مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com
05 ايلول, 2008
كل طاغية يؤمن أنَّ يوم الحساب الشعبي لن يأتيه قبل أن يلج الجَمل في سمّ الخِيْاط، وكل الذين يراقبون من بعد أو عن كثب هراوة الطاغية وقبضته وطريقة حكمه وعلاقته بشعبه يؤكدون عن يقين أن أيامه أصبحت معدودة، وأن ساعات قليلة تفصل الشعب عن الاحتفال بيوم رحيل الديكتاتور.
والطغاة في عالمنا العربي كالسرطان في جسد الأمة المسجى منذ سنوات طويلة، يعيث فيه فسادا الكثيرون، ولاتوقظه قومية أو دين أو ثقافة أو انقلاب أو مال.
ليس الطغاة كلهم في سلة واحدة، فمنهم من يستطيع أن يدفن شعبه كله في حفرة واحدة، ومنهم من يختار المشاغبين فقط، ومنهم من يجعل كل ثلاثة مواطنين جواسيس على رابعهم، أو كل خمسة طابورا خامسا على سادسهم!
المشهد الطاغوتي لا يخطئه من يعرف ألف باء السياسة، ويستدر الدموع ممن في قلبه ذرة من إنسانية وشرف وكرامة، وصناعة السجن هي الحماية الأكبر للديكتاتور، ولكن ماذا عن الدعم المعنوي والمالي الذي يمنح الشرعية للسوط والزنزانة والتزوير والتزييف والفساد والنهب؟
هذا هو السؤال الذي لم يُجب عنه زعماءُ خليجنا العربي الواقع على مرمى حجر من صواريخ إيران، واضطرابات العراق، وجنرالات الجيش الأمريكي!
بيني وبين خليجنا العربي الدافيء علاقة أكثر دفئا تمتد لثلاثة عقود، وقد أبتعد عن مكان فيه فأعود إليه، وقد أقترب كثيرا من مكان آخر فيزيحني الوشاة وهم كُثْر.
وأرى أن أموال نفط دُوَله ينبغي أن تذهب أولا لشعوبه، ثم يأتي آخرون فيغرفوا منها ما فاض عن حاجة شعوب عاشت مئات السنوات في أرض غير ذي زرع، قبل أن يطل الذهب الأسود برأسه من تحت أقدامهم، ويتحول إلى ذهب أصفر يُسِرّ الناظرين.
دعم مالي لا يذهب إلى الفقراء والمحتاجين في مصر وسورية وتونس والأردن والعراق والجزائر والصومال وغيرها، ولكن يطيل أرواحَ الطغاة، وتزداد السجون، وتكثر المعتقلات، ويتم اغتصابُ أبناء الوطن المسكين في أقبية تحت الأرض.
دعم مالي غير مشروط باحترام حقوق الانسان، وباغلاق سلخانات يقوم عليها سفاحون وجزارون، والحجة القائمة غير المقنعة بأن هناك علاقات طيبة وأخوية تربط زعماء دول الخليج بقتلة شعوبهم في دول ثورية تأكل شعارات الوطنية ويهوي على ظهورها سوط الجلاد من قصره المعمور بالكلاب والذئاب والارهابيين.
إنها أموال أعطاها الله لمن صبروا قرونا طويلة في صحراء قاحلة، لذا فهي حق لشعوب دول مجلس التعاون الخليجي أولا، وواجب عليهم أن يمدوا يد العون للآخرين شريطة أن لا تساهم تلك الأموال في مزيد من العذاب والمهانة والاذلال لشعوب ترزح تحت أقدام مصاصي دماء من قتلة الشعوب.
معادلة صعبة وقاسية وغير عادلة لو تم الحجبُ نهائياً عن شعوب محتاجة، ولكن الحقيقة المُرّة أن المستقبل لن يحمل خيرا من مشاعر الود لمن أطالوا في أعمار الطغاة، وتلك مهمة أخلاقية سامية أحسب أن زعماءنا أو أكثرهم في دول مجلس التعاون الخليجي قادرون على التمسك بها والضغط على الطغاة لتخفيف قبضاتهم من على رقاب شعوبهم.
ألم تكن المصالحة اللبنانية في الدوحة مالية بالدرجة الأولى، أم أن اللبنانيين كان لديهم خيار للاجتماع في موريتانيا أو الصومال أو كازخستان أو أوغندا لتصفية قلوبهم بالقرب من طوابير الفقراء؟
لماذا لا تشترط دول الخليج، همسا وعلى استحياء، أن ينهي من يمُدّ يدَه إليها حالةَ القمع والقهر والتعذيب والاغتصاب التي يمارسها ضد شعبه، وهي شروط انسانية وراقية ومتحضرة، ولا أحسب أن زعيما عربيا سيرفض مليارات من الدعم الخليجي لمجرد التلميح أو التصريح بأن هذه الأموال يجب أن لا تذهب لبناء سجون ومعتقلات واستيراد أدوات تعذيب وتزوير انتخابات.
إن من يساهم في نهب أموال مصارف بلده لن يتوانى عن الاحتيال على دول خليجنا العربي ، فرؤوس الفساد في الأنظمة المستبدة أكثر ثراء من الخليجيين الأثرياء.
هؤلاء الطغاة أيامهم معدودة، لكنها تطول بفضل الدعم المعنوي والمالي، وإنقاذ اقتصاد هش يقوم عليه لصوص.
ومع ذلك وبالرغم من حقن بعض الأنظمة المستبدة بمليارات من أموال خليجنا العربي فإن طوابير الخبز تشهد على وقاحة اللصوص، وبناء السجون والمعتقلات ودفع الآلاف لجوفها من أبرياء ظنوا كأس الوطن ليس علقما فإذا به مشروب سام قدمه الطغاة، وابتسم في وجوههم من يدعمونهم بالمال والمواقف والسياحة وحجب أصوات العرب في بلادهم عن الاحتجاج.
لابد أن تكون هناك طريقة للدعم المالي لا تؤذي شعوبا عربية في أشدّ الحاجة إليه، لكن لا يدخل منها ريال واحد أو دينار أو درهم في جيب المنتفعين بالطاغية.
أنا أرى أن الإعلام لو تلقى توجيهات حاسمة من دول مجلس التعاون الخليجي بأن يفتح أبوابه وشاشاته وفضائياته وصحفه لكشف جوانب الفساد والتعذيب والنهب في دول تتلقى دعما ماليا خليجيا فإن هذه الخطوة ستنزل الرعب في قلوب من أطال النفط في أعمارهم وهم بعيدون عنه.
لماذا لا تحدثنا فضائيات الخليج عن السجون والمعتقلات والتصفيات الجسدية والاغتصاب والمقابر الجماعية في دول عربية أخرى؟
لقد آن الوقت الذي يتحول فيه الدعم الخليجي إلى عمل إنساني شامل، وأن يحمل الدينار والريال والدرهم قيمة أخلاقية فيدخل في جيب الشقيق العربي المحتاج، ولا يتسلل إلى حساب سيد القصر وذئابه.
قبل أن توجه شعوب ترزح تحت الطغاة اللوم والعتاب لزعماء دول مجلس التعاون الخليجي، يجب أن تكون قيمة برميل النفط الأخلاقية أكبر من القيمة المالية.