عدة أهمها:التشهير بالدستور ومعاداة النظام والتخابر مع جهات خارجية معادية! والنائب المستقل لم يطالب بأكثر من احترام قدسية الدستور والحد من حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية ورفع يد السلطة الأمنية عن السلطة السياسية. سجن صيد نابا تم فيه حشر مئات السجناء السياسيين وأكثر من نصفهم ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، ثم بعث العراق، ثم التخابر مع جهات عربية(!!) وبالسجن أيضا معتقلون من حزب تحرير إسلامي، وحزب العمال الكردستاني، والعمل الشيوعي، والبعث الديموقراطي، والمنظمة الشيوعية العربية.
الحديث عن سجن تدمر يذكرنا بسجون العراق والأردن والجزائر والمغرب وتونس وليبيا، بل إنه يكاد ينافس سجن أبو غريب العراقي وسجن تزمامارت المغربي، فالسجون الثلاثة يستطيع ملك الموت أن يقوم بزيارتها متى شاء وسيجد بمجرد دخوله مواطنين سوريين أو عراقيين أو مغاربة مشرفين على الموت وينتظرون الزيارة الميمونة لعزرائيل الذي سينهي عذابهم.
خمسة آلاف سجين قضوا نحبهم في سجن تدمر العسكري في أقل من خمس سنوات وذلك في بداية الثمانينيات.
جرت مجزرة تدمر الشهيرة التي قادها الدكتور رفعت الأسد وتخلص فيها من سبعمائة سجين بنشوة شديدة، وبالمناسبة فالدكتور رفعت الأسد يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني في قناته التليفزيونية(شبكة الأخبار العربية)، ويبكي بدموع حقيقية(!!) على حقوق الإنسان، لكن الدكتور لم يقرأ الفاتحة بعد على أرواح مئات السوريين المدفونين في مقبرة جماعية بالقرب من سجن تدمر.
الغريب أن الدكتور رفعت الأسد كان يريد أن يرث أخاه الرئيس الراحل حافظ الأسد، ولو فعل لجعل سورية كلها مقبرة جماعية واحدة تمتد من اللاذقية إلى مجدل شمس. حقوق المواطن السوري منعدمة تماما، فالاعتقال التعسفي قائم، وكلمة القضاء هي السفلى أمام مذكرة التوقيف الأمنية التي يكتبها على عجل ساديون تجري في عروقهم دماء إيلي كوهين، وللمعارضة السورية الحد الأدنى وهو يقترب من الصفر، والسلطات لا تحترم استقلال القضاء ولا حرية العمل النقابي وتشتبه في أي محام يقرر الدفاع عن سجين الرأي.
جميع الانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان داخل وخارج السجون والمعتقلات، تعلم بها الحكومة وتوافق عليها وتسهل مهمة مرتكبيها وتجعل الدولة ومؤسساتها وشعبها في خدمة الأمن وأجهزته المخيفة.
ليس في سورية دستور يمكن الاعتماد عليه واحترامه على الرغم من الانحياز الكلي للدستور السوري لحزب البعث الاشتراكي، فكل القوانين التي تسير بها سورية هي قوانين استثنائية والثابت الوحيد هو الأحكام العرفية التي ستكمل في العام القادم عامها الأربعين أي في الثامن من مارس.
إن أي سوري يريد أن يغادر عليه أن يحصل على عدم ممانعة من السلطات الأمنية، وهذا يعني للمثقفين والمفكرين والفنانين والكتاب مراقبة مسبقة لأعمالهم وإلا فإن الأمن العام لن يسمح لهم بمغادرة البلاد.
إن أي كتاب أو مخطوط أو مقال بل حتى خطبة الجمعة في المساجد يجب أن تمر على أجهزة الأمن لأخذ الموافقة أو تتعرض للمنع.
وعندما بدأ الرئيس بشار الأسد في تنفيذ وعوده بإطلاق حرية الشعب انتفضت القيادة العامة لحزب البعث العربي الاشتراكي واتهمت بيان الألف مثقف بأنه يريد تخريب الجبهة الداخلية. وعاد الحرس القديم يقبض على رقاب شعبنا السوري بعد أن تنفس لشهر أو اثنين..
إن أي ندوة يتم عقدها الآن ينبغي أن تستوفي شروطها كاملة وهي طلب ترخيص رسمي للمحافظ، والحصول على ترخيص باسم الشخص الذي سيلقي المحاضرة، وقائمة بأسماء الأشخاص الذين سيحضرون الندوة، وتقديم موجز عن الندوة مع تحديد المكان والزمان.
المئات الذين تم خطفهم أو اختفاؤهم لم يعثر لهم أحد على أثر، ولم توافق السلطات السورية بعد على التحقيق في اختفائهم.
وبما أن هناك أحكاما عرفية منذ أربعين عاما، فإن الحاكم العرفي يستطيع أن يأمر باعتقال أي شخص دون اللجوء لمذكرة توقيف أو الحصول على موافقة
النيابة العامة، وفترة الاعتقال قد تمتد ليوم أو عام أو عشرين عاما دون محاكمة، فكرامة المواطن لا تساوي قيمة ورقة عليها مذكرة التوقيف بل هي أرخص
من أن يكلف ضابط الأمن نفسه معرفة التهم الموجهة للمعتقل.
هناك خمسة عشر جهازا للأمن في سورية تملك صلاحيات واسعة تبدأ بتوقيف أي شخص في عمله أو منزله أو في الشارع أو في حفل زواج ابنته أو في مطار دمشق الدولي، وتمر تلك الصلاحيات بحرية تعذيب المتهم والاعتداء الجنسي عليه وتوقيف أهله وضرب زوجته والتهديد باغتصاب بناته، ولا تنتهي تلك الصلاحيات بدفنه في مقبرة جماعية لا يعرف موقعها غراب ينبش في الأرض أو الثعبان الأقرع الذي لا يقترب من المقابر الجماعية لأي سجن عربي.
لماذا لم يعلن الرئيس بشار الأسد عفوا عاما عن أبناء شعبه المعتقلين ظلما والذين قضى بعضهم أكثر من ربع القرن في زنازين ضيقة وقذرة دون أن تتم توجيه
أي تهم إليهم.
إن المحاكم الاستثنائية وصمة عار وتسيء لسورية، فهناك إذلال للقضاء والمحامين وعائلات المعتقلين، وكذلك محاكمات صورية تستند إلى اعترافات تم انتزاعها تحت باطن الأرض بعد نزع أظافر المتهمين أو نفخ أجسادهم أو اغتصابهم، وليس للمحامي حق الانفراد بموكله. من يصدق أن سورية لم توقع على اتفاقية مناهضة التعذيب لأن أجهزة الأمن الخمس عشرة والتي يعمل في خدمتها آلاف من زبانية التعذيب لن تجد عملا حرا وشريفا ونظيفا، فقد تلوثت أيديها بدماء شعبها لعقود عدة، وتربى جيل جديد من ضباط الأمن وجنوده ومخبريه ومرشديه لا يعرفون لغة أخرى غير القسوة وقلع الأظافر وإطفاء أعقاب السجائر في الأجساد البريئة لمواطنين أحبوا وطنهم فقابلهم أبناء وطنهم من رجال الأمن بكراهية تكاد تصطلي حمما.
من يصدق أن الصحفي رضا حداد الذي توفى في السابع عشر من يونيو عام ستة وتسعين كان قد قضى في المعتقل أربعة عشر عاما قبل أن تتم محاكمته رغم مرضه بالسرطان ورفض السلطات السورية الإفراج عنه؟
ضحية يقول: لدى اعتقالي تم تعريضي إلى أشد أنواع التعذيب لانتزاع معلومات، حيث تم جلدي وتعذيبي بالكرسي الألماني وحرق الأطراف بالأسيد وهرس الأصابع والتعذيب المعنوي بجلد زوجتي أمامي وأهانتها وإحضار والدتي والتهديد بتعذيبها. ثم تعرضت لعملية فسخ للطرفين السفليين أدت إلى افتراق شديد في الوصل العاني وكسر عظم الحوض، ففي السجون السورية هناك أربعون طريقة للتعذيب، منها كسر العظام والاغتصاب والصعق الكهربائي وقلع الأظافر والتعليق من الأرجل مع جلد طوال الليل والنهار وغيرها.
في تقرير منظمة العفو الدولية تم توثيق اعترافات خطيرة لمتهمين تعرضوا لكل صنوف التعذيب وخاصة عقب اعتقالهم حيث يتم تعرضهم لما يطلق عليه(حفل الاستقبال) وتتضمن أكثر الطرق شيوعا الضرب على أنحاء الجسم، والضرب على باطن القدمين، وتعليق الضحية في إطار سيارة معلق وركله، وصب الماء البارد بصورة متكررة علي جسم الضحية، وتمديد العمود الفقري بما يسمي الكرسي الألماني. ولا يزال التعذيب يمارس بصورة منتظمة في سجن تدمر العسكري، وقد تضاعف التعذيب على الخمسمائة معتقل الذين حوكموا أمام محكمة أمن الدولة في دمشق في يوليو عام خمسة وتسعين. كما أن هناك أكثر من عشرين ألف سجين مروا على سجن تدمر العسكري في أقل من عشر سنوات لكنه لا يستضيف الآن أكثر من ستمائة سجين، بعضهم قضى فيه عقدين من الزمان دون محاكمة. ويقول احد السجناء الذين هربوا من سوريا منذ أقل من ثلاث سنوات: " عندما يشكل الموت حدثا يوميا يتربص بالمرء من خلف التعذيب وعمليات الضرب العشوائية وقلع العينين وكسر الأضلاع وسحق الأصابع.. وعندما يحدق بك الموت ولا يمكن تفاديه إلا بالصدفة.. أفلا ترحب بالخلاص عبر رصاصات الرحمة؟".وهذه شهادة سجين سابق في تدمر عما حدث له بعد عام من تولي الدكتور بشار الأسد مقاليد السلطة: " بعد نزولنا من الحافلة في سجن تدمر، سرنا عبر بوابة السجن ورؤوسنا مغطاة وأيدينا مكبلة خلف ظهورنا. وفي اليوم التالي جمعونا من أجل( حفلة الاستقبال). أمرت أن أستلقي على بطني، ثم ربطوا قدمي إلى الأعلى. وضغط أربعة حراس على ظهري بأقدامهم ليمنعونني من الحركة. ثم جلدت ربما أكثر من مائتي جلدة إلى أن فقدت الوعي".
ويقول آخر:" أثبت الجنود والرقيب المسؤول أنهم أصحاب أفكار مبتكرة في وسائل الإذلال، وإلى جانب الضرب والركل والجلد، هناك وسائل تعذيب هزلية مؤلمة مثل إجبار السجين على أكل حشرة أو صرصار أو ذبابة كبديل عن لعق حذاء الحارس أو الرمل في الساحة لتنظيفها".
ويتعرض السجناء للضرب بشكل روتيني وهم يدخلون إلى زنازينهم أو يخرجون منها أو عند الاستعداد للاستحمام أو عند تسلمهم الطعام.
هناك رئيس للزنزانة وعليه أن يأتي كل يوم بمن يتلقى وجبات إضافية من التعذيب وإذا لم يفعل يتعرض هو للتعذيب، ثم يطلب منه، مثلا،أن يحضر أطول سجين أو الأقصر أو شخص أعزب أو متزوج لمعاقبته، وفي أغلب الأحيان يقترن التعذيب الجسدي بالنفسي ثم التهديد باغتصاب الزوجة أو الابنة أو الأم.
ويطلب حراس السجن أحيانا من السجناء أن يعذب كل منهم الآخر كأن يضربه أو يطلب منه شرب ماء قذر أو أكل حشرات، فالمطلوب تحطيم كامل لكل ذرة كرامة أو إنسانية يمكن أن تكون قد أفلتت ولا تزال قائمة في نفس أو عقل أو جسد السجين.
وفي سجن تدمر حينما يحين موعد حلق الشعر يقوم السجناء الحلاقون بحلق شعر النزيل بطريقة همجية وسريعة وبأمواس حلاقة قديمة وملوثة وتحدث شقوق وجروح في الرأس، وإلا فإن العمل لا يصبح جيدا ويتعرض الحلاق للتعذيب.
الذهاب إلى الحمامات جحيم لا يطاق، فالنزلاء يذهبون بالركل والضرب والجلد. ثم يدخل ستة منهم إلى دش واحد وبارد، ويقوم الحارس وهو يضرب الستة الآخرين بالعد من واحد إلى عشرين ثم تنتهي وجبة الضرب والاستحمام، وعلى هؤلاء الستة أن يعودوا ويركعوا ليتلقوا ضربات موجعة حتى ينتهي الآخرون
من الاستحمام. أما العودة إلى الزنزانة فكأنها طريق لا نهائي يتعرضون خلاله لضرب في كل أجزاء الجسد حتى يتحول إلى دماء متجمدة.
حتى هذه اللحظة فإن سجن تدمر العسكري تمارس فيه كل صنوف العذاب مثل الجلد أثناء تقديم الطعام أو ارتكاب مخالفات جسيمة وأهمها النظر إلى وجه الحارس أو الذهاب إلى المرحاض أثناء الليل وعقوبة المخالفة تتراوح ما بين خمسين إلى مائتي جلدة.
في بعض الأوقات التي مرت على سجن تدمر اضطر أكثر من مائة سجين إلى استعمال مرحاض واحد، وفي عام تسعة وتسعين تم منع المطالعة أو إعطاء دروس أو الصلاة أو الصوم أو النظر من النافذة أو المشي داخل الزنزانة.
قمنا بالاستعانة بمقتطفات من حقوق الإنسان العربية والسورية والدولية، والأمر يحتاج إلى مجلدات كاملة لوصف جحيم لا يمكن أن يستمر.
كم وددت لو أنني لم أحب سوريا في يوم من الأيام فربما تمكنت من إصدار عدة كتب من شاكلة كتب المعارضة من الإخوان المسلمين والشيوعيين وبعث العراق والمستقلين وغيرهم، لكنني في الواقع، ورغم فداحة الجرم المستمر في سورية أتشبث بضوء صغير جدا أكاد أراه رؤى العين حتى لو بدأت مقالي بأنه لا فائدة من الحديث عن النظام السوري ودوره الوطني والتفاؤل بقرب انتهاء دولة الاستخبارات وأجهزة الأمن وسجن تدمر ومئات من الضباط والسجانين الذين نهشوا لحوم السوريين وعذبوا وقتلوا آلافا من الأبرياء في السنوات الماضية.
إذا ظن الرئيس بشار الأسد أنه مدين للحرس القديم بتوليه رئاسة الجمهورية فلن يستطيع أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام.
هناك تناسب عكسي ما بين عدد المعتقلين وما بقي من وقت لتحرير المرتفعات السورية، ولا زلنا نحذر الرئيس الدكتور بشار الأسد من أن كل رجل أمن يعذب سوريا أو يعتقله أو يهينه هو واحد من الطابور الخامس الذي يعمل لصالح إسرائيل في قلب العروبة النابض. لن يتحرر شبر واحد من سورية قبل أن يتحرر الإنسان السوري ويتنفس وينطلق ويكتب ما يشاء ويعقد ندوات وينتقد الحكومة والسلطة والرئيس نفسه.
لن يجد آريل شارون خيرا من السجانين في سجون ومعتقلات سورية ليمنعوا هذا البلد من التقدم وامتلاك قوته وتحسين اقتصاده.
فليصدقني الرئيس بشار الأسد إن قلت له بأن كل أجهزة الأمن المنشغلة بالمواطن السوري تعمل من حيث تدري أو لا تدري في خدمة الموساد.
كل السجانين وضباط الأمن في سجن تدمر جواسيس لإسرائيل حتى لو لم يكن بينهم وبين الدولة العبرية أي اتصال، فمن أولى مهام الجاسوس أن يخرب لصالح أعداء الوطن. ليتق الرئيس بشار الأسد ربه وضميره ويعلن فورا الإفراج عن الشعب السوري في داخل السجون وفي خارجها، وإذا لم يفعل فستقوم بذلك قوى غربية أو أمريكية بدعم كامل من الكيان الصهيوني العنصري.
الغريب إن جسدي كله يرتعش من هول ما قرأت عن دولة الاستخبارات، ولا زلت أحب سورية وأحلم بأن يقوم بشار الأسد بتحريرها من المحيطين به وبها، هل هي أضغاث أحلام؟ وسلام الله على سورية
لماذا لا ترد سوريا؟
طائر الشمال في 5 أكتوبر 2003
اختارت إسرائيل بعناية شديدة توقيت ضرب العمق السوري في الوقت الذي يحتفل السوريون بمرور ثلاثين عاما على أكتوبر المجيد.
الرسالة كانت واضحة, وكما ذكرنا عشرات المرات من قبل بأننا نقف مع قلب العروبة النابض, ونتعاطف مع دمشق, ولسنا في معرض المفاضلة بين باطل العدو الصهيوني والحق السوري.
لكن سوريا لا تريد أن تنصت مرة واحدة لعشاقها من العرب الخائفين عليها والذين تنحصر مطالبهم في حقوق المواطن السوري, والقضاء على دولة المخابرات, وانهاء سلطة الحرس القديم, ونزع الخوف من قلوب السوريين, وفتح أبواب الوطن كله للمغتربين ليعودوا بدون خوف أو وجل أو ملفات أمنية ويساهموا في بناء الوطن.
قلنا بأن العدو الصهيوني هو الأكبر والأقوى ما لم تغلق سوريا كل المعتقلات والسجون, وتفرج عن سجناء الضمير والرأي.
التحليلات التي حاول المفكرون والسياسيون والمثقفون السوريون اقناع المشاهد بها في الفضائيات جاءت مضحكة ومبكية, وهي اكليشيهات معدة منذ زمن بعيد عن ضرورة أن تختار سوريا وقت وزمن معركة التحرير.
وجاء الرد السوري بشكوى مليئة بالدموع إلى مجلس الأمن وكأن المجلس لا يحتوي على مجلدات من الشكاوى ضد الدولة العبرية لا تحرك شعرة من رأس السفاح آريل شارون.
لا نبحث عن حرب, ولا نطلب من سوريا أكتوبر جديدا, لكننا نريد ردا فيه ولو أقل درجات الكرامة التي تليق بذكرى النصر العظيم حتى لو كانت تهديدا أجوف بالرد في العمق الاسرائيلي على العدوان.
لو أن اسرائيل ضربت الصومال فربما ينتفض الصوماليون غضبا ويأتي الرد على العدوان الصهيوني في ساعات معدودة.
لا نحرض سوريا ولا نريد معرفة توقيت الحرب أو تحرير الجولان, لكننا نبحث عن الكرامة وهي بالطبع ليست في حشايا الشكوى لمجلس الأمن
من يعيد إلينا سوريا؟
طائر الشمال في 16 سبتمبر 2003
بيني وبين سوريا عشق قديم لا أتذكر بداياته, ولعلها كانت في العام الأول للوحدة بين الاقليم الشمالي والاقليم الجنوبي, وكنت قد بلغت الحادية عشرة من عمرى , وبدت لي آنئذ سوريا امتدادا عضويا وروحيا وثقافيا لوطني الأم.
وفي هذا العام بالذات أتذكر أن أحد المدرسين أبلغنا في الفصل في مدرسة البوصيري الابتدائية بالأنفوشي في الاسكندرية أنه يستعد للسفر إلى قلب العروبة النابض, وسيزور الجامع الأموي, ويتجول في سوق الحميدية, ويقرأ الفاتحة على قبر صلاح الدين الأيوبي.
وسألنا مازحا إن كان أحدنا يرغب في شيء من دمشق, فرفعت يدي على الفور, وكنت أريد فقط أي شيء من رائحة سوريا التي أحببتها قبل نضوجي بسنوات عدة.
ومرت السنوات, وانفصلت سوريا عن مصر, وظللت لسنوات عديدة استخدم تعبير الاقليم الشمالي والاقليم الجنوبي في محاولة مني لرفض الانفصال, أو الايحاء للنفس بأن قلب العروبة لاتزال ملتصقة بقلبي.
ثم توالت سنوات أخرى, وشغلتني هموم الوطن العربي برمته, ولكن ظل حنين السفر لسوريا يسري في كياني كله, ولم أكن مطمئنا لزيارة عشقي الأول استنادا إلى كتابات كثيرة لي عن حقوق الانسان والمعتقلات والسجون, وحساسيتي المفرطة ضد دولة المخابرات.
وفي عام تسعين حدث تغير فكري لي نتيجة الموقف السوري الملتزم والمبدئي من احتلال العراق لدولة الكويت الصغيرة والآمنة والمسالمة, في الوقت الذي بدأت تخف حدة الضغط على المواطنين, وكان لابد من الوقوف مع سوريا لأسباب قومية وعروبية.
ونشرت في طائر الشمال مقالات كثيرة ورسائل مفتوحة إلى الرئيس حافظ الأسد, ومنها واحدة من الرسائل التي قيل لي بأن الرئيس الراحل استجاب لها, وتأثر بفحواها وبمصداقيتها حتى أن محررا بمجلة الفرسان التي كانت تصدر في العاصمة الفرنسية اتصل بي وسألني إن كنت على علاقة بالقصر الجمهوري! ولما سألت عن السبب قال لي بأن الرئيس حافظ الأسد قرر الافراج عن ألفين وسبعمئة معتقل بعد نشر رسالتي المفتوحة والموجهة إليه.
قمت بزيارة دمشق مرة واحدة ولمدة خمسة أيام فقط , وقابلت مثقفين واعلاميين ومسؤولين, وزرت القنيطرة, وأرتويت من الأرض الطيبة, ولكن كانت في نفسي عشرات التساؤلات التي لم تجب عليها زيارتي, ولم تزحها جانبا عواطفي الجياشة تجاه دمشق وأهلها وأرضها وتاريخها ومفردات الوطنية في قاموسها اليوم.
كل جيران سوريا يتربصون بها, ويأملون في انهيارها, ويعمل كثيرون منهم مع أعدائها وخصومها, من ذئاب الأناضول في الشمال مرورا بنظام شيطان بغداد البائد ثم الرئيس الجديد بريمر ( وهو غير الرئيس أحمد الجلبي ), والنظام الهاشمي في الأردن ( حتى أن السفير السوري في عمان تراقبه أجهزة الاستخبارات الأردنية ليلا ونهارا), وكثير من الميليشيات اللبنانية الظاهرة والباطنة, أما الكيان الصهيوني فحدث ولا حرج.
ومع ذلك فالسلطات السورية ترى حرية التعبير والرأي والنقد والمعارضة والتظاهر والرفض أشد خطرا من كل أسلحة جيرانها مجتمعين أو منفصلين!
وعندما تولى طبيب العيون الشاب بشار الأسد الحكم بعد تغيير مواد الدستور ليلائم عمره, تفائل المتشائمون, وتسامح الغاضبون, وأرسل الخصوم في الداخل إشارات كثيرة ممنية نفسها بعهد جديد في ظل قيادة علمية ومستنيرة ومتفتحة وتملك الاثنين معا, الفهم الغربي للديمقراطية, والالتزام السوري العربي في الصراع مع العدو الصهيوني.
لكن دولة المخابرات لم تكن تسمح للرئيس الشاب أن يقص أجنحتها, أو يلعب من وراء ظهرها, أو يفرج عن آلاف المعتقلين, أو ينهي سطوتها على رقاب المواطنين, أو ينزع الخوف من قلوب السوريين.
ولم يتغير شيء....
فالمحققون جلادون, وأجهزة الاستخبارات تعرف دبيب النمل, والمواطن السوري تزداد نبضات قلبه أضعافا كثيرة قبل أن تهبط الطائرة به مطار دمشق الدولي, وروح إيللي كوهين تسري في دماء زبانية التعذيب في المعتقلات.
سوريا هي قلعة الصمود أمام الصهيونية, وهي مفردات الوطنية التي تتطهر بها النفس العربية في زمن الهزائم, وهي الكبرياء الذي يتحدى المهانة والاذلال أمام قوى الاستعمار الجديد, وهي الشباب الذي تجدد ( رغم اعتراضنا وتحفظنا على طريقة نقل السلطة ) في صورة هذا الشاب المتفتح والذي تربى في مدرسة الأسد.
ولكن دولة الاستخبارات التي تعتقل الشعب السوري بكامله داخل حدود جمهورية الصمت, تعتقل أيضا الرئيس بشار الأسد داخل دائرة الخوف أو الانتظار, فهو مدين لها بايصاله للحكم وهي تعرف أنها لا تمزح ولا تقدم تنازلات.
في كتاب ( طبائع الاستبداد) يقول عبد الرحمن الكواكبي:
( المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم درا وطاعة, وكالكلاب تذللا وتملقا, وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدمت خَدمت, وإن ضُربت شرست, وعليها أن تكون كالصقور لا تلاعَب ولا يُستأثر عليها بالصيد كله, خلافا للكلاب التي لا فرق عندها أطعمت أم حُرمت حتى من العظام).
سوريا في خطر مادامت دولة المخابرات تمسك رقاب الشعب, وكلما تحرر سوري وخرج من المعتقل خسرت اسرائيل موقعا لها, فإذا تم الافراج دون قيد أو شرط عن كل السوريين واللبنانيين والفلسطينيين المعتقلين في زنزانات الرعب, فإن إسرائيل ستقيم سرادق عزاء, وستفهم القيادة الصهيونية أن قلب العروبة النابض ستلحق بها هزيمة منكرة في أي حرب قادمة.
لن يتحرر شبر واحد من الجولان ما لم يتحرر الشعب السوري من الخوف والفزع وسوط الجلاد وملفات الرعب في أجهزة الأمن الممتدة في طول وعرض الوطن السجين.
سوريا الحبيبة ترزح تحت نير استعمارين, الصهيونية في المرتفعات, وأجهزة الأمن في المنخفضات, أعني زنزانات العالم المنسي تحت الأرض.
إن كل ضابط سوري أو رجل أمن يعتقل بريئا, أو يعذب مواطنا, أو يلفق تهمة كاذبة لواحد من أفراد شعبه, فإنه في الواقع يعمل ضمن الطابور الخامس, وأن لافرق كبير بينه وبين إيللي كوهين.
لسنا في معرض الحديث المفصل عن سجن تدمر , فالداخل إليه مفقود والخارج منه مولود, وغالبا لا تخرج منه إلا روح مسكين عذبه زبانية الارهاب حتى تم استدعاء ملك الموت على عجل.
في فجر السابع والعشرين من شهر يونيو عام ثمانين قام 200 عنصر من سرايا الدفاع بأوامر من رفعت الأسد بفتح النار على مئات الأبرياء في سجن تدمر العسكري , وفي أقل من ساعة زمن كانت أجساد السجناء قد تمزقت, وسالت الدماء في كل مكان, وجاءت شاحنات لنقل مئات الجثث, ثم قامت بالقائها في حفر قريبة من بلدة تدمر( بالمناسبة فرفعت الأسد لديه قناة فضائية عربية تدافع عن حقوق الانسان !!!).
المجازر كثيرة ومنها مجزرة جسر الشغور, ومجزرة سوق الأحد بحلب, ومجزرة سرمدا, ومجزرة هنانو بحلب, أما مجزرة حماة فكانت في الثاني من فبراير عام اثنين وثمانين وهي أخطر وأقسى المجازر الوحشية في القرن العشرين.
ومع ذلك فقد ظل الشعب السوري العظيم قادرا على التسامح والعفو, وخرج عن بكرة أبيه يبايع الرئيس بشار الأسد, ويضع بين يديه مستقبله وأمانيه وأحلامه.
ووصلت اشارات سلام ورغبة في تلاحم طوائف الوطن من أكثر المتضررين في تاريخ سوريا من المجازر وهم جماعة الاخوان المسلمين وقيادتهم في ألمانيا, لكن السلطات السورية رفضت عودة الاخوان بعد أكثر من عشرين عاما من المذابح والمواجهات.
الرئيس بشار الأسد يملك حلا سحريا يصنع به سوريا جديدة, ويلهب به خيالات الابداع, ويحرر به مرتفعات الهضبة, ويخفف به من كل التجاوزات التي حدثت في عهد الرئيس الوالد الراحل, وهذا الحل لا يخرج عن الافراج الفوري عن كل المعتقلين المنسيين في سجون الرهبة وعالم الظلمات والظلم تحت الأرض, وتفكيك دولة المخابرات, وتسريح أو محاكمة كل الضباط الذين اشتركوا في المذابح والمجازر ضد شعبنا السوري, وفتح الوطن السوري لكل المغتربين والمهاجرين دون أن يتوجه أي رجل أمن بسؤال واحد لعائد من الغربة, وأن يتم حرق جميع ملفات السوريين في مكاتب الأمن, وأن ترفع الرقابةعن الاذاعة والتلفزيون والكتاب والصحيفة والمطبعة.
عندئذ سيكتشف الرئيس بشار الأسد أن الأسياد الأحرار هم الحماية الوحيدة له وللوطن, في مقابل عبيد خائفين .
إن الأيدي المرتعشة لن تحمل سلاحا, وإذا حملته ففيه هزيمتها قبل أن يطلق العدو رصاصة واحدة.
كلما ازدادت دولة المخابرات وبسط الحرس القديم سيطرته على الوطن, تنفس الاسرائيليون الصعداء, وتلقت أجهزة الموساد تعليمات بأن لا يعملوا على الجبهة السورية, فدولة المخابرات في دمشق كفيلة بهزيمة الوطن دون أن يضطر جندي صهيوني واحد لاطلاق رصاصة.
هذه كلمات حب مكملة لأول معرفة لي منذ أربعة عقود أو أكثر بالاقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة, ولاتزال سورية في قلبي لا تبرحه حتى يأذن الله أو أكون من الهالكين.
إنني أرى هزيمة حبي الأول .. سوريا العظيمة في الظلم والبغي والعدوان وامتهان كرامة المواطن وبث أجهزة تجسس على المواطنين ومشاعر الخوف لدى كل المغتربين وتهميش دور ثقافة الحرية والتمرد والنقد والرفض.
ومقالي هذا دعوة من قلب يحب عشقا جارفا سوريا, ويتمنى الافراج الفوري عن الرئيس بشار الأسد من أجهزة الأمن ودولة المخابرات والحرس القديم, ليحرر بدوره شعبنا الباسل والصابر.
عندما يتم الافراج عن الشعب السوري سيتدفق عشرات الالاف من المبدعين والعباقرة السوريين الذين نسيهم الوطن في غربتهم, فتركوه فريسة السلطة.
في قصيدة نشرها الشاعر المأمون أبو شوشة في ديوان ( دموع المهرج ) يقول:
في قصرك المعمور بالخيرات يا ملكي كلاب ..
ولأنها في عز ملكك لا تثور ..
لا شك أنك عالم لما لا تثور ..
الأغبياء الأدعياء المغرضون يهللون ..
إن الرعية حرة والشعب جبار عنيد
لكن كلابك أنت زرقاء الدما شيء جديد ..
تهوى الخضوع والاستكانة ..
وبرغم ما يروى للصور الكثيرة للوفاء عند الكلاب ..
فكلاب قصرك يا مولاي واغفر لي خيانة ..
هذا الذي يتقولون بها العصاة المجرمون ..
فأنظر لسخف حديثهم ..
لغبائهم ..
أو ليس شعبك أو كلابك كلهم ملكا حلال؟
ترى هل يعيد إلينا بشار الأسد سوريا؟
ماذا يفعل المنسيون ( منهم 200 مواطن لبناني) في زنزانات تحت الأرض وبين أنياب كلاب بشرية تعمل لصالح العدو الصهيوني داخل قلب العروبة؟
عندما تنهزم سوريا, لا قدر الله, أمام أي عدوان أمريكي أو صهيوني أو تركي , فسيكون يوما تتجمع فيه كل أحزان الأرض في قلوبنا, وسنلعن يومئذ الصامتين والخائفين والجبناء الذين حبسوا أصواتهم وألسنتهم وأقلامهم, وتركوا سوريا الحبيبة حبيسة في عالم الخوف.
هل تحرك كلماتي صانع القرار في القصر الجمهوري في دمشق, أم أن الكتابة أصبحت في عالمنا عبثا؟
ألم يأن الوقت الذي نحتفل فيه جميعا, ومع الرئيس بشار الأسد, بعرس سوريا الحرة وكرامة مواطنيها واختفاء عالم الخوف, أم أن أمنياتي أضغاث أحلام؟
وسلام الله على سوريا
كل السوريين خائفون، فكيف لقلب العروبة أن ينبض؟
طائر الشمال في 23 نوفمبر 2003
عندما نشرت مقال ( من يعيد إلينا سوريا ؟) عن قلب العروبة النابض وأجهزة الأمن والاستخبارات والسجون والمعتقلات وحرية المواطن, وظننت أن الأعمى سيقرأها, وسيسمعها من به صمم!
ولكن على عكس كل المقالات الأخرى لم يصلني رد واحد من داخل أو خارج سوريا الحبيبة.
مصادفة أم خوف أم يأس من السوريين لأي تغيير قد يطرأ على بلدهم بعد أربعين عاما من اعلان قانون الطواريء!
لم يعد هناك أدنى شك في أن القوى العالمية الممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية تتربص بسوريا, ولن يكون الوضع أفضل من وضع جماهيرية العقيد بعد المقاطعة, ثم الحصار, ثم ترك كلب الاستعمار في المنطقة ينهش دمشق انطلاقا من تل أبيب أو القدس.
والتاريخ يعيد نفسه, وهو لا يلقي دروسه إلا على من ألقى السمع وهو بصير, فعدد كبير من منظمات الدفاع عن حقوق المواطن السوري بين المعارضة السورية في المنفى تستعد للتعاون مع واشنطون بنفس طريقة المعارضة العراقية التي مهدت الطريق الأمريكي لاحتلال وطنها والاستيلاء على النفط حتى لو كان الهدف الأسمى هو ازالة النظام البعثي لطاغية بغداد.
يجب أن نعترف على الرغم من وجود منظمات حقوق الانسان, ولجان الدفاع عن الحرية في سوريا, وأبطال أحرار في سجون وأقبية تحت الأرض في عاصمة الأمويين, فإن المواطن السوري المفترض فيه أنه يقود حركة النضال, ويتعرف على مفردات الوطنية, ويحارب عدوا لدودا, وتصله من لبنان نسائم الحرية, لا يتحرك إلا قليلا, ولا يكترث بطوفان قد لا يبقي ولا يذر من قلعة النضال.
أما السوريون الذين يحتلون مواقع اعلامية وثقافية وفكرية في معظم صحف المهجر فيكتبون عن الأدب والشعر والروايات الغرامية والحرب العالمية الأولى وقصائد مصطفى طلاس وتلفزيون الجزيرة ومحمد دحلان وباسكال مشعلاني والخلافات اللبنانية, أما هموم الوطن, وأجهزة الاستخبارات, ومئات الآلاف من السوريين الحالمين بعودة إلى بلد تحكمه قوانين بغير المرور على مكاتب الأمن العام لتلقي صفعة على القفا, والغاء قوانين الطواريء, فكلها أمور لا تمثل أهمية للسوريين!
وعندما قامت الطائرات الاسرائيلية بضرب مواقع داخل حرمة الوطن, ثم حلقت فوق القصر الرئاسي لبشار الأسد لابلاغه رسالة نحسب أنه تسلمها واستوعبها جيدا, لم يكن من مهام الطيران الوطني لبلد واقع جزء عزيز منه تحت الاحتلال رد العدوان أو التهديد أو حتى استعراض قوة في السماء في منطقة آمنة.
وسادت إسرائيل فرحة غامرة, فسوريا بهذا المنطق لن تحرر جولانها ولو بعد نصف قرن.
ثم إن تحرير الوطن لا يستقيم إلا بتحرير المواطن من الخوف وأجهزة الأمن والاختطاف والمحاكم الجائرة والتعذيب في المعتقلات وجحيم تدمر.
كلما مر وقت كاف نظن فيه أن الضمير الوطني للرئيس الشاب سيستيقظ, ويعلن بعدها اعادة الحريات لمواطنيه, واغلاق المعتقلات, ومنع التعذيب , والسماح للمنفيين بالعودة الآمنة لوطن الكرامة, واجراء مصالحة مع الاخوان المسلمين, واستبدال الحرس القديم, وتنشيط الدولة بدماء جديدة لشباب القرن الواحد والعشرين بعيدا عن المشتركين في تكميم الأفواه, يعود الرئيس طبيب العيون بتأكيد تمسكه بالثوابت القديمة, واستخدام مصطلحات بعثية وشعارات غير مجدية عن التصدي للعدو وتحرير الهضبة المحتلة وفضح انحياز أمريكا.
إذا حدث, لا قدر الله, اعتداء أمريكي على سوريا فإن رجال الأمن والمخابرات والمرشدين وحراس السجون وزبانية التعذيب سيهربون في الساعات الأولى للأعتداء, ولن يجد المواطن المسكين الذي تهدده ممارسات القمع, وتذله عمليات القهر, وتحرمه السلطات من حرية الكلمة والتظاهر والاحتجاج والنقد واختيار الحاكم والوقوف بكرامة أمام القضاء وعدم الخوف من زائر الفجر نفسه محايدا أو مؤيدا لحرية ممسوخة يأتي بها محتل.
قلب العروبة النابض يوشك على التوقف, والسوريون في الداخل والخارج يشاهدون تداعيات الخطر على وطنهم ويفضلون الركون للأمن والسلامة والابتعاد عن أجهزة قمع تستدعي الأم والأخت والأخ الصغير في تحد لأهم أصول العدالة في السماء والأرض, أن لا تزر وازرة وزر أخرى.
سوريا في خطر, لكن المسؤولين يظنون أن لعبة الرقص مع الذئاب قد تعفيهم من أنيابها.
لم يعد هناك أدنى مبرر لوجود القوات العسكرية السورية في لبنان, فاللبنانيون قادرون على الدفاع عن أنفسهم في المحافل الدولية وفي وجود مقاومة وفي روح حزب الله.
إن الثلاثين ألف جندي سوري في لبنان لو كانوا يملكون أمر حريتهم لحرروا المرتفعات السورية منذ زمن بعيد.
الصمت السوري, الرسمي والشعبي, تجاه مستقبل مظلم ومخيف في ظل القطب الواحد وتنامي القوة العسكرية الصهيونية التي أصبحت ثالث أكبر مصدر للسلاح في العالم يثير لدينا تساؤلات كثيرة, ويؤكد لنا أن روح إيلي كوهين لم تمت بعد, فهي تعمل في دمشق, وتضعف الوطن, وتطارد المواطن, وتسمح بالفساد, وتتنفس في ظل قوانين الطواريء.
حزننا على دمشق أشد وأعمق من حزننا على أي بلد عربي آخر, فهي على مرمى حجر من العدو الصهيوني, ومحصورة بين تركيا واسرائيل, وستشمت فيها أحزاب لبنانية كثيرة, وسينتقم الاخوان المسلمون من حكم الأسد, وستبتهج تل أبيب بفتنة طائفية تزيل الخطر السوري عليها إلى الأبد.
ومع ذلك فذرة صغيرة من الأمل لا تراها العين المجردة لا تزال موجودة, وتنتظر صحوة مفاجئة لضمير الرئيس الشاب ليفرج عن شعبه ويحرره, فهل نحن واهمون؟
23 حزيران, 2007
أوسلو في 13 سبتمبر 2004
لم ينس الرئيس التونسي أنه كان وزيرا للداخلية في حكومة الرئيس مدى الحياة الحبيب بورقيبة، وأنه كان مسئولا عن الأمن والقمع وتفريق المظاهرات وتلميح الوجه المستبد لبورقيبة حتى جثت الفرصة أمامه على ركبتيها لتقنعه باستخدام حقه العربي وإقالة رئيس الدولة وإلا فكيف يكون زين العابدين عربيا ولا يثب على كرسي الحكم بعد أن كان يكيل المديح والثناء لسلفه؟
و"تلك الأيام نداولها بين الناس" ولن يمر وقت طويل حتى يقفز رجل آخر إلى العرش في تونس الخضراء حتى لو كان الرئيس في بروج مشيدة، فقد يكون القادم الجديد من الأسرة أو من أقرب المقربين أو وزيرا للداخلية أو الدفاع.
يجمع الرئيس التونسي التناقضات كلها في قبضة واحدة، فهو رهيف الحس وعاشق للفن، لكنه لا يتوانى عن قمع معارضيه وإذلالهم وجعل كرامتهم لا تساوي ذرة رمل واحدة من شواطئ تونس الساحرة.
وهو مستنير دينيا، ومتابع جيد للكتابات الإسلامية العقلانية، لكنه أتاتوركي النزعة ويكره أن يرى عمامة مكان قبعة أو حجابا يحتل موقع السفور أو دبلوماسيا يرفض معاقرة الخمر أو عجوزا يواظب على أداء صلاة الفجر.
يستقبل المستشار محمد سعيد العشماوي عاشق الحرية والمدافع عن الكرامة والعدالة، لكنه يصم أذنيه عن كل نداءات لجان حقوق الإنسان، أما الرابطة التونسية لحقوق الإنسان فهي خصمه اللدود.
الدكتور منصف المرزوقي رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان سابقا مواطن تونسي يحمل بين جنبيه قلبا يهيم صبابة بالحرية، وبين إصبعه قلما حادا وشرسا في مواجهة الظلم في كل صوره.
وعندما أعلن الدكتور منصف المرزوقي موقفه الصريح والواضح بإدانة الغزو العراقي لدولة الكويت والمطالبة بالانسحاب الفوري وذلك في كلمته الرائعة التي ألقاها في مؤتمر" الكراهية" في أغسطس عام 1990 لم يرق هذا الموقف للرئيس زين العابدين بن علي فأمر كتيبته الإعلامية- وفي مقدمتها اتحاد الكتاب التونسيين صاحب البيان المشهور بتهنئة الطاغية صدام حسين بضم" تراب الكويت للوطن الأم العراق"- بالهجوم الظالم على الدكتور المرزوقي.
وظل الدكتور منصف المرزوقي غير مرضي عنه من الرئيس التونسي خاصة بعدما رشح نفسه في انتخابات الرئاسة أمام منافسه الرئيس زين العابدين بن علي، فاعتبرها الأخير إهانة من الأستاذ الجامعي الذي يريد أن يرتفع بمقامه ليكون في صف الأسياد!
في نهاية ديسمبر الماضي أصدرت محكمة الدرجة الأولى بتونس حكما بالسجن لمدة عام على الدكتور المرزوقي، بتهمة الانتماء إلى المجلس الوطني للدفاع عن الحريات، وكان قد سجن أيضا في عام 94 بسبب معتقداته السياسية، وهي في الواقع تضم شقا داخليا خاصا بنشاطات الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، وشقا خارجيا يتعلق بكراهية الدكتور المرزوقي لنظام شيطان بغداد ودعمه لمطالب الكويت وهذا الأمر لا يتساهل فيه مطلقا الرئيس التونسي على الرغم من أن استثمارات الكويت في تونس تستحق أن يبعث من أجلها كل تونسي رسالة شكر للشعب الكويتي، فحدث العكس وتعاطف التونسيون، رئيسا وحكومة وشعبا، مع قيادة جمهورية الخوف العراقية.
اتخذت وزارة الصحة قرارا غبيا بفصل الدكتور المرزوقي كأستاذ في كلية الطب، جامعة سوسة، وهو لا يستطيع منذ بداية التسعينيات أن يسير بمفرده دون أن ترقبه عيون أجهزة المخابرات التونسية التي لا تغيب عنها حركة أولفتة لمثقف أو سياسي أو أكاديمي تونسي، لكنها تغمض العين عندما تخترق أجهزة التصفية الإرهابية الإسرائيلية حرمة الدولة وتقوم باغتيال نشطاء فلسطينيين ومنهم الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية. وكان القضاء التونسي بتوجيهات من الرئيس قد أصدر حكما بسجن المحامي نجيب حسين نائب رئيس رابطة حقوق الإنسان وتم نقله إلى سجن في قابس، وقام قاضي التحقيقات باستجواب صلاح الدين الجرشي النائب الثاني لرابطة حقوق الإنسان ووجه إليه تهمة" تشويش النظام العام"، أي الحديث عن حقوق الإنسان!
وكان المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة حقوق الإنسان قد سلم رسالة للسفير حاتم عطا الله سفير تونس لدى الولايات المتحدة لتسليمها للرئيس زين العابدين بن علي تطالبه بوضع حد للمضايقات البوليسية والقضائية ضد دعاة حقوق الإنسان، وعدم ملاحقتهم، ومنحهم حقوقهم الطبيعية في التنقل والسفر.
ولكن الرئيس التونسي ضرب بعرض الحائط كل النداءات التي وجهتها إليه منظمات حقوق الإنسان بما فيها فرع إيطاليا الذي لم يشر من قريب أو من بعيد إلى حديث الأدميرال فولفيو مارتيني أمام لجنة برلمانية( وكان قد ترأس جهاز الاستخبارات الإيطالية لمدة سبعة أعوام) وقال فيه بأن ايطاليا رتبت نوعا من الانقلاب الأبيض في تونس وذلك بوضع وزير الداخلية زين العابدين بن علي على رأس السلطة قبيل وصول الأصولية الإسلامية إلى الحكم ، تلك الأصولية التي لم يكن الرئيس بورقيبة في شيخوخته قادرا على مجابهتها!
وقال الأدميرال أيضا بأن الأوامر بتنفيذ الانقلاب الأبيض جاءت مباشرة من رئيس الحكومة الإيطالية آنئذ بتينوكراكسي.
لا شك أن هناك غضبا شعبيا عارما من جراء إجراءات القمع التي تمارسها السلطات، خاصة ضد أي صورة من صور التدين ولو كانت حجابا بسيطا أو جرعة صغيرة من الدين في المدرسة أو المسجد أو أي مؤسسة حكومية أخرى.
الغريب أن تونس تشهد تحسنا ملموسا في الوضع المعيشي والاقتصادي بفضل السياسة السياحية الناجحة التي تقوم بها الحكومة، وتمارس تونس إغراءات ناجحة للمغتربين التونسيين سواء في تسهيلات لاستثمار أموالهم في بلدهم الأم أو تبسيط العمليات البيروقراطية للمؤسسات من أجل صالح المواطن.
الوضع الأمني والحصار الحديدي والقمع المتزايد يسبب حرجا شديدا للدول الأوروبية التي تري في تونس نموذجا علمانيا جيدا معاديا للتدين، المعتدل والمتطرف، لكنها تضطر لشد أذن السلطات التونسية عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان. والرئيس زين العابدين بن علي سيد يحكم عبيدا، وزعيم يرى أن السوط والزنزانات الباردة تمثل الطريقة الأكثر نجاحا في التعامل مع شعبه!
هل يثور التونسيون ضد الرئيس ؟
أول مارس 2003
سيختلف معنا الكثيرون ممن يظنون أن الحاكم الفعلي لتونس هي السيدة ليلى بن علي, وهي التي دفعت زوجها ليصبح واحدا من أكثر مستبدي العصر قسوة, بل لذة بالقسوة , ففي سجونه ما لاعين عين ولا أذن سمعت, وتستطيع منظمة العفو الدولية أن تصدر مجلدات كاملة عن انتهاكات حقوق الانسان في تونس الخضراء.
مقر إدارة الأمن الوطني في تونس محاولة ناجحة لمنافسة أكثر سجون العالم العربي رعبا, فالرئيس مدى الحياة زين العابدين بن علي الذي كان رئيسا لجهاز المخابرات قبل أن يغدر بزعيمه الحبيب بورقيبة , على الطريقة العربية, ويستولي على الحكم, ويلقي بالرجل العجوز في مسقط رأسه, يرى أن سجون أبو غريب والرضوانية والجفر وتدمر وتزمامارت يجب أن تكون أقل وحشية وظلما ورعبا من سجون فخامته, لذا ففي مقر إدارة الأمن الوطني يجد التونسي في انتظاره زنزانات قذرة وملطخة بالدماء وحراسا متخصصين في اغتصاب النساء, ولا مانع لديهم من ضربهن أمام أطفالهن أو اسقاط حملهن للضغط على الزوج أو الأخ أو الابن.
سجناء الرأي في تونس ليس لهم حقوق الحيوانات, وهم يعيشون أو يموتون بمعزل عن العالم, وزين العابدين يبصق على تقارير منظمة العفو الدولية, ويهين منظمة حقوق الانسان التونسية التي تٍرأسها لبعض الوقت المناضل الكبير الدكتور منصف المرزوقي.
أشد ما يثير غضب الرئيس أن يتناهى إلى سمعه صوت تونسي يبحث عن الكرامة أو يدافع عن كرامة غيره, فالرئيس يدوس بحذائه على رأس شعب بأكمله, وعملية تجديد البيعة أو الولاية هي مسرحية سخيفة, فالهدف هو أن يبقى مثلما بقي سلفه سنوات طويلة تنتهي بزيارة واحد من اثنين, إما قائد انقلاب عسكري أو ملك الموت يأتيه من حيث لا يدري!
البريد الالكتروني لتونس أو منها مراقب مراقبة صارمة, بل يتحدى بها التونسيون الأردنيين الذين بدورهم يستطيعون فك شفرة أي بريد الكتروني يرسله مواطن غاضب لأحد أفراد عائلته, فتزيد قائمة المترقب وصولهم على الحدود الأردنية واحدا.
ما يميز كلاب السلطة في تونس التي تنهش لحوم المواطنين هي أنها لا تعترف بطول فترة غياب المواطن أو حصوله على جنسية أخرى, وعودته بشوق إلى أرض الوطن حتى لو انتهت نشاطاته السياسية والدينية منذ عقد من الزمان, وسيجد عند عودته قائمة طويلة بالاتهامات القديمة والجديدة, فالأمن التونسي لا يحب المزاح.
تقوم السلطات التونسية باحتجاز فتيات من أقارب ( المشاغبين ), أي بعض القوى اليسارية مع جماعة حركة النهضة لراشد الغنوشي, وفي جمهورية زين العابدين تزر كل وازرة وزر أخرى, ويحمل المسؤولية الأقارب والمعارف والأصدقاء, والتهمة واحدة يعرفها كل كلاب الحراسة في سجون وطننا العربي: التستر على مجرم وتعريض أمن الوطن للخطر!
وقد تقوم السلطات الليبية بتسليم نظيرتها في تونس بعض المواطنين الذين أمنتهم الجماهيرية على أنفسهم وأموالهم وحرماتهم, لكنها على طريقة خيانة الضيوف والغدر بهم أو خطفهم, كما حدث مع الامام موسى الصدر والمعارض منصور الكيخيا الذي قامت مخابرات رسول الصحراء باختطافه في الاسكندرية ونقله وراء شمس طرابلس الغرب , فعلت الأمر نفسه مع سمير قاسمي وعبد الستار قاسمي الشقيقين اللذين كانا يعيشان في المنفى, وبعد فترة تأديب وتعذيب تم نقل أحد الأخوين إلى سجن 9 أبريل بالعاصمة التونسية, ربما للتأكيد على حرية السجين في تونس الخضراء, فهو يستطيع أن يجرب الحياة أو شبه الموت في عدة سجون تونسية امعانا في التكريم.
لا أحد يعرف عدد السجناء في تونس وهم بالطبع عدة آلاف, وأكثرهم من سجناء الرأي, ولا يقدم منهم للمحاكمة إلا القلة, والمحاكم لا تتحقق من مزاعم التعذيب, ولا تستدعي الشهود, وتتلقى الأوامر من السلطة التنفيذية فالحكم يصدر في القصر الجمهوري, وكل أجهزة الدولة ديكورات مؤسساتية لتزيين النظام الارهابي.
لكن مبنى وزارة الداخلية يستطيع أن ينافس السجون والمعتقلات, ففيه تم احتجاز العشرات من الطلاب الذين تظاهروا مطالبين بتحسين أوضاعهم التعليمية, وتلقوا جميعا دروسا في تعلم العبودية, حتى أن الطالب لطفي الهمامي تعرض للتعذيب بربط أعضائه التناسلية وجره منها بحبل, ولم يتم التحقيق مع أي من كلاب السلطة فلديها ضوء أخضر من فخامة الرئيس بأن يعاملوا المواطنين التونسيين معاملتهم لفئران التجارب, وأن يتمنى كل سجين الموت للتخلص من جحيم سجون زين العابدين بن علي.
شبيل جلال شاب تونسي أوقفته الشرطة السرية واصطحبته إلى المقر الرئيسي في المنستير, وتلقى وجبات متنوعة من التعذيب بدأت بالفلقة, والضرب على كل أجزاء الجسم بأسلاك كهربية مضفورة, ثم التعليق بين طاولتين لعدة ساعات مع الركل في البطن, ثم صب الماء البارد ليلا على كامل الجسم مع وضع قميص مبلل فوق الوجه لحجز التنفس..
وأخيرا التعرض لهواء بارد أملا في أن يصاب بمرض رئوي ما بقي له من عمر.
من أسماء بعض كلاب السلطة وزبانية التعذيب الطاهر الأسود, هشام الغالي, الطاهر بوخامة, علي الامام, الهادي العلياني, مبروك العياري.
بعد ذلك قام بالانتقال من سجن منستير إلى سجن قفصة, ثم إلى سجن الناظور ببنزرت , وبعد فترة وجد نفسه في سجن 9 أبريل, ولم يمض وقت طويل حتى تم ترحيله إلى سجن حربوب.
رحلة تسعد السلطة, وجولة سياحية يراها الرئيس ضرورية حتى يعرف كل تونسي أن السجون أكثر عددا من الفنادق في دولة سياحية, وحتى يلعن عندما يختلي بنفسه يوم ولدته أمه وشهد عصر زين العابدين بن علي.
لم تنس السلطات التونسية أن تجرب معه ما قامت به السلطات المغربية في سجن تزمامارت والتي حكى عنها أحمد المرزوقي في وصفه لجحيم الأرض( كتاب الزنزانة رقم 10) بعدما قضى ثمانية عشر عاما في سجون أمير المؤمنين الحسن الثاني, اي ترك السجين المريض أو تقييد غير المريض لأسابيع أو شهور في فراشه فيقضي حاجته على نفسه, ويشم راحتها في النوم واليقظة, وينفر من الاقتراب منه السجانون والزملاء, ويشعر بأنه أقل من حشرة, ويخجل من نفسه, وتلتصق ملابسه ببوله وبرازه لتكون طبقة سميكة لا يقدر إنس أو جان على الاقتراب منها.
بين الرئيس زين العابدين بن علي وبين الاسلام عداء مستحكم, وهو يكره الدين والايمان, وتثير غضبه أي نزعة دينية, ويبدو أنه أقسم بينه وبين نفسه أن لا يعبد تونسي الله على أرض تونس الخضراء, وأنه سيطهر قلوب التونسيين من الوحدانية والايمان والشهادتين والتسبيح بحمد الله, فالسجود في عهده ينبغي أن لا يكون لله عز وجل, ويتعجب الرئيس زين العابدين بن علي في نفسه من أن التونسيين يسجدون لله وليس لزعيمهم, ولو كان الأمر بيده لطلب من وزير الداخلية أن يبني له صرحا لعله يطلع إلى إله التونسيين! والتونسي الذي تراقب أجهزة الأمن لعدة أيام ضوء سكنه في صلاة الفجر, تستدعيه إلى المركز الرئيسي, وتحقق معه, فتلك بذرة الايمان التي لا تستقيم مع عهد الرئيس.
أما الدبلوماسي الذي يرفض معاقرة الخمر فإن تقريرا سريا يطير من البعثة التونسية إلى أجهزة الأمن باكتشافها مسؤول دبلوماسي قد يتطرف بعد عدة سنوات أو يتعاطف مع ( النهضة ), أو يعبد أحدا غير الرئيس!
أما السجين منير شقير الذي سلمته مخابرات الفاتح من سبتمبر الليبية إلى مخابرات السابع من نوفمبر التونسية, فقد سلمت معه والدته وزوجته وأولاده الثلاثة, ثم تم فصل الأم عن رضيعها الذي لم يتجاوز الشهور الثلاثة. ويضيق مجال الحديث المسهب عن الجحيم الذي يعيش فيه التونسيون تحت سوط وحذاء واحد من أقسى طغاة العصر. وليس هناك أي أمل قريب لتحرير تونس, فكلاب السلطة يحاصرون كل نسمة هواء, ويحصون كل نبضة قلب, فالرئيس مستعد لابادة رعاياه من أجل البقاء فوق رقابهم!
متى يفرج الرئيس عن الشعب التونسي؟
15.10.2001
في أكتوبر عام ألفين قدم الدكتور منصف المرزوقي في مؤتمر حقوق الإنسان المنعقد بالعاصمة المغربية الرباط ورقة انتقد فيها حكومة الرئيس زين العابدين بن علي.
وعندما عاد إلي تونس الخضراء تم توجيه الاتهام إليه من قبل سلطات الرئيس بأنه حاول تعكير السلام الداخلي والرأي العام وإذاعة إخبار كاذبة عن الوضع في تونس وهي مجموعة التهم التي يحفظها عن ظهر قلب أي ضابط أمن في عالمنا العربي الممتد من سبتة ومليلية إلى طنب الكبرى مرورا بجزيرة حنيش ومن لواء الاسكندرونة إلى زنجبار الواقعة تحت الاحتلال التانجانيقي عمليا في تنزانيا والمرتبطة تاريخيا وفي قلب كل زنجباري بسلطنة عمان.
في جمهورية الرئيس زين العابدين بن علي التي استولى عليها من الرئيس مدى الحياة الحبيب بورقيبة يقبع آلاف من المواطنين في سجون تفتقد لكل صور الآدمية، والقضاء التونسي يرفض في معظم الأحوال مثول شهود الدفاع.
على الرغم من أن قبضة الرئيس كانت شديدة وغليظة على الشعب التونسي منذ انتخابات أكتوبر عام تسعة وتسعين الهزلية والعبثية التي حصل فيها فخامته على تسعة وتسعين بالمائة من الأصوات، لكن الواقع يثبت أن القمع كان قدر شعبنا التونسي من اللحظات الأولى التي استولى فيها زين العابدين على القصر
ومن فيه، ثم على الشعب، ثم على تونس كلها وكانت تونس قد وافقت على بنود حقوق الإنسان التي قدمها الإعلان الدولي في الأمم المتحدة في التاسع من ديسمبر عام ثمانية وتسعين.
وفى الإعلان الخاص بحقوق الإنسان الذي انعقد في العاصمة الكتالانية برشلونة في نوفمبر عام خمسة وتسعين وافقت تونس على احترام حقوق الإنسان.
أما الواقع على الأرض فهو أن حقوق المواطن التونسي المتعلقة بالرأي والضمير والمحاكمة العادلة والعقيدة وممارسة الشعائر الدينية والانتقاد وغيرها أصبحت كالهريسة التونسية تحت حذاء الرئيس زين العابدين بن علي!
إنها جزء من حقوق الإنسان في شمال إفريقيا، فهي في المغرب سجون معتمة ومظلمة أمر الملك الحسن الثاني ببنائها ليؤدب شعبه، ثم تسلمها أمير المؤمنين الصغير محمد السادس بمن فيها من الأبرياء وحافظ عليها كإرث تاريخي للأشراف، ثم أضاف إليها أحمد البخاري.
وفي الجزائر تحت الأقدام العفنة للجنرالات القتلة وفي سكاكين الجماعات الدينية التي تنافس الأمن على قتل الجزائريين وفي صمت بو تفليقة.
أما في ليبيا فحدث ولا حرج فالليبيون كلهم من السلوم مرورا بطبرق والجبل الأخضر وبنغازي ومصراتة ووزليطن وطرابلس والعزيزية وغدامس لا يساوي أي
منهم ثمن سوط للتعذيب في جماهيرية قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة.
نعود إلى تونس....
عندما تمت محاكمة الدكتور منصف المرزوقي في السادس عشر من ديسمبر عام ألفين تم توجيه اتهامات سخيفة له أهمها:
أنه نشر معلومات مغلوطة وكاذبة تشوش على الرأي العام مخالفا بذلك المادة التاسعة والأربعين من قانون الصحافة. وأنه انضم إلى مؤسسة غير معترف بها مخالفا المادة الثلاثين من قانون تأسيس الهيئات وإنشاء المؤسسات.
محاكمة الدكتور المرزوقي حملت كل صور الإرهاب في عهد الرئيس زين العابدين بن علي فالقضاء النزيه(!) فيه يرفض رئيس محكمته إعطاء مهلة للإطلاع على الأوراق، ويدعي بأن المحاضرة التي ألقاها الدكتور المرزوقي في الرباط ضاعت أصولها!
عندما يتقدم المتهم في تونس إلى المحكمة بطلب التحقيق في واقعة التعذيب التي تعرض لها من رجال الرئيس فإن المحكمة ترفض، فالرئيس زين العابدين هو عمليا رئيس المحكمة الدستورية والمحكمة العليا.
إن مواد الدستور التونسي كلها تؤكد على الحرية والكرامة والمحاكمات العادلة وتوفر أقصى درجات الحماية للمتهم، ولكن الممارسات العملية تضرب بعرض الحائط كل هذه السخافات التي لا يعترف بها الرئيس.أما أي صورة من صور التمسك ولو بقشور الإسلام فإن زبانية التعذيب لن يرحموا صاحبها، فالإسلام يجب أن يجتثه فخامة الرئيس من كل صدور المسلمين وقلوبهم وعقولهم، هكذا يظن!
الرئيس قبل الدستور وفوق رقاب الشعب .. دموع التونسيين
12.06.2002
الساذجون فقط هم الذين تصوروا أن الرئيس التونسي يمكن أن يتنازل عن كرسي السلطة مع الولاية الثالثة أو حتى مع الرابعة أو الخامسة، فحلاوة السلطة لا تعادلها نشوة نفسية أو جسدية، فإذا أضفت إليها حبا جما وعشقا جارفا للاستبداد فسيجد المرء أنه أمام نتيجة طبيعية أو حالة عربية تتكرر بصور مختلفة في عالمنا المسكين.
تونس دولة صغيرة تعتمد في اقتصادها على السياحة لكنها تملك جيشا جرارا من رجال الشرطة والأمن يزيد عددهم على مائة وثلاثين ألفا عدا عشرات الآلاف من الخلايا الحزبية المتفرقة في طول البلاد وعرضها والمنبثقة عن سبعة آلاف منظمة حكومية تخضع كلها لسلطة رجل واحد عليه أن يقول للشيء كن فيكون.
والمنتجعات السياحية في جربة وسوسة والحمامات وغيرها تعادلها في البناء الأفقي سجون ومعتقلات يزيد عددها على الألف فتكون ما يمكن أن نطلق عليه حزاما حول عشرة ملايين تونسي خطفهم السيد الرئيس ووضعهم تحت حذائه، وليصرخ أبو القاسم الشابي من قبره:إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر، فالشعب التونسي يريد فعلا الحياة الحرة الكريمة، لكن زين العابدين بن علي لم ولن يكترث لكل صيحات وصراخ وعويل ونحيب وأوجاع شعبنا التونسي.
معتقلات تونس حالات خاصة من انتظار أو ترقب الموت، أما بالنسبة لأكثر الذين شاء حظهم العاثر أن يقعوا بين براثن كلاب السلطة فإن الموت رفاهية لا سبيل إلى الفوز بها إلا لهؤلاء الذين رفضت قلوبهم الاستمرار في النبض، فجاء ملك الموت على عجل لقبض أرواحهم رغم انشغاله الشديد في قبض أرواح المعتقلين الأبرياء في سجون الوطن العربي الحبيب الممتد من سجن تزمامارت إلى سجن حضرموت مرورا بوهران والعزيزية الجفرة وبعدة مئات من السجون العراقية.
كيف يمكن أن تكون عربيا وتقيم في مدينة جميلة أو قرية آمنة أو قريبا من شاطئ البحر ولا تصل إلى أنفك رائحة الموت ولا إلى أذنيك صرخات المعذبين؟
إن تقارير أكثر من ثلاثين بعثة مراقبة زارت تونس في السنوات القليلة الماضية، تؤكد أن الرئيس زين العابدين بن علي ماض في وضع القيد في أيدي كل أبناء شعبه رغم صرخات روح الشابي: ولا بد لليل أن ينجلي، ولا بد للقيد أن ينكسر! وسوء المعاملة في السجون والمعتقلات التونسية تشمل الزنزانات المكتظة ورفض علاج المرضى والإجراءات التأديبية والضرب والصعق والسجن الانفرادي والإهانة والإذلال، وربما ينتهي الأمر إلى الاختفاء القسري وتلك كانت مهمة السيد الرئيس عندما كان وزيرا للداخلية ورئيسا لجهاز القمع البورقيبي قبل أن يغدر برئيسه وينقلب عليه، وإلا فهو يفقد إحدى أهم خصائص ومميزات المسئول العربي، أو الرجل الثاني الذي ينتظر الفرصة لإزاحة الرجل الأول.
تشمل سجون بنزرت وتونس والمهدية وصفاقس أكبر عدد من المعتقلين السياسيين، أي سجناء الرأي وهم الفئة الأكثر إجراما في عيون السلطة وهؤلاء يتعرضون لضغوطات نفسية شديدة ناتجة عن منع الاجتماعات في باحات السجن أو داخل غرف الطعام والحرمان من العلاج أو التلكؤ في إحضار الدواء، ثم تحديد موضوع الحديث لدى أي زيارة من أحد الأقرباء، وكذلك منع المطالعة أو تسلم كتب من الخارج.
معادة النظام للتدين ليس لها مثيل في العالم كله، فأي صورة من صور اللجوء إلى الدين والعبادة والصلاة والحجاب تصيب أجهزة القمع التونسية بهوس جنوني، فليس الأمر متعلقا بمطاردة ( النهضة) أو عفريت راشد الغنوشي، لكنها رغبة أتاتوركية تملك على الرئيس زين العابدين بن علي نهاره وليله بأن ينتزع من قلوب المسلمين في تونس كل صلة بالإسلام الحنيف.
يمعن التونسيون- تجنبا للمثول أمام أجهزة الاستخبارات- في التأكيد على انقطاع صلتهم بالدين، فالدبلوماسي التونسي في الخارج الذي لا يعاقر الخمر يضطر إلى شرب كأس أو اثنين في حفلات الاستقبال خشية أن يبرق أحد عيون النظام في البعثة الدبلوماسية إلى رؤسائه في تونس الخضراء بوشاية عن( بذرة التدين)
في ذلك الدبلوماسي، وهذه تهمة في عهد زين العابدين بن علي قد تزيد عدد المعتقلين واحدا على الفور.
المادة التاسعة والثلاثون التي تحظر على الرئيس التجديد لأكثر من مرة لا تساوي قيمة الحبر أو الورق الذي طبعت عليه، فالرئيس قبل الدستور، والشعب تحت حذائه، والمعتقلات أهم من الخبز، والحرية رفاهية مرفوضة والسلطة مدى الحياة هي القيمة الكبرى التي يؤمن بها السيد الرئيس!
والواقع أن زين العابدين يحكم منذ عام سبعة وثمانين بدون أي مشاركة أو مشاطرة أو منافسة، وذلك عبر آلاف من الخلايا الأخطبوطية لأجهزة استخبارات تعرف دبيب النمل لكنها لا تسمع وقع أقدام أجهزة الاغتيال الصهيونية التي كانت تصفي ضيوف الرئيس من قيادات المقاومة الفلسطينية وهذا أمر طبيعي، فالاستخبارات في معظم بلادنا العربية المنكوبة تستطيع أن تسمع همسات المواطن العربي لزوجته أو عشيقته في الفراش، لكنها تمرر مائة إيلي كوهين دون أن يلفت أحدهم انتباهها، ومن قال بأن جواسيس إسرائيل في العالم العربي خصوم لأنظمة الحكم؟
قد يظن البعض أن القبض على السيدة سهام بن سدرين يمثل فضحا للنظام أو قضية توفيق بن بربك التي أشعلتها الصحافة الفرنسية بعد الإضراب عن الطعام الذي أعلنه الصحفي المفكر التونسي، لكننا نرى أن صوت الدكتور منصف المرزوقي هو الأقوى، بل إن بإمكان الدكتور المرزوقي لو لجأ للطريقة الخومينية في حروب الكاسيتات والبيانات( والآن الفضائيات والانترنيت وغيرها) أن يحقق غرضه في ترشيح نفسه لرئاسة تونس وهو الترشيح الذي جعل الرئيس التونسي يفقد صوابه، فهو لا يرى في تونس كلها شخصا أحق منه في تولي السلطة.
لقد تم إسكات صوت المعارضين البارزين أو نفيهم خارج البلاد أو اعتقالهم، والصحافة التونسية أصبحت متحدثا رسميا باسم رغبات السيد الرئيس، واتحاد الكتاب التونسيين الذي كان له صوت مسموع إبان الغزو العراقي الفاشي لدولة الكويت وأبرق لشيطان بغداد يهنئه على عودة تراب الوطن الكويتي السليب إلى الوطن الأم( يقصد جمهورية الخوف البعثية)، صمت صمت القبور وهو يرى الكلمة المكتوبة والمسموعة والمقروءة تصبح في خدمة القصر.
من منا لا يتذكر السجين السياسي علي بن سالم الذي تم الإفراج عنه، لكن السلطة طاردته في أكل عيشه وصدت في وجهه أبواب الرزق وضغطت عليه نفسيا واقتصاديا بعد أن كادت تهلكه في زنزانتها، فعرض ولديه للبيع، فأعادته أجهزة القمع إلى مكانه الطبيعي.. أي واحد من سجون عهد حركة نوفمبر التصحيحية العظيمة!
لكن كل الدلائل تشير إلى أن بركانا قد ينفجر في أية لحظة، سواء بانقلاب عسكري أو بإزاحة الرئيس، تماما كما فعل هو مع بورقيبة، أو بثورة شعبية، أو بتخلي أجهزة الدعم المالي والمخابراتي الغربية عن فخامته بعد استهلاكه وتحقيق الغرض النهائي من وصول الرئيس زين العابدين بن علي إلى الحكم، وهو الوصول الذي فضحته الصحافة الإيطالية وأكدت على أن أجهزة الاستخبارات في روما هي التي طبخت على نار هادئة انتقال السلطة من المجاهد الأكبر إلى رجلها في تونس.
وإلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، فإننا لا نملك إلا أن نتعاطف مع آلاف المعتقلين في تونس الذين يدفعون ثمنا غاليا للحرية وحب الوطن، لكنهم أيضا عاشقو تونس المنسيون خلف الجدران في عالم من الجبناء ومثقفي السلطة وصحفيي الأمن وكاتبي القصر ولا عقي حذاء الرئيس. ومعذرة لأبي القاسم الشابي فالشعب يريد الحياة ولكن القدر لم يستجب!
خالص العزاء لشعبنا التونسي .. ربع قرن جديد تحت حذاء الرئيس
14.08.2002
لماذا لا يتم الاحتفاظ ببعض الحيوانات المنوية مجمدة للزعماء العرب، ثم استخراج واحدة كل ربع قرن بعد وفاة الزعيم وعمل نسخة من المرحوم حتى نضمن له على الأقل أن يحكم أكثر مما عاش نوح عليه السلام. في هذه الحالة لن يحتاج الرئيس زين العابدين بن علي، مثلا، إلى تعديل الدستور، أو رفع سن الترشيح للرئاسة، أو إصدار قانون يمنع ملاحقة الرؤساء السابقين قضائيا! يمكن أيضا الاحتفاظ بالحيوانات المنوية للزعماء العرب في جامعة الدول لعربية مع وضع نسخة احتياطية في ثلاجة البيت الأبيض مع استثناء الرئيس الفلسطيني تجنبا لغضب السمراء الأنيقة كونداليزا رايس!
عندما قام الجنرال زين العابدين بن علي بالانقلاب( الصحي) على الرئيس مدى الحياة الحبيب بورقيبة، ألقى خطابا حماسيا للأمة مبديا فيه امتعاضه ودهشته من فكرة استمرار رئاسة أي زعيم مدى الحياة! وذاق فخامته لذة السلطة، واستمتع بنشوة الحكم، وعرف أن الأمر أكثر سهولة ويسر مما توقع، فالحزب الحاكم يستطيع بين عشية وضحاها تجنيد المنافقين والمصفقين والجبناء في الشرطة والجيش والإعلام والصحافة واتحادات العمال والفنانين والمثقفين.
ويكفي اعتقال بضعة آلاف واستدعاء مثلهم لمراكز الشرطة وممارسة عمليات تعذيب وقمع وإذلال، وبعد ذلك يضطر الجميع رغم أنوفهم للحديث عن الإنجازات العملاقة لقائد المسيرة.
يقال بأن الرئيس زين العابدين بن علي لا يعرف صديقا، ولا يأمن أحدا، ولا يثق إلا في نفسه رغم أنه أحاط نفسه بمجموعة من المنافقين والوصوليين والانتهازيين ومستشاري السوء. ربما كانت عدم ثقته ناتجة من تجربته مع الحبيب بورقيبة الذي غضب عليه يوما بسبب فشل أمني فأرسله سفيرا في بولندا.
وعندما قام بتعيينه وزيرا في الثاني من أكتوبر عام سبعة وثمانين، قام الجنرال بانقلابه الأمني الصحي على ولي نعمته بعد شهر واحد فقط من توليه أمن الدولة.
قيل الكثير عن الدعم الذي حصل عليه الرئيس التونسي من فرنسا خلال دراسته هناك بعد الاستقلال، وقيل أكثر عن علاقة أجهزة المخابرات الإيطالية بانقلاب السابع من نوفمبر، لكن الأهم الآن أن سجل تونس في مجال حقوق الإنسان يكشف الوجه القبيح للاستبداد في أبشع صوره.
لم تعد مطاردة الجماعات الإسلامية هي الهاجس الأكبر لدى أجهزة القمع التونسية، لكن امتد الاستبداد إلى كل تونسي يشتم منه رائحة معارضة أو عدم رضاء عن الرئيس مدى الحياة.
نشطاء حقوق الإنسان كثيرون في تونس وقد تمكنوا من تسريب أسماء المعتقلين، بل استطاعوا تسريب أسماء ضباط الشرطة الذين مارسوا التعذيب ضد المواطنين.
يأتي في مقدمة هؤلاء رئيس رابطة حقوق الإنسان التونسية سابقا الدكتور منصف المرزوقي، وهو خصم لدود للرئيس ومرشح سابق ضده في الانتخابات، وأستاذ في جامعة سوسة، كلية الطب، ومقيم حاليا في فرنسا بعد عمليات إذلال وقمع من النظام ومحاولات اغتيال فاشلة.
تسعى أجهزة الاستخبارات التونسية إلى تعطيل عمل المحامين، بل اعتبار اعترافات المتهمين في أقسام الشرطة تحت التعذيب صحيحة وغير قابلة للمناقشة.
وعندما كان المتهمان عبد اللطيف بو حجيلة وياسين البنزرتي فاقدي الوعي من جراء التعذيب الوحشي، وانسحب محاموهما، أصدر القضاء الظالم حكما على الأول بالسجن سبعة عشر عاما، وعلى الثاني بأحد عشر عاما! إنها عدالة الرئيس زين العابدين بن علي الذي قرر أن يدوس على كرامة الشعب والدستور والحرية، وأن يجعل كل شيء ملك يمينه.
تغيير الدستور ليسمح للرئيس بالحكم فترتين بعد عام ألفين وأربعة، لا يعني أن فخامته سيعود مواطنا طيبا وديعا عندما يبلغ السابعة والسبعين من عمره، لأن الشعب حينئذ يكون قد اعتاد على الذل والهوان واستأنس بهما ولا يمكن لقوة في تونس أن تزحزح الرئيس عن كرسي الحكم إلا أن يكون ملك الموت قد أبلغ دود الأرض بضيف جديد عزيز، أو يخرج شاب مغامر ومقامر بعد ربع قرن ويزيح الرئيس لأسباب صحية، ثم يقوم بزيارته في مقر إقامته الجبرية وسط حشد من المصورين والإعلاميين الذين سيكتبون عن رقة قلب الرئيس الجديد وإخلاصه لرئيسه العجوز الأب الروحي لتونس الخضراء!
يسمح القانون التونسي بمحاكمة المغتربين الذين يحملون جنسيات أخرى مع جنسيتهم التونسية، ويعطي مساحة كبيرة لأجهزة الأمن بمتابعة ملف المهاجر لسنوات طويلة حتى لو تاب أو تغير فكره، ولعل هذا يذكرنا بأجهزة الاستخبارات الأردنية التي تحتفظ بملفات معارضين وصحفيين والتي أوقفت في إحدى المرات صحفيا سوريا كان يعبر الأراضي الأردنية وواجهته بكتابات له منذ أكثر من عشرة سنوات عندما يعمل في صحيفة خليجية! عندما عاد المواطن التونسي الفرنسي على مهدي ذوقة إلى وطنه في زيارة للأهل، كانت أجهزة الاستخبارات المدربة على معرفة المهاجرين والمغتربين والاحتفاظ بملفاتهم ساخنة وطازجة دائما تستعد لاستقباله بالأحضان، ثم بعد فنجان قهوة اكتشف صاحبنا أنه متهم بنشاطات مضى عليها عقد كامل على الرغم من أن القانون الفرنسي للبلد الذي يحمل جنسيته يسمح بنشاطات سياسية. وتم الحكم عليه بعامين سجنا، وخرج فقط لأن الرئيس جاك شيراك طرح الأمر على الجنرال زين العابدين بن علي.
وأصحاب الفخامة زعماء عالمنا العرب يستجيبون فورا للعفو عن عبيدهم المعتقلين في سجون وطننا العربي الكبير الممتد من جزيرة ليلى إلى جزيرة حنيش، بل إنهم يصغرون وينكمشون أمام طلبات الزعماء الأوربيين من ذوي الدماء الزرقاء.
عندما كانت عائلة الجنرال أوفقير تعاني عذابا ووحدة وقسوة لعشرين عاما في سجون أمير المؤمنين السابق الحسن الثاني، كان الملك يصل إلى أشد حالات النشوة والبهجة وهو يتابع آلام وأوجاع أطفال صغار ارتكبوا جريمة حمل اسم والدهم الجنرال أوفقير. وحاول زعماء عرب ومنهم قادة الجزائر إقناع الملك بالإفراج عنهم وترحيلهم، جاء الرد بالرفض القاطع، ولما زار الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران الرباط طرح الأمر على الحسن الثاني فوعده بالإفراج عنهم، ونكث وعده لكن هروب الأطفال واتصالهم بالإذاعة الفرنسية هز الملك وقصره وحكمه وكشف مملكة الصمت المخيفة لصاحب الدروس الحسنية.
واعتقلت السلطات التونسية هارون مبارك طالب القانون وهو قادم من كندا، وتم الحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، ولكن الرئيس زين العابدين بن علي قرر الإفراج عنه بعد التماسات من المسئولين الكنديين.
أما لطفي فرحات الحامل للجنسية الفرنسية فقد اصطادته المخابرات التونسية لدى عودته لتونس الآمنة، ووضعته في حبس انفرادي، وتعرض لتعذيب وحشي كانت أجهزة أمن الجنرال بن علي تعلق المسكين من قدميه وتضع وجهه في دلو مملوء بمياه قذرة لكي يعترف أن له نشاطات سياسية في فرنسا.
أما علي العريض وصادق شورو من حركة النهضة التي يترأسها راشد الغنوشي فقد قضيا عشر سنوات معزولين تماما عن العالم الخارجي، ومحرومين من أبسط حقوق الإنسان والحيوان. ولشعبنا التونسي نقدم خالص العزاء عن ربع قرن قادم ربما يتعلم فيه التونسيون كيفية الزحف على البطون وتقبيل حذاء الرئيس واعتبار ذلك شرفا لا يحظى بمثله شعب آخر!
الرئيس التونسي لا يعترف بدود الأرض .. هل هناك فارق بين الرعايا والعبيد ؟
13.11.2003
إذا كانت المخابرات الايطالية هي التي أفسحت المجال لزين العابدين بن علي لازاحة الرئيس مدى الحياة الحبيب بورقيبة, فإن هناك قاسما مشتركا جديدا مع ايطاليا وهي
تشابه الحكم السلطوي في تونس مع تكتم النظام الهرمي للمافيا.
فبعد خمسة عشر عاما من استيلائه بالغدر على السلطة, مسح الرئيس بن علي كل الوجوه المعارضة, أو هَجَّرَها خارج الوطن, أو قمَعَها في سجون انفرادية بمعزل عن العالم الخارجي.
والحبيب بورقيبة ليس وحده الرئيس مدى الحياة الذي لم يكن يعترف أن دود الأرض في انتظاره, لكن المستبد زين العابدين بن علي يحلم بنصف قرن آخر فوق رقاب شعبنا التونسي بعدما أخضع المجتمع كله لدولة بوليسية قمعية تبني السجون والمعتقلات, وتتفنن في كل صنوف التعذيب والمهانة, وترى, كعادة زعمائنا, أن الشعب أحقر من الطبقة الحاكمة, وأن العصا والسوط والزنزانات تحت الأرض هي الوسائل المشروعة لاستمرار سيطرة لصوص الوطن على خيراته ومقدراته وأرواح شعبه.
ومع ذلك فإن هذا الشعب البطل يمد الوطن بحركات نضالية رائعة, فبعد المجلس الوطني للحريات الذي كان للدكتور منصف المرزوقي الفضل الأكبر في تأسيسه, نشطت الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الانسان, والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات, وجمعية المحامين الشباب, والاتحاد العام لطلاب تونس.
لكن الرئيس الذي لا يرى في التونسيين غير عبيد يسحقهم متى أراد تحت قدميه ازداد جنونه, وغصت المعتقلات بآلاف المتهمين الأبرياء, وأمر آلة القمع والقهر في حُكمه بمزيد من الاعتقالات والتعذيب والنفي ومصادرة جوازات السفر.
ورد عليه الشعب التونسي باضراب عن الطعام يقوم به صحفيون ومثقفون ومحامون ونشطاء في حقوق الانسان مما جعل أعدادا كبيرة من المثقفين الفرنسيين يتعاطفون مع زملائهم في تونس.
إن شعار ( لا خوف بعد اليوم ) الذي بدأ ضعيفا ثم كبر وتوسع ومارس دوره في تشجيع كل فئات الشعب على تحدي الديكتاتور قد وضع في الواقع عدا تنازليا لمرحلة الطاغية زين العابدين بن علي.
في السجون التونسية تم تسجيل عشر وفيات من جراء التعذيب, وبعد أن تسلم الرئيس طلبا موقعا باسم مئات التونسيين الشجعان برفض تجديده لولاية رابعة أدرك الطاغية الدموي أن الشعب التونسي عصي على العبودية, وأن الاعلاميين والمثقفين المنافقين والأفاقين الذين يهاجمون من على صفحات صحفهم قوى النضال لا يمثلون شعبنا التونسي أو تاريخه المشرق.
تمسك تونس سبعة آلاف منظمة حكومية صغيرة عبارة عن ميليشيات للرقابة على تحركات الشعب, وتحاصر التونسيين أجهزة شرطة وأمن يقدر عددها بمئة وثلاثين ألفا وأكثرهم مدربون على الضرب والتنكيل والانتهاكات والتعذيب وكل منهم يتجسس على الآخر في دائرة تسلطية مخيفة بحيث لا يستطيع أي رجل أمن أن يتردد في استخدام كل مالديه من قسوة وقوة وغلظة للتعامل مع المعارضين والمتظاهرين والمتمردين. الاسلاميون هم الأكثر تعرضا لأنواع من المعاملة الحيوانية من قبل أجهزة النظام الفاسد, فأحكام ظالمة وسريعة تصدر ضدهم, وقيود على حركتهم, وظروف تعف عنها الحشرات يعيشون موتا فيها في زنزانات مفزعة تحت الأرض الخضراء الطيبة, ومخبرون ومرشدون يرتدون الملابس المدنية لمطاردة أي مظهر من مظاهر التدين, فالرئيس يعادي عمليا الدين الاسلامي أكثر مما تعاديه قوى غربية أو صهيونية, وتتغلغل في صفوف أمنه الاستخبارات الاسرائيلية, لكن الصورة القبيحة للنظام تحظى للأسف الشديد بتأييد أمريكي بحكم أنها تحقق ما تطلق عليه واشنطون قوى الارهاب الاسلامي, وأن أجهزة أمن الرئيس مرتع للموساد الذي قام بتصفية قيادات فلسطينية داخل تونس عندما أمر الرئيس رجاله بأن يغمضوا أعينهم. تونس تنتظر على أحر من جمر ثورة أو انقلابا في القصر أو تمردا للجيش أو حركة للأحرار لتحرير هذا البلد المسكين من قبضة الطاغية. فمن ينتصر: سيف المستبد أم روح أبي القاسم الشابي؟
23 حزيران, 2007
أوسلو في يناير 2003
حلمت كثيرا ولسنوات طويلة بيوم زيارتي فلسطين المحررة، وقبلت تقلص حلمي رويدا رويدا... حتى أصبح زيارة لغزة أو أريحا أو رام الله .. ثم بدأ يخفت، ويبهت، ليختفي نهائيا بعدما تجاوزت الخطوط الحمراء في علاقتي بأصحاب قضيتنا الرئيسة .. الصراع العربي الصهيوني كل ما هو مسموح به، وحاولت الدخول إلى النفس الفلسطينية لالقاء نظرة عما شابها أو أرهقها أو عبث بها من جراء سنوات القهر والقمع والصراع، فكانت نقطة النهاية.
في عام 1994 نشرت في طائر الشمال مقالا لي تحت عنوان: قصتي مع الفلسطينيين .. عاشق يمزق رسائل حب قديمة
وقلت فيه
نُشر في طائر الشمال، ثم في كتاب ( كتابات ضد الصمت) عام 1994، أي أن عمر هذا المقال عشر سنوات
بعض الأحلام تبدأ.. ثم تختفي قبل أن يشرق صباح يوم جديد. وبعضها تراود صاحبها بين الفينة والأخرى، لكنه لا يستطيع الإمساك بأي طرف منها.
وهناك أحلام تسلل إلى النفس والفكر والوجدان كل يوم، وكل ساعة، وكل لحظة حتى تصبح جزءا من الواقع الحلمي أو الأحلام الواقعية، فلا يدري المرء بعد ذلك إن كان يقظا أم مستيقظا في سبات عميق!!
التاريخ الوحيد الذي أجهله تماما عن حياتي هو يوم تسللت كلمة " فلسطين" خفية، واحتلت موقعا ثابتا في عقلي وقلبي، وظلت متمسكة به، طاردة لأي دخيل آخر، ومهيمنة على قراءاتي وأحلامي، حتى أضحت قريبة من الاعتقاد الديني الراسخ والعميق، بل لعلها كامن تتدخل في كل شؤوني وشجوني، وتختار أصدقائي، وتحدد لي الأعداء، وتجبرني على استخدام ومصطلحاتها وقاموسها الوحيد.
ربما تكون قد عرفت طريقها مع أول مرة استمعت فيها بعيون دامعة إلى"أخي جاوز الظالمون المدى، فحق الجهاد وحق الفدا"!
وربما من خلال كتاب عن الأسلحة الفاسدة اشتريته وأنا طفل صغير جعلني لا أنام الليل غضبا على الذين تسببوا في هزيمة 1948!
..أو ربما كان خطابا للرئيس جمال عبد الناصر يشرح فيه أهداف الحركة الصهيونية العنصرية.
أو قد تكون كل هذه الأسباب مجتمعة أو متفرقة، لكن المؤكد أن كلمة "فلسطين"سبقت ماعداها وتحولت إلى قيمة كبرى تخلع على سائر الأشياء الأخرى كل مالها من قيمة وفهم ومبدأ.
وكان أمرا طبيعيا أن يمس هذا العشق الجارف أبناء شعب فلسطين المضطهدين، فأحببتهم عندما كانوا لاجئين، وزاد حبي لهم بعد أن تحول اللاجئون على فدائيين، وتمسكت بهم بعدما أصبح الفدائيون سياسيين.
لم تكن مفاجأة لوالدي – رحمه الله – عندما أبلغته مساء أحد أيام خريف عام 1968 أنن ذهبت إلى مكتب "فتح" الواقع في أحد الأحياء الراقية بمدينة الإسكندرية وسجلت اسمي ضمن الراغبين في عملية فدائية انتحارية من أجل فلسطين، فقد كان يعرف أن الجهاد الوحيد الذي يختصر كل الطرق إلى خطوة واحدة نحو جنة الشهداء هو الجهاد من أجل فلسطين.
وكبرت معي فلسطين، وأصبح الدفاع عنها وعن شعبها كالطعام والشراب، لا تستقيم الحياة بدونهما، ولا تستمر نفخة الروح بعيدا عنهما إلا أيام معدودات. وفي بيت الشباب في ﭼنيف بسويسرا، حيث كنت أعمل، تقدمت القنصلية الإسرائيلية إلى شرطة ﭼنيف بشكوى ضدي. فالحقيقة أنني جعلت شرح القضية الفلسطينية مدخلا إلى الحديث مع شباب من كل فج عميق.
وعندما انتقلت إلى النرويج، بعدما قضيت في سويسرا أربع سنوات، كانت القضية الفلسطينية قد أمسكت وتشبثت وترسبت في كل مشاعري، أنام معها، واستيقظ بها، وأمتنع عن الطعام إثر اغتيال أبو حسن سلامة، وأنظم المظاهرات، واشترك في النشاطات الفلسطينية كأنني واحد منهم جعلت شهادة ميلاده مولده في مكان آخر بالعاصمة المصرية الثانية، عروس البحر المتوسط، لكن مسقط الرأس الحقيقي كان بجوار شجرة زيتون في حيفا، أو في مبنى عتيق أمام الحرم الإبراهيمي، أو في كوخ صغير يجاور مزرعة للبرتقال في يافا أو الناصرة.. أو في منزل قديم في القدس الشريف تطل شرفته شبه المنهارة على المسجد الأقصى!!
كل الطرق كانت تؤدي إلى فلسطين، وأي قضية سياسية ينبغي أن تحصل مسبقا على رسالة اعتراف فلسطينية حتى أقتنع بها، ويتساوى في هذا الفن والسياسة والرياضة والتجارة وكل الأمور الأخرى.
حتى قضايا وطني الأم، مصر، كان عليها أن تحصل على اعتراف فلسطيني ليسمح لها العقل بالدخول، وإلا فإن كل الأبواب تغلق دونها.
وعندما هبطت طائرة الرئيس الراحل أنور السادات فوق أرض فلسطين المحتلة، كنت أبكي كطفل رواندي صغير وصل على الحدود الزائيرية بمفرده بعد أن فقد والديه وأقاربه.
وامتنعت عن زيارة سفارة مصر في العاصمة النرويجية لمدة عامين، وفي العام الثالث، أي في عام 1980 حضرت حفل الاستقبال بالعيد الوطني لثورة يوليو ومعي بعض الفلسطينيين، فقد كانوا يمثلون لي ما بقى من طهارة الثورة والنضال ضد الاستعمار الصهيوني، وكان رأيي آنئذ أن ثورة يوليو فجرها النضال الفلسطيني أفكارا في عقل ووجدان جمال عبد الناصر.
وعندما اشتد القصف الوحشي الإسرائيلي على لبنان والمقاومة الفلسطينية في يونيو1982، كانت ابنتي الصغيرة التي لم تكن قد بلغت عامها الرابع شهرئذ تقف في شارع كارل يوهان بقلب العاصمة النرويجية تجمع تبرعات لأبناء الأبطال والمناضلين، فجمعت في يومين أكثر مما جمع الكبار كلهم؛ وكيف لا وقد تعلمت من أبيها اسم فلسطين قبل مصر!!
وقبل أن تأتي إلى الدنيا كانت والدتها النرويجية تستمع بدهشة كبيرة لي وأنا اشترط عليها أن لا يدخل بيتنا أي شيء إسرائيلي ولو كان برتقالة واحدة من يافا المحتلة. وظلت ملتزمة تحترم هذا الشرط في حضوري وفي غيابي.
وفي نوفمبر 1983 افتتحت المكتبة العالمية كمركز إعلامي على مبعدة دقائق معدودة من مبنى البرلمان النرويجي العتيق، وكانت المكتبة ملتقى أبناء الجالية هنا، ومركزا للفلسطينيين. ولم أجد علما عربيا واحدا يعبر عن هدفي الأسمى غير علم فلسطين.
وعاشت معي فلسطين أهتدي بهديها، وأعشق أهلها، ويبادلني الفلسطينيون حبا بحب، حتى أنه في اجتماع فلسطيني عقد في منزل الأخ طارق سلامة خلال العدوان الإسرائيلي عام 1982، رغبت في الانسحاب حتى ينتهي الحاضرون من انتخاب أعضاء لجنة مناصرة لبنان ولمنظمة، فأصر الإخوة على حضوري لأنني كما يرون، فلسطيني قبل أن أكون مصريا أو نرويجيا!!
وفي عام 1987 صعدت ما وسعني الجهد إلى منتهى الهرم وقمته، فكانت المكتبة العالمية ومجلة الشمال وإذاعة صوت العرب من أوسلو، وكلها – بفضل الله – جهد شخص واحد.
في نهاية عام1988 قال لي شاب إسرائيلي يقيم في بيت الشباب حيث أعمل:" إننا في ا