مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com
08 ايلول, 2006
اهتزت أركانُ كل سجون مصر ومعتقلاتها عندما وصل إلى اسماع القابعين بداخلها ظلما وعدوانا نبأ رحيل الرئيس حسني مبارك، وانتفضت المشاعر، واقترب أحدهم من صورة ابنته الصغيرة ليحتضنها فقد غابت
ملامحها عنه منذ عشر سنوات إثر القاء القبض عليه، والقائه في نزانة قذرة كئيبة دون أن يُقَدَم للمحاكمة، فقانون الطواريء يضع بين يدي الرئيس أرواح المصريين ليقبضها متى شاء، ويستدعي عزرائيل أينما أراد.
وبكى آخر الذي كان وحيد والديه ورحل والده خلال فترة اعتقاله، ومرضت والدته فلا يملك منها إلا صورة قديمة أبيض وأسود يُقَبّلها بين الحين والآخر.
انفجرت كلُ مشاعر الفرح والأمل والغبطة في صدور عائلات ثلاثين ألف معتقل، فالسجّان الذي ظن أن الروحَ خالدةٌ لم يدر بذهنه أن عزرائيل الذي تركه في ميوينيخ ليتوب، عاد إليه مرة أخرى غير مكترث بتوسلاته أن يتركه عدة أعوام حتى يسفف المصريين تراب الأرض.
كانت هناك مئات من العائلات التي مات أبناؤها تحت التعذيب في أقسام الشرطة بأوامر وتوجيهات الرئيس الراحل محمد حسني مبارك والذي طلب من أجهزة أمنه استعمال كل وسائل القسوة والغلظة وامتهان الكرامة ولو وصل الأمر إلى اغتصاب المصريين وانتهاك أعراضهم وصب الكيروسين على أجسادهم الضعيفة فتنهي النارُ عملَ البلهارسيا وتعجّل موت مواطنين كانوا همّا وكمَدا وثِقَلا فوق كاهل الرئيس.
مئات من البرقيات تسلمها القصر وكلها مجاملات بروتوكولية يعزي فيها الزعماء والملوك والقادة والكبار الشعبَ المصري في المصاب الجلل ويستذكرون مآثر ومواقف الرئيس الراحل، طبعا لم يقرأها أحد فلو مات الشيطان نفسه فإن برقيات العزاء ستتم كتابتها بنفس الصيغة، وسيتذكر المُعزّون أفضالَ إبليس ونضاله واصراره على موقفه( لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين )!
الشوارع خالية، والجيش في حالة تأهب، ووكالات الأنباء تطيرّ صورة لرئيس الوزر اء الاسرائيلي وهو يشيد للقناة الاسرائيلية الأولى بعرّاب الصراع، ويفشي سرا عن قدرة الرئيس الراحل في نزع سلاح المقاومة، وفي امداد اسرائيل بالغاز والبترول، وفي انقاذ الحكومة عندما أضرب عمال الموانيء فقامت البواخر بتفريغ شحناتها في بورسعيد المناضلة ومنها إلى الكيان الصهيوني.
مصارف مصر كلها تتلقى طلبات تحويل من مئات اللصوص الذين كانوا في حماية الرئيس الراحل، ولكن بعض البنوك لم تكن لديها سيولة كافية، ومن حسن حظ لصوص العهد المباركي البائد أن الرئيس سمح لهم بتهريب عشرات المليارات لمصارف في الخارج.
بعض الغلابة والمساكين والطيبين يبكون الرئيس، فالموت يبكيهم ولو كان الراحل ممسكا برقابهم منذ المولد إلى اللحد، لكن لأول مرة منذ سنوات طويلة ينتعش أمل اخراج مصر من كبوتها وكارثة الوطن التي حلت بها اثر فواجع متتالية سببها أعفن وأنتن وأفسد نظام فاشي في عالمنا العربي.
المصريون يتنفسون، وحكايات الفساد تنتشر بسرعة النار في الهشيم، وبدأ وصول كبار الزعماء لحضور جنازة زعيم كان الأكثر بغضا لشعبه، وكان شعبه الأكثر كراهية له.
رئيس مجلس الشعب يتصل بعصابة الأربعة لتحديد مرشح الحزب الوطني، وصحيفة يومية تنشر حديثا مع مواطن يقول بأنه تلقى تهديدا بالانضمام للحزب منذ عامين وإلا فقد عمله.
السفير الأمريكي يدلي بحديث يقول فيه بأن الادارة الأمريكية تريد نظاما ديمقراطيا حرا، واسرائيل تضع جيشها على الحدود وتهدد إن تولى فلان قيادة الجيش، والمرشد العام للاخوان المسلمين يقول بأن الجماعة ستحدد موقفها قريبا وأنها لا تمانع في ترشيح الحزب للسيد جمال مبارك، وبعدها بساعتين يقول نائب المرشد بأن فضيلته لم يدل بهذا الحديث!
بيان من جماعة اسلامية مجهولة تطالب بتطبيق الشريعة فورا، والمثقفون المصريون يجتمعون لاصدار بيان عن الحرية والديمقراطية ولكن اثنين منهم ينسحبان احتجاجا، فيتم تأجيل البيان إلى وقت لاحق.
صحيفة بريطانية تنشر أن ثروة أسرة مبارك تعادل ثلاثة أضعاف ثروة الوليد بن طلال، وأن خمسة مصارف على الأقل في الخارج يملك فيها الولدان ووالدهما الراحل ثروة تكفي لزراعة كل أرض مصر لو كانت ملكا للشعب.
الاعلام الغربي يلاحظ غياب الشعب المصري عن حضور الجنازة، ومصر تتشح بالسواد الذي يخفي أملا مشرقا بغَدٍ جميل يعيد إلى المصريين وطنا حاول الراحل اغتياله طوال سنوات فاجعات فلم يفلح.
يسير في الجنازة زعماء أوروبيون وأفارقة وبعض الشخصيات العالمية وأكثرها زرق العيون عليها أوجه سود!
ضباط الأمن في أقسام الشرطة يبدون قلقهم من وصول رئيس شريف ونزيه ومخلص إلى سدة الحكم، ويقترب شاب من المسجلين خطرين الذي نشرت الصحف صورته وهو يضرب متظاهرا على رأسه بقطعة من الحديد، ويسأل مأمور القسم: وماذا سنفعل يا باشا بعد رحيل الرئيس؟ كيف سنضرب ونعذب ونغلظ في الاهانة والركل إن جاء زعيم يحافظ على كرامة المصريين؟
وهنا ابتسم له ضابط الشرطة وقال له هامسا: ستفعل أكثر مما فعلت لو أن الرئيس الشاب جمال مبارك تولى السلطة، وهذا يتوقف على مدى سلاسة وعذوبة ومتعة وبهجة الاذلال والمهانة لدى المصريين، فإن أرادوا الحرية والكرامة فأبشرك بأنك ستكون من العاطلين عن العمل!
في اليوم الثالث لجنازة الرئيس حسني مبارك، تقدم صاحب محل بقالة، ورفع صورة الرئيس من على الحائط، ثم ألقاها أرضا وداس فوقها!
ملامحها عنه منذ عشر سنوات إثر القاء القبض عليه، والقائه في نزانة قذرة كئيبة دون أن يُقَدَم للمحاكمة، فقانون الطواريء يضع بين يدي الرئيس أرواح المصريين ليقبضها متى شاء، ويستدعي عزرائيل أينما أراد.
وبكى آخر الذي كان وحيد والديه ورحل والده خلال فترة اعتقاله، ومرضت والدته فلا يملك منها إلا صورة قديمة أبيض وأسود يُقَبّلها بين الحين والآخر.
انفجرت كلُ مشاعر الفرح والأمل والغبطة في صدور عائلات ثلاثين ألف معتقل، فالسجّان الذي ظن أن الروحَ خالدةٌ لم يدر بذهنه أن عزرائيل الذي تركه في ميوينيخ ليتوب، عاد إليه مرة أخرى غير مكترث بتوسلاته أن يتركه عدة أعوام حتى يسفف المصريين تراب الأرض.
كانت هناك مئات من العائلات التي مات أبناؤها تحت التعذيب في أقسام الشرطة بأوامر وتوجيهات الرئيس الراحل محمد حسني مبارك والذي طلب من أجهزة أمنه استعمال كل وسائل القسوة والغلظة وامتهان الكرامة ولو وصل الأمر إلى اغتصاب المصريين وانتهاك أعراضهم وصب الكيروسين على أجسادهم الضعيفة فتنهي النارُ عملَ البلهارسيا وتعجّل موت مواطنين كانوا همّا وكمَدا وثِقَلا فوق كاهل الرئيس.
مئات من البرقيات تسلمها القصر وكلها مجاملات بروتوكولية يعزي فيها الزعماء والملوك والقادة والكبار الشعبَ المصري في المصاب الجلل ويستذكرون مآثر ومواقف الرئيس الراحل، طبعا لم يقرأها أحد فلو مات الشيطان نفسه فإن برقيات العزاء ستتم كتابتها بنفس الصيغة، وسيتذكر المُعزّون أفضالَ إبليس ونضاله واصراره على موقفه( لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين )!
الشوارع خالية، والجيش في حالة تأهب، ووكالات الأنباء تطيرّ صورة لرئيس الوزر اء الاسرائيلي وهو يشيد للقناة الاسرائيلية الأولى بعرّاب الصراع، ويفشي سرا عن قدرة الرئيس الراحل في نزع سلاح المقاومة، وفي امداد اسرائيل بالغاز والبترول، وفي انقاذ الحكومة عندما أضرب عمال الموانيء فقامت البواخر بتفريغ شحناتها في بورسعيد المناضلة ومنها إلى الكيان الصهيوني.
مصارف مصر كلها تتلقى طلبات تحويل من مئات اللصوص الذين كانوا في حماية الرئيس الراحل، ولكن بعض البنوك لم تكن لديها سيولة كافية، ومن حسن حظ لصوص العهد المباركي البائد أن الرئيس سمح لهم بتهريب عشرات المليارات لمصارف في الخارج.
بعض الغلابة والمساكين والطيبين يبكون الرئيس، فالموت يبكيهم ولو كان الراحل ممسكا برقابهم منذ المولد إلى اللحد، لكن لأول مرة منذ سنوات طويلة ينتعش أمل اخراج مصر من كبوتها وكارثة الوطن التي حلت بها اثر فواجع متتالية سببها أعفن وأنتن وأفسد نظام فاشي في عالمنا العربي.
المصريون يتنفسون، وحكايات الفساد تنتشر بسرعة النار في الهشيم، وبدأ وصول كبار الزعماء لحضور جنازة زعيم كان الأكثر بغضا لشعبه، وكان شعبه الأكثر كراهية له.
رئيس مجلس الشعب يتصل بعصابة الأربعة لتحديد مرشح الحزب الوطني، وصحيفة يومية تنشر حديثا مع مواطن يقول بأنه تلقى تهديدا بالانضمام للحزب منذ عامين وإلا فقد عمله.
السفير الأمريكي يدلي بحديث يقول فيه بأن الادارة الأمريكية تريد نظاما ديمقراطيا حرا، واسرائيل تضع جيشها على الحدود وتهدد إن تولى فلان قيادة الجيش، والمرشد العام للاخوان المسلمين يقول بأن الجماعة ستحدد موقفها قريبا وأنها لا تمانع في ترشيح الحزب للسيد جمال مبارك، وبعدها بساعتين يقول نائب المرشد بأن فضيلته لم يدل بهذا الحديث!
بيان من جماعة اسلامية مجهولة تطالب بتطبيق الشريعة فورا، والمثقفون المصريون يجتمعون لاصدار بيان عن الحرية والديمقراطية ولكن اثنين منهم ينسحبان احتجاجا، فيتم تأجيل البيان إلى وقت لاحق.
صحيفة بريطانية تنشر أن ثروة أسرة مبارك تعادل ثلاثة أضعاف ثروة الوليد بن طلال، وأن خمسة مصارف على الأقل في الخارج يملك فيها الولدان ووالدهما الراحل ثروة تكفي لزراعة كل أرض مصر لو كانت ملكا للشعب.
الاعلام الغربي يلاحظ غياب الشعب المصري عن حضور الجنازة، ومصر تتشح بالسواد الذي يخفي أملا مشرقا بغَدٍ جميل يعيد إلى المصريين وطنا حاول الراحل اغتياله طوال سنوات فاجعات فلم يفلح.
يسير في الجنازة زعماء أوروبيون وأفارقة وبعض الشخصيات العالمية وأكثرها زرق العيون عليها أوجه سود!
ضباط الأمن في أقسام الشرطة يبدون قلقهم من وصول رئيس شريف ونزيه ومخلص إلى سدة الحكم، ويقترب شاب من المسجلين خطرين الذي نشرت الصحف صورته وهو يضرب متظاهرا على رأسه بقطعة من الحديد، ويسأل مأمور القسم: وماذا سنفعل يا باشا بعد رحيل الرئيس؟ كيف سنضرب ونعذب ونغلظ في الاهانة والركل إن جاء زعيم يحافظ على كرامة المصريين؟
وهنا ابتسم له ضابط الشرطة وقال له هامسا: ستفعل أكثر مما فعلت لو أن الرئيس الشاب جمال مبارك تولى السلطة، وهذا يتوقف على مدى سلاسة وعذوبة ومتعة وبهجة الاذلال والمهانة لدى المصريين، فإن أرادوا الحرية والكرامة فأبشرك بأنك ستكون من العاطلين عن العمل!
في اليوم الثالث لجنازة الرئيس حسني مبارك، تقدم صاحب محل بقالة، ورفع صورة الرئيس من على الحائط، ثم ألقاها أرضا وداس فوقها!
ملامحها عنه منذ عشر سنوات إثر القاء القبض عليه، والقائه في نزانة قذرة كئيبة دون أن يُقَدَم للمحاكمة، فقانون الطواريء يضع بين يدي الرئيس أرواح المصريين ليقبضها متى شاء، ويستدعي عزرائيل أينما أراد.
وبكى آخر الذي كان وحيد والديه ورحل والده خلال فترة اعتقاله، ومرضت والدته فلا يملك منها إلا صورة قديمة أبيض وأسود يُقَبّلها بين الحين والآخر.
انفجرت كلُ مشاعر الفرح والأمل والغبطة في صدور عائلات ثلاثين ألف معتقل، فالسجّان الذي ظن أن الروحَ خالدةٌ لم يدر بذهنه أن عزرائيل الذي تركه في ميوينيخ ليتوب، عاد إليه مرة أخرى غير مكترث بتوسلاته أن يتركه عدة أعوام حتى يسفف المصريين تراب الأرض.
كانت هناك مئات من العائلات التي مات أبناؤها تحت التعذيب في أقسام الشرطة بأوامر وتوجيهات الرئيس الراحل محمد حسني مبارك والذي طلب من أجهزة أمنه استعمال كل وسائل القسوة والغلظة وامتهان الكرامة ولو وصل الأمر إلى اغتصاب المصريين وانتهاك أعراضهم وصب الكيروسين على أجسادهم الضعيفة فتنهي النارُ عملَ البلهارسيا وتعجّل موت مواطنين كانوا همّا وكمَدا وثِقَلا فوق كاهل الرئيس.
مئات من البرقيات تسلمها القصر وكلها مجاملات بروتوكولية يعزي فيها الزعماء والملوك والقادة والكبار الشعبَ المصري في المصاب الجلل ويستذكرون مآثر ومواقف الرئيس الراحل، طبعا لم يقرأها أحد فلو مات الشيطان نفسه فإن برقيات العزاء ستتم كتابتها بنفس الصيغة، وسيتذكر المُعزّون أفضالَ إبليس ونضاله واصراره على موقفه( لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين )!
الشوارع خالية، والجيش في حالة تأهب، ووكالات الأنباء تطيرّ صورة لرئيس الوزر اء الاسرائيلي وهو يشيد للقناة الاسرائيلية الأولى بعرّاب الصراع، ويفشي سرا عن قدرة الرئيس الراحل في نزع سلاح المقاومة، وفي امداد اسرائيل بالغاز والبترول، وفي انقاذ الحكومة عندما أضرب عمال الموانيء فقامت البواخر بتفريغ شحناتها في بورسعيد المناضلة ومنها إلى الكيان الصهيوني.
مصارف مصر كلها تتلقى طلبات تحويل من مئات اللصوص الذين كانوا في حماية الرئيس الراحل، ولكن بعض البنوك لم تكن لديها سيولة كافية، ومن حسن حظ لصوص العهد المباركي البائد أن الرئيس سمح لهم بتهريب عشرات المليارات لمصارف في الخارج.
بعض الغلابة والمساكين والطيبين يبكون الرئيس، فالموت يبكيهم ولو كان الراحل ممسكا برقابهم منذ المولد إلى اللحد، لكن لأول مرة منذ سنوات طويلة ينتعش أمل اخراج مصر من كبوتها وكارثة الوطن التي حلت بها اثر فواجع متتالية سببها أعفن وأنتن وأفسد نظام فاشي في عالمنا العربي.
المصريون يتنفسون، وحكايات الفساد تنتشر بسرعة النار في الهشيم، وبدأ وصول كبار الزعماء لحضور جنازة زعيم كان الأكثر بغضا لشعبه، وكان شعبه الأكثر كراهية له.
رئيس مجلس الشعب يتصل بعصابة الأربعة لتحديد مرشح الحزب الوطني، وصحيفة يومية تنشر حديثا مع مواطن يقول بأنه تلقى تهديدا بالانضمام للحزب منذ عامين وإلا فقد عمله.
السفير الأمريكي يدلي بحديث يقول فيه بأن الادارة الأمريكية تريد نظاما ديمقراطيا حرا، واسرائيل تضع جيشها على الحدود وتهدد إن تولى فلان قيادة الجيش، والمرشد العام للاخوان المسلمين يقول بأن الجماعة ستحدد موقفها قريبا وأنها لا تمانع في ترشيح الحزب للسيد جمال مبارك، وبعدها بساعتين يقول نائب المرشد بأن فضيلته لم يدل بهذا الحديث!
بيان من جماعة اسلامية مجهولة تطالب بتطبيق الشريعة فورا، والمثقفون المصريون يجتمعون لاصدار بيان عن الحرية والديمقراطية ولكن اثنين منهم ينسحبان احتجاجا، فيتم تأجيل البيان إلى وقت لاحق.
صحيفة بريطانية تنشر أن ثروة أسرة مبارك تعادل ثلاثة أضعاف ثروة الوليد بن طلال، وأن خمسة مصارف على الأقل في الخارج يملك فيها الولدان ووالدهما الراحل ثروة تكفي لزراعة كل أرض مصر لو كانت ملكا للشعب.
الاعلام الغربي يلاحظ غياب الشعب المصري عن حضور الجنازة، ومصر تتشح بالسواد الذي يخفي أملا مشرقا بغَدٍ جميل يعيد إلى المصريين وطنا حاول الراحل اغتياله طوال سنوات فاجعات فلم يفلح.
يسير في الجنازة زعماء أوروبيون وأفارقة وبعض الشخصيات العالمية وأكثرها زرق العيون عليها أوجه سود!
ضباط الأمن في أقسام الشرطة يبدون قلقهم من وصول رئيس شريف ونزيه ومخلص إلى سدة الحكم، ويقترب شاب من المسجلين خطرين الذي نشرت الصحف صورته وهو يضرب متظاهرا على رأسه بقطعة من الحديد، ويسأل مأمور القسم: وماذا سنفعل يا باشا بعد رحيل الرئيس؟ كيف سنضرب ونعذب ونغلظ في الاهانة والركل إن جاء زعيم يحافظ على كرامة المصريين؟
وهنا ابتسم له ضابط الشرطة وقال له هامسا: ستفعل أكثر مما فعلت لو أن الرئيس الشاب جمال مبارك تولى السلطة، وهذا يتوقف على مدى سلاسة وعذوبة ومتعة وبهجة الاذلال والمهانة لدى المصريين، فإن أرادوا الحرية والكرامة فأبشرك بأنك ستكون من العاطلين عن العمل!
في اليوم الثالث لجنازة الرئيس حسني مبارك، تقدم صاحب محل بقالة، ورفع صورة الرئيس من على الحائط، ثم ألقاها أرضا وداس فوقها!
08 ايلول, 2006
أوسلو في 01 سبتمبر 2005
لا أدري لماذا أتخيل مشهدا لو حدث لأنقلب العالم الاسلامي عاليه سافله، ولأرتجت من هول الصدمة رؤوس عشرات الآلاف من عباقرة الفقه والعلم والتاريخ والتفسير!
المشهد الممعن في الخيال هو أن يبعث الله عدة مئات من المسلمين الذين اختلفوا منذ أربعة عشر قرنا، ثم يتجولون في أنحاء العالم الاسلامي ، ويقومون بزيارة المدارس الاسلامية من قم إلى الأزهر، ومن النجف الأشرف إلى لاهور، ومن مكناس إلى الكرخ، ومن صيدا إلى قسطنطينة!
ماذا سيكتشف مسلمو القرون الأولى؟
انقسام المسلمين بملايين لا يستطيع الزائر الجديد القديم عدّها، منهم من يؤمن أنهم متشيعون لأهل البيت وهم الأحق بالرسالة، وآخرون يظنون أنهم الأكثر فهما وقربا لرسالة خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه.
سيقول الزوار الجدد: لكننا كنا نختلف ونحن بضعة عشرات أو عدة مئات ولكن لم يدر بذهن أكثرنا تشاؤما أنكم بملايينكم وعبقرييكم وفقهائكم وعلمائكم وامكاناتكم التي جمعت التاريخ كله في زمنكم وحققتم من التقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي ستختلفون على اختلافنا، وتتوارثون خلافاتكم، وتضيفون مع كل جيل في أربعة عشر قرنا مئات المجلدات الفقهية والموسوعية والفتاوى التي تثبت صحة ظن أو إيمان أو عقيدة أو مذهب كل منكم.
مسلمو العصر الحديث يصورون العلي القدير انطلاقا من موروثات أضحت ثوابت تدافع عنها سيوف ومدافع وأقلام ومدارس فقهية وتحيط بها ترسانة مسلحة من الفتاوى التي تزداد عددا وعدة.
وصورة العزيز الجبار تختلف من مسلم لآخر، لكنها تزداد اختلافا من مذهب لآخر حتى ظن الشيعي أن الجنة محجوزة له ولأهل مذهبه، وآمن السني بأن الشيعة لن يلحقوا به في جنة الخلد.
خلافات سياسية أو حتى دينية مضت عليها أجيال زادت على الأربعين جيلا وكلما جاء جيل أضاف للذي يليه مزيدا من البحوث والكتابات والمجلدات، ومع ذلك فالمسلمون لا يستطيعون التوقف لحظة واحدة والاجتماع على كلمة سواء بدلا من دعوة أصحاب العقائد الأخرى لكلمة سواء!
ربما يقول قائل بأن هذا الكلام يفتقد إلى الصحة والحقائـقالتاريخية والعلمية والثبوتية بأن الخلافات الشيعية السُنّية أكبر من قدرة ساذج أو جاهل مثلي على تجاوزها.
إنه المنطق الاستعلائي الأحمق والغبي الذي ينقل من التاريخ وقائع معركة وعدة نقاشات وبعض الحروب الصغيرة وخلافات وقتية ثم يقيم عليها حقائق جديدة من صنع خياله، لكنها في الحقيقة متأثرة بكتابات قد تكون منذ خمسة قرون أو ستة أو عشرة لكنها أيضا تعود إلى أناس لم يعيشوا الأحداث أو يتحققوا من مصداقيتها.
لو أنك نقلت خبرا الآن، وفي عصر الانترنيت والتحقق من كل كلمة، وامكانية عمل ملفات لا ينفد منها حرف أو يسقط تشكيل، ثم عدت إلى نفس الخبر بعد أسبوعين وقرأته في مكان آخر فإن احتمالات الاضافة إليه والحذف منه تكون أقرب إلى مئة بالمئة، ولك أن تتصور مئات من الأعوام التي يضيف إلى الخبر لدى نقله أو انتقاله عشرات الآلاف من العلماء والفقهاء والمحسوبين عليهم والمستشرقين وعلماء سلطات الاحتلال على مدى أربعة عشر قرنا واختلاف اللغات والترجمات وتداخل المغرضين والاسرائيليات والتفسيرات النابعة من ظروف خاصة، ويتوارث المسلمون من مصادر مذاهبهم ما يروق لهم، وما يصب في خدمة توجهاتهم.
لذا لن تجد فقيها شيعيا يجلس في صحن المسجد ب(قم) ويلقي دروسا عن فقه الإمام محمد عبده، أو فقيها سُنيا يجلس بعد صلاة كل جمعة في مسجد الحسين بالقاهرة ويحض مريديه على التفقه في الفقه الجعفري !
قرأت في العامين الماضيين ما يصيب النفس العفيفة بالغثيان من فتاوى مَرَضية ، خاصة على الانترنيت، يُكفّر فيها السُنّة والشيعة بعضهم بعضا، ويمسك كل صاحب مذهب ليس له خيار في اختياره مفتاح الجنة وينتظر بسذاجته وتصوراته الحمقاء أن مالك المُلك العزيز الوهاب سيمنع أصحاب المذهب الآخر من رحمته وجنته وغفرانه.
ليس لي فضل في كوني ولدت معتنقا مذهبا معينا في اسلام بلا مذاهب، وبالتالي فقد تلقيت تعاليم ودرستها وقرأتها وتشبعتْ بها نفسي وأنا أشعر بمرارة وغضب عندما يأتي آخرون مؤكدين لي أن اختياري الاجباري سيفتح لي باب جهنم على مصراعيها أو علىالأقل يحرمني من جنة الخلد إن كنت شيعيا كما يرى أهل السُنة أو سُنّيا كما يؤمن الشيعة!
عفن المعارك الطائفية والمذهبية على الانترنيت وفي كتب يصدرها مرضى عقليون يحاولون اثبات خطأ الآخرين فيضيفون لأجيال لاحقة مزيدا من الخلافات هو في الحقيقة هدم لمعالم الدين الاسلامي الحنيف.
لست ساذجا، وقرأت كثيرا عن الخلافات، وأعرف الفروقات كما يرددها أهل مذهبي السني وكذلك أهل الشيعة، لكنني لم ولن أسقط في فخ توراثناه عبر مئات الأعوام.
ما يحدث في العراق من اكتشاف السُنة ل( الآخر ) الشيعي الصامت على الاحتلال، واكتشاف الشيعة ل( الآخر ) السُنّي المناصر للارهاب هو نتيجة حتمية لثقافة الكراهية التي زرعها تاريخ شيطان بغداد الأسير والاحتلال الأمريكي البغيض وسارقو الوطن من المتعاونين مع الاستخبارات الأمريكية من عراقيي المنافي.
والشيعة لهم تاريخ نضالي لا ينكره إلا جاهل أو جاحد، وهم الذي فر جيش الاحتلال الصهيوني أمام إيمانهم وصمودهم.
الخلافات السُنيّة الشيعية لا تحتاج لفقهاء ومؤرخين وعلماء، لكنها ستنكسر أمام ثقافة التسامح ، واستبدال الصورة غير الصحيحة لله العزيز الحكيم في أذهان كل أصحاب المذهبين، فالله، جل شأنه، لن ينحاز يوم القيامة للعمامة السوداء أو البيضاء أو حتى الحمراء، إنما هناك حسابات أعدل فالله أكبر.
أوسلو في 01 سبتمبر 2005
لا أدري لماذا أتخيل مشهدا لو حدث لأنقلب العالم الاسلامي عاليه سافله، ولأرتجت من هول الصدمة رؤوس عشرات الآلاف من عباقرة الفقه والعلم والتاريخ والتفسير!
المشهد الممعن في الخيال هو أن يبعث الله عدة مئات من المسلمين الذين اختلفوا منذ أربعة عشر قرنا، ثم يتجولون في أنحاء العالم الاسلامي ، ويقومون بزيارة المدارس الاسلامية من قم إلى الأزهر، ومن النجف الأشرف إلى لاهور، ومن مكناس إلى الكرخ، ومن صيدا إلى قسطنطينة!
ماذا سيكتشف مسلمو القرون الأولى؟
انقسام المسلمين بملايين لا يستطيع الزائر الجديد القديم عدّها، منهم من يؤمن أنهم متشيعون لأهل البيت وهم الأحق بالرسالة، وآخرون يظنون أنهم الأكثر فهما وقربا لرسالة خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه.
سيقول الزوار الجدد: لكننا كنا نختلف ونحن بضعة عشرات أو عدة مئات ولكن لم يدر بذهن أكثرنا تشاؤما أنكم بملايينكم وعبقرييكم وفقهائكم وعلمائكم وامكاناتكم التي جمعت التاريخ كله في زمنكم وحققتم من التقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي ستختلفون على اختلافنا، وتتوارثون خلافاتكم، وتضيفون مع كل جيل في أربعة عشر قرنا مئات المجلدات الفقهية والموسوعية والفتاوى التي تثبت صحة ظن أو إيمان أو عقيدة أو مذهب كل منكم.
مسلمو العصر الحديث يصورون العلي القدير انطلاقا من موروثات أضحت ثوابت تدافع عنها سيوف ومدافع وأقلام ومدارس فقهية وتحيط بها ترسانة مسلحة من الفتاوى التي تزداد عددا وعدة.
وصورة العزيز الجبار تختلف من مسلم لآخر، لكنها تزداد اختلافا من مذهب لآخر حتى ظن الشيعي أن الجنة محجوزة له ولأهل مذهبه، وآمن السني بأن الشيعة لن يلحقوا به في جنة الخلد.
خلافات سياسية أو حتى دينية مضت عليها أجيال زادت على الأربعين جيلا وكلما جاء جيل أضاف للذي يليه مزيدا من البحوث والكتابات والمجلدات، ومع ذلك فالمسلمون لا يستطيعون التوقف لحظة واحدة والاجتماع على كلمة سواء بدلا من دعوة أصحاب العقائد الأخرى لكلمة سواء!
ربما يقول قائل بأن هذا الكلام يفتقد إلى الصحة والحقائـقالتاريخية والعلمية والثبوتية بأن الخلافات الشيعية السُنّية أكبر من قدرة ساذج أو جاهل مثلي على تجاوزها.
إنه المنطق الاستعلائي الأحمق والغبي الذي ينقل من التاريخ وقائع معركة وعدة نقاشات وبعض الحروب الصغيرة وخلافات وقتية ثم يقيم عليها حقائق جديدة من صنع خياله، لكنها في الحقيقة متأثرة بكتابات قد تكون منذ خمسة قرون أو ستة أو عشرة لكنها أيضا تعود إلى أناس لم يعيشوا الأحداث أو يتحققوا من مصداقيتها.
لو أنك نقلت خبرا الآن، وفي عصر الانترنيت والتحقق من كل كلمة، وامكانية عمل ملفات لا ينفد منها حرف أو يسقط تشكيل، ثم عدت إلى نفس الخبر بعد أسبوعين وقرأته في مكان آخر فإن احتمالات الاضافة إليه والحذف منه تكون أقرب إلى مئة بالمئة، ولك أن تتصور مئات من الأعوام التي يضيف إلى الخبر لدى نقله أو انتقاله عشرات الآلاف من العلماء والفقهاء والمحسوبين عليهم والمستشرقين وعلماء سلطات الاحتلال على مدى أربعة عشر قرنا واختلاف اللغات والترجمات وتداخل المغرضين والاسرائيليات والتفسيرات النابعة من ظروف خاصة، ويتوارث المسلمون من مصادر مذاهبهم ما يروق لهم، وما يصب في خدمة توجهاتهم.
لذا لن تجد فقيها شيعيا يجلس في صحن المسجد ب(قم) ويلقي دروسا عن فقه الإمام محمد عبده، أو فقيها سُنيا يجلس بعد صلاة كل جمعة في مسجد الحسين بالقاهرة ويحض مريديه على التفقه في الفقه الجعفري !
قرأت في العامين الماضيين ما يصيب النفس العفيفة بالغثيان من فتاوى مَرَضية ، خاصة على الانترنيت، يُكفّر فيها السُنّة والشيعة بعضهم بعضا، ويمسك كل صاحب مذهب ليس له خيار في اختياره مفتاح الجنة وينتظر بسذاجته وتصوراته الحمقاء أن مالك المُلك العزيز الوهاب سيمنع أصحاب المذهب الآخر من رحمته وجنته وغفرانه.
ليس لي فضل في كوني ولدت معتنقا مذهبا معينا في اسلام بلا مذاهب، وبالتالي فقد تلقيت تعاليم ودرستها وقرأتها وتشبعتْ بها نفسي وأنا أشعر بمرارة وغضب عندما يأتي آخرون مؤكدين لي أن اختياري الاجباري سيفتح لي باب جهنم على مصراعيها أو علىالأقل يحرمني من جنة الخلد إن كنت شيعيا كما يرى أهل السُنة أو سُنّيا كما يؤمن الشيعة!
عفن المعارك الطائفية والمذهبية على الانترنيت وفي كتب يصدرها مرضى عقليون يحاولون اثبات خطأ الآخرين فيضيفون لأجيال لاحقة مزيدا من الخلافات هو في الحقيقة هدم لمعالم الدين الاسلامي الحنيف.
لست ساذجا، وقرأت كثيرا عن الخلافات، وأعرف الفروقات كما يرددها أهل مذهبي السني وكذلك أهل الشيعة، لكنني لم ولن أسقط في فخ توراثناه عبر مئات الأعوام.
ما يحدث في العراق من اكتشاف السُنة ل( الآخر ) الشيعي الصامت على الاحتلال، واكتشاف الشيعة ل( الآخر ) السُنّي المناصر للارهاب هو نتيجة حتمية لثقافة الكراهية التي زرعها تاريخ شيطان بغداد الأسير والاحتلال الأمريكي البغيض وسارقو الوطن من المتعاونين مع الاستخبارات الأمريكية من عراقيي المنافي.
والشيعة لهم تاريخ نضالي لا ينكره إلا جاهل أو جاحد، وهم الذي فر جيش الاحتلال الصهيوني أمام إيمانهم وصمودهم.
الخلافات السُنيّة الشيعية لا تحتاج لفقهاء ومؤرخين وعلماء، لكنها ستنكسر أمام ثقافة التسامح ، واستبدال الصورة غير الصحيحة لله العزيز الحكيم في أذهان كل أصحاب المذهبين، فالله، جل شأنه، لن ينحاز يوم القيامة للعمامة السوداء أو البيضاء أو حتى الحمراء، إنما هناك حسابات أعدل فالله أكبر.
07 ايلول, 2006
لن يتمكن الأطفال في الملاجيء تحت الأرض من الاستمتاع بفيروز وهي تغني باحبك يا لبنان، فأزيز الطائرات الاسرائيلية أعلى من الأوتار الصوتية لصاحبة زهرة المدائن.
بيانٌ هام من قصر الزعيم العربي الكبير يؤكد أنه لم ينم الليلَ، وأصابَه الأرقَ على مصير اللبنانيين ( ولا مانع من اضافة الأسيريّن الاسرائيليين )، وأنه أعطى أوامره ببذل كل الجهد للتخفيف من معاناة الشعب اللبناني
ما أرق قلب زعيمنا وهو يتقلب في فراشه، وينظر إلى سقف غرفة نومه، ويفكر في حرب الابادة التي تقودها إسرائيل ضد شعب عاش من أجل الحب والكِتاب والسياحة وبين الحين والآخر يتقاتل الأصدقاء على أرضه، ثم يساهمون في إعمار ما تم تخريبه، ليعودوا سائحين على شواطئه.
في الصباح الباكر يستجمع زعيمنا المبجل قُوَّتَه، ويصدر بيانا شديد اللهجة يطالب جنود الاحتلال الصهيوني بأن يتجنبوا قدر استطاعتهم قتل الكثيرين من الأطفال اللبنانيين.
مزق بيان شجيع الشجعان شغاف قلوبنا، وتبارت وسائل الاعلام في بلده لشرح عبقرية زعيمنا في إنقاذ الشعب اللبناني الصديق، حتى ظننت أنه سيرسل للرئيس الأمريكي محاولا اقناعه بتذوق التبّولة والحُمُّص والشاورما.
أيها اللبنانيون الساذجون الذين يظنون أن هناك اتفاقية دفاع مشترك، وأن ملايين من أبناء الشعب العربي الذين كانوا في يوم من الأيام على استعداد للدفاع عن صدام حسين صاحب القبور الجماعية سيهبون لنجدتكم، ويؤكدون للعالم كله أن زعماءنا المبجلين لا يحكمون موتى أو خشبا مسندة.
إننا نعدكم بأن نذرف مزيدا من الدموع على أرواح شهدائكم، وأن نشاهد جثث أطفالكم على الشاشة الصغيرة ونحن نتناول الطعام بلذة عجيبة كأننا نأكل بعد اضراب عنه.
وقودُ آلة الحرب القذرة التي يشنها الارهابيون الصهاينة تحت زعامة أولمرت جاء من بلد عربي كبير ومعه قُبْلة من زعيمه.
عزاؤنا في مئات المحاورين على الفضائيات العربية، نِصْفُهم يشير بأصابع الاتهام إلى حزب الله، والنصف الآخر يؤكد حَقَّه في المقاومة.
ضيوف الفضائيات العربية يصرخون حتى تصل صرخاتهم إلى مهندس الصوت، وتبرُز العروق في الرقبة، ويؤكد بعضهم أن الحل في نزع سلاح حزب الله، وآخرون مؤمنون أن الوقت لم يكن مناسبا لخطف الجنديين الاسرائيليين، ورئيس دولة عربية كبرى يقول بأنه كان ينبغي أن يستأذن الحزبُ رئيسَ الدولة قبل العملية بنصف ساعة، أي يستقل حسن نصر الله سيارة أجرة من صيدا أو صور أو مرجعيون ثم يتوجه بها إلى قصر بعبدا في بيروت، ليبلغ إميل لحود أن دورية إسرائيلية تنتظر غير بعيدة حتى يتم اختطاف أفرادها!
قوات الردع العربية تنتشر في دمشق، ولا يزال السوريون يُصَرّحون بأن لبنان وسوريا بلد واحد، وأن اقامة سفارة سورية في بيروت غير وارد في الوقت الحالي.
لكن حماية الشطر الآخر من الجمهورية العربية السورية، أي لبنان ليست مهمة قوات الردع خاصة وأن الدول الكبرى تبنت الموقف الاسرائيلي، وأن أرواح ثلاثة جنود اسرائيليين أطهر عند أمريكا والغرب من كل أطفال لبنان وفلسطين.
الموقف العربي لا يختلف عن مؤتمر القمة عقب غزو قوات صدام حسين لجارته الصغيرة الآمنة، لكن أضيفت له نكهة جديدة رائحتها تنبعث من بلاد الرافدين حيث نافس عراقيو اليوم لبنانيي الأمس في الطائفية، ويمكنك الآن في العراق أن تلقى حتفك وفقا لنوع المسجد الذي ترتاده، وأن تمر سكين على عنقك حسب اسمك إن كنت شيعيا أو سنيا.
تطل عليك من الشاشة الصغيرة مذيعة لبنانية تجعلك تحلم بها زوجة لك ولو كانت العِصْمةُ في يدها ودفترُ الشيكات في يدك، ثم تقرأ عليك تفاصيل المذابح الصهيونية في لبنان، ولكنك كمواطن عربي تنتظر رأي وليّ الأمر، فإذا أصدرت حكومتك بيانا يدين خطف الجنديين، فستلعن توريط حزب الله للبنانيين في هذا الخراب، وإذا أشادت وسائل إعلام بلدك بالمقاومة الشريفة فهي تستكتب مثقفيها وإعلامييها لتبرير الموقف الرسمي، وتلوين الضمير وفقا للمصلحة.
ماذا تفعل الأسلحة السورية الشقيقة التي تستطيع من دمشق أن تخيف طائرات العدو أو طيور السماء المهاجرة؟
لا بأس فالوقت غير مناسب لتحرير الجولان أو الدفاع عن لبنان.
يقفز إلى لسانك سؤال عن الجيش اللبناني والأسلحة والقاذفات والطيران خاصة أنه بلد مستهدَف وتعرّضتْ عاصمته للاحتلال الصهيوني من قبل!
وقبل الانتهاء من طرح سؤالك يأتيك الجوابُ موَحَدا من الداخل والخارج: إن قوة لبنان في ضعفه، ويتباهى اللبنانيون بصوت فيروز وجسد نانسي عجرم ودور النشر ومعرض الكتاب والمطبخ اللبناني وحرية الصحافة وعدم وجود جيش يدافع عن الوطن المتربَص به دائما.
هل كانت الطائفية مانعاً لتكوين جيش قوي على غرار جيش سويسرا ؟
ومع الاشارات المتناقضة لادانة حزب الله أو الاشادة به، تظل الغطرسة الصهيونية هي الحاجز المنيع لسلام في المنطقة، ويبقى التاريخ الدموي للكيان الصهيوني منذ نكبة تأسيس الدولة الارهابية في قلب العالم العربي شاهدا على الظلم الذي وقع على العرب برُمتهم، وعلى الفلسطينيين واللبنانيين خاصة.
الآن يمكننا توزيع دموعنا على أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان، ونحبس بعضها في مأقينا لكارثة قادمة تدك فيها اسرائيل أو أمريكا عاصمة عربية أخرى بعد اتهامها بأنها تغض الطرف عن الارهاب، وتريد الاضرار بالمواطن الاسرائيلي الطيب الباحث عن السلام ، وأنها من محور الشر، ويتم استقطاع مبلغ من دافع الضرائب الأمريكي الساذج للبحث عن أسلحة الدمار الشامل في دمشق أو طهران أو مقديشيو. هل يستحق لبنان كل هذا الدمار والقتل والابادة؟
لماذا نعانق اللبنانيين في فترات السلام، وندير لهم ظهورَنا إن ألمّتْ بهم كارثةٌ أو تعرّضوا لعدوان؟
لماذا يدفع لبنانُ ثمنَ الهوان العربي؟
لن يتمكن الأطفال في الملاجيء تحت الأرض من الاستمتاع بفيروز وهي تغني باحبك يا لبنان، فأزيز الطائرات الاسرائيلية أعلى من الأوتار الصوتية لصاحبة زهرة المدائن.
بيانٌ هام من قصر الزعيم العربي الكبير يؤكد أنه لم ينم الليلَ، وأصابَه الأرقَ على مصير اللبنانيين ( ولا مانع من اضافة الأسيريّن الاسرائيليين )، وأنه أعطى أوامره ببذل كل الجهد للتخفيف من معاناة الشعب اللبناني
ما أرق قلب زعيمنا وهو يتقلب في فراشه، وينظر إلى سقف غرفة نومه، ويفكر في حرب الابادة التي تقودها إسرائيل ضد شعب عاش من أجل الحب والكِتاب والسياحة وبين الحين والآخر يتقاتل الأصدقاء على أرضه، ثم يساهمون في إعمار ما تم تخريبه، ليعودوا سائحين على شواطئه.
في الصباح الباكر يستجمع زعيمنا المبجل قُوَّتَه، ويصدر بيانا شديد اللهجة يطالب جنود الاحتلال الصهيوني بأن يتجنبوا قدر استطاعتهم قتل الكثيرين من الأطفال اللبنانيين.
مزق بيان شجيع الشجعان شغاف قلوبنا، وتبارت وسائل الاعلام في بلده لشرح عبقرية زعيمنا في إنقاذ الشعب اللبناني الصديق، حتى ظننت أنه سيرسل للرئيس الأمريكي محاولا اقناعه بتذوق التبّولة والحُمُّص والشاورما.
أيها اللبنانيون الساذجون الذين يظنون أن هناك اتفاقية دفاع مشترك، وأن ملايين من أبناء الشعب العربي الذين كانوا في يوم من الأيام على استعداد للدفاع عن صدام حسين صاحب القبور الجماعية سيهبون لنجدتكم، ويؤكدون للعالم كله أن زعماءنا المبجلين لا يحكمون موتى أو خشبا مسندة.
إننا نعدكم بأن نذرف مزيدا من الدموع على أرواح شهدائكم، وأن نشاهد جثث أطفالكم على الشاشة الصغيرة ونحن نتناول الطعام بلذة عجيبة كأننا نأكل بعد اضراب عنه.
وقودُ آلة الحرب القذرة التي يشنها الارهابيون الصهاينة تحت زعامة أولمرت جاء من بلد عربي كبير ومعه قُبْلة من زعيمه.
عزاؤنا في مئات المحاورين على الفضائيات العربية، نِصْفُهم يشير بأصابع الاتهام إلى حزب الله، والنصف الآخر يؤكد حَقَّه في المقاومة.
ضيوف الفضائيات العربية يصرخون حتى تصل صرخاتهم إلى مهندس الصوت، وتبرُز العروق في الرقبة، ويؤكد بعضهم أن الحل في نزع سلاح حزب الله، وآخرون مؤمنون أن الوقت لم يكن مناسبا لخطف الجنديين الاسرائيليين، ورئيس دولة عربية كبرى يقول بأنه كان ينبغي أن يستأذن الحزبُ رئيسَ الدولة قبل العملية بنصف ساعة، أي يستقل حسن نصر الله سيارة أجرة من صيدا أو صور أو مرجعيون ثم يتوجه بها إلى قصر بعبدا في بيروت، ليبلغ إميل لحود أن دورية إسرائيلية تنتظر غير بعيدة حتى يتم اختطاف أفرادها!
قوات الردع العربية تنتشر في دمشق، ولا يزال السوريون يُصَرّحون بأن لبنان وسوريا بلد واحد، وأن اقامة سفارة سورية في بيروت غير وارد في الوقت الحالي.
لكن حماية الشطر الآخر من الجمهورية العربية السورية، أي لبنان ليست مهمة قوات الردع خاصة وأن الدول الكبرى تبنت الموقف الاسرائيلي، وأن أرواح ثلاثة جنود اسرائيليين أطهر عند أمريكا والغرب من كل أطفال لبنان وفلسطين.
الموقف العربي لا يختلف عن مؤتمر القمة عقب غزو قوات صدام حسين لجارته الصغيرة الآمنة، لكن أضيفت له نكهة جديدة رائحتها تنبعث من بلاد الرافدين حيث نافس عراقيو اليوم لبنانيي الأمس في الطائفية، ويمكنك الآن في العراق أن تلقى حتفك وفقا لنوع المسجد الذي ترتاده، وأن تمر سكين على عنقك حسب اسمك إن كنت شيعيا أو سنيا.
تطل عليك من الشاشة الصغيرة مذيعة لبنانية تجعلك تحلم بها زوجة لك ولو كانت العِصْمةُ في يدها ودفترُ الشيكات في يدك، ثم تقرأ عليك تفاصيل المذابح الصهيونية في لبنان، ولكنك كمواطن عربي تنتظر رأي وليّ الأمر، فإذا أصدرت حكومتك بيانا يدين خطف الجنديين، فستلعن توريط حزب الله للبنانيين في هذا الخراب، وإذا أشادت وسائل إعلام بلدك بالمقاومة الشريفة فهي تستكتب مثقفيها وإعلامييها لتبرير الموقف الرسمي، وتلوين الضمير وفقا للمصلحة.
ماذا تفعل الأسلحة السورية الشقيقة التي تستطيع من دمشق أن تخيف طائرات العدو أو طيور السماء المهاجرة؟
لا بأس فالوقت غير مناسب لتحرير الجولان أو الدفاع عن لبنان.
يقفز إلى لسانك سؤال عن الجيش اللبناني والأسلحة والقاذفات والطيران خاصة أنه بلد مستهدَف وتعرّضتْ عاصمته للاحتلال الصهيوني من قبل!
وقبل الانتهاء من طرح سؤالك يأتيك الجوابُ موَحَدا من الداخل والخارج: إن قوة لبنان في ضعفه، ويتباهى اللبنانيون بصوت فيروز وجسد نانسي عجرم ودور النشر ومعرض الكتاب والمطبخ اللبناني وحرية الصحافة وعدم وجود جيش يدافع عن الوطن المتربَص به دائما.
هل كانت الطائفية مانعاً لتكوين جيش قوي على غرار جيش سويسرا ؟
ومع الاشارات المتناقضة لادانة حزب الله أو الاشادة به، تظل الغطرسة الصهيونية هي الحاجز المنيع لسلام في المنطقة، ويبقى التاريخ الدموي للكيان الصهيوني منذ نكبة تأسيس الدولة الارهابية في قلب العالم العربي شاهدا على الظلم الذي وقع على العرب برُمتهم، وعلى الفلسطينيين واللبنانيين خاصة.
الآن يمكننا توزيع دموعنا على أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان، ونحبس بعضها في مأقينا لكارثة قادمة تدك فيها اسرائيل أو أمريكا عاصمة عربية أخرى بعد اتهامها بأنها تغض الطرف عن الارهاب، وتريد الاضرار بالمواطن الاسرائيلي الطيب الباحث عن السلام ، وأنها من محور الشر، ويتم استقطاع مبلغ من دافع الضرائب الأمريكي الساذج للبحث عن أسلحة الدمار الشامل في دمشق أو طهران أو مقديشيو. هل يستحق لبنان كل هذا الدمار والقتل والابادة؟
لماذا نعانق اللبنانيين في فترات السلام، وندير لهم ظهورَنا إن ألمّتْ بهم كارثةٌ أو تعرّضوا لعدوان؟
لماذا يدفع لبنانُ ثمنَ الهوان العربي؟
07 ايلول, 2006
المرة الأولى التي صدَمَني فيها حديثٌ ظننته آنئذٍ خارجاً عن المألوف في قواعد كراهية العدو كانت رسما كاريكاتيريا للشاعر الراحل صلاح جاهين يصور فيه إسرائيلَ طفلا مُدَلّلا أمام أمها أمريكا وهي تقول لها: إسرائيل حلوة وشاطرة وحتشرب اللبن!
رغم أن صاحب الرباعيات هو صاحب الأغاني الوطنية التي
ومع ذلك فلم استسغ في ذلك الوقت كلمة ( حلوة وشاطرة ) فهي تتسلل إلى النفس خُفية، وتخفف من كراهيتنا للاستعمار، ومن بغضنا للاحتلال.
رغم أنني درَّبْت نفسي على أن أجنح للعقلانية، وأن كل شيء قابل للحوار والأخذ والعطاء وتجديد الفكرة إلا أن ثلاثة أشياء لم تتغير قيد شعرة طوال أكثر من أربعة وثلاثين عاما هي عمر إقامتي في أوروبا: قناعتي ويقيني وإيماني بالاسلام ديناً، وبإنتمائي لعالم عربي رغم كل مساوئه وتخلفه وهزائمه ومعتقلاته وسجونه وطغاته إلا أن مشاعري العروبية القومية ظلت كما هي، وأتابع أخبار اليمن والكويت والمغرب والجزائر ومصر وسوريا ولبنان وغيرها كأنها كلَها وطني رغم أنني لا أستطيع السفر لنصف العالم العربي بسبب كتاباتي السياسية الحادة.
أما الشيء الثالث فهو علاقتي بالكيان الصهيوني، فلم يحدث مرة واحدة في حياتي أنْ أشتريت أيَّ شيء مصنوع في إسرائيل، وأعتبر نفسي مقاطعا لها ما دمتُ حياً.ولو اعترف العربُ كلهم بإسرائيل وتم انتخاب إسرائيلي أمينا عاما لجامعة الدول العربية فلن يتغير موقفي من الاحتلال ولست على استعداد لمحاورة ضميري وتقديم مبررات واهية حمقاء.
لا أعرف إن كنت أنا خارج الزمن العربي أم أن الزمن هو الذي تغير اسمه إلى العبري!
أتفهم أن يغضب المرء من حزب الله منطلقا من موقف مبدئي توصلت إليه قناعاته، وأن يخاف من الطائفية، وأن يقوم بتحميل ( السيد ) وميليشياته أسباب تدمير لبنان ( رغم أن القذائف والطائرات قادمة من فلسطين
المحتلة وعليها ختم جيش الدفاع الإسرائيلي ( !!)، وأتفهم أن تصل أي مقدمات لأي نتائج في تحليل الأمور وتبسيطها أو تعقيدها وفقا لقناعات العربي المهتم بما يحدث في لبنان.
فأنت تستطيع أن تحب لبنان واللبنانيين وتخاف عليهم بطريقتك الخاصة، وأن يصل غضبك ونقمتك إلى أن تلعن حزب الله علانية، أو يصل بك تحليل الوضع إلى أن تسجد لله شكرا لنصرة حزب الله.
ولكن أن يعلن المثقف العربي عن عزّامته ( نسبة إلى عزام عزام )، وأن يصرح بما لا يستطيع أن يفعله إيللي كوهين لو خرج من قبره لبعض الوقت لقراءة الصحف العربية ثم العودة مجددا للنوم الأبدي، فذلك مشهد من زمن أغبر وأكثر سوادا من ظلمات البحر في أعمق أعماقه.
يقول الكاتب خضير طاهر في صحيفة ( إيلاف ) الالكترونية بأن على كل عربي شريف أن يساند الأهداف النبيلة لإسرائيل في حربها ضد الارهاب، وأنها ليست عدوا للعرب والمسلمين، وأن كل مسلم يعرف الله ينبغي أن يشكره ويساند إسرائيل.
ويطلب من العرب دعم إسرائيل للقضاء على حماس وحزب الله والاخوان المسلمين والتنظيمات الشيعية في العراق والنظام الإيراني والسوري....
المقال الذي ذيّله الكاتب بمسلم عربي متدين لا يزال يتفاعل داخلي كما تتفاعل في الدم أشد السموم قتلا ، ولو قيل لي منذ عدة سنوات بأن صحيفة عربية إلكترونية يقرأها نصف مليون شخص في اليوم ، وينتمي ناشرها لبلاد الحرمين الشريفين ستنشر كثيرا من هذه المقالات ما صدقت هذا الخبر وربما ذهب بي الظن أنه خارج من مكتب رئيس الموساد ، قسم الاغتيالات والتصفيات.
هل أعيد حساباتي من جديد للتأكد من أنني أعيش في زمن خارج الزمن الحقيقي، وأن النجمة السداسية أقرب إلينا من حبل الوريد؟
كابوس أم حلم مزعج أم حقيقة لا تستطيع أوهامي أن تتفهمها وتستوعبها؟
تذكرت فيلم بئر الخيانة عندما ذهب البطل إلى السفارة الاسرئيلية في روما باحثا عن عمل، فلما سألَته الموظفةُ عن طبيعة العمل الذي يطمح إليه قال: أريد أن أعمل جاسوسا لاسرائيل!
يجنح بي خيالي لأشياء تبدو اليوم غيرَ واقعية، وأخشى أن تتحقق بعد زمن وجيز وسط ضحكات وقهقهات من تخلفنا وعدم فهمنا لمستجدات الأمور وواقع العالم الجديد.
فتعلن قناة فضائية عربية عن حاجة أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية لمهندسين عرب لفك بعض الشفرات القديمة، أو البحث عن متطوعين يحملون أي جنسية عربية للسير بين الالغام، فإذا انفجر لغم موظف الموت فيتم تعويض أهله.
أو تنشر صحيفة قومية عربية خبرا عن وفد من الموساد سيزور العاصمة لتجنيد جواسيس ضد الجماعات المتمردة التي لم تقدم ولاءها بعد للدولة العبرية.
07 ايلول, 2006
كان الرئيس حسني مبارك جالساً في مكتبه الفاخر بقصر العروبة يقرأ في هدوء مقال لرئيس تحرير ( الأهرام ) بعدما انتهى من قراءة آخر لرئيس تحرير روزاليوسف.
ظهرت ابتسامةُ الرضا على مُحيّاه، ورفع رأسَه ثم إدار وجهه ناحية النافذة وجال ببصره وكأنه يجمع في خياله في لحظة واحدة كل أحلام وسطوة القوة لست سنوات قادمات.
فجأة سمع الرئيسُ حركةً في غرفة المكتب فالتفت ليرى بجوار الباب إبليس متقدما في اتجاهه دون أن ينظر إليه، ثم سحب مقعدا بمسندين وجلس بهدوء.
لم يضطرب الرئيس حسني مبارك أو تزداد دقات قلبه فهو قائد سابق للطيران، وحاكم لسبعين مليونا، وبطل اسكواش، ورابط الجأش في أحلك لحظات الخطر حتى عندما رأى الموتَ بأمّ عينيه مرات كثيرة .. في الطريق من مطار أديس أبابا، وفي المستشفى بميونيخ، وفي عدة محاولات انقلاب فاشلة قضى عليها ولفها صمتُ القبور.
نظر الرئيس إلى إبليس نظرة متفحصة فهو يعرفه جيدا، ثم قال له:
ما الذي جاء بك في هذه الساعة المتأخرة من المساء؟
إبليس: جئت لأحذرك فقد عرفت أن قوى الخير والحرية تُصعّد معارضتها لك، وأخشى عليك أن تتوب إلى الله، وتفرج عن المعتقلين، وتنهي معاناة رعيتك، وتبدأ حملة مطاردة الفساد!
الرئيس: أحمق أنت أم ساذج؟ لقد كانت الفرصة أمامي عندما اختبرني رب العرش العظيم، وطرق عزرائيل البابَ عدة مرات وأنا على فراش المرض في ميونيخ، ولما شفيت عدت إلى مصر وأنا أكثر إصرارا وتشددا وتمسكا بالسلطة والسطوة ولم يدر بذهني قط أن أكون رحيما أو رؤوفا أو متسامحا مع هؤلاء المصريين!
إبليس: لقد بذلت جهدا كبيرا معك، وقدمتُ لك طوال أربعة وعشرين عاما مساعدات لا حصر لها جعَلَتك تدوس باطمئنان على رقاب سبعين مليونا أو يزيد؟
الرئيس: في الحقيقة فإن الفضل فيما أصاب بلدي ورعيتي يعود إليّ وحدي، أما أنت فدورك ثانوي!
إبليس وقد تطاير الشرر من عينيه وضرب على حافة المكتب بقبضته: ذاكرتك ضعيفة أيها السيد الرئيس، فبصماتي واضحة على ولاياتك الأربع أذقنا فيها شعبك كل أنواع الذل والمهانة.
هل تظن مقالات تدبيج المديح والنفاق والتزلف لك من كبار الكُتّاب والمثقفين خوفا منك أم حبا فيك؟
إنها تحمل توقيعي بجانب اسم كاتبيها وناشريها.
هل تظن صمتَ وسكوت وخوف المصريين من التمرد والانتفاضة ضدك نتيجة طبيعية لقوتك وسيطرتك الأمنية؟ إنها ايعازات مني لكل واحد على حدة بأن عذابا مقيما من جحيم سَعَر ينتظره على أيدي جلاوزة الأمن في عهدك فركن الجميعُ، إلا ندرة قليلة، لسكون مطبق وساقية تجر في روتين بطيء حياة المصريين من المهد إلى اللحد!
الرئيس: لكنك كنت توسوس لي ثم تتركني وقتا طويلا بمفردي أذيق أبناء شعبي مُرّ الحياة المهينة وأجعل زيارة عزرائيل لملايين منهم رفاهية لا يحلم بها أكثرهم تشاؤما!
كنت تطلب مني تقديم بعض المصريين على مذبح التعذيب والاغتصاب وانتهاك الحرمات في أقسام الشرطة ليسري الخوف بعدها في أوصال بقية أبناء شعبي، لكنني جعلت انتهاك كرامة المواطن عملية روتينية تجري في معظم أقسام الشرطة في طول مصر وعرضها، بل إنني إمعانا في اثبات قدرتي على منافستك قمت بتكريم ثلاثة ضباط متهمين بتعذيب مواطنين أبرياء في تخشيبات الرعب وغرف القهر والقمع.
كنت تحرضني على النكث بالوعد في نهاية ولايتي الثانية، والآن تفوقت عليك وأنا في ولايتي الخامسة ومريض اثباتا وتأكيدا أنني السيد المطاع ولستُ في حاجة إليك، ولو تخليت عني لما تغير الأمر كثيرا.
إبليس: أنت ناكر للجميل، ولو نظرت حولك لوجدت استمرار حكمك بفضلي أنا! هل تعرف أن لي مقعدا ثابتا في مكاتب كبار المثقفين والكتاب والاعلاميين، وعندما تمرر عينيك صباح كل يوم على مقالات تعدد انجازاتك ومكتسبات الشعب وتزيف الواقع فهي ممهورة بهمساتي في آذان كبار مثقفي بلدك.
لماذا لا يجتمع رؤساء الأحزاب الكبرى والجماعات المناهضة لحكمك على كلمة سواء في حب مصر؟
لأنني أقف لهم بالمرصاد، وأجعل كل فئة أو طائفة أو جماعة تظن أنها صاحبة الحق في تولي السلطة بعد غيابك. إنني أجعلهم يخشون عيون أمنك، ويشعرون باحباط شديد، ويعقدون الأمل على لجوئك إلى الملائكة بدلا مني لعل قلبك يرق لرعاياك، وينفطر حزنا لآلامهم، وينزل اللهُ سَكْينته عليك.
لقد قدمتُ لك دعما معنويا وأدبيا لم أقدمه من قبل لأيّ زعيم مصري في العصر الحديث!
معظم رجالك ووزرائك ومحافظيك وأعضاء مجلس الشعب والشورى تربطني بهم علاقة عاطفية شديدة، يطيعونني، ويغضون الطرف عن الفساد، ويكرهون الأمانة، وينافقونك، ويتزلفون إليك، ويقومون بتزوير أوراق وطن كاد يشهر افلاسه.
الرئيس: لا أنكر دورَك في اقناعي بالاحتفاظ بأكثر الفاشلين، وبادخالك الطمئنينة إلى قلوبهم بأن الفشل والتراجع والفساد والنهب والسرقة والهبر والاجرام كلها أمور لا يكترث لها رئيسهم ماداموا مطيعين كالخدم، وجبناء كالفئران، وجشعين كأَشّعَب، لكنني كنت أراقبهم، وأوحي لكل منهم بأن الولاء لي قبل الوطن، وأبتهج لتملقهم إياي ليلا ونهارا، حقا أو كذبا.
إبليس: هل تعرف أنني أسبغت عليك حمايتي من غضب الشعب عندما تخفيت في صورة العقلانية والصبر الممزوج بالخوف من قبضايات أمنك وجعلت مواطنيك يمارسون أقصى درجات السلبية، ويتهكمون على المناهضين لحُكمك، ويسخرون من معارضيك، ولا يكترثون لطوفان يرونه رؤي العين وهو يقترب من ديارهم وأنفسهم وأهلهم وأولادهم؟
الرئيس: هذا ليس صحيحا بالمرة فأنا في أربعة وعشرين عاما صنعت العبودية المختارة، وجعلت لذة الذل أشهى طعما من الشهد، بل إنني تركت آلاف المعارضين يناهضون حكمي في صحافة يقرأها أبناء شعبي ثم يلقون بها خلف ظهورهم لأن الأمل مفقود تماما في استبدالي أو العثور على مصري واحد يأتي من بعدي ويحل محل ابني جمال الذي أصبح سيد المصريين رغم أنوفهم.
إبليس: ظنونك من هوى الغرور، سيدي الرئيس، لأن استمرارك مرهون بوجودي الدائم في مجلس الشعب، ومقعدي الثابت بجوار رئيسه الدكتور أحمد فتحي سرور فهو الذي سيطيعني ويعصي الله والضمير والايمان وحب الوطن ليعلن ترشيح أغلبية أعضاء مجلس الكيف والقروض والفساد والأميّة لابنك سيدا فوق رؤوس المصريين لست سنوات عجاف.
الرئيس: لعلك نسيت، صديقي العزيز، أن الملائكة لم تعد تنزل على قلوب الكثيرين كما كانت تفعل من قبل مما سهّل مهمتك، أما أنا فأضرب بعُرض الحائط كلَّ القيم والمباديء والمُثل والأخلاق، وأجدد قانون الطواريء، وأرفض الافراج عن المعتقلين الأبرياء، وأطرب كلما أفرغ لصوص عهدي بنكا أو شركة أو مصنعا يملكه عرق الشعب، ويخرج اللصوص من مطار القاهرة الدولي كأنهم أسياد سامسوناتية ترفع رؤوسَها بوقاحة وتبصق مثلما أفعل في وجوه الناس التي تنتظر ملائكة مُسَوّمين ترسلهم العناية الالهية.
إبليس: لكنني أفَرّق المعارضة، وأجعل قوة أحزابهم وجماعاتهم ضعفا يتخفى خلف إدارات فاشلة، أو مساومات على ثمن السكوت، أو خشية وثوب واحدة منها على كرسي الحكم.
الرئيس: لعلك تشير إلى المظاهرات التي تندلع في كل مكان، ثم تذوب كما يذوب لوح الثلج في صيف حار يزيد عذابات المصريين، أليس كذلك؟
إبليس: إنني، سيدي الرئيس، عملت أوفر تايم في فترة ما قبل اعلانك ولايتك الخامسة على الرغم من أنك صفعت المصريين كلهم على أقفيتهم وأنت تعلن في قناة ( العربية ) أنك لا تستطيع أن تترك السلطة في أي حال من الأحوال، فضاعفت من تكبرك واستبدادك وتحديك لمشاعر شعبك جهدي في تخفيف الأمور عليهم، واقناع قوى الزيف والنفاق بالتحرك السريع فكانت زيارتك لمحافظة الدقهلية واعلان صحيفة ( الأهرام ) أن خمسة ملايين مواطن استقبلوك بالتأييد طالبين منك الترشح لولاية خامسة قبل أن يعلنها مجلس الشعب، والحقيقة أنني كنت في زيارة مفاجئة للصحيفة القومية الكبرى والتي نادرا ما تقوم الملائكة بزيارتها في عهدك، وساعدتُ بخط يدي في كتابة بيان الإفك والزور بدلا من قول الحقيقة وهي أن مستقبليك كانوا سبعين ألفا من رجال الأمن لحمايتك من شعبك.
الرئيس: لا أريدك، عزيزي الشيطان، أن تغضب مني أو تعاتبني فنحن نستعد لأكبر تحالف وتعاون بيننا منذ أن توليت حكم مصر بعد مصرع الرئيس أنور السادات.
هل تعرف أن تصعيدا من حزب العمل ترافقه جرأة شديدة لدى الناصريين، وتحركات من ( كفاية)، ومحاولات استقطاب الجماهير تقوم به الجبهة السلمية لانقاذ مصر، وتعاطف من الوفد والشيوعيين واليساريين والمستقلين مما قد يجعل مهمتنا أكثر صعوبة؟
إبليس: لا تكترث لهم أو تهتم باستعراضاتهم فأنت في مرضك الشديد واستعداد عزرائيل صديقي سابقا، أي قبل أن أتحدى الأمر الالهي وأرفض السجود لمن خلقه الله من طين، لزيارتك في خاتمة محاولاته التي أمد الله لك في العمر بعدها عدة مرات لعلك تتوب وترفع الظلم عن أبناء شعبك، أكثر قوة من قبل، وستأتيك مصر طائعة مختارة، وستركع تحت أقدامك ملايين، فأنت تملك بين يديك أرواح شعب يستعذب الهوان ويغتبط بالظلم الواقع عليه.
الرئيس: حتى أنت، أيها الشيطان الرجيم، تخشى يقظة الشجاعة والنبل والخير والضمير والوطنية، وتشكك في وقوفي فوق رؤوس المصريين ما بقي لي من عمر ليكمل المهةَ ابني ووريثي جمال مبارك!
إبليس: دعني أتركك الآن فلدي عمل كثير، وأمامي مانشيتات الصحف الكبرى، وزيارات لأقسام الشرطة، وتجميع مئات الآلاف من المغيبين والمخدَرين والخائفين والساذجين والبلهاء من شبيبة الحزب الوطني، ومهمتي في اقناع المصريين بأن جمال مبارك أفضل من المجهول، وأن لا فائدة في حريتهم، وأنهم لا يساوون جناح بعوضة، وأن ابنك قادم لا محالة لاستحمارهم واستغفالهم وقهرهم وقمعهم.
وخرج إبليس بهدوء وعلى وجهه علامة الرضا، وكانت الملائكة تحلق فوق القصر ظنا منها أن الرئيس سيتوب إلى العلي القدير ويرفع الظلم والجور والعذاب عن شعبه، لكنه اختار طريقا آخر لا رجعة فيه.
07 ايلول, 2006
أوسلو في 13 مايو 2005
فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين،
دعني أعترف لك أولا بقناعاتي أن في كل مصري جزءا من الإخوان المسلمين حتى لو كان على الطرف النقيض الآخر ، أو عضوا في الضباط الأحرار، أو قائدا لثورة يوليو، أو ماركسيا يخاطب العمال نهارا ويقرأ رسائل انجلز قبل النوم، أو علمانيا يرفض الدولة الدينية ويولي وجهه شطر مباديء الثورة الفرنسية.
07 ايلول, 2006
قد أتفهم مخاوفَ السلطات في أيّ دولة خليجية تمنح جنسيتها وفقا لطول فترة الاقامة بغض النظر عن الملابسات الأخرى كالثقافة واللغة والعوامل المشتركة.
هناك وافدون آسيويون قضوا في مدن خليجيةٍ عقدين أو ثلاثةً وكثيرون منهم لا يستطيعون تركيبَ جملة عربية واحدة سليمة، فضلا عن القراءة.
ستصيبني صدمةُ الدهشةِ إن رأيتُ، مصادفةً، في إحدى زياراتي الخليجية بنجلاديشيا أو سريلانكيا أو هنديا أو فيليبينيا يجلس في مقهي ويقرأ مقالا بالعربية في ( البيان ) الدبيانية أو ( الشرق ) القطرية أو ( الوطن ) المسقطية أو ( الخليج ) الشارقية أو ( الطليعة ) الكويتية .
ولكن سيغشى علي وترتطم رأسي بالأرض إن شاهدتُ واحدا منهم يجلس وفي يده كتابٌ لتركي الحمد أو يقرأ شعرا للدكتور خليفة الوقيان أو للدكتور غازي القصيبي أو يبحث في مكتبة خليجية عن كتاب بلغة الضاد للدكتور عبد الله الغنيم!
في الجانب الانساني هي عمالة ينبغي أن يكون لها كل الحقوق والكرامة والأجر الكافي والمعاملة الحسنة والتأمين والسكن اللائق ، أما الجانب الذي نتحدث عنه وهو الحصول على جنسية دولة خليجية أقام فيها المغتربُ الوافدُ معظمَ سنوات عمره فهو أمر يحتاج منا إلى التريث والمطالبة باحترام الجنسية، ومنحها لمن تتوفر فيهم كل الشروط المناسبة وفي مقدمتها اللغة العربية قراءة وكتابة.
التركيبة السكانية مُختلّة تماما، ويخطيء من يظن أن وجود عشرين خادما وسائقا في بيت خليجي به أولاد لا يؤثر تأثيرا سلبيا في كل الأمور الأخرى الحياتية اليومية من لغة الطفل إلى التذوق، ومن اختيار الألوان إلى التجانس والتناغم في العلاقات المواطنية اليومية.
ولكننا هنا نتحدث عن الظلم الشديد الذي يتعرض له مقيمون وافدون ومغتربون قدّموا أعمارَهم في خدمة الدولة المضيفة، ولا يعرف أولادُهم بلدا آخر غير البلد الخليجي المضيف، ومع ذلك فلا يحصلون على الجنسية ولا يتمتعون بالاقامة الدائمة ولا يشاركون في ثمرات عملهم وجهدهم وعرقهم.
كيف لمدرس أو أكاديمي وأستاذ جامعي أو طبيب يمارس الحياة الطبيعية بما فيها اهتمامه بقضايا وطنه الخليجي الثاني ، ويفهم اللهجة بل ويتحدثها، ويُربي أجيالا يعلمها الولاءَ للوطن، ويلقّنها دروسَ العقل والأخلاق والعلم والأدب، ثم يقف بعد عشرين عاما في صف طويل ينتظر أن يوافق شابٌ في الداخلية في عمر أولاده على تمديد اقامته عاما آخر بعد دفع رسوم الاقامة؟
في بعض الدول الخليجية يتم الحصول على الجنسية بالواسطة والمحسوبية، بل قد تحصل عليها مطربةٌ ناشئة تثير رقتها واتساع فتحة الصدر في بلوزتها الشفافة عاطفةَ الشفقة والشهامة(!!) لدى مسؤول كبير فيأمر بتشريف الوطن بجسدها العبقري البض العجرمي وتنضم صاحبتنا لحاملي جنسيته، في الوقت الذي يكون هناك مواطن عربي موسوعي يعمل في مركز بحوث ودراسات أو علوم أو آداب بدأب وأمانة وحب جارف حقيقي لوطنه الثاني ويحمل همومه في صدره أكثر مما يفكر في هموم وطنه الأم، ومع ذلك يمكن تفنيشه بين لحظة وأخرى، وبامكان رائد صغير وضعُ علامة حمراء على ملفه أو عرقلة تمديد الاقامة.
لقد آن الوقت لحسم هذه القضية، ومنح جنسية أي دولة خليجية لكل مغترب قضى على الأقل 12 عاما متواصلة ( العطلات حق طبيعي )، ويجيد اللغةَ العربيةَ قراءةً وكتابة، ولم يتم اتهامه في قضية أخلاقية، ولتكن البدايةُ مع الباحثين والعلماء والأكاديميين والأطباء والمهندسين والاعلاميين والأدباء ثم يتوسع القبول وفقا لما تراه مصلحة البلاد على أن يحصل على الاقامة الدائمة ( وليس الجنسية ) كل من أقام لعشر سنوات متصلة في البلد الخليجي.
عندما يتوقف الظلم تنتعش وترقى المشاعر الانسانية، وتقل نسبة الجريمة، ويتناغم أفراد المجتمع، ويتم اطفاء حرائق وصدامات نائمة في أحضان ظلم لا يتحدث عنه الكثيرون.
والظلم قد يملك أقوى حقنة تخدير للضمير، فيخرج فجأة شيطان الإرهاب ويضرب بقسوة وعنف وغلظة، أو تصطاد جماعات القتل العشوائي مفخخيها من بين من وقع عليهم أو على آبائهم وأمهاتهم ظلم بين وقهر شديد.من هنا نبدأ ...من تجفيف كل مصادر الظلم والغبن وهضم الحقوق والتهميش والصراع الطبقي والتخدير باسم الدين والتمييز الطائفي.
07 ايلول, 2006
تسلمت عددا هائلا من رسائل التهنئة والاطراء والتأييد والتعاطف على مقالي( حرمة تحريم الموسيقى والغناء )، لكنني تسلمت أيضا رسائل كثيرة تحتوي سِبابا وشتائم وقذفا
ولعناتٍ كأن مرسليها عثروا أخيرا على من يسرق أموالهم، ويفتح سجونا ومعتقلات لهم، ويوجه زبانيته للتفنن في أنواع التعذيب، والتلذذ بامتهان كرامة السجناء والمعتقلين.
لعلك أجهدتَ نفسَك كثيرا في نقل الأدلة والقرائن على تحريم النغم والموسيقى واعتبارها أصوات الشياطين، وأنها تلهي عن ذكر الله، وأن عالِماً منذ ألف عام قال بأنها تؤدي إلى النفاق.
ربما أغضبك المقالُ أكثر مما أثارتك كل مقالاتي السابقة عن السلطة الطاغية والسجون والمعتقلات والفساد والتزوير والتزييف وامتهان كرامة المواطن والبطالة والعنوسة والمرض والفقر والجهل ونهب خيرات الوطن والتعصب والتزمت والفتنة بين أبناء الوطن الواحد.
لقد دخلت برغبتي حقل الألغام فاكتشفت أنها ( فياسكو)، وأن الانسان الطبيعي لن تستطيع كل قوى المحرمات أن تدلف إلى مشاعره فتعبث بها، وأن تتحكم بسباتيها في أذنيه فتُسْمعه الدفَّ الحلال وتُحرم عليه ( ولد الهدى فالكائنات ضياء .. ).
وهل كان الأمر يحتاج إلى كل تلك المجهِدات التي مرّ على أكثرها مئات الأعوام لتثبت لي أن فلانا فسّرَ اللهو في القرآن الكريم بأنه الغناء، وأن علانا أكد على أنه يملك صلاحية تحديد ما تنتشي به أذن المسلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها؟
تعمدت أنْ لا أستشهد بأقوال الفقهاء والعلماء في هذا الموضوع بالذات، فهم رجال ونحن رجال، وبين أيدينا من كنوز المعرفة والثقافة ما يسيل له لعاب أي باحث عن الحقيقة.
ما أسهل أن ينزل التحريم الرباني للموسيقى والغناء واضحا وصريحا ولا لبس فيه، ولا يحتاج إلى تفسير التفسير أو خلافات حتى يوم القيامة.
كانت المحرمات في القرآن الكريم كالخمر والزنا وأكل لحم الخنزير والميسر وغيرها أوضح من الشمس في صيف مكة المكرمة، وما كان الله نَسيّاً.
جليل احترامي وتقديري لعلماء الأمة وفقهائها، لكنني، كمسلم، لست ملتزما بأي فتوى ولو صدرت باجماع علماء الأزهر الشريف ورابطة العالم الاسلامي وكل الجمعيات الاسلامية من مقديشيو إلى أستوكهولم ومن طنب الكبرى إلى سيدني.
أقرأ وأتابع وأحترم العمل الثقافي والفكري والدعوي، لكن اعتبار شخص متخصص في أصول الدين فقط هو مرجعي للتعرف على الحلال والحرام خارج تماما عن ملامح شخصيتي، وحرية اختياراتي لا حدود لها، وهي لا تمس الثوابت، لكنني لست على استعداد ولن أكون ما حييت لأنْ أقدم فكري وقناعاتي وإيماني وعقلي ومنطقي للتسليم بما يقوله علماء الأمة ولو اجتمعوا، فأنا مسؤول أمام ربي، ولن أستعين بأحدهم يوم الحشر العظيم،
قد يروق لي رأي في مجلة أو صحيفة أو كتاب مترجم عن التركية أو لمثقف لا يكتب إلا بالروسية، أو لمفكر مسلم في السنغال تتناغم أفكارنا وتنسجم فآخذ منها ما يحتاج إليه عقلي ويأمن له فؤادي وتستريح له نفسي.
أراك تتمنى أن تشحن نراث الانسانية كلها وكنوزها من الموسيقى والأنغام والأوبرا والكلاسيك والمارشات العسكرية والفلكلوريات وابداعات الشعراء التي تلقفها موسيقيون وانطلقت من حناجر ترقص فيها الحبال الصوتية تماما كما يتمايل ( بلبل حيران ) أمام نافذة بيتك فيغرد، لكنك تتردد في أن تلقمه حجرا لعله يتوقف عن التغريد.
ربما يغضبك خرير الماء لكنك لن تهرب منه كما لن تستطيع أن تسد أذنيك وأنت تستمع للنشيد الوطني لبلدك إن فاز فريقه القومي في مباراة دولية.
أحدثك عن ( الله أكبر )، وأتمنى عليك أن تتأمل وتتمعن في الذات الالهية وقدرتها وملكوتها فتعرف أن العلي القدير لم يضع تلك المعجزة الرائعة المرتبطة بالمشاعر والوجدانات والقلب والعاطفة والذكريات والأحباب والأمكنة والأزمنة في الانسان الذي خلقه من طين إلا لكي يفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.
لكنك تجري لاهثا، وتأتي لي بكلمة قالها رجل مثلنا منذ مئات الأعوام، وتفسير لآخر يبعد عنا زمنا ومكانا كأننا من عالمين مختلفين.
تحاول أن تميل عنوة آيات الله البينات لتكتشف فيها كلمة أو اثنتين فتهتف قائلا: وجدتها، فهناك فقيه فسّرها بأنها تحريم للموسيقى والغناء!
وماذا عنك؟
ستسمع الموسيقى والغناء رغم أنفك، وستتسلل نغمة متخفية وأنت في الحافلة أو القطار، وستروق لك مقدمة نشرة الأخبار، وربما تدندن في الحمام من دون أن تدري وماء الدش يمنح دندنتك نوعا غريبا من المتعة فتأتيك ذكريات كانت عصيّة على مركز الذاكرة وأنت تحاول أن تستدعيها فتشق عليك.
لن تستطيع أن تخفي السر بأن والدتك كانت تحب صوتا معينا، وتغني لك وأنت صغير وهي تصطحبك إلى فراشك الدافء، وتغفل عيناك الصغيرتان على نغم يصحبك بعدها لتأكل أرزا مع الملائكة.
لن تتمكن ولو جندت ملايين من أتباعك في أن تجمعوا تلك الكنوز الرائعة وتحرقونها على مرأى من العالم كله، فهي موجودة من النفخة الأولى، وتنطلق مع صرختك الأولى والطبيبة المولّدة تمسك قدميك بعد لحظات من سقوطك من بطن ( ست الحبايب )، وستعرف لاحقا أن كل الأجهزة السمعية والبصرية والعاطفية التي وضعها فيك خالقك تعمل على استدعاء النغم، وتنتشي به، وتختار الجيد منه وفقا لتطورك الفكري والثقافي والحضاري والعاطفي رُقيّاً تماما كما كان الشيخ عبد الباسط عبد الصمد يقرأ القرآن الكريم ثم يستمع إلى أم كلثوم بعد التلاوة، أو كما كان مصطفى صادق الرافعي ينصت إلى موسيقى هادئة وهو يكتب تفسيره لاعجاز القرآن الكريم.
سيلاحقك النغم أينما كنت، وستمر على الآذان يدعوك للصلاة وهو نغم، وربما تقرع أجراس الكنيسة المجاورة للمسجد لدعوة مؤمنين آخرين لأداء صلواتهم، وستعرف أن التلاوة نغم، وأن التجويد نغم، وأن الله تبارك وتعالى لم يجعل الأذنين كالعينين والفم تغلقهما كما شئت، فهما تلتقطان الموسيقى والنغم وتبقى ( فلترة) الجيد من القبيح، والسمين من الغث، والابداع من الاسفاف متوقفا عليك أنت فقط.
معركة خاسرة لك لو أرادها العزيز الوهاب لصالحك لنزلت آيات بينات حاسمات قاطعات في تحريم الموسيقى والأنغام دون الحاجة لتفسيرات واختلافات، فالله يعلم السرائر.
أنت تنقل ما قاله آخرون، وأنا أحاور نفسي وأرى أنني لست أقل شأنا من أي عالم مهما بلغ من العلم والفقه، ولست أكبر من أي جاهل مهما بلغ من الجهل.