مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com
10 ايلول, 2007
أوسلو في 5 مارس 2007
مر على الخليج العربي زمن كان الخليجيون يحسدون الكويتيين على ديمقراطيتهم، وكانت الكويت تمثل الحُلم الأكبر للمثقف والتاجر والاعلامي ومن أراد أن ينشر كتابا بعيدا عن رقابة سلطة بلده حتى أنني عندما التقيت الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، في أوائل السبعينيات قال لي بأنه قام بتهريب كتاب ( الاسلام في وجه الزحف الأحمر ) ليتم طبعه في الكويت.
كانت السلطة التشريعية تحت قبة البرلمان تعرف حدودها، وتحترم الفصل بين السلطات، وتقُدر المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية.
لهذا عندما حمل آل الصباح الكرام مسؤولية تحرير الوطن الصغير من براثن الاحتلال العراقي الآثم كانت السلطة التنفيذية حاسمة، وهي أن تتولى بمفردها مهمة طرد المحتل العراقي بكل الطرق الممكنه، بما فيها الأصدقاء والمال والاعلام والكلمة المسموعة لأمير البلاد الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، والتي التف المجتمع الدولي حوله إثر القاء الكلمة على منصة الأمم المتحدة.
الآن تسرع، بل تلهث دول خليجية مجاورة للحاق بركب الحضارة والتقدم والتطور، فالكلمة العليا للسلطة التنفيذية.
لا أحد يعترض على عبقرية الفكر الاداري للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولا ينبس مواطن ببنت شفة إن أصدر السلطان قابوس أمرا ساميا بتعيين امرأة وزيرة للتعليم العالي، وتتكدس الدوحة بمؤتمرات علمية واقتصادية وحفلات غناء وترفيه، ونفس الأمر ينسحب على مملكة البحرين.
الكويت .. هذا البلد الطيب صاحب أول تجربة ديمقراطية في المنطقة، والذي قاد الفكر التسامحي والحر عبر ديوانياته، والذي التف كل أفراد شعبه حول آل الصباح الكرام منذ أكثر من قرنين فكان الأمن والأمان ، وكان الوعد الحق بالتحرير بعد غدر الثاني من أغسطس عام تسعين، وأوفى آل الصباح بعهدهم .
هذه الكويت الجميلة .. العروس الخليجية الرائعة تتراجع تحت مطرقة السلطة التشريعية، والتقسيمات القبلية والطائفية، فرياح التشدد الديني القادم من المملكة العربية السعودية لم يتمكن من اختراق الحدود القطرية، ووقف على أبواب الامارات، وعجز عن شم هواء سلطنة عمان، وتدحرج على جسر الملك فهد قبل الوصول للبحرين.
لكنه وصل إلى أقدس بقعة في الكويت وهي الحرم الديمقراطي لممثلي ونواب الشعب.
هل الحصانة البرلمانية سيارة مفخخة؟
كيف يقف عضو محصن برلمانيا ليهدد بالاستجواب إن لم يتول أحد جماعته حقيبة وزارية؟
صراع سلطة أم تمثيل شعب؟
هل المطلوب أن تصاب الدولة كلها بالشلل خشية أن يبادر مسؤول بمشروع أو فكرة أو احتفال أو معرض للكتاب أو استقبال ضيف فتنزل مطرقة العضو المحصن برلمانيا وتكسر الرأس؟
لا أفهم حتى الآن معنى التكتل أو القبلية أو الطائفة أو التجمع المعبر عن اتجاه معين!
لماذا لا يترك أعضاء السلطة التشريعية مذاهبهم وتوجهاتهم وجماعاتهم وانتماءاتهم خارج القاعة لتصبح الكويت فقط هي المهيمنة على الفكر والرأي والنقاش والحوار والنقد والرفض والقبول؟
ما معنى هذا التقسيم للمواطنيين بين اسلاميين وغير اسلاميين؟
هل هي دعوة لاقناع أهل البلد بأن الله، تعالى، منحاز إلى فئة دون أخرى في الكويت؟
حذر عبد الرحمن الكواكبي في ( طبائع الاستبداد ) من الاستبداد الديني فهو الأخطر، لأنه بكل بساطة يتحرك داخل دائرة المقدس، ويدّعي أن الله يقف معه هو فقط، وأن حساب الآخرة سيكون عسيرا على من يخالفون أصحابه الرأي والفكر والاجماع.
في نفسي حزن شديد على ما آلت إليه أوضاع الكويت من استعراض قوة السلطة التشريعية في مواجهة السلطة التنفيذية.
الغريب أن هذا يحدث، ويتفاقم في نفس الوقت الذي يشعر الشعب كله بالتفاؤل من وجود أكبر تناغم وانسجام بين رجال الصف الأول الثلاثة، الأمير وولي العهد ورئيس مجلس الوزراء.
كان العقل والمنطق والموضوعية والخوف على الكويت والثقة برئيس وزراء تعرفه كل دار في الكويت يؤدي بالتالي إلى أن يذهب كل أعضاء مجلس الأمة إليه طالبين منه أن يختار من يشاء، وأن لا يكترث لتجمع أو طائفة أو قبيلة أو توجه لجماعة، وأنه السياسي المُحنك والاداري الذكي والمثقف المُطّلِع والعارف بهموم وقضايا الكويت، والمسؤول الذي لا يجامل في الحق أحدا ، فلا حاجة لاستشارات جانبية، وعرض التوازنات، وحساب قوة كل طرف.
الشيخ ناصر محمد الأحمد الجابر الصباح لا يحتاج لتعريف، واختيار الأمير له للمرة الثالثة لتشكيل الحكومة كان رسالة واضحة بتلك الثقة اللامتناهية من أمير البلاد ورمز الوطن.
استعراض القوة البرلمانية مخلوطة بالدين، ومغلفة بالدروس الأخلاقية، وواضعة المقدس مع المحصن تحت قبة البرلمان سيؤدي إلى شلل البلاد، وتراجع ثقة المواطن، وازدياد الجذب والشد، واعتبار حكم وطن كأنه صراع قوة واستعراض تمثيل شعب.
السلطة التنفيذية هي المسؤولة أمام الشعب، وعندما يفشل مشروع أو تتراجع الدولة فإن أفراد الشعب يحاسبون الحكومة ، أما السلطة التشريعية فلن يعبأ الكثيرون بتوجيه اتهامات لأي منهم.
الديمقراطية الكويتية ينبغي أن تكون بدون أنياب، ولكن بحسابات منطقية وعادلة وموثقة وأن لا تقيد المسؤول والوزير، وأن لا يظن عضو مجلس الأمة أنه مدير الرقابة على المصنفات الفنية أو أحد المطاوعة الذين يخربطون أغلفة المجلات لئلا تبدو سيقان النساء ظاهرة للمحرومين.
خوفي على الكويت من هذا الخلط العجيب بين رياح المطاوعة القادمة من السعودية، والتقسيمات الطائفية القبلية بين أفراد المجتمع، وعدم قياس سرعة التطور مقارنة بالدول الخليجية المجاورة، فنكتشف فجأة أن المسافة الزمنية بين الكويت والامارات أصبحت عدة عقود، وبين التسامح الكويتي ومثيله العُماني حقبة طويلة، وبين الأمر التنفيذي الكويتي والقطري بُعد المشرقين.
ليس أمام الكويتيين حل إلا بخفض درجة تسخين النقاش والجدال لينزل من درجة الهوس والصراع تحت قبة البرلمان إلى مساءلات في أهم قضايا الوطن تقوم بها السلطة التشريعية دون شروط مسبقة.
آل الصباح الكرام حملوا عبء مسيرة الديمقراطية، ولا يزال الشعب الكويتي كله يمنح الأسرة الحاكمة الولاء التام، لذا فإن تقييد السلطة التنفيذية بتهديدات الاستجواب بحجة أنه عمل دستوري تقوم به السلطة التشريعية سيدفع بالأوضاع إلى منعطف خطر، وسيجعل حل مجلس الأمة عملية روتينية تؤدي في النهاية إلى شلل القوانين، وتراجع الابداع.
عندما يأتي الوقت الذي تكون فيه شروط عضوية مجلس الأمة أكثر عدلا، ومرتبطة بالثقافة والفكر وأن يكون نصف الأعضاء أساتذة جامعيين وأكاديميين، وأن يكون الثلث على الأقل من النساء، وأن تصبح الكويت دائرة انتخابية واحدة يترشح المرء وفقا لعمله الوطني والسياسي والثقافي والفكري، وأن يقدم برنامجه الكترونيا، وأن لا يكون تاجرا أو زعيم قبيلة أو محسوبا على طائفة معينة، فإن فرص التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تصبح عادلة وصحية وخالصة لوجه الوطن.
الوزير الكويتي مشغول بالنجاة من الاستجواب والتساؤلات والتهديدات والأسئلة المفَصّلة، ويستتبع ذلك بالتالي خوف وتراجع في قوى الابداع، وتردد في اتخاذ القرار.
لو تقدم أحدهم باقتراح لانشاء وزارة للسياحة مستقلة، وتقديم مشروعات سياحية وقرى على الشواطيء وحملات دعاية في العالم كله، فإن القوى الدينية البرلمانية ستجد سبعين ثغرة، وكلها متعلقة بالنساء والملابس والجنس وتقديم الخمور في الفنادق وانهيار الأخلاق.
كل ما يرفه على النفس الكويتية، ويدخل البهجة إلى قلوب الكويتين والوافدين، والغناء والموسيقى وهلا فبراير تَعَرّض لحملات ضغط حتى الكتاب الأكاديمي الذي يصعب فهمه لكثيرين من أعضاء البرلمان كان له نصيب من القمع الفكري.
نعود مرة أخرى ونؤكد أن السلطة التنفيذية هي المسؤولة أمام الشعب، وأن آل الصباح الكرام شرعية شعبية ودستورية، وأن سباق التطور والتقدم الذي يجري على قدم وساق ستتحمل مسؤوليته السلطة التنفيذية التي يمثلها آل الصباح الكرام، ولن يبحث المواطنون بعد عشرين عاما أو ثلاثين عن اسم عضو مجلس الأمة الذي عرقل مشروعا للسياحة أو للكتاب أو للاعلام أو لتكافؤ الفرص، أو لمنع الحديث عن الطائفة والمذهب، لكنه يُحَمّل آل الصباح الكرام تلك المسؤولية.اللعب بالحصانة البرلمانية يُعَطّل مُقدرات الوطن،والكويتيون في مشهدهم الحاضر محظوظون برئيس وزراء لو تركتْ القوى الأخرى له كل الحرية لتحول المشهد الكويتي إلى خلية نحل، وإلى حالة من الفخر تسري بين أفراده.