طائر الشمال

مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gmail.com

يا شباب مصر .. لا تــُصــَدِّقوهم!

أوسلو 7 فبراير 2012

أحيانا تسقط التواريخ، أو تتوارى خلف أحداثٍ جِسام فيشير المرء للحدث حتى لو لم يعرف تاريخَه!
فأنت تقول: قبل الحرب العالمية الثانية، أو بعد الثورة الفرنسية، أو عندما وصل كريستوفر كولمبس للعالم الجديد، أو قبل الثورة البلشفية، وسيأتي اليوم الذي يؤرخ فيه من يصف حدثا مصرياً بأنه قبل أو بعد ثورة 25 يناير الشبابية.
بعد عدة أشهر ستضيف شركات السفر في الدليل السياحي أثراً جديدا من معالم مصر ، فيطلب الفوج السياحي زيارة الأهرام، ووادي الملوك، والمتحف المصري، وميدان التحرير الذي سيطلق عليه ميدان 25 يناير حتى لو لم يعترف به زاهي حواس فهو وزير في حكومة قام بتعيينها طاغية أفقده شبابُ التحرير شرعيتـَه!
لأول مرة في ثلاثين عاما يسير المصري في كل مكان في العالم مرفوع الرأس، فهو ليس سليلَ الفراعنة، وليس بطل أفريقيا في كرة القدم، وليس صاحب مسلسلات رمضان التلفزيونية، لكنه شقيق لشاب ينام تحت دبابة في ميدان التحرير، وابن خالة فتاة تتحدى بقوة إرادة فولاذية أعتى طواغيت العصر.
يريدون سرقتكم في وضح النهار، ويجلسون باعتزاز زائف وفخرٍ هَشٍّ عن يمين وعن يسار نائب رئيسٍ لم يَعُدْ رئيساً إلا في مُخَيّلة خُصوم الشعب المصري.
يتحدثون في كل شيء إلا مطالبكم العادلة، ويبتسمون، ويتضاحكون تحت صورة الطاغية، ويكاد رفعت السعيد وخصومه الإخوان المسلمون يرقصون فرحاً فوق المنضدة الدائرية، فالسيد البدوي أقنعهم أن حُمُصَّ المولد انتقل من ساحة المسجد في طنطا إلى قاعة فاخرةٍ تتصدرها صورة سفاح استأجر لبلطجيته الخيل والبغال والحمير والجمال ليركبوها، فإذا بها تـُشهد العالم أن مصر تحكمها عصابة، وأن مغارة علي بابا لا تزال تمنح الأربعين ألف حرامي ما لم تنشره( الجارديان) عن ثروة زعيمهم حسني مبارك التي بلغت خمسمئة مليار جنيه!
وجاءكم عمرو موسى في اليوم الثاني عشر نازعا ربطة عنقه مثلما فعل أحمد شفيق، وحاول التهدئة، واقناعَكم بعدم اهانة السيد الرئيس!
لكنه اكتشف في عيونكم المصرية الواسعة والجميلة أنكم أنضج منه، وأكبر من جامعته العربية، وأن هتافاتكم لن يتخللها مقطع لشعبولا ( باحب عمرو موسى .. )، ولم يتمكن من تلميع قاتل مئات من زملائكم الذين كانت أرواحكم الطاهرة تحلق فوقكم، فتنصرف غاضبة عندما تستقبلون منافقا من قوىَ المعارضة، وتعود بعدما ينصرف.
جاء أحمد زويل من بلاد العم سام، وقدّم لحكومة غير شرعية اقتراحات عن حقوق المواطنين، والافراج عن المعتقلين السياسيين، وغيرها..
لكنه أسقط العنوانَ الرئيسَ لمطالبـِكم العادلة.. الشعب يريد اسقاط النظام!
يراهنون على أن أجسادكم الغضّة سيرهقها الجوع، ويـُتعبها العطش، ويبطئها النـَصَبُ والتعب وليالي الميدان الطويلة، لكنكم كنت تتفننون في الصمود مع اشراقة صباح مصري جميل لأربعة عشر يوما ستجعل أيَّ مؤرخ في قادم الزمان يبدأ الكتابة من تاريخ غضبتكم المباركة.
يراقبكم سبعة ملايين مصري في الخارج، وعشرات الملايين في الداخل، وتستقبل السماوات العُلا أدعية تصعد فلا تدري الملائكة إن كانت مرّت على هلال أو صليب.
هل وصلتكم الرسالة الخاصة بثروات كبير اللصوص؟
لقد نقلتها كل وكالات الأنباء، وجعلت أثرياء الدنيا يحسدون طاغية مصر على نصيبه من أفواه جائعي بلده، وكان من المفترض أن يتغير شعار ثورتكم فورا ويصبح ( الشعب يريد محاكمة النظام )، فالمطلوب مذكرة استدعاء لكل أركان الحُكم ورجال الأعمال وعائلة مبارك، فرحيلُه الذي كان أضعف الإيمان أصبح جريمة غض الطرف عن أخطر لصوص العصر.
يشاهد مبارك وعائلته وكلابه وأزنابه وحيتانه ومنافقوه شريط الفيديو، مرة تِلْوَ الأخرى، فهذه سيارة تدهس المصريين، وهؤلاء قناصة تصطادهم، وتلك أوامر عُليا باخلاء مصر من مليون رجل أمن حتى لا يبقى من الوطن شيء آمن، وهؤلاء بلطجية بأسلحة بيضاء وقلوب سوداء ووجوه صفراء يمارسون ضدكم فِعل الشياطين.
اللغة الخادعة لم تخدعكم، وتهشّمت حروفها تحت قوة صلابتكم، فهذا يقول تهدئة، وذاك يؤكد على أهمية كرامة الرئيس لأنها من كرامة الجيش، وثالث يطلب منكم العودة لبيوتكم بعدما انتصرتم، ورابع يتهمكم بالاخوانية، وخامس يؤكد أن هزيمتكم قادمة لا محالة، وسادس يـُرجع سبب الفوضى لاحتلالكم ميدان التحرير، وسابع يتعلل بالموضوعية والعقل، وثامن يـُقسم أنه سيعيد إليكم حقوقكم ( وليس شهداءكم ) من أنياب الطاغية ونائبه و .. رئيس وزرائه.
لا تصدّقوهم فهم تلامذة القنوات التلفزيونية المصرية، والنظام القاتل لا يزال يحكم، واللصوص يتمتعون بخيراتكم، والسفاح يقوم بِسَنّ سكينته، وضباط الأمن الذين تراجعوا عن مواقعهم مخالفين قـَسـَم الشرف وحماية المواطنين لصالح بلطجية مبارك سيعودون لصناعة شهور الجحيم حتى سبتمبر القادم.
لا تصدقوا من يتحدث باسمكم ولو كان أكثر الكبار تقوىَ، ومصداقية ظاهرية، وحكيم زمانه.
لم تعودوا مدافعين فقط عن مصر، ولكنكم خط الدفاع الأول عن الوطن العربي الممتد من المحيط إلى الخليج، وأنتم أمل كل عربي لم يدوس فوق رأسه طاغية، وفوق ظهره ضابط أمن، وتنتظره زنزانة ليقبع فيها ما بقي له من عمر.
لو كان الأمر بيدي لحجزت مكاناً على أول طائرة، وهرولت إلى ميدان التحرير، وقبـَّلت رأسَ كل واحد فيكم لأتطهر، وتعود إلىَ عقلي حِكْمَةُ الشباب، وإلىَ قلمي حماسة الفرسان.
قدّاس الأحد في الميدان كان أطهر من أي قداس آخر في كنيسة ولو أقامه البابا بنفسه، وصلاة الغائب التي أداها المسلمون في حماية الأقباط كانت عند الله أقرب من كل صلوات شيخ الأزهر التي دعا فيها الله أن يحفظ ولاة أمورنا.
استمروا، واعتصموا بالميدان فهو حبلُ الله، وارفضوا كل صور الحوار فالثورة المنتصرة يأتيها المنهزمون من السلطة راكعين، وطالبين الصفح والنسيان.
المنتصر لا يتفاوض، ولا يرسل وسطاء، ولا يناقش، ولا يتنازل، لكنه يُملي شروطه، ويحدد ساعة الصفر لاستسلام المنهزم.
لا تبحثوا عن فارس نبيل في جيش مصر فأربعة عشر يوما والذئب ينهش في أجسادكم لم تـُحرك نخوة، وشهامة، ورجولة، وكرامة أبناء أبطال العبور.
العسكر الثلاثة الكبار وسفاح مصر يخاف كل واحد منهم أن يغدر به الآخرون، وقوىَ المعارضة تتسابق على نصيبها من الكعكة كما فعلت إبان الانتخابات البرلمانية المزورة، ومبارك ونائبه ورئيس الوزراء يرفضون عودة عشرات الآلاف من ضباط الأمن، فورقة تدمير مصر تبدأ من التلويح بعدم الأمان، وسيطرة المجرمين ومرتزقة النظام تشترط انسحاب ضباط الأمن حتى يتم تأديب الشعب الذي ثار بثورة شبابه.
يراهنون على فُرقتكم، ولا يعرفون أنكم أسرة واحدة بملايين الأفراد من السويس والاسماعية إلى القاهرة وبورسعيد، ومن بنها والمحلة إلى أسوان وسيناء.
ألم يأن الوقت للدعوة لاحتلال مركز الفساد والكذب والزيف والخداع، فيكون هناك يوم ( البيان رقم واحد )، ويتوجه مليون أو أكثر إلى ماسبيرو، وهنا فقط سيتهاوى النظام، وتعلنون أسماء المطلوبين للعدالة، وتقومون بطرد كل قوى التخلف الإعلامي.
اجعلوا أحد أيام اعتصاماتكم المليونية لــ ( البيان رقم واحد)، واستأصلوا رأس الأفعى من إعلامه، وليكن لكم إعلام الثورة الشبابية، وباحتلال ماسبيرو ترفع ثورة الشباب راية النصر.
احفظوا أسماء من يتحدث باسمكم، وحاسبوهم بعد سقوط النظام فقد أرادوا، عن سوء نية أو حُسْنـِها، اغتيال ثورتكم الطاهرة.
والله يرعاكم.
وسلام الله على مصر.

يا ابن الكلب .. ألن تغرب عن وجوهنا؟

أوسلو في 30 يناير 2012

كان من المفترض أن يكون صباحُ اليوم الأحد بداية عيد لكل عاشق لأرض مصر الطيبة، وتلقيتُ فعلا من التهاني ما أثلج صدري، واتصل الكثيرون يهنئونني على عشرين عاما من مناهضتك، واعتباري إياك عدو مصر الأول.
كنت أعرف حجم الزلزلة التي يجيش بها فؤادي، وأستطيع قياس كمية الكراهية التي أحملها لك، والتي لو قمت بتوزيعها على شعب مصر كله، لتمنى كل واحد أن يقوم بسحلك في كل شوارع مصر، ثم يعيد تسليمك لمواطن آخر يعيد السحل مرة أخرى.
كنت لا أرى في كل المسؤولين المصريين إلا عبيدا تحت قدميك ، وخدما بين يديك، وأصفارا عن يسارك، وكلابا عن يمينك، وفئرانا أمامك، وأرانب تسير خلفك.
كان القريبون مني يتفقون مع البعيدين في أنني أحمل ثأراً معك لم أحمله من قبل لأكثر الطواغيت دراكيولية، وأشدهم قسوة وغلظة ودموية، فلم أكترث، ولم أعبأ بغمزاتهم، وتعرضت لكل المتاعب لعلي أخفف عنك قلمي، لكنني كنت أرى قرني الشيطان الرجيم أجمل من قرنيك، وأشفق على إبليس منك، وأخشى عليه من وسوساتك اللعينة.
لم تعد عيناي ترى غير أوامرك في كل مجازر، ومذابح، وجرائم، وانتهاكات، واغتصاب أي حق، أو مصري، أو مال، أو لقمة مِنْ فـِيه جائع.
عشر سنوات تصارع فيها أملي بالعودة وتقبيل تراب وطني، ويأسي في أن يفهم أبناء شعبي أنك عدوهم الأول والرئيس والأكبر.
كان منافقو الصحافة يعتبرونني، لكراهيتي إياك، جربـاً ينبغي تجنبه، وابلاغ من يهمه الأمر بالابتعاد عني، والشكوى لسفير أي بلد أقوم بزيارته حتى أن سفيرا عربيا استضافني مع آخرين، فعاتبه سفيرك لأن السفير العربي دعاني إلى داره.
كنت أراك مسؤولا عن بطش وزير داخليتك، وعن اغتصاب مواطنيك في أقسام الشرطة، وعن التعليم الفاسد في مصرنا، وعن أولاد الشوارع، وعن سرقة بعض الأعضاء في أجساد المصريين وهم في غرف العمليات، وعن العنوسة، وعن البطالة، وعن حكومات نتنة تـُقَبّل جزمتك في كل مرة تعطيهم توجيهاتك.
كنت أرى الفنانين والمذيعين والأدباء والإعلاميين والحزبيين، إلا ما ندر، قردة ترقص لك، وتـُلقى الحجارة من فوق الأشجار على الآمنين تحتها.
كنت أرى قلبك الأسود كأنه قطع من الليل مظلمات، أو أعماق بحر لـُجّي يغشاه موج، ولكن كل من حولي يحاولون اقناعي أن أبعد يدي عن رقبتك، وأمسك في رقاب رجالك، فلم استجب ولو لمرة واحدة، ولم أعاتب كلبا من كلابك نبح في وجهي، أو هزّ ذيله فرحاً بك أو.. بابنك.
وخرج شباب مصر في 25 يناير وهم لا يعرفون حاكما قبلك، ولا يرجمون الغيب في حاكم بعدك.
لم تحركهم جماعة، أو فرقة، أو حزب، أو شيخ، أو كاهن، أو مسجد، أو كنيسة، أو زعيم معارض فشل في احتلال مقعد على مقربة من أحمد قتحي سرور، فقرر تحريك الشارع و هو لا يستطيع تحريك اصبعه أمام رئيس مجلس الشعب، أو في مؤخرة أحد ذئاب قصرك، أو كلاب حزبك.
تمنيت التهنئة الكبرى صباح الأمس السبت، لكن لم يخالجني أدنى شك في أنك تكره مصر والمصريين، وتريد أن تحرق الوطن كله،وتخرب ممتلكات العامة والخاصة، وتنزل الرعب في البيوت، وتطلق بلطجيتك من السجون والمعتقلات بالآلاف لكي يروعوا الآمنين، ويزيفوا الحقيقة لتبدو كأن شباب مصر هُم اللصوص، والقتلة، والقبضايات.
منذ سنوات كتبت مقالي( هذا الرجل مجنون .. هذا الرجل نيرون) وكنت أتنبأ بنيرونيتك، فإذا بك تقفز إلى الدرجة القصوى لسيده وأستاذه كاليجولا، فنشرت مقالا في يناير 2009 تحت عنوان ( ألم أقل لكم بأن مبارك شيطان يحكم مصر؟)!
السبت 29 يناير 2011 سيكون يوما يلطم كل مؤرخ وجهه قبل أن يبدأ يشرح ملابسات يوم القيامة المصري، فلأول مرة تظهر أنيابك بارزة لا تخفى على أحد حتى لو قال عنها أسامة سرايا، وعبد الله كمال، ومجدي الدقاق، ومكرم محمد أحمد وغيرهم بأنها ليست أنيابا بدماء حمراء قانية، إنما أسنان بيضاء ناصع بريقها!
لا أريدك أن ترحل الآن، لكنني أحلم بسحلك في كل شارع سقط فيه شهيد مصري، وفي كل حارة تخضبت بدماء شاب فقدته أسرته في عمره الربيعي، لكنه استبدل بحياته ملايين الحيوات المصرية، وفرش لمستقبل شباب لم يمت، أرض وطن عاش بفضل شجاعته.
ولو سحلك ثمانون مليونا فستظل كمية الغضب عليك تخنق صدري، وتعطب جهازي العصبي، وتضاعف نبضات قلبي.
ترى هل يوجد في مصر إنسان، أو حيوان، أو نبات، أو جماد لا يحمل لك كراهية كأنها سحب سوداء تغيم نهار القاهرة؟
كنت أعلم أنك ستخطط لاحراق مصر، ونسف ثرواتها التاريخية، واطلاق مجرميها من السجون، وذبح الأبرياء بالمئات في أماكن لا تدخلها كاميرا، ولا يعرف موقعها غير رجالك.
كنت أعرف أن شمشون كأن أشرف منك، فقد هدم المعبد على نفسه وعلى أعدائه، أما أنت فقد عزّ عليك أن تعيش مصر بعد هروبك، وأن تعود الملائكة للتحليق فوقها، وتترك الشياطين تتلبس بك.
لا أعرف في هذه اللحظة الأليمة غير أمنية واحدة لو تحققت لي، فسترقص الدنيا فرحة في وجهي ما بقي لي عمر.
إنها خلاصة كل كتاباتي وهي أن أقف أمامك، وأصيح: يا ابن الكلب، ثم أبصق في وجهك بصقة جمعتها لثلاثة عقود.
وسلام الله على مصر.

صباح الشباب يا مصر!

http://www.youtube.com/watch?v=vMr0rUQcYoM

http://www.youtube.com/watch?v=k4YA37PS5QQ

بالأمس رأيتُكِ عجوزاً يتناوب علىَ اغتصابـِها ثـُلّةٌ من الأوغاد والمجرمين، ويُصفق لمشهد الاغتصابِ آلافٌ من الإعلاميين والمثقفين والأدباء والفنانين والعاملين بالسياسة.

وكلما أوغل الكلابُ في افتراسِك، أطلّت علينا وجوهٌ شيطانية عليها غضبُ الله لتُقدم تبريرات الجريمة، وتتغزل في أنياب الذئاب، وتمتدح في ضباط أمنٍ لو وضعتَهم بين حيوانات مفترسة لما تمكَّن أحدٌ من التمييز بينهم.

أتذكر مقالي ( رسالة مفتوحة إلىَ أم الدنيا .. ماذا فعل بكِ هذا الرجل؟ )

ثم تمنياتي في مقال آخر : ( سيدي الرئيس .. أحلم بحبل المشنقة حول عنقكَ!)

ثم دعائي في مقال ثالث: ( الله يخرب بيتك يا ريّس).

فجأة أعاد إليك شبابُكِ شبابـَكِ، ليس في القاهرة فحسب، فالعاصمة ليست أم الدنيا، ولكن في مصر كلها من ثغرها البسّام حيث تحتضن أمواجُ الأزرق الكبير الثورات فلا يدري المرءُ مَنْ الغاضب: البحر أم المصري!، إلىَ الجنوب الأسمر الذي يتهادى فيه بكّار ورشيدة بالقرب من النهر الخالد حيث “أغصن تلك أم صبايا .. شَرِبـْنَ من خمرة الأصيل»!

قاتِلـُك سيبلغ عامَه الثالث والثمانين من عُمره، لكنه، ربما، يحتفل به في منفاه بين عائلته وأولاده وأحفاده وقد أحاطت به نظرات الاحتقار والازدراء، ويعاتبه ابنُه لأنه لم يقم بتعيينه نائبا للرئيس قبل فوات الأوان، وتصكّ زوجتُه وجهـَها وهي تبكي مُلْكاً حسبته بعُمر فُلك نوحٍ، عليه السلام، قبل الطوفان.

صغارُك، يا أم الدنيا، هم كبارُك، لا يحتاجون لمليون توقيع ليهزّوا عرشَ طاووسك الجبار، ولا يؤثر فيهم برلمانٌ شعبي لا قُبَّة فوقه، ولا مقاعد تحتها.

صغارُك لا يُنصتون لتحليلات الدكتور عبد المنعم سعيد، ولا يقرأون حرفا واحداً مما يخطه قلمُ أسامة سرايا، وإذا شاهدوا خيري رمضان في (مصر النهاردة) وهو يشدّ من أزر مغتصِبيكِ أصابهم هَمٌّ علىَ غَمٍّ، ولا يحترم أي منهم نقيبَ الصحفيين، ولا يُكمل أي منهم مقالا لعبد الله كمال، ويستخدون الصحف القومية للجلوس عليها، ولهم فيها مآرب أخرى!

صغارُك أغنى من أحمد عز، وأشرف من كل أعضاء مجلس الشعب، وأقرب إلى الله من مجموع كل الساجدين من أعضاء الحزب الوطني، وأقوى من عواجيز المعارضة، متفرقين أو مجتمعين، وأكثر حرصا عليكِ من جيشِك، وجنرالاته، ودباباته، ومجنزراته، ونياشين أبطاله، ومن كل يونيفورم كاكي يستر الجسدَ ولا يحافظ علىَ الكرامة.

صغارُك زهور تتفتح في ميدان التحرير، ويصل عبقُها إلىَ أنوف كل الشرفاء ولو كانوا على مبعدة آلاف الأميال، فنحن هنا في شوارع أوسلو وباريس ولندن وميونيخ وكاراكاس وهيوستون والدوحة والدمام والمنامة وطبرق وصيدا وجنيف ونيس و .. دبي نستنشق عبير الحرية الذي يصلنا من السويس والمحلة والقاهرة والاسكندرية ودمياط وبنها وأسوان و ....

كنت أتمنى أن يتحقق حُلمي الذي عبّرت عنه في مقال ( وقائع محاكمة الرئيس حسني مبارك)، وأن أجلس في محكمة الشعب بالصف الثالث عن اليمين، وأختلس بين ألفينة والأخرى نظرة إلى المجرم المطأطيء الرأس في قفصه، وأستعيد في مخيلتي جبروته، وفرعونيته، وقارونيته، ولكن يبدو أن الأمورَ تتجه إلى هروبه القريب من شرم الشيخ دون المرور على سمك القرش.

زين العابدين بن علي حلَّق ست ساعات في الهواء قبل أن تـَمُنّ عليه السعودية باللجوء، أو الإجارة، أو الضيافة، أما طاغية مصر فلا أدري متى سينتهي وقودُ طائرته قبل أن تهبط في أرض مضيفيه الذين سيتبرأون منه عندما يتسلمون طلباً لاحقاً من الإنتربول.

لو استمعتْ حِكْمَةُ الكبارِ المغرورين لحماسةِ الصغارِ المتواضعين لكانت مزبلةُ التاريخِ للنظام العفن ابتلعته منذ زمنٍ بعيد، لكن كبارَنا كانوا أصغرَ من هُمومِ مصر، وكان صندوق الانتخابِ المزوّر عندهم أهمَّ من أربعين ألف معتقل لا نعرف عنهم شيئا.

دعيني أبعث إليكِ التهنئةَ قبل أن يصعد الطاغية طائرته التي ستحميها مقاتلات إسرائيلية، ربما بعد ساعات، أو أيام معدودة وليس أكثر.

بحثتُ كثيراً عن أبناء أبطال العبور فلم أعثر علىَ أيّ أثر لهم!

ربما كانوا مشغولين بمشاهدة صغارِك، وشبابِك وهم يتكوّمون على الأرض ليحموا أجسادَهم الغضّة من ركلات المخبرين والبلطجية!

أو لعلهم كانوا خائفين من القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعرفون أنه كان يرتعد خوفا، وفزعا، ورعبا من كبار الصغار.

أو أن آباءَهم لم يقصّوا عليهم من نبأ العبور و .. بارليف، وحكايات قبل النوم لمن يريد أن يظل مستيقظا طوال الليل!

أو أن الطاغية أمَرَهم بارتداء ملابس هالوين بدلا من يونيفورم الأبطال.

استحلفكِ بالله أن لا تغضبي من جيشك، وضباطِك، واستخباراتك، فيكفيكِ فَخْراً ما أخرجتْ بطونٌ طاهرةٌ منذ أقل من ربع قرن، فإذا بهم يتفتّحون في كل شبر من أرضِك دونما حاجة لحدائق ذات بهجة.

مبروك لنا جميعا فهي ساعات أو أيام أقل من عدد أصابع اليدين قبل سقوط رمسيس الأخير، فالوقت يدركنا، ونحن نريد أنْ نستعد للاحتفال بالاطاحة بالطاغية الثالث في شرق مصر أو غربها أو شمالِها أو النصف الشمالي من جنوبِها الأسمر قبل أنْ ينفصل شرقُه عن خرطومِه!

أيّ قَصْر تبلل أولاً سروالُ ساكِنِه؟

الاجابةُ لدَىَ الصغارِ .. الكبار!

 

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 27 يناير 2011

Taeralshmal@gmail.com

 

الحلقتان 19 و 20 عن ثورة 25 يناير

 

قُم يا مصري في 25 يناير

  1. أي طاغية يسقط مرتين: الأولى عندما يبعث شبابُ الوطن رسالة حب لأهلهم، ولتراب بلادهم، ولمستقبل أولادهم فتُصِرّ كل أُم، ويُلِحّ كل أبّ أن يكون ابنهما في طليعة فرسان الوطن لتحريره من المستبد، وهنا فقط يُنْزَع الخوف من الصدور حتى لو كان في كل شبر من الأرض كتيبة مسلحة من رجال الأمن.

والثانية، عندما يُعِدّ طائرته، ويبلغ أهله أن الشعب اكتشف قيمة الكرامة، وأن رياح الغضب هبَّت في الصدور، وتستعد لاقتلاعه وعائلته.

25 يناير يوم تحرير مصر إذا التزم الثائرون الصغار بأنهم لن يعودوا إلى أهلهم وديارهم قبل أن يهرب مَنْ أذلهم سنوات طويلة.

المطالب المعروضة هي الحد الأدنى، لذا ينبغي الموافقة عليها، لكن ما وراء تلك المطالب المتواضعة يجب أن يكون الأكبر: أي محاكمة الديكتاتور حسني مبارك، وكلابه، ولصوصه، وبِنْعَلِيّيه، قبل أن يهرب بطائرة من شرم الشيخ فيها كنوز مادية من الصعب تعويضها.

هل يسمح لي شبابنا البطل أن أضع بين أيديهم الطاهرة بعض النصائح؟

1- 25 يناير يجب أن لا يكون الحضور على الفيس بوك لأكثر من عشر دقائق في اليوم بأكمله، فالشارع المصري في حاجة إلى كل شاب وفتاة، ولو نزل كل الفيسبوكيين العاشقين لمصر، فعلا وليس قولا، فإن حُكم مبارك لن يعيش ثلاثة أيام في حَدِّها الأقصى.

2- ضعوا ثقتكم في الأخ العقيد عمر عفيفي فهو سيُلهب حماس الثورة، ويقنع كبار رجال الشرطة بأن من يؤذيكم في هذا اليوم، لن يفلت من محاكمة عاجلة بعد نجاح الثورة.

3- التقطوا صورا لكل المتجاوزين من ضباط الأمن، واحفظوا الأسماء، وتأكدوا بأن من يتم اعتقاله، سيخرج بعد ساعات مرفوع الرأس أمام أهله، وأمام كل كاميرات الدنيا التي ستتابع الحدث الجلل.

4- خصوم ثورة الشباب هم كل من يرفع شعارا غير شعار مصر، وإذا رأيتم لافتات تشير إلى الاخوان المسلمين أو الأقباط أو اليساريين أو اليمينيين أو الوفد أو الكرامة أو السلفيين أو غيرهم، فتأكدوا أنها محاولة لسرقة ثورتكم.

5- لا تعوّلوا كثيرا على من أطلق عليهم المناضل الدكتور يحيي القزاز عواجيز المعارضة، فقد فشلنا جميعا، ولم يعد منا أحد يستطيع أن يناهض الطاغية علانية، فنحن أصحاب دكاكين وبرلمان شعبي ومعارضة دون كيشوتية، ومن فاته مقعد النائب، صنع لنفسه مقعدا جديدا .. بعيدا عن الشعب.

لا تحبطكم نصائح عواجيز المعارضة، ولا تحزنوا إذا رفض الدكتور البرادعي ومرشد الاخوان وقادة الأقباط ومفتو السلفيين ورئيس حزب التجمع الانضمام إليكم، فهذا والله يوم الفخر، والنصر سيكون خالصا لكم، ولن تملك أي جهة حُجةً لسرقته.

6- إذا عرفتَ عقيدة أو مذهب أو حزب أو فرقة من يسير بجانبك فالثورة قد خسرتكما معاً، والعقيدة الوحيدة التي تعترف بها عدالة السماء في هذا اليوم الطاهر هي تخليص مصر من صديد أوجع جسدها الطاهر لثلاثين عاما.

7- خذ معك طعامك ومشروبك ليوم كامل، ولا تغب عن وكالات الأنباء ومصوريها، فالعالم كله ينبغي أن يرى المصري من جديد.

8- إذا اقنعت أهلك، نساء ورجالا وأطفالا، فالثورة ناجحة لا محالة قبل أن يشرق فجر مصري جميل.

9- مصر كلها ممتلكاتك، خاصة أو عامة، والقاء حجرة على بيت أو محل أو بناية أو غيرها يعتبر عملا ضد ثورة الشباب.

10- تابعوا تعليمات العقيد عمر عفيفي بدقة شديدة فهو قادر على أن يجنبكم شرور ضباط الأمن.

11- إذا خرج الجيش وأطلق النار عليكم، فأفراده ليسوا أبناء أبطال العبور، ونحن نتمنى أن يكون جيشنا الذي أذله مبارك لا يزال جيش الشعب، لا يطلق النار على أهله وأولاده وأبناء شعبه.

12- هناك احتمالات كبيرة أن يرفض بعض كبار رجال الأمن اطلاق النار على الشباب وذلك إثر تأثرهم بنداءات زميلهم السابق العقيد عمر عفيفي، فتقدموا منهم، وصافحوهم، وعانقوهم فربما يكونوا أشد كراهية لمبارك منكم.

13- اصطحبوا معكم جيرانكم، ومعارفكم من العاطلين عن العمل، والعاجزين عن اللهاث خلف الغلاء والأسعار الجنونية، والغاضبين على مبارك من جراء أمراض أصيبوا بها،

14- كونوا دائما في الزحام الشديد للمظاهرة، ولا تتفرقوا لئلا تستأسد عليكم قوى الأمن.

15- لا تلتفتوا لمن يسخر منكم، ويقلل من شأنكم، ويعدكم بهزيمة نكراء.

16- كتبت لكم نشيد الثورة، فكرروه بصوت جهوري، ومتواصل، ليصل هدير الجماهير والثوار والشباب إلى الطاغية قبل هروبه،

قم يا مصري النهاردة يوم جديد

خد مبارك وجماله وسوزانه في الحديد

أما عادلي أو سجونه أو رجاله دول صديد

أما عزمي أو شريفه أو سروره أو شهابه

دول كلاب القصر منعوا احتفالنا بكل عيد

قُم يا مصري النهاردة يوم سعيد

17- لا تصدقوا من يقول لكم بأن التظاهر حرام، وأن الخروج على الحاكم مكروه، وأن اللجوء إلى أي وسيلة للاطاحة بمبارك مخالف للدين فالقائلون بهذا هم عبدة الشيطان.

18- لا ترفعوا شعار الهلال والصليب، فنحن بلد واحد لشعب واحد، ولا نحتاج لتذكير الآخرين أننا مختلفون.

19- حاولوا التحدث مع الأمن المركزي، فهم أهل بلدكم وأكثرهم أميون وتحت خط الفقر، ويكرهون أسيادهم الضباط، لكنهم مُجبَرون على القسوة.

20- هناك احتمال أن يلجأ مبارك للعبة قذرة قبل 25 يناير، فخذوا حذركم، وأي عمل ارهابي أو كارثة غير طبيعية أو وعود معسولة فلا تصدقوا، واستمروا.

أنتم أكثر من نصف مليون شاب على الفيس بوك، وشباب 6 ابريل، وطلاب الجامعات، وأحرار مصر، وشجعان الوطن، فلا تجعلوا عواجيز المعارضة يسخرون منكم، ولا تُدخلوا الحزن في قلوبنا بتواجد عشرات أو مئات يفترسهم حبيب العادلي بتوجيهات الطاغية مبارك، فبإمكانكم لو خرجتم جميعا، أن تصبحوا في غضون ساعة واحدة ملايين من الأحرار، ولا تقبلوا عذر عدم التواجد من أحد، إلا في ظروف استثنائية، وسنطلق زغاريد الفرح بهروب مبارك وعائلته.

قد لا يخرج الدكتور محمد البرادعي معكم، وقد لا يطلب من الملايين الذين جمع توقيعاتهم أن يشاركوكم فرحة تحرير مصر من الطاغية،( وهو ظن أكاد أراه يقينا)، لكن لا تهنوا، ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ثائرين.

وسلام الله على مصر.




محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 19 يناير 2010

Taeralshmal@gmail.com



الحلقة 18 ثورة التونسيين وهروب الطاغية

الحلقة 18 من مشروع المئة فيديو كليب
نافذة على أفكاري
ثورة التونسيين وهروب الطاغية
http://www.youtube.com/watch?v=1mLbBcDIJPM
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو   النرويج

الحلقة 17 بيان العار للمعارضة المصرية

الحلقة 17 من مشروع المئة فيديو كليب
نافذة على أفكاري
بيان العار للمعارضة المصرية
لماذا يحتقر مبارك المعارضة؟
http://www.youtube.com/watch?v=5cc3aXiT2JM
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو   النرويج

أكاد أرى سراويل مبللة

ينبغي أن يكون العيدُ القوميُّ لأيِّ بلدٍ هو ذكرى سقوط طاغية، فإذا هرب الزعيمُ المُفَدَّى فالعيدُ يومٌ واحدٌّ. وإذا تم القبضُ عليه، ومحاكمته مُحاكمة عادلة، فالعيدُ يومان. وإذا سحله أبناءُ شعبِه لجرائمِه الدمويةِ في حق من كان خادمـَهم، فأجبرهم أنْ يصبحوا خَدَمَه، فالعيدُ ثلاثةُ أيام!

أما إذا تمكن الشعبُ من القبضِ علىَ كل أفراد عائلته، ولصوصه، وكلابه، وضباط الأمن المتَّهَمين بالتعذيب، وحيتان حُكمه المتورطين في الفسادِ، فالعيدُ القومي يمتد لأسبوع كامل!

لمْ تصبح تونس خضراءَ إلا بدماء حمراء، ونقصُ وزنِ الرئيسِ بدا كأنَّ دودَ الأرض تعَجَّل رحيلَه، فلم يصبر، وقام بزيارتِه في قصر قرطاج.

أعود إلى مقال لي في عام 1987 تحت عنوان ( دود الأرض ينتظر الحبيب)، وبعدها بشهرين كان بن علي ينقلب على المجاهد الأكبر الذي أقنعوه بأنه رئيسُ مَدَىَ الحياة حتى لو كاد العَدُّ التنازلي لأيام عُمره المتبقية يقترب من الصفر!

لن ينفع أيَّ طاغيةٍ عربي فِراشٌ وثيرٌ من ريش النعام بعد تلك الليلة التي حَلَّقَتْ طائرةُ طاغيةِ تونس السابق فوق جزيرة مالطا وسط متابعة هستيرية من رسول الصحراء، ولكن ماذا عن خيمة العقيد؟

الملك عبد الله الثاني يتابع المشهدَ عن كَثَب، فغضبُ الأردنيين في (معان) قد يتكرر تونسياً ، ويعيدُ الشعبُ قراءةَ اتفاقية وادي عربة، ويكتشف الأردنيون أنَّ سجونَ ومعتقلات الأسرة الهاشمية ابتلعتْ في جوفها كلَّ من ظن أنَّ لسانـَه أطول من سوط ضابط الأمن.

العقيد علي عبد صالح لن يتمتع بحُلم الزعامة مدى الحياة، فقد وقف من قبل وأقسم لأبناءِ شعبه أنه لن يجدد بعدما قضى ثمانية وعشرين عاما في الحُكم، فأخرج له كرسي السلطة لسانَه، ليحنث الرئيسُ بوعدِه، ويستجيب لمداعبات قيلولة جاءت بعد جلسة تخزين القات، فإذا بالنبات الأخضر يتحول إلى برسيم يأكله من ظن أن زعماءَنا لا يكذبون، وأن منافقينا لا .. ينهقون.

هل يثور اليمنيون أم يمضغون أو يخزنون؟

الاجابة في شوارع عدن وأبيّن والحُدَيّدة وحضرموت و .. صنعاء!

مساء يوم سقوط طاغية قرطاج همس مساعدٌ في أذن الرئيس السوري ليخفف من توتره، ولعله قال له: لا تخف، سيدي الرئيس، فالسوريون منشغلون بمتابعة الشأن اللبناني، وأجهزة استخباراتِنا تسمع دبيبَ النمل في الجولان كما تسمعها في ( آخن ) الألمانية حيث يُنصت الاخوان المسلمون إلى صفير الوطن بعد ثلاثين عاما من مغادرته.

ويتابع الهامس بشفتين مرتعشتين: لو أردتَ، زعيمنا الشاب، أن نحفر حفرة كتلك التي حفرتها سرايا الدفاع ودفنت فيها مئات السوريين، ونخفي كل أفراد الشعب في باطن الأرض، فلن يصيح ديكٌ في فجر دمشق قبل أنْ تصبح شوارعُ قلب العروبة النابض خاويةً على عروشها.

ويلقي الرئيسُ رأسَه علىَ وسادة ناعمة، ويحلم بيوم يخاف فيه السوري من مرآته، وتتم برمجةُ كل أجهزة الكمبيوتر بحيث يتعطل الجهازُ كلما كتب أحد كلمة: تونس!

العراقيون يغضبون في حالتين: الأولى لدىَ اكتشافهم أن عراقيا من طائفة أخرى حصل على مقعد في مجلس نواب يظن أصحابه أن تراجع القوات الأمريكية عدة أمتار إلى الخلف يعني انسحابا يانكياً من بلاد الرافدين، والسبب الثاني هو تأخير تشكيل حكومة المنطقة الخضراء عدة أشهر عن الموعد المحدد.

لكن الحمد لله، هكذا يقول العراقي لنفسه، فطائفتي تحميني، ولن يقوم انقلاب في بغداد لأن الرجال الذين ختمت قوات الاحتلال على أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم تقاسموا الكعكة، وأخذ كل واحد نصيبه من ثروات العراق، وأرسلوا أبناءهم للدراسة في جامعات متروبوليتان، وهارفارد، وإلينوي، وأقنع عمرو موسى زعماءَنا بقمة عربية يحميها سيد البيت الأبيض، وسيد قُم، وسيد الشام!

في أول اجتماع برجاله لاحظ طاغية مصر أن سراويلهم مبللة كأن( العملية) لم تكن مرة واحدة، لكن مبارك نزع الخوفَ من قلوبهم مؤكدا أنه، أي الخوف، يجب أن يسري في نفوس أبناء الشعب، وأن ثلث ميزانية فقراء مصر تذهب إلى أكثر من مليون رجل أمن ومخبريهم وبلطجيتهم، وأن المصريين يحتاجون لقرني ثور حتى يهيجوا، وقرني زمن حتى يغضبوا!

لأول مرة لا يصدّقوه، فقد اعتادوا أن يديروا له أقفيتَهم قبل أن يصفعها، ويبصموا على نتائج الانتخابات قبل أن يعلنها حبيب العادلي، أما هذه المرة فربما تكون الروح التونسية مختبئة خلف الخوف المصري المحنط منذ عهد رمسيس الثاني، فالمصريون يغضبون لو نزع الطاغية نقاب مسلمة، لكنهم يصمتون لو نزع كرامة الشعب كله.

ترى من الذي سهر حتى الفجر، الأب أم الأم أم علاء أو جمال، متقلباً على فِراشِه؟

رنينُ الهاتف لم يتوقف في قصر العروبة، وكل مُتَصل يريد أن يتأكد من الرئيس نفسه بأن الجماهير لن تسحله في شوارع أم الدنيا، ويكرر الرئيسُ نفس الكلمات التي تبدأ بوصفه المصريين أنهم جبناء، واستحالة ثورتهم، كما قال له حبيب العادلي.

سراويل مبللة في الخرطوم فالانفصال أهّوَن من ثورة السُمر، وكل الدلائل تشير إلىَ قُرب الغضب الشعبي السوداني، لكن المجرم الهارب من العدالة الدولية يؤكد لكلاب قصره أنه سيُكمم أفواه الشعب بقوانين الجلد والرجم وقطع الأيدي، وأن رجال الدين يستطيعون أن يستخرجوا من كل الكتب المقدسة تبريرات إذا قيلت من فوق المنبر نام السودانيون طوعا وكرها، فجعفر النميري كان يقتل، ثم يلقي محاضرة عن التسامح في الاسلام، تماما كما كان الحسن الثاني يستمع لعلماء العالم الاسلامي في الدروس الحسنية، وينصت إلى صرخات المعذبين في سجون الرعب على مبعدة دقائق من مسجده و .. مسبحةٍ تدور بين أصابعه.

لم يحدث في التاريخ العربي أن تبللت سراويل زعماء ووزراء ورجال أعمال وضباط كبار كما حدث ليلة سقوط الجنرال، والآن يبكي بوتفليقة أمام العسكر، لكنهم يؤكدون لتلميذ بومدين، رحمه الله، أن غضب الجزائريين لا يدوم إلا في الملاعب الخضراء، وأن أحلامَهم في السفر إلى مرسليا أكبر من أحلامهم في رحيل أحذية العسكر.

الديكتاتور الثاني سيسقط قريبا، وستكون المفاجأة مضاعفة، فالطاغية القادم من ورق، ورجاله سيلعقون أحذية الغاضبين قبل أن يغادر القصرَ بمساعده زعيم دولة عربية أخرى.

الرئيس (السابق) لم تعد كلمة تونسية فقط، ومن ينتظر أمام الشاشة الصغيرة فسيراها مرة أخرى .. في القريب العاجل.

سيداتي سادتي،

حرمُ الزعيم تُعِدّ الحقائبَ، وتحصي المجوهرات، وترجو زوجَها أنْ لا يرسلها الآن إلى مكان فيه ليلى بن علي الطرابلسي لئلا تَشْمَتْ فيها، ثم تطلب، السيدة الأولى (حاليا)، من زوجها الذي سيكون( السابق) أن لا يتأخر عليها فلدينا، كما تؤكد، من الأموال في الخارج ما يجعل روح قارون تحسدنا.

القدر ينتظر شعبا عربيا آخر يريد الحياة، والزعيم يُقْسِم لرجاله أن الفئرانَ أشجع من أفراد شعبه.

لكن السراويل المبللة للمستبد الكبير، والطغاة الصغار توشي بأن الأرض تهتز، وتتحرك، وتميل يمينا ويسارا، و لا يدري أحد من أين ستندفع الجماهير!







محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 15 يناير 2011

Taeralshmal@gmail.com





الحلقة 16 أين سيسقط أول طاغية في 2011

الحلقة 16

مشروع المئة فيديو كليب

نافذة على أفكاري

أين سيسقط أول طاغية في 2011؟

http://www.youtube.com/watch?v=Y9XrwUmZE74

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

|أوسلو  النرويج

بعض العزاء قتل جديد

دموعُ التماسيحِ لا تتحوّل إلىَ أنْهارٍ، لكنها تـَظـَهَر واضحةً وجَليّةً في ثلاثة أشياء: خطاب الطاغية مبارك، وبيانات حبيب العادلي، وضيوف أنس الفقي علىَ الشاشة الصغيرة!

القرد ميمون يرقص، ويضرب سلام للبيه، ويستجدي نجومَ إعلام الريادة أن يستضيفوه ليبكي علىَ أحوال مصر، ويشكر ساكنَ القصرِ الذي يهتم بأحوالِ رعيتـِه لبضعة أيامٍ بعد كل حادثٍ، ثم يأمر باغتصابِهم!

سيدي الرئيس، وابنه الرئيس القادم، هل شاهدتماني وأنا أبكي علىَ الكنيسة، وألطم وجهي علىَ الضحايا،وأتحدث عن الوحدة الوطنية، وأقوم بابعادِ أيِّ شـُبهةٍ تحوم حولكما؟

هذا ما كان يُحَدِّث كلُّ ضيّفٍ نفسَه به، ويتوقع من الرئيس أنْ يبتسم، ومن ابنـِه أنْ يرقص طـَرَباً!

وزارةُ الداخلية تقول بأنها سيارةٌ مُفـَخخة، ثم تكتشف أنَّ السيارةَ هي حزامٌ ناسفٌ، وأخيراً يصبح الحزامُ عبوةً ناسفةً، لكنها للأمانةِ لم تـُشر إلىَ عِفريتٍ من الجن أو طبق طائر!

كالعادةِ يأتي المثقفون، والفنانون، والأدباء، والسياسيون، وكواكبُ المجتمع، ويرسم الجميعُ الحزنَ علىَ الوجوه، ولو طلب منهم مضيفوهم الحديثَ عن الكُرَةِ الجزائريةِ وكنيسة القديسيّن، فلا مانع من دمعةٍ علىَ الاسكندرية، وأخرى علىَ كرامة المصري في أم دُرمان، وربما يقول أكثرهم نِفاقاً بأنَّ إنفصالَ جنوب السودان كان بسبب اهانةِ المصريين علىَ ملاعب خضراء في بلدٍ سمراء بقارةٍ سوداء تسيل فيها دماءٌ حمراء!

مبروك لأعضاءِ مجلسِ الشعبِ الـمُزَوَّر فأحزانُ الأقباطِ خطفتْ المشهدَ، وصفوة المجتمع المصري مطلوبٌ منها أنْ تتحدث في كل شيءٍ، لكنها لا تقترب من فضيحة الانتخابات البرلمانية، ولا تشير إلىَ فضيحة الانتخابات الرئاسية القادمة، ففيها ينافس مباركٌ مباركاً، والنتيجة محسومةٌ سـَلَفًا لصالح الاسمِ وليس الشخص، والكرباج الذي سيسلخ به ظهورَنا يمسكه الاسمُ أيضا وليس الشخص.

ضيوف أنس الفقي لم تسقط علىَ وجوهِهم الناعمة دمعةٌ واحدةٌ علىَ سيد بلال الذي قتله ضباط الأمن تعذيبا، وتيتَّم ابنُه الوحيد الذي بلغ الثالثةَ من عمره، فوالدُه كبشُ الفداء الأول في صفٍ طويل لا يعرف أحدٌ نهايتـَه، وقد تكون نهاية آخر مصري في أرض الكنانة!

كل الذين تحدثوا، وكتبوا، وغضبوا، وبكوا، وحزنوا من أجل الوحدة الوطنية، ورسموا الهلالَ والصليبَ، لم يقتربوا من المجرم الحقيقي، ولم تفضحهم وجوهُهم رغم أن مساماتها كانت ترتعش خشية أن يقرأ الطاغيةُ فيها عكس ما تصف ألسنتُهم.

سيداتي سادتي،

هل سمعتهم عن الاستبداد والطغيان والديكتاتورية والسطوة والاستعباد والاستحمار؟

إنها جذورُ الطائفية، والتمييز، والعنصرية، والتعالي، والفوقية، والكراهية، والبغضاء، و ... الفتنة الطائفية.

من ظن أنها مفاجأةٌ فليتبوأ مقعدَه في عالم الساذجين، والبلهاء، والحمقى!

كل الدلائل كانت تضع أصابعَها في عيونِنا، وتـُخرج لنا ألسنتـَها، وتكاد تقرأ بصوتٍ جهوري يـُفزع الوحوشَ مُنَبـِهَةً إلىَ وطنٍ يحترق بعضُ أبنائـِه فيصمت، ويستعد طاغيتُه لحرقِه كلـِّه، فسيدي بو زيد ليس مصرياً، والمطلوب فوراً استيراد تونسي يعرف مقدارَ كرامتـِه، فيشعل النارَ في نفسه بمسرح الجريمة في الثغر، ويدخل السيدان، سيدي بوزيد وسيدي بشر، التاريخَ من باب أعتى طاغيتين: مبارك و .. بن علي.

لماذا لا يصف الأطباءُ لمرضى الغثيان العلاجَ الأنجعَ والأسرعَ وهو مقاطعة المنافقين في الصحف والفضائيات و .. (مصر النهاردة)؟

أفضل الصور وضوحاً بلانهائيات ميجابيكسل هي تلك التي يحفظها الماسحُ الضوئي في أدمغة المنافقين، وهي الصور التي يُحرّكها رئيس تحرير صحيفة قومية كبرى، فيجعل الرئيسَ قبل كل زعماء الدنيا، ولولا الخشية من التهكم الجماهيري لكتب صاحبُنا عن أهمية منافسة مُباركـِنا لأوبامِهم في الانتخابات الأمريكية القادمة، فحبيب العادلي سيشحن صناديق النتائج في طائرة عسكرية لا تسقط فوق نيويورك، فليس فيها 33 خبيرا عسكريا سقطوا من ذاكرة المصريين.

الجزائريون يغضبون من أجل لقمة العيش، والتونسيون يحرقون أنفسَهم احتجاجاً علىَ الغلاء وأمن الدولة و .. الوطن السجن، والليبيون يتحركون ببطء، فملكُ ملوك أفريقيا قادرٌ علىَ دفنِهم في صحراء غدامس أو علىَ حدود تشاد، ثم دفع تعويضات للخزانة الأمريكية فتقتنع الإيطاليات الجميلات بسماحةِ الإسلام!

تفجيرات القديسيّن كانت فرصةً لا يجود الزمانُبمثلها ليلتحم المسلمون والأقباط في مواجهة عدو المصريين الأول، فإذا بهم يظنون أن الوحدة الوطنية قبلات، وعناق، ووشاح أسود، وتختفي كل ملفات الوطن المسكوت عنها و .. عنه، فالهلال والصليب لا يتعانقان حقيقة قبل تهدئة النفوس من الغل، والكراهية، والتعالي، والتحدث باسم السماء.

الشبكة العنكبوتية مليئة بسيارات مفخخة تم ملءُ خزاناتها بأكاذيب يزعم أصحابُها أنهم عثروا عليها في كُتبٍ مُقدسة، فتفتح موقعا إسلاميا يحدثك عن أهل الذمة من أقباط مصر، ويحاول اقناعك بمنطق متخلف، أعوج أن رسم الصليب داخل الهلال حرام شرعاً، وتفتح موقعاً آخر فتجد أعضاءه الأقباط منشغلين في الحطِّ من شأن الإسلام، لكنهم لا يقتربون من الرجل الذي حَرَمَهم حقوقَهم لثلاثة عقود.

الأقباط أفشل محامين عن قضايا عادلة، فهم أصحاب حق في المساواة الكاملة، وفي تولي كل المناصب، وفي أن يتعلم اخوانهم المسلمون تاريخ النضال القبطي، والفترات المشرقة في مراحل مقاومتهم لقوى الاستعمار، وتحالفهم مع المسلمين لصد الغزوات الهمجية، ورفض الكنيسة زيارة مهد المسيح، عليه السلام، إلا مع اخوانهم المسلمين.

والأقباط قدَّموا للوطن شهداء أكثر مما قدموا للكنيسة، وعبَروا خط بارليف على صيحة الله أكبر، ولم يميّز سفاحو الجيش الصهيوني بينهم وبين المسلمين في صحراء سيناء بعد هزيمة يونيو 67، فتخضبت رمال الصحراء بدماء لا تستطيع معامل التحليل أن تميّز الدمَ المسلم عن الدمِ القبطي.

لكن الأقباط الفاشلين في عرض حقوقهم المشروعة تركوا الأكبرَ لعرضِ الأصغر، وجعلوا همومَهم في أهمية بناء كنيسة هنا أو هناك، وفي الدفاع عن فتاة أو كاهن أو نسبة مئوية تحت قبة برلمان فاسد يتولى تلميعَ نظام نـَتِنٍ يقوم علىَ رأسِه عدوُّ الإنسانية!

والأقباط الفاشلون يتحدثون عن حقوق الأقلية، وعن بعض المناصب الأكاديمية، وفي اتحادات الطلاب، فخسروا قضايا العدل والحق، واكتفوا بمُسَكِّناتٍ لا تسمن ولا تغني من جوع.

وتساوىَ التخديرُ الديني، الإسلامي والمسيحي، أمام السلطة الباغية، ولو كان المسيحُ، عليه السلام، بيننا لقال بأنَّ من ضربك على خَدِّك الأيمن من الحزب الوطني الحاكم وكلاب الطاغية فاضرب عُنـُقَه، ومن أخذ رداءَك ونَهَبَ أموالـَك وسرق قوتَ أولادِك فعصيانُك إياه محبةٌ لأبيك الذي في السماوات.

أقباطُنا .. أحبابُنا، شركاءُ الوطنِ ليسوا العنصرَ الآخرَ، وإنما هم مع مسلميهم عنصرٌ واحدٌ، والقبطي الذي لا يحزن علىَ اعتقال أو موت مسلم سلفي كالمسلم الذي يرى ذرة من الاختلاف بين حقوق المسلمين وحقوق الأقباط.

تفجيرات القديسيّن كان يمكن أن تصبح بدايةَ عصيان مدني ضد الطاغية، وحجباً ذاتيا تقوم به ضمائر المهووسين بفرز الداخلين إلى الجنة عن المرسلين إلى الجحيم!

لم يفهم أقباطـُنا بَعْدُ أنَّ حقوقَهم الضائعةَ في ظل حُكم سلطوي ديكتاتوري لن تكون من نصيبهم ولو شجّوا رؤوسَهم صراخاً، وغضباً، وحزنا، فالطاغية مبارك الذي أوصل مصرَ إلى هذا الوضع المؤسف، والمزري، والمخزي، والكارثي، سيظل خصمَهم الأوّلَ لأنه بكل بساطة عدو المصريين رغم أنف ألسنة عَفِنَة تـُقَبّل حذاءَه نهاراً، وتـُسَبّح بحمده ليلا!

الطيبون الذين طالبوا بعد مذبحة القديسيّن باقالة الحكومة، وخاصة وزير الداخلية، أرادوا، عن غير قصدٍ، تصويرَ مشهد مزيف لحكومة من الشياطين ورئيس من الملائكة، فالحقيقة أن مبارك هو الشيطان الذي يتلبسنا، ولن يخرج بالطبل البلدي من أرواحنا الضعيفة، لكنه سيهرب فور اكتشاف المصريين أن كرامتَهم في حقوقِهم الموحَّدة، وأن لقمة العيش الكريمة، والمواطـَنة السويّة، والمشاركة في بناء دولتنا من جديد على أسس المساواة والديمقراطية والحُكم المدني وتبادل السلطة ليس لها مكان في ظل حُكم آل مبارك.

السوط الذي ألهب ظهورَنا طوال ثلاثين عاما لن يتحول إلىَ عصا سحرية تلتئم بها جروحُنا.

الخطوة الأولى أنْ يعيد المسلمون والأقباط إلىَ الله، عز وجل، ميزانَ العدالة السامية، فقد طفَّفوا فيه، وصادروه لحساب مشاعر سطحية من التمييز، والفوقية، والتعالي، فانفجرت في النفوس مشاعرُ الشك والريبة.

الخطوة الأولى مكرر هي رفض التأييد الصريح والضمني، سِرَّاً أو جـَهْراً، تعاطـُفاً أو صـَمْتاً، مع المتسبب الأول لآلامِنا، وأوجاعِنا، وفقرنا، وأمراضِنا، وعذاباتِنا، وقَحطِنا، وجفاف نفوسنا من المحبة والرحمة وقبول الآخر.

حينئذ تتنزل الملائكةُ علىَ المساجد والكنائس لتبارك المؤمنين بالله والوطن، أما القبلات والأحضان والدموع فلا يقوم عليها دليل واحد يؤكد أنها تضرب في جذور الإيمان.

أما الخطوة الأولى أيضا مكرر فهي ضرورة اختيار المصري بين الله و .. الشيطان، ومن لا يكره مبارك ويعاديه، ويخاصمه، ويناهضه فلا حاجة لله في صلاته، وصومه، و .. دعائه!

أيها الأقباط .. شركاء الوطن،

لن ينفعكم عزاؤنا في مصابِكم الجـَلَل مادام سيظل مُلطخًا بصمتنا على عدوكم و .. عدونا، فالتفجيرات الآثمةُ صنعها القصرُ في نفوسنا الضعيفة، ومن تـَقَبَّل منكم تعازي الطاغية وكلابه ولصوصه وضباط أمنه فقد ضيّع مِفتاحَ ملكوت السماء، فكل رجال مبارك يهوذا، وسيصلبونكم بعد العزاء الأول و .. العشاء الأخير!

أوسلو في 9 يناير 2011

Taeralshmal@gmail.com

الحلقة 15 وزارة الداخلية

http://www.youtube.com/watch?v=bxaa_PK33tc

الحلقة 14 كنيسة القديسيّن

الحلقة 14 من مشروع المئة فيديو كليب
نافذة على أفكاري
الحلقة 14
كنيسة القديسيّن
تفجيرات الإسكندرية
 
http://www.youtube.com/watch?v=qj-DNgtiLgU

 
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو  النرويج

التونسيون ينتفضون قبل المصريين

ليس لي سيّدٌ، ولكن في هذه الأيام المباركةِ ،تونسيًا، أختارُ طواعية سيدي بو زيد فهو الوحيد الذي تـَمَكَن من تفعيل كلمات أبي القاسم الشابي عن الشعبِ الذي إذا أراد الحياةَ، فلا بد أنْ يستجيب القدرُ، وأنْ ينجلي الليلُ، وأنْ ينكسر القيدُ.

لا أريد أنْ أنحشر في طائرة تشارتر في أوسلو، وأهبط مطارَ العاصمة التونسية، وأتوجّه إلى سوسة أو الحمامات، وأستلقي علىَ رمال ناعمة فلا يجعلني موجُ البحر أنصِت إلىَ آهاتِ المعذَبين في أقبية سجون أحَدِ أغلظ الطـُغاة وأشرسهم في عالمنا العربي.

لكنني أتمنى الآن أنْ أتسلل إلىَ تونس الخضراء، وأبحث عن كل المتظاهرين والمنتفضين الأبطال، وأقوم بتقبيل رأس كل واحدٍ منهم، فطاغيتُهم الأكبر لا تحمله قدماه في قصر قرطاج من الخوف والفزع، فالتونسيون الشجعان إنْ لم يكونوا كلُّهم شباباً، فأزعمُ أنهم أصبحوا شابيين من أصل شِعريٍّ واحدٍ .. أبي القاسم!

الشجاعةُ هي واحدةٌ من أجمل قِيَمِ الإنسانية، فأنْ تسير مُلَوِّحَاً قبضتك في الهواء في بلدٍ يحتل المرتبةَ الرابعةَ في العالـَم بالنسبة لعدد المعتقلين مقارنة بعدد السكان، فأنتَ قد صعدت لأرقىَ مرتبة بشرية لو علـِم بها داروين لغيّر منهجه وجعل أصلَ القرد هو الإنسان الجبان، وأصلَ الإنسانِ المتحضر هو الرافض لكل صور العبودية والاستغلال والمهانة.

بعد السابع من نوفمبر 1987 تَسَوَّرت تونس من كل حدودها، فأضحى الجدارُ المعنوي حالةً من الإعتقال الدائم، ولكن تظل الستون سنتيمتراً مربعاً في السجن المدني ، والتي هي نصيب السجين نائماً، وواقفاً، هي الجريمة الأكبر للديكتاتور التونسي، فالزنزانة بها 300 شخص حتى أن أحدَهم قضىَ شهرا لم يقابل زميلا له معتقلاً في نفس الزنزانة، ويتحرك بصعوبة في المكان المخصَّص له والذي يضيق به فأر!

مَنْ مِنَّا لا يتذكر الصحفي محمد بريس الذي نشر تحقيقا عن ماسح أحذية، فتم اعتقالُه لأنه أساءَ لصورة تونس الي يحكمها بطل حركة التصحيح النوفمبرية؟

مديرُ تحرير صحيفة ( الشعب ) كان قد تم استدعاؤه لأمن الدولة لأنه نشر مقالا عن غضب الشعب الاندونيسي من جرّاء غَلاء المعيشة، واعتبرت أجهزةُ استخبارات زين العابدين بن علي المقالَ إسقاطاً علىَ حُكْمِه!

لم يَدر بذهن أحدٍ أنَّ التونسيين يمكن أنْ يغضبوا، فغضبُهم في المهجر، ومعارضتُهم في شوارع باريس ونيس وبروكسل وجنيف و .. مونتريال.

ومع ذلك فأمنُ المطار في العاصمة التونسية قبض علىَ أحدهم وهو عائدُ من فرنسا، وأخرجوا له صورةً تم التقاطـُها قبل عشر سنوات من داخل السفارة التونسية في باريس، وكان المسكين يقف صامتا في مظاهرة مسالمة، لكن عينَ كاميرا الطاغية اخترقتْ نافذةَ السفارة، والتقطت صورتـَه، تماماً كما فعلتْ أجهزةُ الاستخبارات الأردنية مع مدير تحرير صحيفة كويتية عندما عَبَرَ الحدودَ من الكويت إلى بلده سورية عبر المملكة الهاشمية، فحققتْ معه استخباراتُ الحدود بتهمة كتابة مقال ينتقد الحسين بن طلال ، رحمه الله، قبلها بعشرين عاما في صحيفة ظبيانية!

الجنرال بن علي دراكيولا العصر الحديث، وهو يتلذذ بتعذيب مواطنيه كما لم يفعل طاغيةٌ قبله، ولن يفعل بعده!

حمادي الجبالي قضى خمس عشرة سنة في سجون الديكتاتور التونسي، ظـُلماً وبغياً، فلما خرج من السجن الصغير إلى السجن الكبير المُسَمَّىَ الوطن، أبعدته عن أسرتِه، ووافقتْ أنْ تقوم بناتُه الثلاث بزيارتِه شريطة أنْ يشاهدوا خيالـَه من بعيد دون الاقتراب خطوة واحدة!

نحن أمام حالة سادية، نرجسية، دموية لرجل الغرب في الشرق، وعدو الإنسانية في شمال أفريقيا، ومصّاص الدماء الأكبر في عالمنا العربي المليء بدراكيولات متفرقة تُعِدّ أبناءَها لوراثةِ القصر والسلطة، والعبيد ..والأرض!

سجونُ ومعتقلات تونس مثل السجن المدني، وبرج الرومي، وناظر، ومرنة، وباجة، وبرج العامرية، ومونستير، وسوسة، وبلاريج، والهوارب، والمرناقية، تستطيع أن تبتلع في جوفها نصف سكان تونس وتقولُ هل من مزيد؟

الجنرال مدعومٌ عربيا، وغربيا، وأمريكيا، وإسرائيلياً، وعندما أخرجتْ صناديقُ الاقتراع لسانـَها لعيون الغربيين الزرقاء، وكانت النتيجة 99% عامي 89 و 94، ابتسم دعاةُ الحرية والديمقراطية كما ابتسم توني بلير في خيمة العقيد وهو يحاول أن يبعد عن ذهنه صورة مدينة لوكيربي، وانفجارات لندن التي تحالف فيها الجيش الجمهوري الايرلندي مع رسول الصحراء!

أجهزةُ الاستخبارات التونسية تسمع دبيب النمل، وتستدعي مواطناً قام لصلاةِ الفجر ثلاثَ ليالٍ سَوِيّاً فوَشَتْ به أضواءٌ خافتة، وتسحب حجابَ طالبةٍ جامعية، وتستدعي الخارجيةُ دبلوماسياً رفض معاقرة الخمر في حفل العيد الوطني بسفارة بلده في عاصمة أوروبية، فَرَفْضُ رشفةٍ من البوجوليه، والألزاس، والبوردو يعني العودةَ إلىَ تونس، والتعرّض للمراقبة، فربما تكون بذرةُ التديّن قد نبتتْ في أحشاء الرجل قبل أن يتطرف بوقت طويل!

والطاغيةُ يصنع ماضيه ليلائم حاضرَه، وأيضا ليفسح المجال للمنافقين باعادة صناعةِ معبودهم الجديد وِفْقا لتوجيهات القصر، وعندما تولىَّ الحُكمَ بعدما أطاح بالرئيس مدىَ الحياة .. الحبيب بورقيبة، اختفتْ كُلُّ الأوراق والثبوتات من مدرسة سوسة الثانوية، فليس من حقِ أحد أنْ يتلصص علىَ ماضي الرئيس، فالماضي صناعة جديدة ومغلَّفة بأوراقِ الحاضر، وأحلامِ المستقبل، ولو كان بامكان المستبد أنْ يستدعي الحيواناتِ المنويةَ التي سابقته، فَسَبَقَها قبل مولده بتسعة أشهر، لما تأخر، ليتأكد أنه تخلّص منها، وأنها لن تشهد عليه في يوم من الأيام!

عندما تم منح محمد الناصر وِساماً تقديرا لجهودة الأمنية، غابتْ عن ذاكرة الكثيرِ أنه ذئب في صورة بشرية، وأنه كان يرغم المعتقلين علىَ لعق العصا بعد اِدْخالِها في فتحة الشرج.

كان الثامن عشر من يونيو عام 2005 يوما تاريخيا عندما نظرت المحكمة الابتدائية في جنيف دعوى اقامها الناشطُ التونسي عبد الناصر نايت ليمان ضد الطاغية، واستبشرنا خيرا، وكبرت أحلامُنا في مشاهدة صفٍّ طويل من الطغاة أمام محاكم دولية، يتقدمهم زين العابدين بن علي، وعلي عبد الله صالح، وحسني مبارك، ومعمر القذافي، وعبد العزيز بوتفليقة، وبشّار الأسد، وعمر حسن البشير، لكن ذاكرة المحاكم كذاكرة الشعوب تستيقظ يوما، وتنام سبعين ليلة!

لستُ من المؤمنين ببركات الأسياد، إنس أو عفاريت، والبركة الوحيدة المعترف بها حاليا هي بركة سيدي بو زيد، وإذا انتقلتْ من تونس إلى القاهرة والاسكندرية وبنها وبورسعيد وأسوان، فأغلب الظن أن سراويل كل قيادات الحزب الوطني الحاكم ستتبلل قبل الغضب المصري بوقت طويل!

دعونا نضع وسامَ الشجاعة على صدور أبطال تونس، ونستعد للتهنئة الكبرى التي سيتسلمها البطل التونسي الجديد في قصر قرطاج، ويعيد إرسالها إلى بطل جديد آخر في قصر العروبة القاهري.

أما سرادق العزاء الذي نراه كابوسا مزعجا فهو القضاء على الانتفاضة التونسية، ثم الخطاب الأول للرئيس الشاب جمال مبارك في حياة والده أو بعد رحيله.

أيها التونسيون الأحباب،

لا تجعلوا البيان رقم واحد من ماسبيرو يبتعد كثيرا عن بيان أبناء الشابي في تونس الخضراء، فالطغاة سيسقطون واحدا إثر الآخر كما حدث عام 1979، عام سقوط الديكتاتوريات في أفريقيا.

لقد بدأتُ في كتابة تهنئتين بسقوط بن علي و... مبارك، ولا أعرف لمن سأرسل التهنئة الأولى!



محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 29 ديسمبر 2010

Taeralshmal@gmail.com

بعض حلقات مشروع المئة فيديو كليب

بعض حلقات مشروع المئة فيديو كليب، نافذة على أفكاري

وكذلك حلقة ( أوراق مصرية ) التي أزعجت الطاغية مبارك وعائلته

مع شكري الجزيل لكل من يعيد ارسالها، وتوجيهها إلى بريده الإلكتروني أو إلى من يهمه الأمر

مع تحياتي

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com



اللغة العربية

http://www.youtube.com/watch?v=BRHYCc1NA4E


ثقافة المفاجأة

http://www.youtube.com/watch?v=xS-AwhC1z3M


الشباب والثورة في مصر

http://www.youtube.com/watch?v=bKDMCHqCQ40


المنسيون في زنزانات السجون المصرية

http://www.youtube.com/watch?v=3pjhK56aCSM


تناقض في رؤية المصريين للجيش

http://www.youtube.com/watch?v=kmcI1Mke7oo


سقوط النظام والمعارضة

http://www.youtube.com/watch?v=5nDLc7eC_vk


الكتاب

http://www.youtube.com/watch?v=cVEUAA9TGRw


الرئيس حسني مبارك

http://www.youtube.com/watch?v=d67vH4XHV7M


من نرشح لرئاسة مصر

فيديو بتاريخ 14 مارس 2010

http://www.youtube.com/watch?v=4TNtIX1zDZ0


الإعلاميون المخبرون

مارس 2010

http://www.youtube.com/watch?v=0cgdPl4BLIk


جمال مبارك

مارس 2010

http://www.youtube.com/watch?v=q8-JWKz-13Q


الطاغية والشعب

http://www.youtube.com/watch?v=zCh0TCcxPQ8


حلقة على قناة ( الحوار) في برنامج أوراق مصرية

http://www.blip.tv/file/4458005


مقالاتي

http://taeralshmal.jeeran.com

http://www.ahl-alquran.com/arabic/profile.php?main_id=948

http://www.ahewar.org/m.asp?i=461


 

حوار بين السيدة سوزان و .. الشخة موزة

 

في لقاءٍ جَمَعَ مُصادَفةً السيدة سوزان مبارك والشيخة موزة بنت ناصر المسند جَرَىَ حِوارٌ لَمْ يلتقط فحواه إنسٌ، ولا معناه جِنٌّ!

استعنتُ بقلمي العاشقِ سباحة في خيالات تـُحاكي الواقعَ، ووقائعَ متخيَّلَةً، فجاء الحوارُ كالآتي:

السيدة سوزان مبارك: أراكِ مُبْتَسِمَةً، وتتطاير السعادةُ من مُحَيّاكِ كأنَّ قَطـَرَ حَصلتْ علىَ كأسِ العالـَمِ في كُرَةِ القَدَمِ قبل الموعدِ بأحد عشر عاما!

لو أراد زوجي أنْ يحصل المصريون علىَ هذا الشرفِ لتراجع المُتنافسون واحداً إثـْرَ الآخر، ولـَما احتاج الأمرُ من رئيسِ الفيفا أنْ يفتح المظروفَ ليظهر اسمُ أم الدنيا، ويتوارى الآخرون خَجَلا من المنافسةِ مع مصر مبارك!

الشيخة موزة: يبدو أنكِ، يا سيدتي، مُصابةٌ بارهاقِ الانتخاباتِ البرلمانيةِ فاختفىَ نِصْفُ المخِ المتعلقِ بالذاكرة.

هل تتذكرين يوم أنْ حصلتْ مصرُ علىَ الصِفْرِ الكبير ِعندما تنافس معها الصغارُ، وتشرَّفتْ جنوبُ أفريقيا باستضافةِ كأسِ العالم رغم تأكيد رجالِ زوجِكِ أنَّ العالَمَ كُلَّه سيقف خاشِعاً أمام اسمِ مصر الـْمُبارَك بمبارك؟

نحن نافسنا اليابانَ وأستراليا والولاياتِ المتحدةَ بكل مالديهم من امكانياتٍ هائلة تجعل الفيفائيين يحتارون في الاختيار بينهم، ولا يرى أيٌّ منهم قَطـَرَ الأصغر َمن ملعب كرة قدم في كانبيرا أو لويزيانا أو .. ناجازاكي!

السيدة سوزان: تحدثينني كأنَّ قَطَرَ دولةٌ عُظْمَىَ تناطح الصينَ الشعبيةَ، ولو جاء القطريون كلـُّهم في رحلةٍ سياحيةٍ لازدحم بهم شارعان أو ثلاثةٌ في عاصمة المعز!

أنت شيخةٌ بزوجِك، وقبيلتِك، وعائلتِك، والذهبِ الأسود الذي يجري تحت دويلتِكم، وأنا أكبر من شيخةٍ بزواجي من قائد الضربة الجوية الأولى، وأصولي الإفرنجية، وانتمائي لفرعون الذي قال السحرةُ لموسى عنه بعزّة فرعون إنا لنحن الغالبون!

أنا وزوجي وولدانا نحكُم أكثر من ثمانين مليونا من البشر، ونستطيع إنْ أردنا أنْ نجعلهم وجبة لا تحلم بمثلها أسماكُ القرش في البحر الأحمر من سفاجا إلى .. شرم الشيخ.

لو أقفلنا أقمارَنا الصناعية فلن تجد قنواتكم الفضائية مشاهدين إلا في الربع الخالي وجزيرة حنيش والخور والرويس ورأس لفان!

الشيخة موزة: وأنتم أيضا لديكم النفط، لكنكم تبيعونه للدولة العبرية بثمن التكلفة دون أرباح فيزداد الشعبُ فقراً، ونحن نبيعه بسعر السوق العالمي، فأمَرَ زوجي بمضاعفة دَخْلِ المواطن القَطـَري!

ثلثُ مواطني بلدكم تحت خط الفقر المدقع رغم أن ثروة ابنيكما، علاء وجمال، يمكن أن تجعل هذا الثلثَ خُمساً أو ثـُمْناً أو عُشْرًا، أما ثروة أولادي فلم تنتقص من خيرات قَطَر قَطْرَةً واحدة.

لو كان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يحكم مصرَ لجعل شعبَها يأكل من تحته ومن فوقه، ولجعل نفطَه وغازَه ونيلـَه في خدمة المصريين قبل غيرِهم.

السيدة سوزان: هذا هراءٌ، وأضغاثُ أحلام صحراوية في حُكم بلدٍ متقدم بعقلية بدوية، فنحن نحكُم شعباً لا يطيع إلا فراعنـَته، فثقافةُ الصحراء لو انتقلت لقصر العروبة لتأخرتْ مصر عدة قرون، وأصبحت المراكزُ العلمية المتناثرة في أرجاء أرض الكنانة ساحاتٍ لسباق الهجن أو حظائر تبرك فيها الإبل بعد طول عناء و .. عطش.

إننا نـُعَلـِّم ولا نتعلم، نعبر الحواجزَ المائية والسواتر الترابية ولا يعبر أحدٌ فوق ظهورنا، ونحن أكرم من غيرنا، وتـَحَضُّرُنا هو في جيناتٍ تولَد معنا، ووافدُنا لديكم أغزر عِلْما من كفيلِه في الدوحة!

الشيخة موزة: هذا غرور ٌقاروني يظن أنَّ مفاتح خزائنه تنوء بالعُصْبَةِ أولي القوة، وأنتم تملكون إعلاماً عبقرياً في تحويل الهزائم لنصر مُبين، حتى المباراة الأخيرة بين مصر وقطر التي سخَرْتُم من فريقنا مُسبقا، فاستعنتم بثلاثة لاعبين جُدُدٍ لثقتكم في أن الكرة تسجد تحت أقدام لاعبيكم، انهزمتم فيها، ولم تتراجع غطرستكم خطوة واحدة.

إن ثقافتنا البدوية تلك جعلتنا نبني رأسياً دولة تناطح السحابَ وجيرانَها، وأنتم بثقافتكِم التي تمتد لخمسة آلاف عام نهبتم أفُقياً أكبر بلد عربي فتراجع كل شيء حتى كاد النيلُ يغير مجراه الذي حفرا، ويغرّب الهرم المصري و .. يبتعدَ!

في عصر زوجك تستعد عشر دول أفريقية فقيرة لتروي عطش المصريين بالقَطَّارة، وستجف مياهُ النيل إنْ عاجلا أو عاجلا مادمتم في الحُكم، ولن يمضي وقت طويل حتى يعلن أحد اصدقاء ابنك أمين لجنة السياسات عن فراغ كل مصارف مصر من آخر جنيه كان قبل وصولكم إثْرَ حادث المنصة يرفع رأسَ المصري، فإذا بكم، أنتم الأربعة، تغطـّسونه في مياهٍ آسنةٍ كما يفعل ضابطُ الأمن في مُواطن مصري يقع حظُه العاثر في المبيت بتخشيبته.

نحن نُهدر أموالا لشعب لديه ما يكفيه وأكثر، وأنتم تبددون أموالا لشعب يعيش على المِنح والمساعدات.

لو كانت قناة السويس بين أيدينا، والآثار الفرعونية تحت أقدامنا، وشواطيء الأحمر والأبيض تحيطنا، وتحويلات ملايين المهاجرين تضاعف دَخْلـَنا لأصبح كل مواطنٍ كفيلا لعشرين وافدا يعمل لديهم عشرون خادما وسائقا!

لو كان هناك عدل لأصدر أصغر قاض في مصر حُكْماً بالحَجْر عليكِ وعلىَ زوجِك وولديكما بتهمة الاسراف، والتبذير الشيطاني، واهدار أموال أمة من أعرق أمم الأرض.

السيدة سوزان: تعايرينني بذهبِك الأسود والأصفر، ولو ساهمتم في تنمية دولة دخلت حروبا لستين عاماً من أجلكم ومن أجل كل الوطن العربي لما كان حالُنا هكذا.

تكدّسون أموالَكم في مصارف الغرب، وتبخلون على أشقاء العروبة والدين والأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة.

تهددون مصريينا لديكم بالتفنيش على أول طائرة رغم أنهم يبنون معكم دويلتَكم لتصبح في حجم مصر، كما تتخيلون وتتوهمون!،

الشيخة موزة: هذا كذِبٌ يشابه أكاذيبَ حزبكم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فنحن لم نبخل على مصر بريال واحد، حتى أننا إثر زلزال أكتوبر عام 1992 نظَّمـنا علىَ مَدَىَ ثلاثة أيام حفلاتٍ لجمع التبرعات للمتضررين في مصر كانت تحت شعار ( في حب مصر )، وأرسلنا الملايين فلم تذهب لجيوب المحتاجين تماما كالخمسين مليونا من الدولارات التي حولها الملك فهد بن عبد العزيز، رحمه الله، فَضَلَّتْ طريقـَها ، ودلفت إلى جيوب وحسابات البزنسيين الجُدد في مغارة علي بابا المصرية.

أنتم بالوعة للمال الحلال والحرام على حَدٍّ سواء، وفي ثلاثة عقود أعدتم مصر إلى أكثر عهودها وحشية، وظلاما، وتخلفا، وظلما.

لو ركبتُ أنا سيارة مكشوفة تخترق شوارع القاهرة لخرج المصريون عن بِكْرَةِ أبيهم لتحيتي، ولو حدث الأمر نفسُه معكِ، ومنحْنا المصريين في قطر أجر يَوّْمٍ .. يَومَ خروج موكبك في شوارع الدوحة لما كلَّف مصريٌ واحد نفسَه عناء الوقوف لتحيتكِ، ربما باستثناء السفير المصري وأعضاء سفارته.

آلاف المصريين يقيمون معنا منذ سنوات طويلة ولو خـُيّر أي منهم بين نار الكفيل في قطر أو العودة إلى أهله وأحبابه في ظل حُكْمِك وزوجك والرئيس الشاب القادم لما تردد هنيهة في اختيار قطر وطنا ثانيا، يعيش ويموت فيه.

في خلال ثلاثة عقود جعلتم مصر أكثر غلاء من أمريكا والدول الاسكندنافية، ولو تسلل زوجك إلى أي بيت مصري، وأنصت إلى دعاء صاحبه في صلاة الفجر فسيسمع لعنات مع بكاء ونحيب تلف اسم مبارك لتخترق حجب السماء فيسمعها الحي القيوم الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم.

السيدة سوزان: على مقربة من مكتبك الأنيق في قطر توجد قاعدة عسكرية أمريكية ترصد كل نملة تقول لصويحباتها ادخلوا مساكنكم، والقاعدة لا تتصنت على القاعدة فقط، لكنها تمدّ أذنيها إلى الجيران وجيرانِهم، واستقلاليةُ القرار القطري مشكوك فيها!

هل تستطيعون محاكمة جندي أمريكي واحد قفز فوق كل الممنوعات والمحرمات في قطر؟

الشيخة موزة: للغيرة أيضا خزعبلات وأوهام، فمن يزيّف إرادةَ أُمَّةٍ في صناديق الاقتراع، لا يتوانىَ عن تسريب معلومات مغلوطة لو قرأها جوليان أسانج لأغلق موقعَه، واكتفى بعناوين صحف الصباح.

نعم، لدينا قاعدة عسكرية أمريكية لحمايتنا من جيران قد يكبرون وتكبر معهم الظنون بأنهم قوىَ عظمى، فصدام حسين كان الجارَ الشماليَّ للكويتيين، وعندما استصغر الكويتَ واخترق فجرَها الآمنَ، استصغره العالـَمُ كلـُّه، ووضعت أمريكا قدميها في الخليج برمته.

ومع ذلك فزوجي إذا قام بزيارة الولايات المتحدة فسيستقبله الرئيس الأمريكي فور وصوله، أما رئيس أكبر دولة عربية فينتظر ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ حتى يتفضل سيدُ البيت الأبيض بعشرين دقيقة لسيدِ قصر عابدين.

زوجي جلس مع ديك تشيني دقيقة واحدة، ولما لم يرق له الموضوعُ قبل طرحِه، انسحب فورا، فكرامةُ الشيخ حمد من كرامة قطر، وزوجُك لا يستطيع أن يعاتب السفير الأمريكي في القاهرة، فهو ليس جمال عبد الناصر الذي طلب من مدير مكتبه أن يترك السفير البريطاني، ملطوعًا، ساعة كاملة ثم يطرده لأنه جاء إلى القصر لمقابلة أبي خالد دون موعد مسبق.

نحن نحب مصرَ وأهلها أكثر من أي فرد في أسرة مبارك، رغم الشكوك اليقينية بأن فيكم من يحب هذا البلد الطيب.

تصلني آلاف الرسائل من مصريين يحبونني كأنني سيدتهم الأولى، وأحسب أنك لا تتلقين رسائل الحب إلا من المنافقين والوصوليين وأصحاب المصالح الخاصة والمتعلقين بوجودكم الأبدي فوق رؤوس المصريين.

السيدة سوزان: زوجي وصل إلى الحكم لأنه قائد عسكري فذ، وكان نائبا للرئيس الراحل أنور السادات، وأصبح الرجل الأول والوحيد منذ ثلاثين عاما، وكل الاستفتاءات ثم الانتخابات الرئاسية انتهت إلى نتيجة واحدة أن ليس بمصر من يرفع عينيه فوق رأس الرئيس، وأن لا بديل لمبارك الكبير غير مبارك الصغير!

أما زوجك فقد استولى على الحُكم في غياب والده، وتركه عدة سنوات يهيم في الغربة، وخرج القطريون لتأييده، فثقافة الاستيلاء على الحُكم عنوة من أحد أفراد الأسرة لا تعرفها إلا بلادُكم، أليس كذلك؟

الشيخة موزة: هذه زهايمر السياسة المصرية التي ترى من خلالها أسرة مبارك الصِفْرَ انتصاراً، والنواقصَ زياداتٍ، وجحيمَ المصريين جنةِ الخـُلدِ.

زوجي أنقذ قطر من الشللية التي أحاطت بوالده كما تحيط بكم شللية لا تشبع حتى تجوع، وعامَلـَه أفضل معاملة، ومنذ عام 1995 قفزت قطر الصغيرة فبدت كأنها اللاعب الرئيس في معظم الوساطات شرق الأوسطية التي فشلت فيها مصر مبارك.

كان الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني رجلا عظيما، وطيبا، لكنه لا يصنع حداثة، ولا يجعل قطر أكبر من حجمها على الخريطة.

لقد أحاطه ابنُه بالرعاية والعناية، وابعد عنه شرور المنتفعين بثروته، واسترد منهم ما سرقوه من أموال شعبنا، وكرَّمه أفضل تكريم، وعاش في كنف أحفاده بعيدا عن لصوص الوطن الذين استغلوا طيبته وثقته الزائدة.

أما القاعدة العسكرية الأمريكية فهي في الواقع على أرض مصر التي حكمتموها، فصغرّتموها، فقزمّتموها، فحجمّتوها، وعندما اخترقت الطائرات الاسرائيلية المجال الجوي المصري عدة مرات وهي تضرب الفلسطينيين أشقاءَكم، صَكَّ أبناءُ أبطال العبور وجوهَهم، وسدّوا آذانَهم، فالقرارُ العسكري المصري في عهد زوجِك لا يساوي جَناحَ بعوضة.

حُكْمُ أُسْرة مبارك يعني انتهاءَ العصر المصري، ولم يبق لكم غير الوساطة بين الفلسطينيين وعَدوِّهِم برعاية رئيس جهاز المخابرات التي كان اسمُها يُنزل الرعبَ في قلوب خصوم مصر، فجعلها زوجُك مُشَرّعة الأبواب أمام كل من هَبَّ ودَبَّ.

السيدة سوزان: لكننا لانزال قادرين على تصدير ما تحتاجونه من أدمغة تـُثري الحياة في قطر بعلماء، وخبراء، وإعلاميين، وأكاديميين، وأطباء، ومهندسين، وأنتم ماذا لديكم غير المال لتمنحوننا إياه؟

الشيخة موزة: الغرور قاتل، والفوقية مرض، والاستعلاء نقص، والتفاخر مسَبّة!

لولا أننا نعرف آلاف المصريين الطيبين، المسالمين، العاشقين لقطر، لجعلني كلامُك أكره أبناءَ مصر .. ضيوفـَنا الأعِزّاء.

أنتم الذين تدفعون المصريين للهجرة بحرا، وجوا، وبرا، وتـُلقون بهم في زوارق متهالكة تمخر عُباب موج هائج، وينتهي بهم السندبادُ المزيّف إلى قاع البحر فهو أكثر أمنا من الحياة في ظل زوجك و .. ابنه.

إنَّ حُزننا علىَ مصر لا تعرفينه، ولا تفهمين كُنهه لأنني أشك أنك تحبين بلدَك وشعبَها الكريم.

لقد أعماكم الغرور، وصحافة النفاق، وأقلام السلطة الرابعة، فظننتم أنَّ إعلامَ أنس الفقي هو إعلام الرِيادة، فإذا بالخلاف الكروي مع الجزائر يكشف عورته، ويشاهد الملايين قِرَدة تقفز، وتتحرك، ويستدعيها القرداتي ليطلب منها أنْ تشتم الجزائريين، وشهداءَهم، ويلعن تاريخ نضالِهم، ويـَمُنُّ بالفن السابع ومسلسلات رمضان ومسرحيات الزعيم!

عندما ينتهي الصراع الفلسطيني مع الاسرائيليين فلن يصبح لمصر دور في عهد زوجك إلا الوساطة بين بعض القبائل الأفريقية أو الجهاد مع الجماهيرية العظمى ضد سويسرا!

أتفهم تماما غيرتَكِ القاتلةَ من دوري، وأعرف كيف ينظر زوجُك إلى بلدنا كعُلبة كبريت إذا اشتعلت مرة واحدة فقد ضاع شرفنا.

وسيظل للمصريين في قلوب القطريين أعزُّ مكان، وأنا أقرب إليهم منكِ، وعندما ينتهي نظام حُكم عائلة مبارك فسنكشف أوراقاً لم تَدُر بذهن أحد قط، وسننشر أسماء كل الذين نهبوا أموال الدعم القطري لمصر، أما الآن فلا نستطيع خشية انفراط العقد العربي الأوهن من بيت العنكبوت.

السيدة سوزان: سنرى بعد سنوات من الأبقىَ لشعبه، فزوجي لديه وريث، وأحفاد مبارك سيتشبثون بالحُكم لعقود طويلة قادمة، وربما يحكم مصرَ مباركٌ حفيدُ الابنِ بعدما يكون مَلـَك الموت قد حصد في ثمانين عاما قادمة كل الأحياء فوق أرض مصر وقطر.

لو أراد زوجي أن يثير المتاعب لدويلتكم الصغيرة فسيقف في شرفة قصر العروبة، وينفخ نفخة واحدة، فإذا بآل ثاني قد طاروا من الدوحة إلى المنامة.

الشيخة موزة: قصر ُالعروبة لم يعد فيه عبد الناصر الذي كان كبيرا وهو مهزوم، وظن الصغار أنهم سيشمتون فيه بعد نكسة يونيو فإذا هو في قمة الخرطوم أكبر منهم جميعا.

قصر العروبة لو أطلق جندي عليه رصاصة من مطاط لهرب ساكنوه من الباب الخلفي، وحُكمُ زوجُكِ تسقطه قناة فضائية مصرية معارضة لو بثت من عاصمة غربية فستصبحون لاجئين في أمريكا أو ألمانيا أو عندنا في علبة الكبريت.

قوة استمراريةعائلة مبارك ليست في القبضة الحديدية التي تمسكون بها رقاب شعبنا المصري الصبور، ولكن بفضل الدعم الخليجي لبالوعة النهب الذي لا يشبع.

اذهبي لزوجِكِ وقُصّي عليه مِنْ نبأ حديثِنا، ودَعيه يحاول مُصارعة علبة الكبريت، وحينئذ سيشاهد العالـَمُ ذكاء جيري أمام حماقة توم بضخامة جسده.

أنصحُك بقليلٍ من التواضع، فالأصفارُ القادمة في الولاية السادسة لزوجك لا يحصيها كشّاف، أو عَدَّادٌ، أو آلةٌ حاسبة.

وهنا انصرفت السيدتان بعد عناقٍ خفيف، وطبعتْ كل واحدة قـُبلة على وجنة الأخرى دون أن تقترب من مساحيق بسيطة ، ويبقى الحُكم على الوجه للمرآة، والحُكم على العمل لشعبيهما، والحُكم الفصلُ علىَ القلب في السماء.





محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 19 ديسمبر 2010

Taeralshmal@gmail.com

حوارات أخرى للكاتب

حوار بين سمكتين في قاع البحر
حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك
حوار بين زنزانتين في سجن عربي
حوار بين حمار و .. زعيم عربي

حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين
حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك
حوار بين سجين حر و .. حر سجين
حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن

حوار بين فيصل القاسم و .. محمد عبد المجيد
حوار بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث
حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع
حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية
حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة
حوار بين وافد و .. كفيل
حوار بين جواز سفر عربي و .. جواز سفر أوروبي
حوار بين الرئيس بشار الأسد و .. الرئيس جمال مبارك
حوار بين مواطن خليجي و .. إعلامي عربي
حوار بين مواطن مصري و .. ضابط شرطة
حوار بين عزرائيل و .. الرئيس حسني مبارك

حوار بين جاهل ومثقف





سقوط النظام والمعارضة في مصر

الحلقة السابعة من مشروع المئة فيديو كليب، نافذة على أفكاري
هذه الحلقة عن سقوط النظام المصري أخلاقيا وسقوط المعارضة سياسيا بعد الانتخابات البرلمانية الفضيحة.
مع تحيات محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو  النرويج
 
http://www.youtube.com/watch?v=5nDLc7eC_vk

مقطع من يوميات مواطن نوبي

 أشعرُ اليوم بهدوءٍ نيليٍّ لا أدري إنْ كان يـُنذر بفيضانٍ لاحـِقًا، أو بهبوطِ منسوبـِه، وفي الحالتين أحتاجُ دائمًا إلى سـَدٍّ داخلي يحجز خلفه مشاعرَ دفينة لا تفيض ولا يُفاض عليها!
تبدأ رحلةُ النهر الخالد من بُحيرة فيكتوريا، ويمر النيلُ مُتهاديًا أحيانًا، ومتعاجـِبًا بنفسه أحيانًا أخرى، ومُضـَيـّعًا للجبال عُمرها، وغاضبًا علىَ مَنْ يُلقون فيه أوساخـَهم.
يـَمُرّ علىَ بلادٍ فقيرةٍ فيـُغنيها من عُذوبته، وتخاف منه حكوماتٌ فتـُقيم السُدودَ في وجهه، ومنذ لحظات نبعـِه وحتى انشطار ما يبقى منه إلى توأمين يـَمُرّان علىَ رشيد ودمياط فينتحران معًا في مياه البحر المتوسطِ، يكتب تاريخَ ثـُلث القارةِ السمراء، لكنه لا يستريح إلا بين أيدي النوبيين!
كأنه يريد أنْ يتوقف عندنا ليتأكد أننا بخير، وقد عُدْنا إليه في منطقتنا التي لا تستقيم جغرافيا وادي النيلِ بدون أنْ يرتمي في أحضانـِنا!
كلُّ جماعةٍ تحتضنها قطعةُ أرضٍ تؤكد أنها مركزُ الكون، أما نحن فنلتزم الصمتَ لأنَّ الكوّنَ هو الذي يتحدث هنا، ففي البدء كانت النوبة!
كلُّ جماعةٍ تطالب بحقوقـِها تريد أنْ تنفصل عن الوطنِ الأم، من كوزوفو إلى كـَتالَنيا، ومن كردستان إلى سُكّان عدن، ومن الصحراء المغربية إلى شمال نيجيريا، ومن جنوب السودان إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي، إلا أهل النوبة فنحن متطهـَرون من مياه مَرّتْ على عَشـْر دول أفريقية ثم جاءتنا طواعية لتسأل عن أحوالـِنا، وتستفسر عن مواقف حكومات مصرية مُتعاقبة لم تستوعب أيُّ منها مشاكلَنا، وقضايانا، وهمومَنا، وثقافتـَنا، وخصوصيةَ الإنسانِ النوبي.
لو نطق التاريخُ كما يفعل أبو الهول لقال بأننا نحن الأصل، وأنَّ الأغلبية خليطٌ من القادمين والمقيمين، لكن التاريخَ لا يتحدث إلا كما يوحي إليه أصحابُ السُلطة، فيكتبه المنتصر أو السيّد أو الاقطاعي أو ممثل الأغلبية أو المحتـَلّ أو السلطة الوطنية التي قد تقرأ صفحاته بالمقلوب، وتمنح أوسمةَ المواطنةِ الحقيقية وِفـْقَاً لمصلحتـِها.
مساء أول أمس اتصل بي أحدُ أصدقائي وكان في وضع نفسي سيء، ولما سألته عن السببِ انفجر في البكاءِ فاهتزت لمواجعـِه أسلاكُ الهاتف!
قال لي بأنه ضاق ذرعًا بحياةٍ لم يُخلَق لها، وأنه مُحاطٌ بأناس لا يفهمون ثقافته، ولا يعرفون عن النوبة حرفًا واحدًا، وأنهم صحرايون وحضـَريّون ويستوى لديهم أنْ يكون الماءُ بعيدًا أو قريبًا، أما صديقي الذي توارث عن أجيالٍ قد تمتد بتاريخِ مصر أو قبله تعَلُّقَه المائي بالنيل فلا يستطيع أنْ يتخيل لبرهةٍ واحدةٍ حياةً نوبيةً بعيدًا عن النهر الخالد، فالروحُ يحملها الطـَميّ معه، والقدمُ السمراءُ تتخضب به، ثم تدلف الحياةُ إلى كل جسدٍ يطير وهو ملتصق بالأرض الطيبة، فتجده في أسوان ووادي حلفا وسيبو وكروسكو، بل في كل ما كان يُطلق عليه مملكة كوش التي كانت تنام هادئة ووادعة ما بين جنوب أسوان والخرطوم.
هدّأت من روعه، وأسمعته كلمات خالدات لروادِ الثقافةِ النوبيّةِ وفنونـِها العظيمة، وأكدت له أننا راجعون بإذن الله إلى حيث ينتظرنا وادي النيل، فملكيةُ الأرضِ هويّتُنا، ونحن لسنا أقليةً أو انفصاليين أو ميليشيا مسلحة أو طائفيين، إنما أصلُ الجنوب المصري، ومطالبُنا لو كان هناك نصفُ عدلٍ لأدهشت قضاةَ الدنيا وممثلي العدالة لبساطتها، ووضوحِها، وجلائـِها، وأنها القضيةُ الوحيدةُ في القارةِ السمراء التي ليست بها ثغرةٌ يتيمةٌ يحتكم إليها رافضو حقوقنا، ومناهضو مطالبنا العادلة.
كلما حاولت الحكومات المتعاقبةُ تذويبـَنا في المجتمع عنوة، أطلـَّتْ الثقافةُ النوبية المقاوِمة لترفض الذوبانَ، والانصهارَ، منذ ترسيم الحدود بين مصر والسودان في عام 1841 مرورًا بتقسيمـِها حسبما تقتضي الاتفاقيةُ التي عقدتها مصرُ مع قواتِ الاحتلال البريطاني عام 1899، وبدأ مسلسلُ فَصْلِ القـُرىَ النوبية عن الوطن الأم، لكن المحنة الأولى كانت قبل ثلاث سنوات من مذبحة دنشواي، أي عام 1902 عندما انتصب خزان أسوان ليحتفظ بفائض المياه فأغرق بعض القرى بسواقيها ونخيلها ومساكنها.
حيرتي أحيانًا تكون بين حلمين يصطدمان ببعضهما: حلم وطني لا نزاع في أهميته ومشروعيته كالسد العالي، وحلم نوبي مشروع أيضا في أن نتوارث العيش على أرض أقام عليها أجدادنا حضارات متعاقبة ظلت ترى الخصوصية النوبية خطًا أحمر لا يظلمه الوطن الأم، ولا يفرط فيه أبناء وادي النيل.
النوبي قد يختلف جذريًا في تقييم فترة من تاريخ مصر، أو رؤية سلبيات عمل قام به قائدٌ لم يتمكن طموحُه من رؤية المشهدِ النوبي، كما فعل جمال عبد الناصر فكانت مصر هي الأكبر والأهم في فترة حرجة أحاطت بالوطن قوى إمبريالية لتوجعها في مشروعاتها الطموحة، لكننا، أهل النوبة، منحنا اللهُ سلاما داخليا لا تختلط فيه مشاعر الكراهية مع اعتراضاتنا على أي مشروعات نيلية.
كلما ابتعدنا عن النيل تساقطت في المسافة التي تفصلنا عن مياهه أجزاءٌ من الهويّة النوبية، لغة وعادات وتقاليد، وكلما جاء جيلٌ اكتشف ثغرات في الهوية جراء التهجير القسري، والتعويضات الهزيلة، واستزراع هوية نوبية في غير مكانها، فكانت الخسارة خسارتين: واحدة لنا والأخرى للوطن الأم.
التهديد الثقافي هو الخطر الأكبر الذي يجابهنا، حتى عندما تقدم لنا أيُّ حكومة مصرية مساكن وأراض وتـُعَبّد طـُرُقـًا، فإن المسؤولين الحكوميين لا يستوعبون الخصوصيةَ النوبيةَ في اختيار المكان، والتعامل مع القضايا الصغيرة، ومعرفة أهمية المـَطالب الثقافية التي تسبق الماديات.
التعتيمُ على رواد الحركة الفكرية والفنية والثقافية والعلمية ليس له أي تفسير منطقي، فنحن نثري الوطن الأم بما نملك من كفاءات كلما أطلت واحدة منها حاول آخرون قتلها بالصمت.
لو عرف التطرف طريقه إلى العالم العربي برمته فإن هناك جماعتين يستعصي على التشدد والتزمت والإرهاب أن يقترب من أي منهما، فالحصانة تسري عبر نوع لا مثيل له من التسامح : إنهما أهل سلطنة عُمان و .. أهل النوبة!
هل سمعت عن نوبي يثير شغبا في أي مكان يستضيفه في الغربة والمهجر والسياحة والإقامة المؤقتة أو الدائمة؟
عندما يعمل أحدنا في الخارج لا يمضي وقت طويل قبل أن يطلب صاحب العمل مزيدا من ( هؤلاء ) الناس الذين يحملون معهم كل قيم الخير والتسامح والطيبة وتأدية الأمانة والعمل بجد و .. شرف.
طيبتنا لا تتعارض مع شجاعتنا، وعندما كانت قوى النفاق تهلل للرئيس الشاب جمال مبارك في معظم مناطق مصر المنكوبة بحكم الاستبداد، كان النوبيون يعبرون عن شجاعة لا مثيل لها جعلت ابن الرئيس يفهم الرسالة جيدا، فالنوبيون لم يصفقوا له لئلا يظن البعض أننا منفصلون عن هموم الوطن في كراهية الطاغية وابنه.
أشعر بأسف شديد لعدم تمثيلنا بعدالة في مؤسسات الدولة ومجالسها البلدية فضلا عن مجلسي الشعب والشورى، ويعود الأمر إلى جهل الكثيرين من المسؤولين المصريين بخصوصية الوضع النوبي.
عندما أقوم بزيارة القاهرة والاسكندرية وبورسعيد أضرب كفًا بكفٍ من هول كارثة الجهل بنا، بل إن بعض أبناء بلدي المصريين يظنون أنني سوداني لوحت الشمس الحارقة وجهه، والبعض الآخر يتوهمون أنني أنحدر من أصول أفريقية في الجنوب رغم أن أي دارس للخصائص في علوم الوراثة وطبائع الشعوب ووظائف الأعضاء لا يخالجه أدنى شك في أن تقاطيع وجهي تقترب من سكان شمال البحر الأبيض المتوسط.
مهما قدمت الحكومة من وعود كاذبة أو نصف صادقة أو تظاهرت ببناء مشروعات توطينية فإنها غير قادرة على حجب شمس الحقيقة، فنحن كأسماك النيل نتنفس فيه ولو صعد طميه على سطحه، ولو بنت لنا الدولة قصورا في كوم أمبو وإدفو فإن العدل لن يعرف طريقه إلا في عودتنا لمنطقة لم تستطع خزاناتها وسدودها أن تخفت أو تبهت مطالبنا المشروعة.
صورتي كمواطن مصري نوبي في الإعلام الرسمي والخاص تشهد بجهل الكثيرين، سهوا أو عمدا، فالنوبي العالم والأستاذ الجامعي والطبيب والسفير والحزبي والمحرر في صحيفة كبرى غير موجود بالمرة، إنما نحن حارسو عمارات يقطنها المصريون، فيستورد الأثرياء منهم هؤلاء السمر الطيبين من الجنوب.
تمييز صارخ لم يعد مقبولاً فقد انجلت الحقيقة في عصر الشبكة العنكبوتية، ومن أراد أن يتعرف على النوبي فإن الشاشة التي أمامه والكي بورد تحت أصابعه قادران على تصحيح الخلل في ذهنه لعله يعرف أننا الأصل في هذه الأرض.
إننا قادرون على تصدير الفنون بكافة أنواعها إلى العاصمة، لكن المدن الكبرى تبحث عن الأضواء، ثم تعيد تسليطها على من تعرفهم مسبقا، فماسبيرو لاتذيع مثلا لمطربين نوبيين، في شمال السودان أو جنوب مصر، مثل حسن جزولي وحسين بشير وعبده ميرغني وعبد الله ندم وحمزة علاء الدين وحسن الصغير وشعبان عوض و .. غيرهم!
نفس الأمر ينسحب على الأدباء والمثقفين والشعراء، فاقتلوهم بالصمت تلك لن تفلح في دفن حضارة لا تزال باقية حتى لو أقامت الدولة سدًا في كل شبر من أرض النوبة الطاهرة.
قضيتنا ليست حكرا علينا فقط، لكنها مسؤولية كل الشرفاء القادرين على ايصالها إلى ذوي الأمر والنهي والسلطة.
من كان لا يعرفنا من قبل فعذره في جهله بنا، ومن أراد أن يضع أصابعه الدقيقة بينه وبين الشمس ليحجبها فقد آذى عينيه فهما تستمدان النور من الضمير.
كل نوبي مدرسة لدماثة الخلق، وقلوبنا رغم فواجعنا لا تزال بيضاء ناصعة تنبض بالحب حتى لمن قاموا بتهجيرنا قسرا وظلما وبغيا.
سألني صديق لا تتعدى معرفته بهمومنا جملة أو اثنتين عن تعريف النوبة فقلت له بأن الخصوصية النوبية رسالة سماوية لم تتنزل على نبي، وأخلاق النوبيين كتاب مقدس لا يخرج من تروس المطبعة، لكن صفحات النيل .. ساحر الوجود تفتحه مدارك العقلاء والشرفاء إن أرادوا تقليبها، فالتاريخ بدأ من هنا!
تعجب صاحبي، ونظر إلى وجهي النوبي الطيب، ثم أعاد الكـَرَّةَ مرتين، وفهمت إثرها أنه أمسك التاريخ من قلبه وليس من هوامشه.
خرجت من بيتي الذي بنته لي الحكومة وصنعت طوبه من أوجاع الغربة، وتمشيت بجوار ترعة صغيرة إنْ روت ما حولها جف ماؤها، ونظرت إلى الأفق فبيني وبين أرض أجدادي عشرات الكيلومترات فقط، وشعرت بأن هويتي النوبية قوة لا يستهان بها، بل لعلي لا أبالغ إن قلت بأنه لو استيقظت ذات صباح ووجدت الوجوه السمراء الطيبة تحكم مصر، من القصر إلى السلطة القضائية، ومن ضباط الأمن إلى مقاعد تحت قبة البرلمان، ومن وزراء إلى مسؤولي التخطيط في شتى المجالات فإن الوطن الأم سيودع إلى الأبد كل صور الفساد والرشوة وانتهاك الحرمات، وستغلق السجون والمعتقلات أبوابها لتحل محلها مستشفيات وجامعات وحدائق، وستقول العدالة كلمتها بعدما أغلق الطغاة فمها، وقطعوا لسانها.
النوبة ليست قطعة أرض فقط، لكنها قصة حب بين الإنسان والطبيعة، بين سكان ونهرهم الخالد، بين خصوصية رائعة وتاريخ من العطاء لا ينضب.
لو علم النيل بأشجاننا، وأحزاننا، ومواجعنا، وغربتنا في الوطن الأم، لعاد أدراجه، وغير مجراه مرة أخرى.
نوبيتي ليست فخرا لي فقط، لكنها ينبغي أن تكون فخرا لكل مصري يريد أن يعثر في أرضه على جزء من اهل بلده لا تزال قلوبهم صافية، وحياؤهم كحياء العذراء في خدرها.
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 16 أغسطس 2010
Taeralshmal@gmail.com

مواطنون في الغربة .. مغتربون في الوطن

في الوطن يظل حُلمُ الهجرةِ مُطاردًا إياك كما تطارد خيالَ شابٍ مراهقٍ صورةُ أول فتاة تمكنت من شغافِ قلبه فلا تدري إنْ كانت مزقته أو التصقت به.
وفي الهجرة يظل حلمُ العودة مُطاردًا إياك حتى لو خرج من صُلبك جيلٌ جديد يحمل بين جنبيه الاثنين معًا: وطنًا ورثه عن أبيه، ووطنًا سقط من بطن أمه فيه!
المصريون خارج نطاق الاحصاءِ، ولا يعرف عددَهم مكتبٌ أو هيئةٌ أو وزارةٌ فَهُم أضعافُ ما تحويه سجلات أيّ سفارةٍ مصرية، وينتشرون في أركان الأرض الأربعة، وإذا أردت أن تحـُصيهم فعليك بأسلاكِ الهاتفِ في المناسبات الدينية والأعياد الكبرى، ثم عليك بعدد الحقائب التي تهبط من أحشاءِ الطائرات في كل عام أو عامين، وستكبر علامةُ الاستفهام حتى تظن أنَّ النيلَ أيضا سيهاجر، وأنَّ الأهرامات ستدلف من مطار القاهرة الدولي إلى حيث ينتشر أحفادُ الذين بنوّها طوعًا أو .. كرها!
تـُفَرّقنا السياسةُ في الوطنِ، فإذا هاجرنا طاردتنا همومُها حتى الفراش الذي تـُبَلله دموعُنا فلا نعرف إنْ كانت على وطنٍ هجَرْناه، أمْ علىَ أهلٍ سقطنا من ذاكرتِهم!
المصريون في الخارج لم يهبطوا من الفضاءِ، ولم تنفصل بهم مَرْكَبَةٌ قادمةٌ من المريخ، لكنهم شرائحٌ مختلفةٌ ومتقطعةٌ غادَرَتْ مصرَ ويُخفي كلُّ مصري بين أضلعه الأسبابَ الحقيقيةَ لغربتِه.
قد تكون ماديةً ثم لا يعود لأسبابٍ سياسية، وقد تكون بحثًا عن استقرارٍ ماليٍّ وأُسَرّي وعاطفي لكنه لا يعود بعدما انقطع خَطُّ العودة.
لا يقضي كلُّ مصري مغترب حياتَه في بهجةٍ، ولا يحتفل مساء كلِّ يومٍ بمناسبةٍ سعيدة، ولا يخرج مع كلبِه حينما تنام زوجتـُه الشقراء مُتـَقَلّبة بدلالٍ على فراشٍ وثير، ثم يعود ليجلس أمام المدفئةِ، ويداعب الريموت كونترول ليبحث بِكَسَلٍ عن قنواتٍ لا يشاهد دقيقتين من كل منها، لكن ملايينَ من أبناءِ وادي النيل يعانون في غربتِهم أمراضًا نفسيةً وعصبية، ويَشـُدّ الكثيرُ منهم الأحزمةَ علىَ البطون، خاصة بعد رحلة الأسابيع الأربعة في مصر التي يتصرفون خلالها كأنهم ورثةُ بيل جيتس، فإذا عادوا كادت تقتلهم فواتيرٌ مُكـَدّسة، وإنذارات بمضاعفة قيمتِها، وشركات تأمين وهواتف وكهرباء تأكل ثـُلُثي دَخْلِ نِصْفِ العام التالي قبل أنْ يلتهم ميكانيكي السيارات الثلثَ الأخير.
والمصري الذي يحسده على غربتِه أبناءُ وطنه يرهقه البحثُ علىَ النتّ عن أرخص تذكرة طائرة، ويقضي أسابيعَ طويلةً مُتنقلا بين الأوكازيونات ليشتري أرخص ما فيها، ثم ينزع السعرَ المُخَفّضَ، ويقوم بحشو حقائبِه للأهل والأصدقاءِ والأحبابِ، ويبدو وهو يخْرُج من المطار كأنَّ العُمْلةَ الخضراءَ آخرُ اهتماماتِه، وأنَّ جيبَه لا يَفْرُغ حتى يتضخم من جديد!
المغتربُ ليس هاربًا من الوطنِ، لكنه امتدادٌ في الخارج لأهلِه في الداخل، والذي حَمَلَ بلَده معه فَتـُرْديه قتيلا في كل مرة يلمسها ليس كالذي يعيش فيها ولا يعرف لها ملمَسًا!
يقف أمامك مهاجرٌ مصريّ زحف الشيبُ علىَ مَفرقِه، وآخر لم يغادر قريتـَه إلا إلىَ عاصمةِ الدنيا لتخليص أوراقٍ في ( المُجَمّع)، ومع ذلك فالغائبُ الحاضرُ يَصِفْ لك دقائقَ المشهدِ كأنَّ روحـَه تستنسخه مباشرة، والمقيمُ داخل المشهدِ لا يستطيع أنْ يصف أيًا من جوانبِه، فلا تعرف حينئذ مَنْ الذي يذوب حُبًا في الوطن: المهاجر الموجوع أم المقيم الذي خدّرته العادةُ فإذا فَتَحَتْ له كارثةٌ أو مصيبةٌ أو فاجعةٌ عينيه، أغلقها سريعًا قبل أنْ يكتشف أنهما تبصران لو أراد أنْ يَعْرض أمامه جحيمَ وطنٍ، وجهنمَ مصر في عهدِ مبارك.
يجانب الصوابَ مَنْ يظن أننا في غربتِنا ننام علىَ ريشِ نَعام، ونُحصي أموالنـَا بشِقّ الأنفس من كثرتِها، ونستبدل في أول كل شهر سيارةً جديدةً بسيارةٍ قديمةٍ، وأنَّ كلَّ أيامِنا أعياد، فحياةُ المغتربين لا يعرف مواجعَها إلا من انتظر بصبرٍ نافدٍ العائدَ من زيارةٍ يصف فيها الوطنَ بعدما مرمطه أولادُ الحرام، ومرّغ أنفـَه في الترابِ كلابٌ أطعمها زعيمٌ مغتصِب للسلطةِ، فإذا بدموع المهاجر تختلط بجهازِه العصبي قبل أنْ تبلل وجهَه، فالوطنُ الذي يحترق.. يختنق بدخانِه المغتربون قبل المقيمين!
مصرُ في عهد الطاغية مبارك هي الدولةُ التي لا ينزل خَطُّ بيانِها الانحداري، لكنه يسقط في كل مرة تفتح عينيك لترى وطنَ أجدادِك يشتعل، فإذا أغلقتها لساعةٍ أو بعض الساعةِ وأعَدْتَ النظرَ مرة أخرى فلن تصدق المشهدَ الجديدَ، حتى الغلاء تحسّ به ربةُ الأسرة مع دوران عقرب الدقائق، فإذا عادت إلى نفسِ المحل في اليوم التالي اكتشفت أنَّ عليها عملَ ميزانيةٍ جديدةٍ تقف بين الخط الفاصل للجوع و .. ونِصْفِ الشَبَعِ أو .. الشـَبَح!
يرقص أعداءُ مصر في قصر العروبةِ طـَرَبًا، ويشربون في قصر عابدين نَخَبَ سياسةِ ( فَرَّق .. تَـسُدْ)، ويضحك كبيرُهم حتى الثمالة في منتجعِه العسكري بشرم الشيخ عندما يشاهد بلذةٍ عجيبةٍ صراعَ المصري مع ابنِ بلـدِه: مسلم ومسيحي، مغترب ومقيم، إسلامي وعلماني، معارض شجاع ومنافق جبان، مسالم وبلطجي، مواطن و .. ضابط شرطة.
في الغربة حتى لو اكتفيت بمراقبةِ الانحدار المصري وأنت أمام شاشة التلفزيون فلا تستطيع أن تهرب من الهَمّ، والكَمَدِ، والغَمّ، و .. الحزن، وتضرب كفًا بكفٍ وأنت لا تصدق أنَّ هذه هي مصر التي تركتـَها أمانةً في أيدي أبنائها في الداخل.
حتى خط الدفاع الثاني عن الضحكة المصرية التي تنافس آثارَ مصر في قِدَمِها، وأصالتها، وقوتها، وعمقِها يدهشك أنه ينهار أمامك كما ينهار بِنْاءٌ رمليّ هشّ علىَ شاطيء البحر إذا لمسته موجةٌ هادئةٌ لا تخيف رضيعًا في مهدِه!
فإذا راقبتَ في رمضان أكثرَ صور انتزاعِ الضحكةِ سخافةً، وحماقةً، وغباءً، وبلاهةً، وعتهًا، وقرفاً وأنت تجلس لدقائق معدودة أمام برنامج ( 100 مسا لميس حمدان) فقد تسلمتَ سبعين إشارة على أنَّ مُخططي تدمير مصر الذين نجحوا في تغيير السلوكيات العريقة إلى فهلويات في كل المعاملات، وصلوا إلى خط الدفاع الذي لم يكن لطاغيةٍ في تاريخ مصر أنْ يقترب منه، أي الضحكة المصرية والنكتة والابتسامة وعبقرية السخرية، وقدّموا لنا هذا البرنامجَ الممهورَ بتوقيع وزير الإعلام وكل القيادات الإعلامية في ماسبيرو والرقابة على المصنفات الفنية ليقولوا لنا بأن الفكرَ الجديدَ للرئيس الشاب القادم سيُنهي إلى غير رجعة عبقريةَ الضحكةِ المصرية، فالغـَمُّ هو الأصل، والنكد ينبغي أن يكون مثل التلوّث في الهواء فيدلف الأول إلى النفسِ الحزينةِ والمقهورةِ والمقموعةِ والمـُهانة، ويتسلل الثاني إلى الرئتين!
في غربتِنا تطرق رؤوسـَنا مئات التساؤلات عما حدث بالوطن، ونريد أنْ نُشارك ولو علىَ مَبعدة آلافِ الأميال، ونمدّ خَطّاً روحيا بيننا وبين أبناءِ بلدنا، ونتعجب من الصمتِ القُبوري المخيف الذي ران على سُكـّان وادي النيل فحطم جهاز َالكرامة الذي وضعه العلي القدير في كل نفس بشرية، وجعل أعرقَ أمم الأرض تلوذ بالسكوت، والخوف، والصمت، فإذا حاولنا أن نشترك مع أبناء بلدِنا في محاولات الاطاحة بالطاغية، غرز مثقفوهم، ومعارضوهم، وقيادات الدكاكين الحزبية أظافرَهم في أعناقِنا، وطالـَبونا أن ندير ظهورَنا، ونكتفي بالرفاهيةِ في عالـَم ِالغُربة لأنهم أقدرّ على تغيير النظام الشرس من الذين لم يعودوا يشربون من مياه النهر الخالد.
نحن سبعة ملايين أو أقل أو أكثر، ويمكننا أن نـُربك الطاغية، وأن نستضيف اجتماعات المعارضة، وأن نفضحه علىَ مرأىَ من منظمات حقوق الإنسان في العالم برُمَّتِه، ولكن مشاعر َالفوقية لدىَ عددٍ كبيرٍ من مثقفي الداخل كحاجزٍ سَميك بيننا وبين قومنا، وإذا استمعت إليهم ظننت للوهلة الأولى أنهم علىَ مرمىَ حَجَرٍ من الامساك برقبة الطاغية مبارك، وأنهم أعدّوا القاعةَ الكبرىَ في محكمةِ الشعبِ التي سيمْثـُل أمامها مبارك وأولادُه وزبانيته وحيتانُ الفسادِ وتماسيحُ النهب التي عاشت سنوات طويلةً في مياه عكرة.
نحن في الخارج لسنا مطالـَبين بشهادة حُسن سير وسلوك لتوقيعها في مقر ّأحد أحزاب مُعارضة الداخل، وقد آن الوقتُ الذي نلتحم فيه جميعًا، ويَعْلَم الطاغيةُ أنْ لا فَرْق بين معارض مصري في أسوان وآخر في أستوكهولم، وبين متظاهر أمام سفارة مصر في باريس ومُحْتَجٍّ أمام نادي القضاة في القاهرة، وبين غاضبٍ أمام الشاشة الصغيرة في غرفتِه بسيدني أو بودابست أو فاليتا أو ميلانو وآخر أمام قسم شرطة سيدي جابر أو مديرية الأمن أو لاظوغلي أو سلخانة التخشيبة في قسم شرطة المنصورة.
عندما تختفي كلُّ مشاعر الاستعلاء التي يحملها المصري ويوجع بها أخاه في الداخل أو في الخارج فقد وضعنا أقدامَنا على الطريق الصحيح لازالة عَفَن هذه الأسرة الجائرة التي تحتقر المصريين، وتزدري مطالبَهم.
أتفق تماما مع اختصار المناضل الدكتور يحيي القزاز المشهدَ في كلمة ( اغتصاب )، ومن هنا تصبح التوقيعات، والترشيحات، وصناديقُ الانتخاب المزوّرة سَلـَفًا، وحملات القرف اليومي لتلميعِ وتجميلِ الوجهِ القبيحِ لربعِ قرنٍ قادم من الديكتاتورية المفزعة أشياءَ عبثية، بل هي تثبيتٌ لشرعيةِ السوّطِ فوق الظهر، والسلسلة حول الرقبة، والبصقة في الوجه.
أعيد مرة أخرى التذكيرَ بمخاوفي من أنْ تكون اللعبةُ أكبرَ مِنّا جميعًا، فالحيرةُ تتفتت ثم تتناثر في كل الاتجاهات، والمواطنُ المصري المسكين يقف مشدوهًا، ومندهشًا أمام لاعبي الثلاث ورقات، فأمامه جمال مبارك وأيمن نور والبرادعي، فيراهن على ورقةٍ فإذا بها عُمر سليمان، ويعيدها الساحر ُإلىَ جِرابِه ثم يُخرجها فتبدو صورة عمرو موسى، ولو غنَّىَ شعبولا:( با أحب زكريا عزمي وبأكره إسرائيل ) فستختفي ورقة وتظهر أخرى في لمح البصر وعليها صورة السيد البدوي، وكذلك ورقة نظيفة من نفايات الحديد بمليار جنيه كعربون محبة لدعم جمال مبارك في حملته من أخيه العزيز والشريك أحمد عز!
اغتصابُ السلطةِ قائمٌ علىَ قدمٍ وساق، والساحرُ في شرم الشيخ يقول بأنَّ في قبّعَتِه حمامة سلام، فإذا هي حَيـّةٌ تسعىَ، ويقول بأنَّ عصاه يتوكأ عليها، لكنه يضرب بها أعناقـَنا، والرئيسُ الشاب يحكُم، فِعْليّاً، منذ عدة سنوات، لكن ثمانين مليونا من الذين شاهدوا بصماته على خَرَاب الدولةِ يؤكدون أنَّ من حقّه الترشحَ أمام خيال المآتة، واللواء حبيب العادلي يستعجل فتح صناديق بها أصوات وهمية، وأخرى لمَوّتىَ تحلّلت رُفاتهم، ولكن النسبة المئوية يُحددّها هاتفٌ مُختصر من الرئيس فإذا بها تسْعٌ وتسعون نعجة، فالساحرُ قادرٌ علىَ تحويل يوم الانتخابِ إلى البيضة والحجر!
أن ترى بلدَك من الخارج لا يعني أنَّ الرؤيةَ مُشوّشة, فالغربةُ ليست عمليةَ تلويث للسمع والبصر والفؤاد، لكنها في كثيرٍ من الأحيان نقلةٌ نوعية إلى قلبِ الوطن ولو كنتَ في الجانب الآخر من الكرة الأرضية.
إذا أتفقنا بأنَّ المهاجر ليس هاربًا من جحيم الوطن، وأن المقيمَ ليس رافضًا للهجرة لالتصاقه بالأرض الطاهرة والمقدسة فسنصبح بالتالي على مسافةٍ واحدةٍ من قلب الوطن.
أما إذا اتفقنا جميعًا بأن َّالطاغيةَ مبارك هو عدو مصر والمصريين فإنَّ أجراسَ النصر ستقرع قبل أن يُلقي وريثُ عرشِ الاغتصابِ خِطابـَه الأول.
تمنيّت في مقالاتٍ سابقة أن يلتف المصريون حول الدكتور محمد البرادعي، أما الآن فإنني أتمنى أن يلتف الزعيمُ، الحقيقي أو الوهمي، حول الشعب، فعشرةُ ملايين من التوقيعات ستحتاج لنصف ساعة فقط ليدسها الرئيسُ في سلة المهمـَلات أو ربع ساعة لاحراقها، أو نصف دقيقة ليلقيها في وجه من يقوم بتسليمه إياها.
من يظن أن اللعبة ستنتهي في عام 2011 لصالح الهدّاف الأول في المرمى فهو في سنة أولىَ سياسة، فمبارك وأسرته وكلابه وأصدقاؤه وحيتان عهده وناهبو أموال الشعب ورؤوس الفساد هم الحَكـَم واللاعبون و .. المتفرجون!
في بلدٍ عربيّ كانت هناك منذ بدايات الستينيات مقاعد محجوزة في الصفوف الأولى في جميع مؤتمرات القمم العربية لكبار الضباط في الموساد الإسرائيلي، وأخشى أن نكتشف متأخرين أن أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية لها مكاتب ثابتة في كل قصور واستراحات الرئيس حسني مبارك، حينئذ لن يحتاج الساحرُ إلى قـًبّعَتِه فحمامُ السلام سيغرق في دمائِه ويحل محله بومٌ ينعق على خراب أمة.
المصريون في الخارج غير قادرين بمفردهم على الاطاحةِ بالطاغية، والمصريون في الداخل محاصَرون بين لقمة العيش ومليون من رجال الأمن ينفق عليهم الديكتاتور ثلث ميزانية الدولة، لكن التعاون بين كارهي النظام في الداخل والخارج سيُعَجّل في يوم سقوط المباركين اللعينين.. الأب و الابن!
المصريون في الخارج سَنـَدٌ، ودعمٌ، وخطُّ دفاعٍ أول عن المصريين في الداخل الذين يجابهون جيشًا عرمرمًا من الصامتين، والمنافقين، والبلطجية، وحيتان الفساد، وهراوات رجال الأمن، والقُضاة الخائفين، والمحامين المنشغلين برفع قضايا دينية بعيدة عن هموم الوطن، فضلا عن عدة آلافٍ من أصحاب القلم الجالسين في مكاتب صحفهم، وعيونُهم على مديرية الأمن!
لا ينبغي للمصريين في الداخل نزعُ الوطن من قلوب أبناءِ بلدِهم في المهجَر، فالطاغيةُ نزع حقـَّنا في الانتخابِ، ولم يبق إلا أنْ يمنع عنّا زيارةَ الأهل والأحباب والتطهر ّبتراب الوطن.
المعارضةُ المصرية في الداخل تفتح عيونها لترى مشهدَ المؤامرةِ بوضوح، لكنها بدعم المعارضين في الخارج تستطيع أنْ توسّع فتحة العين لعلها تكتشف عُمقَ، ونذالةَ، وحقارةَ، ونـَتنَ كبارِ اللاعبين على طاولةِ مستقبل مصر، فالرؤيةُ في الداخل تضيق بفعل تخدير العادة، ومن الخارج يمكننا التنبيه على أخطار لا يراها أبناءُ بلدِنا الذين يتكالب عليهم الصغير والكبير.
أيها المصريون في الداخل،
ألم يأن الوقت الذي نكتشف فيه أنكم بنا أقوى في مناهضة الطاغية، وأننا أقرب إلى الوطن في أحضانكم الدافئة؟
اللعبة القذرة لتوريث مصرنا من ديكتاتور دموي إلى ابنه لينهي العصر المصري قد تكون أكبر منكم، لكنها ستنهزم حتمًا عندما نؤمن أن لا أحد يملك من مياه النيل أكثر من الآخر، وأن المصريين في الداخل والخارج جسدٌ واحدٌ إذا اشتكى منه عضوٌ تطبّب بما بقي من أعضاءٍ سليمة.
والخطوة الأولى التي نداوي بها الأعيُنَ الرُمدَ تبدأ برفض شرعية الديكتاتور وابنه وكل المجرمين الذين أذاقوا شعبـَنا الويلات في ثلاثة عقود مظلمة.
حينئذ فقط نستعد لنقول لأبنائنا و أحفادنا لا تلعنوننا فقد غادرنا الدنيا وتركنا لكم وطنًا بدون طاغية، وأرضًا لا يَحْكمها الفسادُ، ونهرًا لا يتحكم فيه من يمر عليهم، وبلدًا نزعناه من أنياب أشرس طـُغاة العصر!
وسلام الله على مصر
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 3 سبتمبر 2010
Taeralshmal@gmail.com

أنا حمار لأنني أحرض المصريين

 

المرةُ الأولىَ التي وَصَفْتُ فيها نفسي بأنني حِمارٌ كانت عندما صَدَّقْت الرئيسَ علي عبدَ اللّهِ صالح وهو يُقْسِم لشـَعْبِنا اليمني أنه لنْ يُجَدد لولايةٍ رئاسيّةٍ، فثمانيةٌ وعشرون عامًا مِنْ الحُكْمِ المـُطـْلَقِ كافيةٌ، وقد آن وَقْتُ تـَجديدِ دِماءِ السُلْطَةِ وشـَبابـِها!
وَصَدَّقتُه رَغْمَ مَعْرفـَتي اليَقينيةِ بأنَّ أكثرَ زُعَمائِنا كاذبون، وأنَّ جَلْسَةَ تَخْزينٍ للقاتِ مع قَيّلولةٍ يغفو خلالها الجَسَدُ والعـَقْلُ قادرةٌ علىَ جَعْلِ صاحبها يكذب علىَ اللهِ ولو كان حافِظًا لكُلِ الكـُتبِ المـُقَدّسَةِ و .. الخضراء!
مَخاضُ الكِتابةِ لا يختلفُ عَنْ الانتحارِ البِطيء، وقد تَكـْتُب لتـُحيي مَوّتىَ، وقد تموت لأنَّ الروحَ غادرتْ أحبابَك، لكنها تظل فيك ولا تعرف كُنَهَها أو مُسْتَقَرَّها أو مُسْتَوّدعَها!
إذا نَشَرَ صَحَفيٌّ في النرويج تقريرًا أو مقالا عن هديةٍ مُتواضعةٍ تلقـّاها رئيسُ الوزراءِ، أو خاتم في إصبعِ وزيرةٍ أهدَتْها إياه ضَيّفَةٌ، أو دعوّة خاصة علىَ العَشَاِء تـَم تسديدُ ثمنِها من ميزانيةِ الدولةِ، فإنَّ الحكومةَ كـُلَّها تقف علىَ صفيح ساخن فَوّرَ خُروجِ الصحيفةِ من بيّن ترُوسِ المطبعة!
في مصر مبارك تنشر صحيفةٌ خَبَرًا عن استيلاءِ ميلياردير حرامي علىَ عِدة آلاف من الأفدنة الخِصْبَة، أو شِراءِ أرضٍ قاحِلة بسعْرٍ أرخص من ترابها، ثم إعادة بيعِها بعد أقل من شهر بـمئةِ ضِعْفٍ أو يَزيد، أو تنشر احصائيةً مُفْزِعَةٍ عن مَرْضىَ سَرَطان المزروعات، أو عنْ دَفْنِ نفايات الحَديد تحت الأرضِ الزراعيةِ في مُحافظة البُحَيّرَة، أو تجاوز عمليات سرقة الأعضاءِ من أجسادِ المصريين نسبة الكارثةِ إلى الفاجعة، أو عن اغتصاب رجال أمام أبنائِهم في سجون ومعتقلات جحيمية، أو تأَخُر مصر في كل المجالات لتصبح النموذجَ الأوضح للتخلف، والديكتاتورية، والفساد، والرشوة، والتزييف!
ومع ذلك فأبناءُ بلدي لا يكترثون، ولو قرأت علىَ مسامع أحدهم سبعين ألف مقال تصف جهنمَ في عهد الطاغية مبارك، فسيضرب كـَفّـًا بِكَفٍ، وسيقول حسبنا الله ونعم الوكيل، وسيبحث في بانجو مقدس من منبر مسجد أو كنيسة أو شاشة صغيرة عن مزيدٍ من التخدير، فالنومُ ينقذه من خطورةِ اليقظة التي قد يتصادف فيها عودةُ الوعيّ لساعةٍ أو بعضِ الساعةِ فيجد نفسَه مسؤولا عن جريمة الصمت !
في كل مَرَّةٍ يُعاني قلمي آلامَ الولادةِ الكتابية أخْرُج من الغرفةِ كأن جبـَلا انزاح من فوق صدري، وأعيد قراءةَ المقال فيوهمني تفاؤلي بشعبنا أنني كتبتُ مقدمةً لزوبعةٍ تتحول إلىَ عاصفةٍ وتنتقل إلىَ الإعصارِ فتتسوّنـَم لتهزّ النظامَ العفنَ بفضل تأثُرّ الخائفين علىَ مصر ، وعاشقيها، ومستوعبي كلماتي.
ويقترب قلمي المناهضُ للديكتاتور من رُبع قرنـِه على صفحات المجلة، وعشرة كتب، وآلاف المقالات، لكنني لم أحَرّك شعرةً واحدةً من مكانِها، فأحبابي .. أبناءُ شعبِنا أكثر تصَلُّبـًا في الأرض من أبي الهول، وخوفًا من كل فئران الدنيا، منفردة أو مجتمعة.
أعودُ إلى كتاباتي لأبحث عن السبب في أنها لم تستنهض هِمَّةً، ولم تُوقظ نائمـًا، ولم تـُحيي مَيّتـًا، ولم تُقدم مُبررًا واحدًا للثورةِ علىَ الطغيان، فأقف حائرًا كعاشقٍ ألقىَ سبعين قصيدة غزل لحبيبته ثم اكتشف أنها كانت نائمةً طوال الوقت!
أعَدْتُ قراءةَ: (مناقشة البيان النهائي للاطاحة بمبارك وأسرته)، (مقطع من يوميات الرئيس مبارك)، (الله يخرب بيتك يا ريس)، ( تعريفٌ جديد للكُفر- تأييدك للرئيس مبارك)، (مقطع من يوميات ضابط شرطة مصري)، ( مقطع من يوميات برلماني مصري)، (حوار بين عزرائيل والرئيس مبارك)، ( ولكن عزرائيل لا يزور ميونيخ)، (الرجل الذي أحلم به رئيسا لمصر)، (تأييدُك لجمال مبارك تجسس لحساب إسرائيل)، (ولكن جمال مبارك ليس مواطنا)، (سيدي جمال مبارك: الآن يمكنك أن تعتلي عرش مصر)، (أحفاد الرئيس لهم الجنة وأطفالنا ولاد ستين ألف كلب)، (طز فينا جميعًا)، (لماذا لا تقوم في مصر ثورة؟)، (ألم نقل لكم بأن مبارك شيطان يحكم مصر؟)، (لكن الله لا يقبل من المصريين صلواتهم)، (هل يحرقنا مبارك قبل أن نحرقه)، (حوار بين الرئيسين بشار الأسد وجمال مبارك)، (نهاية طاغية في عامه الثمانين)، (خطوات ضرورية قبل القبض على مبارك ومحاكمته)، (سيدي الرئيس.. استحلفك بالله أن تستقيل)، (حوار بين مواطن مصري وضابط شرطة)، (سيدي الرئيس.. استحلفك بالله أن تهرب)، (لماذا لا يُحاكَم مبارك بتهمة شائعة موت الشعب المصري)، (مات- يموت- سيموت الرئيس)، (أصل الحكاية ماتضحكش)، (لماذا لا يؤمن المصريون بأن مصر بلدهم؟)، (محاولات لتخريب الشخصية المصرية)، (لماذا أحلم بحبل المشنقة حول عنقك؟)، (يا ولاد ستين ألف كلب)، (هل المصريون سعداء بالذل أم تعساء بالخوف؟)، (البيان والتبيين في أوجاع مصر وأحزان المصريين)، (طز في الشرفاء والأحرار والوطنيين)، (لماذا لا يغضب المصريون؟)، (كلنا خائفون.. فكيف تتحرر مصر؟)، (السيناريو القادم في مصر- ماذا يخطط الرئيسان؟)، (سيدي الرئيس.. أرجو أن تبصق في وجوهنا!), (مبارك للمصريين: نعم أنا نذل وسنغتصبكم فردا.. فردًا)، (أيها المصريون.. هذا الرجل مجنون .. هذا الرجل نيرون)، (لماذا أكره الرئيس مبارك؟)، (تجديد الدعوة للعصيان المدني- دعوة للاطاحة بمبارك)، (جمال مبارك للمصريين: سوطي ينتظر ظهوركم العارية)، (كيف تقنع المصريين بأن لهم كرامة؟)، (انتحار الرئيس حسني مبارك)، (كلاب السيد الرئيس)،( البيان رقم واحد) ، ........
وغيرها الكثير الذي لا يتسع المجالُ والمساحة والوقت لعرضِه، ولو أنني خاطبتُ صخرةً صَمّاءَ تمُدُّ جذورَها لأبعد منطقة عن مركز الزلازل لانشَقَّتْ، وتحركت، وربما انبجس منها ينبوعُ ماءٍ أو .. دموع!
ومازلت في المربع صفر مثل كل القوى المعارضة لهتلرِنا، فشعبنا تكالب عليه رجالُ الدين والإعلام وأجهزة الأمن، فخَدَّرَه فقهاءُ السُلطة بأهمية طاعة السيد وسوطه وكلابه وأولاد كلابه، وكذب عليه الإعلاميون فكانوا شهودَ زور في الدنيا لحطب جهنم في الآخرة حتى لو وضعوا صورة كبيرهم أمام كل زعماء الدنيا فالفوتو شوب في خدمة ( الأهرام)، وحرست أجهزةُ الأمن الطاغيةَ ثم انفصلت عن حمايةِ شعبِها، واستعانت بمجرمين وبلطجية، ومن لمْ تُخـِفْهُ عصا علىَ جسدِه، تـُفْزِعه عصا في دُبـُرِه!
ثمانون مليونا من البشر يقتلهم الفقر والاحتيال والنصب والنهب والجوع وانتهاك الكرامة والبحث عن المأوىَ والعبث في القمامة وتأجير الأجساد لطلاب الطب أو بيع أعضاء لأثرياء العهد الأسود، ثم لا يغضب منهم أكثر من عدة مئات من الشباب لساعتين أو أقل!
نعم، أنا حمار لأنني أحرّض القضاة والمحامين والأكاديميين ورجال الدين الاسلامي والمسيحي والمثقفين والإعلاميين والعلماء والمفكرين وأبناء أبطال العبور والشرفاء في أجهزة الأمن وأصحاب الضمير اليقظ في أجهزة المخابرات، ومع ذلك فاصطكاك الأسنان، وتخلخل الركب، ونبضات القلب الطبلية تقف بيني وبين فرسان بلدي، فالرجل يدهس الجميع بحذائه، وربما يستأذنه الجميع بوضع رقابهم تحت حذائه!
نعم، أنا حمار لأنني بحثت طويلا عن ثغرة أنفذ منها لسرِّ الغضب، فأستَثِيره، وأهيّجه، وأقذف به في وجوه كلاب القصر، فظننتُ أنَّ غضبَ العاطلين عن العمل قادم، وأنَّ ثورةَ ربات البيوت في الطريق، وأن عوائل وأحباب المنسيين في سجون ومعتقلات مبارك سيستصرخون الآخرين لغضْبَةٍ عاصفة، وأن أبناء أبطال العبور ستدمع أعينهم وهم ينظرون إلىَ صور آبائهم على الحائط فيستمدون من أرواحهم الطاهرة شجاعةً تُطَهرهم، لكن سذاجتي فاقت طيبةَ كل البلهاء والحمقى، فشعبُنا لا تؤثر فيه كلمات السماء ولا قِيَم الخيّر ولا .. روح الله فيه!
نعم، أنا حمار فشعبنا يغرق في المسلسلات، وسخافات الفضائيات، ومنتديات النتّ، وتعليقات متخلفة تحيد بأي موضوع جاد ليتحول إلى تهكُم، وسخرية، وشتائم، فضلا عن آلاف من رجال الأمن المدرَّبين على الشبكة العنكبوتية لتغيير مسارات كل الحوارات التي قد توقظ الموّتىَ و .. النائمين والمخدَّرين!
أما مقالي ( البيان النهائي للاطاحة بالطاغية مبارك وعائلته) فأقوم الآن بسحبه، والاعتذار عنه، فهو لم .. ولن يحرك شعرةً من موضعِها، وسيكون مصيرُ البيان أسوأ َمن دعوتي للعصيان المدني ( مايو 2005 ) والانتفاضة( يوليو 2006 ) والأخيرة كانت بالاشتراك مع مندرة كفاية.
لو كنت بمفردي لما أدهشني ردُّ الفعل الصِفْري، لكن هناك مئات غيري من المثقفين والمفكرين والمعارضين والحزبيين والعاملين في مجالات شتّىَ يكتبون، وينشرون على النتّ، ويشاركون في فضح أنتن نظام حُكم في تاريخ وادي النيل ، وهي صحفٌ في متناول أيدي الجميع، ويمرّون عليها صُبْحـًا ومساءً، ويعرفون تفاصيلَ لو كانت هناك ذرة إيمان واحدة بقيم السماء، أو جُزَيء حُبٍّ يتيمٍ لأرض سقطنا من بطون أمهاتنا فيها، ثم تنازلنا عنها للصوص والأوغاد، لشهد كل شبر في مصر غضبا شعبيا يجعل كل أركان الحُكم القذر يتبولون في سراويلهم وهم يشاهدون هديرَ أمواجٍ من البشر يستعيدون مِصرَهم، وخيراتهم، وطعامَ أولادِهم،
لم يعد لديَّ أدنىَ شكٍ في أنَّ المصريين كلَّهم، إلا قلة نادرة، يشاركون في اغتيال وطنِهم، ودعمِ طاغيتِهم، وتعريةِ مؤخراتِهم، وتسليم فلذات أكبادِهم لمغتصبي السلطة والإنسان المصري.
لقد تخطينا مرحلةَ وصفِ المشهد المصري، فلا يصف الجحيمَ من يحترق فيه، ونحن الآن في مرحلة استعذاب الضحية للسلخانة، واتفاق الجميع، تقريبا، على أن مصر ليست بلدَنا، وأننا، مسلمين ومسيحيين، سنصوّت للطاغية حتى لو كان الخيار الوحيد الآخر في صناديق الاقتراع هو الله جل جلاله.
نعم، أنا حمار لأنني أحرّض أبناءَ بلدي على التحرير، لكنهم مُنشغلون بحفنة أفرادٍ انتقل بعضُهم من دين إلى آخر ،ونحن نخدع أنفسَنا فكلُّنا انتقلنا من دين آبائِنا إلى دين قصر عابدين.
نعم، أنا حمارٌ لأنني ظننت أن أهل بلدي يحبون مصرَ، ثم اكتشفت مُتَأخرا أنهم مُسَمَّمون مُسْبَقـًا بالطائفية، والفوقية الدينية، والاستعلاء المذهبي، وأن رقابهم مقيدة بسلسلة يمسك طرفـَها الطاغيةُ ورجال الدين.
من لا يرى الفتنةَ الطائفية تستعد لحرق الأخضر واليابس، وأن الثمن الذي سندفعه جميعا أفدح من الذي دفعه اللبنانيون، والعراقيون، والروانديون، وأشلاء يوغوسلافيا التي مزقتها الكراهية، فهو أعمى البصر والبصيرة.
إن اللّهَ، عز ّوجل، ليس منحازا لأحدٍ في مصر، وعندما تشتعل الكنيسة والمسجدُ، فالملائكةُ لن تختار المكان الذي ستطفئه أولا لأنها ستكون قد هربت من مصر قبلها بوقت طويل.
نعم، أنا حمارٌ لأنني كلما انتهيت من مقالٍ ظهر بصيصُ أملٍ في أهلي، وأحبابي، وأبناء بلدي، ثم استمعت إلىَ ضحكاتِ الشياطين تصُمّ الأذنين وتختلط فيها أصوات مبارك، وابنه، وأبناء أبطال العبور، ورجال جمال مبارك، وأصحاب القلم في بلاط السلطة الأخيرة، ووزير الداخلية، ورئيس مجلس الشعب، ورئيس مجلس الشورى، وأحفاد رأفت الهجان، ووزير الإعلام، وأحمد عز، وأعضاء لجنة السياسات بالحزب الحاكم، وكبار ضباط الدولة، وممثلي العدالة في المحاكم، وصفوة المجتمع من علماء ومفكرين، و ....
ثم أسْمَعهم جميعًا بوضوحٍ شديدٍ، يَصْرُخون في نـَفَسٍ واحِدٍ: نعم، أنت حمارٌ لأننا ننتظر بصبرٍ نافدٍ جمال مبارك ليركَب فوقنا، ويُلهِب بسَوّطِه ظهورَنا و .. يغتصبنا!
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 24 سبتمبر 2010
Taeralshmal@gmail.com

 

 

مقطع من يوميات شاب سعودي


ينتابني ارهاقٌ شَديدٌ مُنْذ الصباحِ، فَقَدْ سَهَرتُ أمام النِتَّ ساعاتٍ طويلةً، ثُم أجريتُ مُكالـَماتٍ موبايليةً لبعضِ الأصدقاءِ الذين كانوا يَجوبون المدينةَ بسياراتِهم الجديدةِ بعدما بَدَّلوها مَرَّةً أو اثنتين هذا العام مِنْ جَرّاءِ التفحيط، واظهارِ مَهارة الشابِ في تدمير ما لـَمْ يُصِبْهُ تَعَبٌ في الحصولِ عليه.

بعدما خَلَدْتُ إلىَ النومِ بأقل من ساعةٍ أيقظني أبي لصلاةِ الفَجْر في المسجد القريبِ، وكدْتُ أَعْتَذِر إليه لشِدّة تعبي ، فأمسك بكتفي ونهرني قائلا: صلاة الفجر واجبة جماعة في المسجد حتى لو لم تفهم ما تقول، ولا تستوعب قراءة الإمام!

لمْ يبق علىَ موعدِ الذهاب إلىَ الجامعة غير ساعة، فأيقظتُ والدتي لتقوم بتحضير طعام الإفطار مع الخادمة الإندونيسية، فأنا لا أدخل المطبخَ إلا قليلا، وحياتي كحياة أيّ شاب سعودي ميسور الحال، فالخادمةُ لديّنا أهم من الأم، وإذا غابت الأولى شهرا أو اثنيّن في زيارة عائلتها بجاكرتا أو كلكُتّا أو إسلام أباد أو مانيلا فقد أصبحنا أيتامًا حتى تعود.

أتذكر ُعندما كنتُ طفلا صغيرا ونخرج على الشاطيء نتنزه، فأبحث عن ابتسامة والدتي التي أخفَتْها خلف خِمار، وأشتاق إليها وهي علىَ مَقْرُبة ثلاثة أمتار مني لتلعب معي، وتجري خلفي، وأرتوي أمام الناس من وجهها الجميل وهو يشرُق حُبَّا، لكن للأسف فوالدتي ككل النساء الأخريات اللائي يختبئن داخل العباءة السوداء القاتمة، فلا أستطيع التمييزَ بينهن!

انطلقتُ بسيارتي بعد أقل من ساعة إلى الجامعة، وبعد المحاضرة الأولى جلستُ في الكافتيريا مع مجموعةٍ من الأصدقاء نتحدث عن عبقرية كل واحد مِنّا في اختراق جدار الممنوعات والـمُحَرَّمات في المملكة!

كل الأشياء في بلدي خاضعةٌ لِسَوّطِ رجلِ الدين، فهو الأبُ والأمُّ والمُفتّي والمُفَسِّر والمُعَلم!

إنه الدولةُ برُمَّتِها ولو كان يملك القدرةَ علىَ القفز إلىَ البيوت من النوافذ ليشاهد حياتـَنا بين أربعة جدران، ثم يتسلل إلى غُرَفِ النوّم للبحث عن الأحلام المحرَّمة لما تردد هُنَيّهة أو أقل!

منذ يومين كنتُ قد قررت أنْ أصلي العشاءَ مع أسرتي، ووقفتُ أستريح بالقرب من أحد المساجد بعد التسوّق، فإذا به أمامي كأنه عِفريتٌ من الجن. لحية كثيفة، وعصاة رفيعة، وعينان مكحلتان، وأسنان صفراء باهتة.. سألني عن سبب وقوفي بعدما أَذِّنَ مُؤَذِّنٌ للصلاة!

لم ينتبه لـِما قلته عن رغبتي في الصلاة في داري، فمحكمةُ التفتيش المتنقلة لا تسمع ما يقوله المواطن، وهؤلاء المطاوعة هم سَوّط الأمن، يعيدون المواطنَ إلى دائرة الخوف إنْ ذهب به الظنُّ أنَّ شهقةً من الشجاعةِ ستنفخ فيه الروح.

صديقٌ لي كان في معسكر خاص في الصحراء مع صحبة شبابية، يضحكون، ويتسامرون، ويستمتعون بشهيّ لحم باربكيو أمام نار تضيف إلىَ ظلام الصحراء قَبَسًا دافئًا، وفجأة ظهرت سيارةُ جيب، وقفز منها ثلاثة مطاوعة، فتجمدت الدماءُ في عروق الشباب.

بعد تحقيقٍ مُطَوّلٍ عَمَّا يفعلونه، وعن الممنوعاتِ التي في حوّزتهم، وعن الذي سيؤمهم في الصلاة، ألقوا علىَ الأرض صُنْدوقاً به مجموعة من الكتب عن عذابِ القبر، ثم انصرفوا وهم يتوعَّدون بالعودة مرة أخرى للتأكد من عَدَمِ وجود ممنوعات.

اتصل بي صديقٌ عزيز ٌمِنْ عاشقي القراءةِ وطلبَ منّي أنْ أصْحَبه إلىَ مكتبةٍ كـُبْرَى للبحثِ عن بعضِ الكُتُبِ التي قرأ عنها علىَ النتّ.

فَـغـَرَ البائعُ فاهًا وكأنَّ صديقي يبحث عن مُذكراتِ غانيةٍ أو يومياتِ راقصةٍ مشهورة، فالبائعُ يعرف أنَّ الكُتُبَ المُتَعَلِّقةَ بالفلسفةِ ومقارنةِ ونَقْدِ الأديان والموسيقىَ والطغاةِ والسجون والمعتقلات وحقوق الشيعة والأسرة الحاكمة وحركات المعارضة ومئات من الموضوعات غيرُ مَسْموحٍ بها اطلاقًا.

كان البائعُ خائِفًا، وخِلته سيسقط علىَ الأرض، فهو ليس سعوديًا، وطريقُ التفنيش علىَ أول طائرةٍ هو أقصر الطرق بين شفتي الكفيل وأذنيي الوافد، فانسحب الرجلُ فورا لينجو بحياتِه وبلُقْمَةِ عَيّشِهِ!.

تلقيتُ اتصالا من والدتي تطلب مني أنْ أقومَ بتوصيلِها إلى المستشفىَ لزيارة ابنةِ أختها الكبرىَ والتي تعاني من مرض عِضال.

على باب المستشفىَ أوقفني حارسٌ ضخمُ الجُثـّةِ كأنه شجرةٌ عجوز، فقلت له بأنني أقوم مع والدتي بزيارة ابنة خالتي في الطابق الثالث، لكنه رفض صعودي لأنني لست مَحْرَمًا، وأنَّ لديه تعليمات مُشَدّدة بحراسة الفضيلة، وهذا الأحمق لا يعرف أنَّ التي نقوم بزيارتها تُعاني من مرض خطير قد لا يمهلها شهرين آخريّن، وأنني سأكون في حضرة والدتي، وأنَّ الخيالَ المريضَ لأدعياءِ حِراسةِ الفضيلة لا يمرّ بذهني قط!

رجالُ الدين في بلدي قاموا بتحويل الدين إلى رؤية بورنوجرافية محشورة بين قرني ثور مصنوع من الفتاوى الفجّة، والحياةُ بالنسبة لهم لا تخرج عن سبع كلمات: الجنس، والمرأة، والعقوبات، وازدراء المخالفين، وطاعة ولي الأمر، والفتاوى، والقشرة الخارجية للمسلم ولو كان المختبيء تحتها الشيطان نفسه.

أنعم اللهُ علينا في وادينا غير ذي الزرع بذهبٍ أسود تحت الأرض، وبكمياتٍ كان يمكن أن تتحول السعوديةُ بحُسْن استغلالها إلى جنة يقف على بابها عشرات الملايين الذين جاءوا من كل فجٍّ عميقٍ ليتأملوا عبقريةَ المسلم في صناعة قِبلة العالم في التحضر، والتمدن، والقوة، والتطور، والجمال، والتسامح، والحرية!

مئات المليارات قدَّمها لنا باطنُ الأرض، وفي عملية حسابية بسيطة كان وصف المشهد السعودي المفترض كالآتي: جيش قوي يهابه الجميع. مصانع أسلحة تقوم عليها عبقرية أبناء المملكة، فنقوم ببيع الصواريخ بعيدة المَدَى لفرنسا، والدبابات السعودية لألمانيا، والأسلحة الخفيفة لدول أفريقية، وتنضم جيوش الخليج تحت ألويتنا.

تحلية مياه البحر، وتراجع الأميّة إلى الصِفْر، مناخ للحرية تحسدنا عليه دول الجوار، مكتبة في كل شارع يغرف منها القاريء ما يشاء من كل العلوم والفنون والآداب والترجمات، ندوات في كل مدينة وقرية وحَيٍّ تتطرق إلى كل الموضوعات، مواطن سعودي يرفع رأسَه أمام الاثنين معا: رجل الأمن ورجل الدين،أقلام حرة في صحافة يتسابق الكُتَّابُ الكِبارُ للتشرّف في تنسم الحرية في بلاطها، مواطـَنة لا تفرق بين شيعي وسُنّي وغير مسلم ووافد هندوسي أو بوذي، عدالة مُطلقة يتساوى أمامها الأمير والعامل البنغالي، اعتبار المطاوعة من العصر الحجري فلا وجود أو أثر لأي شخص ينهر مواطنا أو يرفع العصا على ظهره ليؤدي شعائر الله، نقاشات في حرية مطلقة وليس لها خطوط حمراء فالعقل هو السائد، والمنطق السليم ينتصر، والتسامح يحتضن المخالِفين في النهاية.

مشهد سعودي يضحك عليك من تسأله عن وجود أسرة فقيرة، ويصطحبك إلى قسم الشرطة بتهمة الافتراء لو قلت له بأنك شاهدت سعوديا يتسول في الشارع، نظام ضمان اجتماعي يُغطـّي الوطن كله، تجفيف كل منابع التطرف والتشدد والتزمت، سلطة لا تفزعها تفسيرات رجال الدين، ولا يخيفها التلويح بالثعبان الأقرع.

منع تام لنفاق السلطة الرابعة، عدم دعوة الإعلاميين الذين ينفخون في القرارات الظالمة، احتقار صحافة استقبال وتوديع الأمراء.

فجأة تذكرت أنني في غمرة أحلام اليقظة، فبلدي العظيم خَسِرَ في السنوات العشر الماضية ما يحتاج إلى نصف قرن لاصلاحه مرة أخرى، وفي عالم الشبكة العنكبوتية إذا دافعتَ عن المملكة اندفع العشرات للسخرية منك، وإذا امتدحت في أحد أركان نظام الحكم فستلهبك أقلام حادة لا تستطيع أن تتهمها بأنها تكره السعودية أو السعوديين، لكنها غاضبة على ما آل إليه الوضع هناك.

اليمن، عمق السعودية، على وشك أن تعود إليه قوات الاحتلال فتلتهمه يـَمَنَيّن هذه المرة وليس يـَمَنَاً جنوبيا واحدا، ونحن هنا منشغلون بتحريم عمل المرأة كاشيير رغم أنها داخل عباءة سوداء سميكة وتظهر منها عينان كحيلتان، لكن معارك أبناء وطني دائما ساذجة وعبيطة ومتخلفة بفضل القُوَى التي دفعت بخمسة عشر شابا سعوديًا لتفجير البرجين التوأمين، فخرج جودزيلا من القُمقم، ودمَّرَ العراقَ وأفغانستان ويستعد لانهاءِ العصر الإسلامي والعربي!

في طريق العودة إلى البيت شاهدت رجلا كبيرا يمسكه اثنان، ويجلده الثالث في ساحة شعبية. كاد الخوفُ ُيحيل وجوهَ المشاهدين إلى اللون الأزرق، فكل منهم يعرف أن الجَلْدَ للصغار فقط، وأن هذا مصيرُ مَنْ لا يطيع، أمّا الكِبار فساكنو القُصورِ يقومون بحمايتِهم.

أحبُّ بلدي حُبّاً جَمّاً، وأحلم بتطورها، وأتمنى أن أراها خَيّرَ أمم الأرض وأكثرها استقلالية في القرار، فأبناءُ المملكة لا يستحقون العصا، والسوط، والمطاوعة، والممنوعات، والمحرمات، والفتاوى الحمقاء، والتفسيرات المتخلفة لكُتب عتيقة، والحرمان من الهواء النقي المُمـَثـَل بالاختيار الحر، والتسامح الأوسع، وقبول الآخر، والمساهمة في الحُكم، والتعاون لبناء البلد.

أغضب غضبا شديدا إنْ قام أحد بانتقاد بلدي نقدا وضيعا، وظالما، وتهكُمِيّاً، فنحن شباب المملكة نستطيع أن نجعل من السعودية جَنة الله على الأرض بما نملك من امكانيات مالية وملايين من الشباب الواعي والمثقف والمتعلم والمتحمس لخدمة الوطن، لكن أصواتنا لا تصل إلى القصر، فأبواب خادم الحرمين الشريفين مُشَرّعة للمدّاحين، وعفاريت التدَيُّن الزائف، وهمسات قوى الأمن.

أحلم باليوم الذي يتولى الحُكْمَ فيه شبابٌ لا يتجاوز أكبرهم الأربعينَ من عُمْرِه، وأنْ تتفتح كلُّ الطرقِ لِقُوَى الابداعِ، فيحصل أفضل فيلمٍ سعوديّ علىَ جائزةٍ دوليةٍ، وتذهب الأُسَر ُالسعوديةُ إلىَ المسرحِ القوميِّ السعودي، ونسهر علىَ أنغامِ سيمفونيةٍ رائعةٍ يقود مايسترو سعودي الفرقةَ الوطنيةَ التي تعزفها، وإذا شعر غيرُ المسلمين بتمييز ضدهم في أيّ بلدٍ عربيٍ يهربون فورًا إلىَ بلدي الجميل فالسعوديون حُماةُ الحريةِ الدينيةِ والتسامح.

فجأة وقف رجلٌ مُلْتَحٍ أمامي وطلب مني الهويةَ الشَخصيّةَ! لَمْ تتمكن شفتاي المرتعشتان من الاعتراضِ أوّ حتّىَ سؤاله عَمَّنْ يكون، رجل دين أم أمن! أخرجتها له وركبتاي لا تستطيعان حَمْلي، وسألني عن السيدةِ التي مَرَّتْ بجواري مُصادفةً، فأقسمتُ له أنني لا أعرفها. لم يُصدقني، لكنه ألقىَ، وهو عابِسٌ، الهويةَ الشخصيةَ في وجهي، ثم انصرف لحالِ سَبيله.

هنا فقط عرفتُ أنني مواطنٌ سعوديٌ لا يملك أكثرَ من أحلامِ يقظةٍ لا تـُحَرّك ساكنـًا!

رسالة من دود الأرض إلى مبارك و .. الرد

 السيد الرئيس حسني مبارك،

لوّ كانَ الصبرُ حَشـَرَةً لـَكـُنّاه، فمنذُ أنْ عَالَجَ الدكتور ماير في ميونيخ غضروفَك ونحن في حِيرةٍ من أمْرِك، فأبناءُ شَعْبِك يرفعون أيديَهُم إلىَ السماءِ راجين العليَّ القديرَ أنْ يَشْرُق صَباحٌ مصريٌّ جَمْيلٌ بدونكَ، فإذا بملايين الأدْعيَة التي تصل إلىَ سِدْرةِ المـُنْتَهىَ تخترق أيضا باطنَ الأرضِ وَتصُمّ آذانـَنا!

صحيحٌ أنه يتساوىَ لدينا الجميعُ، ونأكل في باطنِ الأرض موتـَاكُم بِغَضِّ النظر عن الدين والعقيدة والمذهب والجنسية، ولو اِلتفَ المَيّتُ في سبعين كَفَن لا جيوب لها، وفْقا لتعبيرِك الذي استخدمته من قبل ليكون دليلا على زُهْدِك في الدنيا، فوجبةُ الطعامِ التي نعيش عليها أربعين يومًا لا مَفَرَّ من الاستعدادِ لها إلاّ أنْ تُنَافسنا أسماكُ القرشِ أو حوادثُ الطيرانِ أو إذابة الجسدِ في حامض الأسيد كما يفعل بعضُ طغاتِكم ضد مُعارضيهم.

نحن لا نعلم الغيبَ، وبالأمس القريب قُمْتَ أنت بمصاحبةِ كمال الشاذلي، وودّعته قبل أنْ نتسلمه منكم، وأزحتَ عن ذهنِك أيَّ فِكرة تقوم بتذكيرك أنك آتينا ما طال بِكَ العُمرُ، وأنك لو جددتَ لولايةٍ سابعةٍ وتاسعة وعاشرة فلن تكون في يوم من الأيام وجبةً شَهية لدودِ الأرض، لكنك أخطأت، كعادتـِك، وظننتَ أنَّ قَصْرَكَ صَرْحُكَ، ومنه اِطـَّلَعْتَ إلىَ إلـَهٍ لم يَدُر بذهنِك قَطّْ أنك مُلاقيه، فوزارة ُالعدل في السماء ليست سلطةً قضائية تأتمر بأمرك.

عندما رفع كمال الشاذلي قضيةً ضد من سَرَّبَ شائعةَ وفاتـِه كان يشبهك تماماً، فَخَدَمُكَ وعبيدُك وكلابُ قَصْرِك يوهموك أنَّ صحتـَك خَطٌّ أحمر، وأنَّ جريمةَ إبراهيم عيسى عندما تجاوزها، وحَكـَمَ القضاءُ عليه بشهرين سِجْناً، كان ينبغي أنْ تنتهي بالمسكين إلى حبل المشنقة.

عاد أقدم برلماني مصري إلى بيتِه غاضباً، فالمرضُ كما تظنون أنتم الطغاة يحصد الفقراءَ فقط، وأنَّ باطنَ الأرض للغلابة و أيضا ليدفن فيه أحمد عِزّ نِفايات الحديد!

نتحدى أنْ يهمس في أذنـِك أحَدُ مستشاريك ويقول لك بأن آلافَ التعليقات على الإنترنت لم يكن من بينها من تَرًّحَم علىَ روح كمال الشاذلي، وأن أجَلَك إذا جاء فستتهتك أسلاكُ الهاتف، وتتعطل ستالايات الموبايلات التي يربح منها رجالُ ابنك مليارات، فالمصريون سيبعثون التهاني التي لم يعرف مثلها عيدا المسلمين و .. كريسماس الأقباط!

أرسلنا من باطن الأرض إلىَ سطحِها دوداً يتجول في أنحاء أم الدنيا لعله يأتينا بنبأ يقين، ونعرف أن حفـَّارَ القبور ستكون لديه مهمةٌ سامية، فهي المرة الأولى التي لن يكون بجانبك وزراؤك، وكتيبةُ النفاق، وسينزلق نعشُك بطيئاً .. بطيئاً، وستنتهي آلامُ ظهرِك تماما، ولن يكون في استقبالـِك غيرنا نحن دود الأرض.

عاد الدودُ إلى باطن الأرض وحَكَىَ لنا ما لم تـَحْكِهِ قَصَصُ الأوَّلين والآخرين من طغاة متغطرسين لم يقرأوا نهايات هتلر وموسوليني وسالازار وسوموزا وبول بوت وديفالييه، الأب والابن، وهيلاسلاسي ومنجستو هيلامريم وبينوشيه وباتيستا وجان بيدل بوكاسا وأنور خوجة وتشاوشيسكو وعيدي أمين دادا وجعفر النميري ومئات غيرهم سَحَلَ بعضَهم الذين اتَّبَعوهم، وبعثرتْ قبورَ البعضِ الآخرِ شعوبٌ لـَمْ يَشْف غضبـَها غيابُ طغاتـِهم في أحضانـِنا.

قالوا لنا بأنَّ المصريين يَصُبُّون حِمَمَ لعناتـِهم علىَ عَهْدِك الأغبر، وأنك إنْ جلستَ مُتَخَفيا بجوار أيِّ مصري في حافلة أو ترام أو مترو، فستسمعه يصيح أو يتمتم بكلمات تترجمها السماءُ كأنها دعوات باللعنة، ويترجمها رجالُ أَمْنـِك كأنها ثغاء غنمٍ أو ضغيبُ أرانب أو مأمأةُ خِرافٍ لا تؤذي ولا تخدش أو تَضُرّ!

قالوا لنا إنَّ رَبَّةَ أيِّ أُسرة مصرية تدعو اللهَ أنْ يحفظ أولادَها، لكنها لا تنسى أنْ تدعوه أيضا أنْ يُعَجّل في يوم الخلاص منك، وهو أيضا يومُ احتفالِنـا بنزولك وحيداً في قبر مُظلم ليس فيه أوامرُ أو تهديدات بِقَطْعِ رقبة خُصومِك أو سجون ومعتقلات تشهد جدرانـُها أنها سَمِعَتْ في عهدِك الأسّوَد صراخاً لمْ تسمعه في مئات السنوات التي مَرَّتْ علىَ أرضٍ حَكَمْتَها، وخَرَّبْتَها، وأفسَدتها، وسَلَطت عليها أوغاداً نهبوها، وهبروها، ومصمصوا آخرَ عودٍ أخضر في يَدِ يتيمٍ أو لقمة كادتْ تدخل فَمَ مسكين فخطفها شريكٌ لابنك أو أحد حيتان زمنك الكابوسي الجاثم فوق صدور المصريين لثلاثة عقود.

قالت لنا كتائبُ دود التفتيش بأنها تجولت في سجون ومعتقلات مصر كلها، وشاهدت ما يتبرأ منه الشيطان من ظلم، وفساد، وقسوة، وغلظة، ورأت سجناء مَضَت علىَ وجودِهم في الزنزانات أعوامٌ كثيرة دون أن يتم عرضُهم علىَ القضاء، وبعضهم قامت المحكمةُ بتبرئتهم، لكن وزارةَ الداخلية أعادتهم إلى المجهول مرة أخرى، وسمعنا أنهم يرجون اللهَ، ليلا ونهارا، أنْ يُعَجّل بأخذِك أخذ عزيز مقتدر، فالظلم الواقع عليهم جاء بمعرفة شخصية منك، ولا يتحرك عسكري أو ضابط أمن أو مخبر أو بلطجي أو مأمور قسم أو لص أو مُقترِض ملايين أو هارب من مطار القاهرة الدولي أو مُحتكر حديد أو مُسمم أرض زراعية أو مستولٍ عليها إلا بمعرفتِك، فأنت الأب الروحي لكل خراب في هذا الوطن الصابر.

لم يحدث من قبل أن تكدست السماوات السبع وأديم الأرض وباطنها بلعنات على زعيم مصري كما هي عليك، ولو سألتَ فقيرا مُعْدَماً أو مظلوما أو مواطنا انتهكوا حُرمَتَه أو حتى جدران قسم شرطة المنصورة أو سيدي جابر أو باب شرقي أو ..... لما سمعت غيرَ اسمِك وخوف إبليس أن يقولوا عنه بأنه وسوس إليك، فالعكس هو الصحيح.

سمعنا بقُرْب تَرَشُحِك لولاية سادسة تنتهي بالاقتراب من عامك التسعين، وهذا الترشح يحمل يقيناً منك بأن أجلـَك غيرُ آتٍ، وأن عشرات الآلاف من جرائمك في حق شعبك لم تراود ضميرَك لعلك تتوب، وأن ذكرياتك تَصُبّ في خانة واحدة وهي الغطرسة والغرور وكراهيتك المقيتة للمصريين.

السيد الرئيس،

ننتظرك في باطن الأرض بصبر نافد، وسينزلق نعشُك ولو سَجَّلَتْ عقيلتُك مِئَةَ حلقةٍ في الفضائيات تقول فيها بأنَّ صحتَك زيّ الفُل، ولن يخرج في جنازتك إلا حفنة من المنتفعين والأفاقين وبعض البلهاء الساذجين الذين يظنون أن للموت حرمة أكبر من حرمة الحياة.

اقرأ مرة أخرى ماذا كتب الناس عن كمال الشاذلي، ثم تخيل يوم يسابق خبرُ رحيلِك الريحَ، فلا تعرف الشبكةُ العنكبوتية غيرَ شهقات وزفرات الملايين الذين يتنفسون الصُعداء برحيلك.

ننتظر أيضا كل الصامتين والمشاركين في تصعيدك فوق رؤوس أبناء شعبك، ولن نفَرّق في باطن الأرض بين عُضو من حزبك وآخر وفدي أو اخواني أو قبطي أو تجمعي أو ضد الترشح أو مع الترشح، فكل من برر جرائمَك أو غضّ الطرفَ عنها أو شارك في اغتيال الشعب المصري تحت قبة البرلمان، مع الحكومة أو ضدها، سيكون جسده معنا قبل أن يقرأ كتابَه في يوم الحشر.

السيد الرئيس حسني مبارك،

تلك هي كلمات مضيفيك من دود الأرض، ولن ننتظر حتى يذوب كفنُك، لكننا سنبدأ فورَ توقف دموع التماسيح من عيون الذين ساروا في نعشك وهم يرتدون نظارات سوداء يُخفون بها حزنَهم على أنفسِهم و.. ليس عليك.

لم تُصَدّق أنك ستموت، وأنَّ شهقةَ الروح أسرع من طرْفَةِ العين، وأن مكانك في باطن الأرض أظلم من زنزانات في أقبية سجون ألقيت فيها آلافا من المظلومين وحَرَمْتَهم من حياةٍ أعطاهم إياها ربُّهم.

مئات المرات ونحن نحلم بوليمة أنت على رأسها، خاصة ذلك اليوم الذي قمتَ فيه بتوزيع أوسمة الاستحقاق على ثلاثة من ضباط الشرطة المتهمين بالتعذيب، واليوم الذي ودّع الحياةَ الشاب خالد سعيد، واليوم الذي قفز أبُ من الطابق الرابع بعدما فشل في العثور على لقمة خبزٍ لأولاده، واليوم الذي نام عجوز بين أيدي طلاب الطب ليتعلموا في جسده النحيل ما لم تُعَلّمَهم كتبُهم في مقابل جنيه لكل طالب، ثم عاد المسكينُ بطعام العشاء لأسرته، واليوم الذي دفن فيه صديقُ ابنِك نفايات الحديد تحت سطح أرض زراعية في دمنهور للتعجيل في تسميم المصريين الذين لم تصل إليهم مزروعات عهد يوسف والي، والتي ظلت عشرين عاما تُسَرّطن أبناءَ وطنك لتسعدك، وتبهجك، وتُثْبِت للشيطان أنه تلميذُك.

السيد الرئيس حسني مبارك،

نحن في انتظارِك حتى لو نشر رئيسُ تحرير أكبر صحيفة قومية بأنك أكلت من شجرة الخُلـْدِ ولم تهبط من جنة شرم الشيخ إلى حيث يعيش المصريون!

ليس للكفنِ جيوبٌ، ومع ذلك فكل دودِ أرضِ مصر الطيبة يريد حضورَ تلك الوليمة الكـُبرىَ التي لم تُصَدّق أنت أنك ستكون ضيفنـَا لأربعين يوما أو أكثر!

أيها الميّت الحي،

لقد بَلـَغَنا نَبأُ تبرئةِ إبليس نفسه من الوسوسة إليك، وقيل بأنَّ لديه ثمانين مليوناً من الشهود على صِدْقِ كلامِه، وهذا يضاعف فرحتَنا بقُرْبِ انزلاق جسدك في تلك الحُفرة الضيّقة التي لن تستطيع منها تجديد ولايةٍ رئاسية أو تعذيب أبناء شعبك.

للمصريين أعيادٌ إسلامية وقبطية ووطنية وقومية، أما يومُ اختفائـِك في باطن الأرض فهو عيدٌ لـَنا و .. لـَهُم.


أوسلو في 17 نوفمبر 2010

Taeralshmal@gmail.com

ردمن الرئيس مبارك على دود الأرض

تسلمتُ رسالتَكم التي يوشي كلُّ حَرْفٍ فيها بتهديدٍ وتخويفٍ ووعيدٍ، ومع ذلك فقد قرأتها وانفَجَرْتُ ضَحِكَاً اِهْتَزَتْ له جُدرانُ قصر العُروبة، وهَرّوَل الجميعُ إلىَ مكتبي فقد ظنّوا بي مَسّاً من الجنون!

لم يَدُرْ بذهني لبُرهةٍ واحدةٍ أنكم قادرون علىَ الاقترابِ من كَفَني، فصديقُ ابني الذي وضع تحت إمْرَتِهِ مليارَ جُنيه لتلميعِه اِنتخابياً يستطيع أنْ يصنع لي مقبرةً من الكريستال البلّوري الذي يحميني منكم كما يحميني عشرات الأطباءِ بعياداتهم المُتنقلة من انتشار أيّ مرض، أو تفاقمه، أو حتى الأوجاع التي يسببها لي.

ثم ما هذا الهراء الذي تتحدثون عنه، وتخلطون ما بين كَفَنٍ مُهتريٍء مَليءٍ بالثقوب يلتف حول مواطنٍ فقير، مُعْدَم، حَرَمَه رجالي من لُقمةٍ تقيم أوده، وبين مقبرتي التي ستقف شامخة بجوار مقابر الزعماء المصريين، لكن أموالي التي جمعتُها بِعَرَقي، وتعَبي، وذكائي ستحميني تحت الأرض، ولن يخيفني ظلامٌ دامسٌ أو دُودٌ جائعٌ يحاول اختراقَ قبري فلا يفلح، ويعود أدراجَه إلىَ الفقراءِ وأكفانـِهم التي تذوب فَوْر ابتعاد حفـّار القبور.

تتحدثون عن توّبتي كما يتحدث المختَّلون عقليًا، والمعاقون ذِهنيّاً، والمتفلسفون الذين يظنون أنَّ ميزانَ العدالةِ في يدي يشبه موازينَهم المطففة رغم أنوفهم!

أعزائي دود الأرض،

تنتظرونني بصبر نافد، لكن مهارة أطبائي تمدّ في روحي تماما كما حدث في ميونيخ عندما تخيل الحاقدون أنني علىَ مرمىَ حَجَرٍ مِنْ الحَجَرِ، وأنه لن يمر زمنٌ غيرُ محسوب لسرعته حتى يتوقف البثُّ الإذاعي والتلفزيوني في مصر ليعلن نبأَ رحيلي، لكنني عُدْت إلى أبناء شعبي أقوىَ من قبل، وأكثر شراسة، وفتحت لحيتان عهدي وأصدقاء ابني مغارةَ علي بابا، وضاعفتُ في سنوات قليلة مَرْضَىَ الكبدِ الوبائي، وأصبح لدينا أكثر من 800 طبيب يقومون بنقل أعضاء من أجساد غير القادرين إلى أجساد أثريائنا لعل أعمارَهم تنافس عُمْرَ نوح، عليه السلام.

شهورٌ قليلة وأحتفلُ بعامي الثاني بعد الثمانين، وأجدّد في ولايةٍ سادسةٍ أكبرَ عمليةِ اِستغفال، واِستحمار، واِستجحاش، واِستنعاج أكثر من ثمانين مليونا من البشر.

قد يذهب بكم الظنُّ أنَّ الوليمةَ التي تنتظرونها يُعَجّل فيها غضبُ المصريين، وتُوَحّد المعارضة تحت سقف الكرامة التي لا تفرق بين مسلم وقبطي واخواني وتجمعي ووفدي وناصري ومستقل، لكنكم تستحقون فعلا الحياةَ تحت الأرض لأنكم تجهلون المشهد المصري المُذَلّ، والمـُهان، والذي صنعتُه لثلاثين عاما، فأصبح صِبْيَةُ الاستبدادِ أكثر َعَدَداً مِنكم.

قرأتُ كلَّ التعليقات علىَ رسالتكم الأخيرة ( رسالة من دود الأرض إلى الرئيس مبارك)، ولم يكن فيها جَديد، فأنا أعرف أنَّ شعبي كُلـَّه يحمل لي كراهيةً لو وزّعها علىَ كُل طـُغاة العالم لأغرَقَتْهم حُزْناً، وكـَمَدا، وأسَفا.

أعزائي دود الأرض،

إنما يبكي علىَ الحُبِّ النساءُ، وأنا أكبر من أن أتسوّل عواطف،َ ومشاعرَ، ومحبة، ومديحاً، بل أصارحكم أنني كلما أمعنت في تعذيب المصريين، وفَتْح أبواب تسميمِهم، وتعذيبِهم، ونهبِهم، واغتصابِهم، زاد الالتفافُ حَوّْلي، وخضعتْ لأوامري كلُّ مؤسسات الدولة، وبَلـَعَ أبناءُ أبطال العبور كرامةَ آبائِهم، واختبأ تلامذةُ رأفت الهجّان في جـِلباب وزير الداخلية، وتحوّل الإعلاميون إلىَ قِرَدَةٍ تقفز، وتضحك، وتكذب، وتبرر جرائمي حتى ظننت أنَّ النهر َالخالدَ سيُغَيّر مجراه ويصبّ في قصوري فقط لأتحكم في مياه الشرب قبل أن يرتشف منها أيُّ مصري رشفةً واحدة .

التوبة كلمة يعرفها فقط الخائفون من الله، والذين يريدون أن يشرق نورُ ربهم في يوم القارعة فيبتسمون وهُم يقرأون كتابَهم الملزم في أعناقهم، أما أنا فلا أكترث لهذا الكتاب الذي يقول الله بأنه سيُخرجه لي يوم القيامة منشورا.

الحياةُ بهجةٌ، وسعادةٌ، ولذةٌ، ومُتعةٌ، وأنا عشتُها طولاً وعرضا مستمتعا بما لم يفعله طاغيةٌ من قبلي.

أتذكر يوم قرأت عن المصري الذي أ لبسه رجالُ أمني ملابسَ النساء، وجرجروه أمام جيرانِه، وأحبابه، ووالدته، فأصابها الشلل.

أتذكر يوم تبجح أحد المصريين أمام مأمور القسم الذي هدده بأن يحرقه، ونام المتهم في سلام، ثم جاء ضابطنا الملتزم بتعاليمي، وصبَّ علىَ جسد الرجل كيروسينا في منتصف الليل، وأشعل جسده النحيل، ولم يتعرض لأيّ عقوبات، فالدولة كلها تحت حذائي، والقاضي الذي تمرد ركله ضابطنا بالحذاء على وجهه، فصَمَتَ أربعون ألف قاضٍ، ونام كل منهم على صوت شخير يشهد بأنه كان نوما عميقا.

أتذكر يوم أن طلب ضابطنا من مصري أن يلعق عضوه الذكري أمام زوجته وأولاده، ولم يتعرض رجل الأمن لكلمة عتاب واحدة، فأنا وحدي صانع هؤلاء و .. هؤلاء، أصنع السوط، وأصنع الظهر الذي أعَرّيه له! أصنع الكَفَّ، وأصنع القَفَا الذي يتمدد أمامه!

أعزائي دود الأرض،

كانت رسالة سخيفة منكم، فأنا باقٍ بذكريات عن فاقة، وآلام، وعذابات، وخوف شعبي، ومرت أمامي في ثلاثة عقود عشرات الآلاف من الكوارث التي لم أكلف نفسي القاء نظرة ثانية عليها، فأنْ يغرق آلافٌ، وأنْ يحترق مثلُهم، وأنْ تطحن المباني الساقطةُ أجسادَ المصريين، وأنْ تصرخ كل ربة أسرة من الغلاء، وأن يبكي كل عسكري شريف وهو يرى حدود فلسطين من غزة مُغلقة لنتيح الفرصةَ لتكسير عظامهم، وأن أبدد ثروة المصريين الغازية والنفطية لتتحرك عجلة الحرب العبرية فيتأدب الفلسطينيون وغيرهم، وأنْ يصاب بأمراض وبائية ثلثُ سكان مصر، وأنْ ينام عشرة ملايين طفل مصري ببطون خاوية بجوار أمهات تتساقط الدموع من مآقيهن التي كادت تجف، وأن تضربنا دول الجوار النيلي على أقفيتنا، وأن تسبق 98بلدا مصر في الشفافية، وأن تتجه الدولة حثيثا لتصبح مثل كاراكاس وريو دي جانيرو وجوهانسبرج في انعدام الأمن، وأن يتحول مجلس الشعب إلى خدم وعبيد يعملون لحسابي، وأن تتراجع السلطة القضائية فترتعش أيدي ممثلي العدالة السماوية على الأرض، وأن أشعل في كل قرية فتيلا للفتنة الطائفية حتى إذا غادرت مصر أسقطتْ ما بقي فيها حربٌ أهلية لا تـُبقي ولا تـَذَر وأن ...

فكل هذا يؤكد لكم، أعزائي دود الأرض، أن التوبة بالنسبة لي عمل لا يليق بتاريخي الذي لو قمت بوزنه مقارنا بما فعله إبليس المغرور الذي ظن نفسه أفضل مني، فإنني سوبر ستار ستقضون زمنا لا نهائيا وأنتم تنتظرونني.

الموت لا يزيد نبضات قلبي نبضة واحدة، وحساب الآخرة لا يحرك شعرة واحدة في جسدي، والخوف من الله وأنا أطحن عظام المصريين لم يمر بخلدي قط، وأنا لن أغادر هذه الدنيا قبل أن أجعل المصريين يزحفون كالسَحَالي فوق بطونهم، ويتمنون تسول طعامهم من أوغندا وتشاد وهاييتي ونيبال و .. الصومال!

أعزائي دود الأرض،

سينفد صبركم سريعا فأنا أحكم المصريين، وهم يتصارعون كالديكة، وكل فرقة تأتيني من خلف ظهر أختها لتؤكد وقوفها معي، واللاهثون لعضوية مجلس الشعب يعلمون أنها مسرحية قميئة عفنة، ففي النهاية يظل القرارُ بيدي، وهم ( سنـّيدة ) وكومبارس لا يختلف أحدهم عن الآخر.

سينفد صبركم لأن الغضب المصري يحتاج إلى قيادة، وإلى معارضة شريفة، لكن مُعارضي نظام حكمي يضعون رئيس الحزب فوق رؤوسهم، ومباديء الجماعة قبل حب الوطن، والمزايدة الدينية والطائفية على رأس أولويات مطالبها.

سينفد صبركم، أعزائي دود الأرض،فروحي بين أيدي أطبا ئي من أركان الأرض الأربعة، وأنا لست مصريا مثل هؤلاء الذين يموتون بالمئات قبل أن يتحرك عقرب الثواني حركة واحدة، ودرجة الغليان موحدة لدى شعوب العالم التي يحكمها جبابرة مثلي، لكنها سبعون ضعفاً أو يزيد لدى المصريين.

هل هناك مصري في طول البلاد وعرضها لا يعرف أنني المتسبب الأول عن كل أوجاع الوطن، وآلام الشعب؟

وبالرغم من ذلك فكلهم يدخلون معارك دون كيشوت ضد الوزراء والمحافظين ورجال الأعمال، لكن المعركة ضدي مؤجلة إلى درجة الغليان التي قد لا تأتي حتى يلج الجمل في سم الخياط.

أعزائي دود الأرض،

تريدونني ضيفا على أمعائكم في باطن الأرض، إذن عليكم اقناع المصريين أن لا يـُمدّوا في عمري، وأن لا يتواطئوا معي ويحسبون أنهم يُحسنون صُنـْعا!

اِئتوني بعشرة آلاف مصري يعشقون بلدَهم، ويخافون علىَ مِصْرِهِمْ، وأنا سأهرب من الباب الخلفي لقصر العروبة في حماية أمريكية إسرائيلية!

اِئتوني بخمسة آلاف مصري قلوبهم معجونة بلـُعاب مَلـِك الغابة، وأنا أقسم لكم أن رجالي، وكلابَ قَصْري، وحيتان عهدي، ولصوص زمن العبودية سيبللون سراويلَهم من الخوف!

أنا حيٌّ لا أموت، طالما كان المصريون أمواتا في صورة أحياء، وعندما تدُبّ الروح فيهم، تهرب مني، وأنزل ضيفا عليكم بعد سحلي في شوارع القاهرة!

تريدونني وليمة في باطن الأرض، إذن فعليكم باقناع المصريين أن الإنسان فيه من نفخة الروح العلوية، وحينئذ لن تكون هناك مقبرة فاخرة ، وأكاليل من الزهور يضعها ابني ومعه رجال عهده في مستقبل جحيمي يجعل المصريين يتحسرون على جهنم زمني.

أعزائي دود الأرض،

إن مهمتي في خراب مصري لم تنته بعد، فانتظروني ست سنوات أخريات، وسيساعدني المصريون، معارضون وغيرُ معارضين، عسكر وأمن ومدنيون ومثقفون وإعلاميون ومفكرون وأكاديميون وحزبيون، فهم ينظرون في كل الاتجاهات، وإذا صوّبوا أعينَهم إليَّ، غضّوا الطـَرْفَ فورا.

في ولايتي السادسة سيكون انتقامي من المصريين أشدّ هَوّلا من كل صور العذاب التي مرَّت عليهم في تاريخهم القديم والحديث!

رسالتُكم وصَلَتْ، لكنكم ظننتم أن أجلي مثل آجال الآخرين، وأنَّ ضميري قد يستيقظ ذات صباح طاهر جميل يبسط جناحيه على سكان وادي، لكنني باقٍ ولو زارني مَلَكُ الموت مرتين في كل يوم.

إن أحلامي في جعل الكوابيس تهيمن على يقظة ومنام كل مصري تمُدّ في روحي، وربما تجعلكم تنتظرون إلى ما لانهاية.

أوهام دود الأرض في استقبالي كتمنيات البلهاء في رحيلي، وأحلام الساذجين في توبتي مثل كوابيس المصريين في عجرفتي، واستجداءات الطيبين في عدالتي كثقة رجالي في قسوتي.

لو انتحيتم جانبا بشيخ الأزهر أو بابا الأقباط أو المرشد العام للإخوان المسلمين أو رئيس حزب التجمع أو رئيس حزب الوفد أو أي شخصية معارضة أو غير معارضة، واستحلفتموهم بكل الكتب السماوية وقيم الخير وحبهم لمصر أن يشهدوا أمام الله وضمائرهم، وأن يستحضروا ثلاثين عاما من حُكمي، وقبضتي الحديدية، وظلمي إياهم، وغيابات السجن التي يختفي فيها حواريوهم ومريدوهم، فإنهم في النهاية سيقفون معي، وسيؤيدون ابني حتى لو بعث اللهُ أنبياءَه يوم الانتخابات الرئاسية، فالنتيجة لن تخرج عن رغبتي، أما الدكتور البرادعي فسيطلب من الشعب الوقوف معه، وليس العكس، ثم يغادر القاهرة لحضور حفل أو اجتماع.

بحثت كثيرا عن معنى الموت، لكن لم يتجرأ أحد ممن حولي حتى الآن أن يحدثني عنه!

ولايزال المصريون بعيدين بُعْد المشرقيّن عن درجة الغليان، فالصدور والقلوب والعقول والضمائر لم تحسم أمرها بعد.

أعزائي دود الأرض،

أستطيع أن أراهن على أن أبعث إليكم في باطن الأرض بنصف سكان مصر قبل أن أنصت لأنفاس مَلـَك الموت وهو يخطو نحوي خطوةً إلى الأمام، وخطوتين إلى الخلف.



خطاب مبارك في مجلس الشعب

 

لـَمْ أتَمَكَن مِنْ الحُصولِ عَلىَ نَصِّ الخِطابِ الرئاسيِّ تحت قُبَّةِ البرلمانِ بمناسبة الدور التشريعي الجديدِ، فَتَخَيَّلْتُ الخِطابَ التالي، ولعلـَّهُ سيكون قريبًا جِدّاً مِنْ النَصِّ الأصلي!


أيها الاخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب الموقر،

أخيراً اِنـْتَهَتّْ المـَسْرَحيّةُ، ولَمْ تَكونوا أكثرَ مِنْ أَحْجَارٍ عَلىَ رُقْعَةِ الشَطَرَنـْج، حَتَّىَ لَوّْ ظـَنَّ كُلٌّ مِنْكُم أَنَّ عَدَدَ الأَصواتِ التي تَفَضَلَ بها أبناءُ دائرتِه ومَنَحوه إياها هي التي ألَْصَقَتْ مُؤَخرتَه بمِقْعَدٍ مُحَصَّنٍ طالما لَمْ أغْضب عَليّكم، وأقوم بِحَلِّ البرلمان!

يُسْعِدُني أنْ أوَجِّه إلـَيّكم الشـُكْرَ الجَزيلَ عَلىَ إِجادَتِكُم اللُعْبَة حَتَّىَ ظَنَّ ملايين من المصريين أنَّ صُنْدُوَق الاقْتِراعِ هو الذي يُحَدد نسبةَ النجاحِ ولو تخللتها بعضُ التزويرات والتزييفات، لكنَّ الحقيقةَ التي تعرفونها جيّداً أنني أنا الذي أُحَدد عددَ المقاعدِ، وأسماء الأعضاء، والنسبة المئوية للمعارضين والأقباط والمرأة.

هل تتذكرون الانتخاباتِ الرئاسيةَ عام 2005 عندما رفض المسؤولُ عن النتيجةِ إعلانـَها قبل أنْ يستأذن القصرَ رغم تصريحه للدكتور أيمن نور بأنه وَصِيْفُ الرئيسِ بنسبة 24%، وفشل رئيسُ حزبِ الغَد في اقناعِه باعلان النتيجة، خاصة أنها جاءت لصالحي بالتزوير المـُجَسَّمِ.

وفي اليوم التالي أعطيتُ توجيهاتي بتخفيضِها إلى 9% لأيمن نور تفَضُّلا مِني، والباقي لي .. صاحب الأمر والنهي في هذا البلد.

أعترف لكم أنني لَمْ أحتقر وأزدري مثلـَكم، فأنتم أكثر عَدَاوة لشعبِكم مِني، وأنتم متواطئون في المشهدِ النهائي للفَصْل الأخير لبلدِكم قبل أنْ تَنـْهار وتصبح نسيّاً مَنْسِيّاً!

كلٌّ منكم يعرف أنه تحتَ قُبةِ الحَرَمِ الديمقراطي لا يمثل غيرَ نَفْسِه، وصياحه، واحتجاجاته، وجعجعته ليتم وضع لافتة ( حلال ) عَلَىَ مقعدٍ حرام، فأنتم منحتموني الشرعيةَ لتدْمير ما بقي من بلدِكم الذي تَسَلمْتُه منذ ثلاثةِ عقود، فكدت أجعله قاعاً صفصفاً تذروه الرياح.

هل منكم من لم يُفكر بتعويض النفقات التي نثرَها لمنتخبيه؟

من أين أتىَ بعضُكم بعشرةِ ملايين من الجنيهات أو أقل أو أكثر في حملةٍ اِنتخابيةٍ تعلمون مُسبَقاً أنَّ المُعارِضَ فيها وغيرَ المُعارِضِ سينتهي كل مِنهما إلىَ لَعْقِ حِذائي حتىَ لو أقسم بأغلظ الإيمانات أنه جاءَ لخدمة الشعبِ والوطن و .. الدين؟

الفارق بيني وبينكم ليس كبيراً، فأنا عدوٌّ ظاهرٌ للمصريين، وأنتم أعداءٌ مستترون لشعبِكم!

تقولون بأنَّ المعارضةَ في مجلس الشعْبِ تَمَكَنَتْ من اِحْباط عشراتِ الآلاف مِن قضايا الفَسَادِ في الدورةِ السابقةِ، وتلك عَبَاطـَةُ لا يُصَدّقها نِصْفُ عاقلٍ، فكلُّ القوانين الجائرة، والظالمة، والحَجَرية، والمُتخلفة مَرًّتْ من بين أيديكم، وأمام أسماعِكم وأبصارِكم.

لو كان كلُّ عُضوٍ من الثمانية والثمانين من جماعة الإخوان المسلمين في الدورة السابقة لصَقَ ظـَهْرَهُ في ظـَهْرِ أخيه لما تمكنتم من زحزحة مجدي أحمد حسين من زنزانة صغيرة إلىَ أُخرىَ أكبر قليلا، ومع ذلك فقد ترَشَّحوا لهذه الدورة، وبَلـَعوا كرامَتَهم فيما أطلقوا عليه (مشاركة لا مُغالبة) التي فرَضتُها أنا عليهم!

الاخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب الموقر،

لو صرختم في كل جلسات مجلس الشعب منذ عام 2005 وحتى تجديد العضوية لأكثرِكم لما تراجع قانونُ الطواريءِ بَنْدَاً واحِداً!

اللعبةُ مُرْبِحة مادياً، والحـَصَانَةُ ليست قوةَ الوَسَاطـَةِ فقط، لكنها حسابٌ في البنك يزداد صِفْراً إلىَ اليمين في كل فترة، تـَطُول أو تـَقْصُر، وِفْقَاً لفهلوة العُضو، لكن مطرقةَ رئيس المجلس التي تسقط علىَ مكتبه، تصيب أيضا رؤوسَكم بالدوار، فهي تعني: اخرسوا فالكلمة الأخيرة للرئيس مبارك.

ثم إنكم تعلمون كما أعلم أنَّ نظامَ الدوائر عقيمٌ، وفاشلٌ، وسقيم، وأن من يُمَثِّل دائرةً صغيرةً لا يُمَثِّل وطناً كبيراً، وأنَّ انتخابات الدوائر تستقطب أصحاب السطوة والمال والقبيلة لتدفع لمجلس الشعب بأرباع أميين لايقرأ أكثرهم صفحة كاملة إلا بشق الأنفس.

أنتم تخالفون الضميرَ الاجتماعي والوطني والديني باشتراكِكم في تلك المسرحية المقززة التي تصيب النفس العفيفة بالغثيان، وكل القرائن تشير إلىَ أنني أحتاج فقط شرعية دستوريةً من تحت قـُبة البرلمان لأُكْمِل ما بقي من تدمير وطنِكم.

لو قامت ثورةٌ تطيح بي وبعائلتي فإنني لن أتردد في فَضْحِ مشاركتِكم لي، وبأنكم علىَ اختلاف طوائفكم، ودوائركم، وأحزابكم أكثر مني خيانة لهذا الشعب الذي، يا لسذاجته، ظن أنكم ستخشون الله، فإذا بكم تتحولون إلى مِدادِ قلمٍ أوَقِّع به علىَ إعدامِ أُمَّةٍ من أعرق أمم الأرض.

أحتقركم بكل ما في نفسي من قرف للنفاق، فأنتم هنا لتجديد ولايتي السادسة أو لرفع ابني فوق رؤوس المصريين في ولايته الأولى!

الذين ترشَّحوا، والذين رفضوا الترَشُّحَ سواءٌ لديَّ، فأنتم متواطئون بالمشاركة، أمَّا هُم فتواطؤهم صَمْتُ الْصَمْتِ.

لو أنَّ امتحانَ الثالثة الابتدائية تم تعميمُه عليكم فلن ينجح مِنكم أكثر من ثلث الأعضاء بسبب نظام الدوائر الهزيل، أما الباقون فلو كانوا من صفوة عُلماء الوطن فإنَّ دورَهم أيضا سيظل التصفيقَ الحادَ أو .. الغيابَ المتعمدَ لتمرير صفقاتِ بيع مصر التي بدأتها عام 1981 ولم أنته بعد.

ألا تخجلون من أولادِكم، وأزواجِكم، وأحبابِكم؟

إنها صفقة شيطانية بيني وبينكم، أغضّ البصرَ عن الكيف، والقروض، والتهريب، والأراضي، وأنتم تـَصُكـُّون وجوهَكم خَرْسًا حتى نمرر قوانين التكميم، والطواريء، وتبرئة أباطرة التعذيب، ومطاردة الشرفاء من المعارضين.

إنها صفقةٌ إبليسيةٌ بيني وبينكم لو رفعتم شعاراتِ وطنيةً ومعارِضة ودينية وأخلاقية، فكل جرائمي قام مجلسُكم بتقنينِها، ودَسْتيرِها، وتشريعِها.

اللعبُ مع الكبار لا يجيده إلا الثوّار، الأطهار، الشجعان، والمخلصون، فهُم الأقدَرّ على الاطاحة بأيِّ طاغية. إنهم في ثكنات الجيش الذي أراقب كل أفراده أكثر مما يفعل المَلَكان عن اليمين وعن الشمال قَعيد، وهم في أجهزة المخابرات وينبغي إبعادُ روحِ رأفت الهجان عنهم، وهم خلايا نائمة تقترب مني بطيئا أو حثيثاً كلما أتيحت لها الفرصةُ إلىَ أنْ يأتي يومُ البيان الأول، وهذا قد يطول حتى يبلغ حفيدي ربيعَه الأربعين!

المقاطعة لا تقل تثبيتاً لشرعيةِ حُكْمي عن الاشتراك، والدكتور البرادعي يطالب المصريين بالمقاطعة، فإذا جاء يومُ الانتخابات فهو فصّ ملح و .. ذاب!

ألف باء السياسة في مصر تعني أنه لو قاطع الانتخاباتِ ثلاثون مليوناً من الأربعين مليوناً فإنَّ النتيجةَ تظل كما أَمَرتُّ أنا بها، لكن التخفيفَ عن رجال الأمن من أهم المكتسبات للمقاطعة الغبية والساذجة.

الآن يمكنكم أنْ تُعِدِّوا أنفسَكم لخمس سنوات أشدّ سواداً من ظلمات قاع المحيط، ففيها قوانين تسهيل الفساد، والعبودية، والاذلال، ومَدّ قوانين الطواريء، وضمان أمن إسرائيل نفطيّاً، وغازيّاً، وجِدَارِيّاً، وحُدوديّاً، ولا تصدقوا من يضحك عليكم ويقول بأن مهمتَكم مناقشة بيان رئيس الدولة، أو التشريع والتقنين، فأنتم أذلاءُ نِعمتي، وعبيدُ كلاب قصري، والمجلس هذه المرة سيكون صُوريّـًا وسوريّـًا!

أما الأولى فتعني أنكم دُمَىَ تتحرك علىَ مسرح العرائس، والثانية أنكم ستنسخون الجلسةَ التاريخية لمجلس الشعب السوري الذي اختار بَشّاراً ليرث حافِظاً!

اللعبُ معي لا يُحقق لخصمي غيرَ الخسارة، وقد استوعب الدكتور البرادعي الدورَ جيداً، وضاعت بسببه أصواتُ ملايين الشباب التي لو سقطت بين يدي مناضل ثائر يشتعل جهازُه العصبي غضباً علىَ نظام حُكمي لكان الأمر ُقد اِنتهى بي، وبعائلتي، وبلصوص عهدي إلى السَحْلِ في شوارع القاهرة.

تـَفـَرَّقَتْ المُعارضةُ الحمقاء، وطلب رئيسُ أحدِ أحزابِها من الأمن اعتقالَ رئيسِ حزبٍ آخر، وافتتحنا خطوطاً ساخنةً بين المعارضين وأجهزة الأمن لتِلَقّي تقارير كوهينية تضمن لصاحبها حَظوةً غيرَ مرئيةٍ لدىَ السلطة في مقابل تسليم يهوذا رقبة سيِّدِه أو زميله أو .. شقيقه!

إنَّ من تظنون أنهم خطوطٌ حمراء في الشرف والنزاهة والكرامة والوطنية، لا يزال أكثرهم يرتجفون خوفا، وفزعا، ورعباً: أعني قوات الجيش والمخابرات والمحامين والقضاة والمثقفين والإعلاميين والمفكرين والطلاب وأساتذة الجامعات ورجال الدين الإسلامي والمسيحي.

بطلُ المصرييين لم يظهر علىَ الساحةِ بَعْدُ، والدكتور البرادعي ليس أكثر من عَدّادٍ للتوقيعات، وهو يطلب ثلاثةَ ملايين توقيع للتغيير، ثم يرسلها إلى سيدِّكم، فأطلب أنا أن يستخدمها المعارضون كورق محارم.

الاخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب الموقر،

لا تتأخروا في تعويض نفقات الحملة الانتخابية فمضاعفةُ حساباتكم في البنوك مكافأة مِنّي علىَ قَبُولِكم لَعِب دور المـُحَلّل في زواجٍ مُحَرَّمٍ بَعْدَ طـَلاقٍ بائنٍ وغيرِ شريف.

المرحلة القادمة ستجعل شعوبَ الأرض تـُشفق على المصريين، وهي لن تكون فقط تفريطا في استقلال مصر، وبيعاً لخيراتـِها، ونهباً لثرواتها، ومرورَ كلِّ ظـَهْرٍ تحت كـُرباج رجل أمن، لكنني أفكر جديّاً في تقزيم المؤسسة العسكرية لئلا تـُهدد في المستقبل جيرانـَنا، وتحجيم المؤسسة الأمنية والمخابرات حتى لا يظن الشرفاءُ فيها أنَّ حماية الشعب واجبهم، وسيكون للبلطجية وللمسجلين خطرين الدور الأكبر في جعل المصري يخشى الخروجَ من بيتِه أو عبور الشارع إلى الناحية الأخرى.

عندما علمتُ بأن مُستخدمي الإنترنيت في مصر ناهز عددُهم الخمسةَ عشر مليونا انتفضتُ فـَزَعاً لبعض الوقت، ثم راجعتُ نفسي واكتشفت أنَّ نصف مليون شاب فيسبوكي غاضب إنْ دعاهم ثائرٌ علىَ حُكمي فلن يصل منهم إلىَ ميدان التحرير أكثر من أربعين شابا أو أقل!

كلٌ منكم أخذ أجرَه علىَ دورِه في مسرحية الانتخابات، فالترشُّحُ في حد ذاته كان أُمَّ الجرائم في حق بلدِكم، وكان الأجرُ يُماثل تأجيرَ قـَتَلَةٍ أو مُرتزقة لاغتيال شخصٍ أو جماعة أو أمة، فحصل حزبٌ علىَ مقاعد بعدما أطاح بصحيفة( الدستور)، وحصل آخر على أقل منها بعدما أصبح أليفا ووديعا وأُنثويًا وصورةً يساريةً تحت حذاءٍ يميني، ولعب مُخَدِّرو ملايين الشباب بشعارِهم الديني لُعْبَةً عَفِنَةً من أجل مصالح آنية،فسقطوا، وسقط معهم تاريخٌ طويل لم يتعلموا منه مقاومةَ الاستبداد، أو حتى الخروج بصدورهم لحماية اِخوانهم المعَذَّبين في أقبيةِ معتقلاتي الأكثر عَدَدَاً من معاهد البحث العلمي.

لا فائدة في الكتابة، والتحاليل، والتقارير، والمقالات، والاتهامات، واِدِّعاءِ الشرف المعارِض، وزعْمِ التـَدَيُّن، وحُب الوطن..

لا فائدة في توجيه الاتهامات للوزراء والمحافظين والكبار وأصدقاء ابني وحيتان عهدي، فكلهم يأتمرون بأوامري، وكل مصري يستغْبِي، ويستعبِط، ويدَّعيّ البلاهةَ فينظر في أي مكان غير الذي أقف أنا فيه، هو متواطيء معي، ومشارِكٌ في اغتيال مصر، ومُجرم بالصمت أو الجـُبْن أو توجيه الأنظار بعيداً عن القاتل الحقيقي.

أيها الاخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب الموقر،

هنيئا للمعارضة الشكلية الضئيلة بينكم، فكل قرشٍ يدخل جيبَها ينحشر طعاما حراماً في أفواه أولادِها، أما خَدَمي الأوفياء من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي فأدعوهم لتمرير أكبر عدد من القوانين التي ستـُنهي العصرَ المصريَّ إلىَ الأبد.

بحثتُ كثيرا عن زعيمِكم، وثائرِكم، وبطلِكم، فلم أعثر عليه، ولعله وَهْمٌ في خيال الحالمين بسقوطي.

ألـْتـَفِتُ حولي في كل مكان فلا أجد غير أقفية تستجدي كَفّي أنْ يصفعها، ووجوه ترجوني أنْ ألطمها، وكبار يتقزمون أمامي، وجنرالات يُخفضون رؤوسَهم في حضرتي، ورجال دين يدعون اللهَ من فوق منابر المساجد والكنائس أنْ يطيل في عمري.

أبحثُ عن مقاومةٍ ولو كانت فِئرانية أو أرنبية تجعلني أشعر أنني أحْكـُم بَشـَرَاً، يغضبون، ويهربون، ويفرّون، ويعودون مرة أخرى، لكن ثلاثةَ عُقود من القهر، والقمع، والظلم اِنْتَهَت إلىَ شيئين يقاوم بهما المصريُّ نِظامَ حُكْمي: الطلب من الله أنْ يقاتلني وَحْدَهُ، وكذلك السُخرية في النكتة والمقال واليوتيوب والقصيدة.

كل المصريين مُشتركون في حفر مقبرةٍ جماعية قد تتسع في عهد ابني لدفن الشعب المصري بِرُمَتِّهِ.

لَمْ أشعر طوال ثلاثة عقود بهذا القرف من المعارضة كما أشعر به اليوم، وأكاد أجزم بأن المعارضة المصرية تتمسك بي أكثر من تَمَسُّكِ المنافقين واللصوص والأفّاقين والمهربين وأباطرة التعذيب!

لو اِتـَحَدَ الوفدُ مع الإخوان المسلمين والأقباط وأتباع الدكتور أيمن نور ومريديي الدكتور البرادعي والأحرار المستقلين والناصريين وشباب 6 ابريل ليوم واحد فقط في انتفاضة أو عصيان مدني أو تمرد أو ثورة شعبية أو اِضراب عن الطعام في شوارع وأزقة وميادين مصر لما بقيتُ في قصري يوماً واحدا، وربما كان الجيشُ سيخرج لحماية شعبِه وأهلِه مني، وستضطر قوىَ الأمنِ المركزي لطاعة أوامر الشرفاء من كبار الضباط الذين كانوا يُخفون كراهيتهم لي!

الآن أنا في انتظار رجل واحد يخرج من بين الثمانين مليونا، ويثبت لي بأن هناك فارسا نبيلا، وشجاعا، وعاشقا لوطنه، ولكن حتى لو ظهر مُنْقِذُ المصريين، ومُخـَلـِّصُ أهلِ البلد من جَبَروتي، فإنَّ المعارضة المصرية ستتسابق لتسليمي رأسه قبل أنْ يقوم رجالي بمقاومته.

وأخيرا أوَجِّه حديثي إلىَ كل قائد عسكري مصري فيه نفخة من روح الله، وثانية من روح الوطن، وثالثة من الشجاعة والنـُبل والفروسية والعبور بعدما استمع لخطابي هذا: هل تستطيع أنْ تنظر في عيون أولادِك، وتحتضنهم، وتُقْسِم لهم أنهم في حمايتك، ثم تذهب إلى فراشِك، وتنام قرير العين؟

من لا يبكي على كرامتِه بعد خطابي هذا فلا حاجة لله في دعائِه، ولا حاجة لأهلِه في صِلة الرَحِم التي تربطه بهم، ولا حاجة لشَرَفِ تُراب أرض مصر أن يمشي عليه!

أيها الاخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب الموقر،

أقترح أن يكون أول قانون تمررونه إلى رئيس مجلس الشعب هو معاقبة كل مصري يزعم أنه رجل في ولايتي السادسة!

الآن دعوني أبصق في وجوهكم مرة أخرى، لكنها هذه المرة نيابة عن الشعب المصري!


محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 30 نوفمبر 2010

Taeralshmal@gmail.com





الحلقة التي أزعجت عائلة مبارك


http://www.blip.tv/file/4458005

 هذا الحديث أجرته معي قناة (الحوار) التي تبث من العاصمة البريطانية وذلك في برنامج ( أوراق مصرية ) الذي يقدمه الزميل خالد الشامي.
كان ذلك في 13 نوفمبر 2010، أي قبل الانتخابات البرلمانية بأسبوعين، ولكن السلطة الفاشية في مصر انزعجت كثيرا، وهددت بحجب القناة، وسلط جمال مبارك صديقه عبد الله كمال رئيس تحرير روزاليوسف ليكتب مقالا في 16 نوفمبر يقول فيه

في مساء يوم السبت أذاعت القناة حلقة من برنامج حواري في إطار نوع من التعامل سوف تقوم به بخصوص الانتخابات المصرية.. واستضافت شخصاً غريباً اسمه محمد عبدالمجيد كان يصلني منه فيض من الرسائل الإلكترونية المجنونة التي تشي بأنه غير متزن ويقدم نفسه علي أنه معارض مصري في إسكندنافيا.. وقد مضي هذا العبدالمجيد في تلك الحلقة في قناة الحوار إلي مدي بعيد جداً.. ليس فقط علي مستوي الدعوه للثورة في مصر.. وإنما وصل إلي حد الشتم حيث كانت أقل كلمة قالها من حيث المستوي المقبول للنشر (وساخة).



والآن، بعد انتهاء الانتخابات الفضيحة، أضع الحديث أمام المشاهدين الكرام الذين تبـْقىَ لهم الكلمة الفصل والنهائية، والتأكد من أن الشتائم التي زعم عبد الله كمال أنني تفوهت بها لم تـَرِدْ على لساني قط.

معركة المصريين الحقيقية مع الطاغية مبارك وعائلته، ما عدا ذلك فهي معارك فرعية لا تؤدي إلا إلى مدّ الروح في هذا النظام الأكثر وقاحة من كل الأنظمة المستبدة في العالم.



حيرتي مع الدكتور البرادعي

يظهر ثم يختفي. يتقدم خُطوة ثم يتراجع اثنتين.يقول بأنه لا يطمح للرئاسة، ثم يشترط علىَ الذئب أن يكون لطيفا مع الغنم، ولا يهشّ بعصاه عليها. يُعارض النظامَ الفاشي ولا ينسى أن يقول بأن الطاغية لطيف ومُهذب وليس بينهما أي خلاف!

يطالب بالتغيير على الطريقة الأوبامية، ثم ينسحب من الساحة خشية الصِدْام مع القصر!

يطلب من الشباب ملايين التوقيعات للتغيير ليُقدمها إلى فرعون كعربون منافسة شريفة على الرئاسة في 2011، لكنه لم يَقُلّ للشباب ماذا سيفعل عندما يُلقيها الطاغية في سلة المهملات!

يطالب بمقاطعة الانتخابات البرلمانية، ثم يغادر البلاد حتى ينتهي سرادق عزاء الديمقراطية المزيفة، وبعدها يعود ليطلب من الذين لم ينصتوا إليه أن يقاطعوا انتخابات الرئاسة إذا لم يستجب الديكتاتور لشروطه.

يحتفظ دائما بمساحة واسعة من التراجع عن مواقفه، ويرى أن منصبَ رئاسة الدولة يقبله، مشكورا، من الشباب، وليس انتزاعَ ثائرٍ من حُكم ظالم.

قوتُه في أننا جميعا نحترمه لخـُلُقِه الرفيع، ولتقدير العالـَم لشهاداته، وجوائزه، وأوسمته، ولسانه العفيف، وتسامحه الفكري، وتشريفه لجنسية بلده، لكنه لا يعرف قوتـَه الحقيقية، ويخاف من التحدي، ويخشى المواجهة، وتـُفزعه أجهزة الأمن رغم أنه لو صاح في وجهه ضابطُ أمن لانتشر الخبر فضائيا، وفيسبوكياً، وإعلامياً، وإلكترونيا بأسرع مما لو حمله عفريتٌ من الجن، أو الذي عنده عِلـْمٌ من الكـِتاب!

وضعفُه في أنه اختار المشي بدلا من الجري، والجري بدلا من اللهث، والحكومة بدلا من الرئيس، والنظام بدون الاشارة إلى الطاغية، لكنه لا يقفز فوق الحواجز، ولا يتحدى أحداً، ويطلب من شباب مصر أن يقدموا إليه كرسي العرش وهو جالس على كرسي المشاهدين.

الدكتور البرادعي يستطيع في ساعة أو بعض الساعة أن يستدعي عشرات من الفضائيات وأجهزة البث ووكالات الأنباء ومئات الإعلاميين، ويشرح كارثة مصر مع مبارك، ويضع العالمَ كله أمام أعفن مشهد لواحد من بقايا الطغاة الذين ينبغي أن تطاردهم محكمة المطلوبين جرائميا، وجنائيا لكل ما أرتكبوه ضد شعوبهم، لكنه يرفض، ويتأخر، ويتقدم، ولا يريد أن يُمَّد يدَه لانقاذ شعبِه الغريق.

الدكتور البرادعي يحاول دائما تبرئة مبارك في كل حوار فيتحدث عن الاستبداد منذ قيام ثورة يوليو، وكأنه يريد أن يقول بأن مبارك المسكينَ ورثَ تركةً ثقيلة عن جمال عبد الناصر ، وكلما ارتفع غضب الجماهير جاءت كلماته للتهدئة، ولِكَسْبِ الوقت، والآن يقترب عام الانتخابات الرئاسية، ولو بعث الله نبياً وترشح أمام مبارك فلن يحصل علىَ رًبْعِ الأصوات ولو ساندته الملائكة.

ومع ذلك فحمدين صباحي يخسر في انتخابات مزورة، ثم يقرر الترشح للرئاسة لكي يمنح الطاغية شرعية حُكمه المستبد بنجاحه في المنافسة، ونفس الأمر ينسحب على الدكتور أيمن نور الذي سيرفض القضاءُ ترشحه بحُجة سنوات السجن التي قضاها خلف القضبان.

ما الذي أصاب القوى الوطنية؟

التحالف الجديد للدكتور البرادعي فاشل قبل أن يبدأ، ومصر لا تحتاج لتحالفات ثنائية حتى لو كانت من أكبر قوتين على ساحة المعارضة.

كل الذين ترشحوا في الانتخابات البرلمانية، الذي نجحوا منهم والذين سقطوا و .. الذين انسحبوا، لا يكترث أكثرهم للشعب المصري، وكلهم، تقريبا، يطمعون في الكعكة المصرية التي أكلت الجزءَ الأكبر منها حيتانُ العهد النتن لصانع اللصوص والمستبدين الصغار وأباطرة التعذيب في السجون والمعتقلات وسارقي اللقمة من أفواه المصريين.

حيرتي مع الدكتور البرادعي قد تتحول إلى خوف على مصر منه، وليس خوفا مصريا عليه!

أخشى أن يأتي الوقت الذي نكتشف فيه جميعا أننا كنا مُغرقين في السذاجة، وأن الرجل جاء، عن سوء نية أو حُسنِها، ليمدّ في عمر الطاغية، ويُحَلل الحرام، ويشرعن دستورية الباطل في الانتخابات البرلمانية و .. الرئاسية!

أنْ نَشُكَّ ونرتاب ونضع كل الاحتمالات خيرٌ لنا من لطم وجوهنا بعدما يقع الفأس في الرأس، ويعلن الدكتور البرادعي أنه تعرض لضغوطات شديدة من أمن الدولة للقيام بهذا الدور الذي يمسكه فيه النظام من رقبته، ويمسك هو العصا من الوسط.

في هذه اللحظات التاريخية التي ستحدد سقوط المصريين أو يقظتهم ينبغي للشك أن يصبح سيد الأحكام، ويجب على كل من يحاول انقاذ مصر أن يفترض سوء النية في كل مُعارِض، فَرْدٍ أو حِزب، فاللعب مع الكبار ليس فهلوة أو اختيارَ أحد وجهي العملة: مَلِك أو ..كتابة!

هل الدكتور محمد البرادعي أخطأ الطريق إلى الكوخ فتوجه إلى القصر؟

هل جاء لينقذنا أم ليحميهم؟

لا أريد ممن يقرأ مقالي أن يُصدر حُكما سريعا وانفعاليا وعاطفيا، ولكن أن يفترض .. فقط يفترض سوء النية، ثم يراجع المشهد المصري بأثر رجعي، وبعد ذلك يعود إلى مقالي ليؤكد لي أنني مُخطيء في افتراضاتي، أو مُصيب في شكوكي!

حتى هذه اللحظة، ورغم وضعي علامات استفهام لا نهائية عن دور البطل القادم على الساحة المصرية، فإنني أحترم، وأقدر الدكتور البرادعي كقيمة علمية رفيعة، وقامة وطنية سامقة في كل المحافل الدولية، لكنني كابراهيم، عليه السلام: أو لم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي!

أعينوني على فهم شخصيات الفصل الأخير في المسرح المصري: هل نصفق للبطل القادم الذي جاء ليسدل الستار أم نبكي حسرة على الوهم الذي جاء لتكملة المسرحية؟

إذا استعان عقلي بالموضوعية، والمنطق، وتسلسل الأحداث فسيخرج بنتيجة تتناقض تماما عما وصل إليه قلبي وفؤادي.

الدكتور البرادعي يرسل اشارات متفرقة ومختلفة في شتى الاتجاهات، ويُلَوِّن كل واحدة منها بلون مختلف عن الأخريات، ويقدم نفسَه لنا في أي صورة نبحث عنه فيها، لكنه لا ينظر في وجه الطاغية، ولا يريد أن تلتقي عيناه بعينيه!

هل الدكتور البرادعي منا أم .. منهم؟


محمد عبد المجيد

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com




 

مقطع من يوميات مواطن قبطي

سهرتُ حتّىَ ساعةٍ مُتأخرةٍ مِنْ مساءِ أمس أمام الإنترنت أتابعُ بِشـَغَفٍ شـَديدٍ عشراتِ المُواقع الدينيةِ والمنتديات، الإسلاميةِ والمَسيحيّةِ، وعندما وضعتُ رأسي عَلَىَ الوِسادَةِ ذَهَبَ الظـَنُّ بي أنَّ الحربَ الطائِفيّةَ ستندلع قبل انبلاجِ فجرٍ جَديد!

بعدما قرأتُ كِتاباتٍ مُقزّزةً في منتدياتٍ ومواقعَ قبطيةٍ، خاصة في دول المهْجَر، بدا لي أنه لن يمُرّ أسبوعٌ أو اثنان حتى يتم اعلانُ دولة قبطية في أسيوط تكون واشنطون وتل أبيب وبعض الدول الأفريقية أول من سيعترف بها!

وعندما انتقلتُ إلىَ مَواقِع إسلاميّة مُشابِهَةٍ لتلك في غَبَائِها وكَمِّ الكراهيةِ الذي يَفيضُ عَلَىَ الشاشةِ الصغيرةِ ظـَهَرَ واضِحًا وجَلـِيّاً أنني سُألّغي مَوّعدَ تَبَرُّعي بالدَمِ، فَدَمُ الكافرِ، الذي هو أنا، نـَجَسٌ، وأنه ينبغي لي أنْ أسْتَعِد لِلَعِب دَوّرِ المواطنِ مِنْ الدرجةِ العاشِرةِ الذي يُجْبِره المُسْلمُ عَلَىَ الاحتكاكِ بالحائطِ وهما يَسيران علىَ الرَصيفِ في اتجاهيّن مُتضاديّن!

قالَ لي والدي وَهو يَتَنَهَدُ كأنّه يَشْهَق الشَهْقَةَ الأخيرةَ بَعْدَما قَصَصت عليه من نبأ متابعات الليل البهيم: ألم أقل لك بأنها لم تعد مِصْرَنا جميعا، فالهلالُ والصَليبُ لا يتعانقان إلاّ في وسائل إعلامٍ يشاهدها المُعاقون ذِهْنيّا، ويديرُها المُتـَخَلّفون عَقْليّاً، أمّا الواقعُ الحَيُّ فَيَحْكيه لكَ بتفاصيِله الدقيقةِ آلافُ الشُهودِ مِنْ نجع حَمّادي والكُشْح والإسكندرية!

والدي لا يَمْتَصّ غَضَبي، ولا يُطْفِيّء نارَ حيرَتي، ولولا التَقَدُّم في العُمْر مع وظيفةٍ مُربحَةٍ حَافَظَ عليها سنواتٍ طويلةً لَكـُنّا الآن نسكُن ضواحي مانهاتن، ونلتقي في كل يومِ أَحَدٍّ في الكنيسة القِبطيّة، ثم نخرج في مظاهرة مُتكاسلة للمطالبة بحقوقِ أقباط وادي النيل!

توجهتُ فوراً لبيتِ عمي، وهو الشقيقُ الأكبر للوالد، ويقطن في منطقةٍ يختلط فيها المسلمُ والقبطي اخْتِلاطاً عجيباً يظن من يحاول التدقيقَ في المشهدِ بِرُمَّتِه أنَّ طرفيّ الهلال امتدّا طولاً وعَرْضاً، وتضاعفا ليصبح التمييزُ بينه وبين الصليبِ أمراً عسيراَ علىَ زرقاءِ اليمامة!

في بيّت عَمّي أعثرُ بسهولة ويُسْرٍ علىَ أُمِّ الدُنيا، فهو رجلٌ مُتسامِح، ووقور، ويختلط بياضُ لـِحْيَتِه بِبَياضِ بَشْرَتهِ فلا تُمَيّز بينهما من مسافة بعيدة.

لا يغضب إلاّ لِمامًا، يراه الأقباطُ منافِحًا عنيداً عن همومهِم، ويعتبره المسلمون واحداً منهم.

يحبُ الاستماعَ لتلاوات القرآن بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ويُنْصِتّ كأنَّ علىَ رأسِه الطيّر إذا كان تجويداً بصوت الشيخ عبد العظيم زاهر، لكنه يُمَيّز أصوات المُقرئين أفضل مما يفعل أيُّ مسلم.

سمعته مَرّةً يُجادل مُسلمًا متعصباً فيقول له عمي بأن القرآنَ ليس كتاب المسلمين فقط، إنما هو جزءٌ من ثقافتي وتاريخ أهل بلدي والمُصَحح المثالي لاعوجاج لُغتي ، ولا تستطيع أيُّ قوة أنْ تنتزعه مني!

عندما رآني هذه المرة كادت الدموعُ تخذله، فبرقت عيناه قبل أنْ تسقط دمعة علىَ وجهه المتسامحِ الجميل، وفهمتُ بأنَّ لواعجَ نفسي قد وصلته قبل أن أنبس ببنت شفة!

هَدَّأَ مِنْ روعي، وطلب منّي أنْ أنتظر قليلا قبل أنْ يُزَيِّف الغضبُ حكاياتي، ثم قال لي بأنه يتفهم تماما كل صنوف الظلم ونحن وَهُمّْ، يقصد المسلمين، نَشرب من نفس المياه، وتظللنا سماءٌ زرقاءٌ، وتدوس علىَ رقابِنا سُلّطَةٌ باغيةٌ، ويصفع أقفيتـَنا ضابطٌ نـَذْلٌ، وتَفْرَغ جيوبُنا في السابع من كل شهر، ورَوَتْ دِماءُ شهداءِ المسلمين والأقباط مياهَ النهرِ الخالد في السويس، ودَمَّرَت قوى الاحتلال علىَ مَدىَ ألفِ عامٍ بيوتـَنا دون أنْ تبحث علىَ سطوحِها عن هلالٍ أو صليب.

ثم أردف قائلا: أعرفُ جيّداً مشاعرَ الغُربةِ في الوطن، وأكاد أسْمَع خلجات نفسِك وأنت تسير علىَ غَيّر هَدْيّ في شوارع بلدِك طارحاً سؤال الهويّة علىَ أحزانِك فيجيبُك رَجْعُ الصَدَىَ بأضعافِه علاماتِ استفهام لا نهائية.

وأكمل: أعداءُ مِصْرَ هُمْ الذين يُصَرّون أنَّ اللهَ مُنْحَازٌ إليهم فقط، وأنَّ الملائكةَ لا تتنزَّل علىَ المسجد والكنيسةِ في الوقت عيّنِه، وأنَّ أصحابَ الديانةِ الأخرى لن يشمّوا ريحَ الجنة أو تشملهم رحمةُ الله.

وختم حديثـَه قائلاً: لا يذهبن بك الظنُّ إلىَ أنَّ لك معركةً مختلفةً عن معارك أشقائِك المسلمين، فنحن نشاركهم التاريخَ والجغرافيا والآلامَ والتخلفَ والتراجعَ، ويسيطر علينا إعلامٌ فاشلٌ، وتهيّمن علىَ الجميعِ قُوَىَ فاشيةٌ تبدأ من القَصْر وتَمُرُّ عَبْرَ التطرفِ والتشدّد والتزمت ولا تنتهي بعالم البلطجية والفسَاد والرِشوة.

وهمس في أذني بصوتٍ خفيض: عندما تنتصر مصرُ في معركة حقوق الانسان والكـِتاب والثقافة والحرية والتسامح، وتلفظ اللصوصَ والمستبدينَ والأوغادَ الذين تقاسموا خيراتِها ..

وعندما يُطِل علينا من شرفةِ القَصْر زعيمٌ عادلٌ، يتَّقي اللهَ في الوطن، ويستشير ضميرَه قبل أنْ يأمر بتغيير كل القوانين الظالمة على جميع المواطنين.

حينئذ ستتهاوى منظومة الشر والتمييز والطائفية، وسيتبرع المسلمون لبناء كنيسةٍ ملاصقةٍ لمسجد حَيِّهم العتيق، وستترشح لرئاسة الجمهورية شخصيةٌ قبطيةٌ يهتف باسمِها المسلمون قبل المسيحيين، وستنزوي في رُكْنٍ قَصِيٍّ الجماعات الدينيةُ، الإسلاميةُ والقبطيةُ، التي تتبارى أونلاين علىَ مكاسب عَفِنَةٍ في معركةٍ اثباتِ شيطانية الآخر.

زال غضبي، واختفت سيماتُ الحزنِ من علىَ مُحَيّا أرهقَهُ أرقُ الليل الطويل في متابعاتٍ بلهاء علىَ النِتّ، وخرجتُ من بيت عمّي استنشق الهواءَ الملوثَ كأنه نسماتٌ نقيةٌ مخلوطةٌ برحيقِ أزهار ربيعٍ يزورنا في كل عام فيجدنا أسّوأَ من المراتِ السابقات.

في الطريق رأيتُ صديقاً أعرفه من مقاعد الدراسة في المدرسة الإعدادية، وكنّا نتبادل الزيارات، ونام في غرفتي عِدة مراتٍ قُبيل الامتحانات، وأتذكر أنني اشتريتُ له في عيد ميلادِه مُصحَفاً أنيقاً فَفَرِحً به كثيرا.

لم أتعرّف عليه للوهلةِ الأولى، لكنَّ لـِحْيَتَه الداكنةَ والتي تغطي نِصْفَ وجهِه الأسفل، وجلبابَه الأبيضَ، وزبيبةَ الصلاة لم تمنعني من استدعاءِ صورته الطفولية.

التقت عينانا، وهممتُ بالتقدم نحوه لمصافحتِه، لكنه لمْ يَمُدّ يدَه، وبدا أننا من عالميّن مُختلفيّن تماماً. بهتتْ ابتسامتُه، وسألتُه مازحاً عن التغييراتِ التي حدثتْ له، فأجاب بأنَّ اللهَ هداه إلى الصراط المستقيم، وأنه لم يَعُدْ يصاحب غيرَ المسلمين الملتزمين، ثم انصرف كأنَّ ميكروبات ستنتقل إليّه مِنّي، وتعلل بحجةِ قُرْبِ مَوّعد صلاة الجماعة في المسجد القريب.

أكملتُ سيّري مُتَرنحًا من هول التفكير في بلدي، وأنا ما بين مُصَدِّقٍ لزمنٍ مَضَىَ، ومُكَذِّبٍ لزمنٍ حاضرٍ لا أفهم منه مَشهداً واحداً.

قرأتُ في العامين المنصرمين عشراتِ الفتاوىَ التي تُحَدّد للمسلم طرقَ التعامُل مع غير المسلمين، ولو جمعتها ووضعت لها عُنواناً لـَما وجدت أكثر دقة من اشهار ِحرب طائفية استخرج المتخلفون أسبابَها، ودوافعَها، ومبرراتِها من بُطونِ كُتُبٍ تَوَارَتْ خَلْف أهل الكهفِ ولو اطَّلَع عاقلُ علىَ فحواها لوَلّىَ منها فِراراً، ولَمُلِيَء منها رُعْبا!

ترتعش خلايا جسدي كلُّها، وأشعر بحنينٍ جارفٍ لزمنٍ يصنعه خيالي، ولا أدري إنْ كانتْ أحلامُ اليقظة تلك أضغاثاً أو هي هلوساتِ عاشق لمصر!

زمن أتساوىَ فيه مع جميع أبناء بلدي، وأحلُم بكل المناصب دون حَجْرٍ عليها، أو مانعٍ صَنَعَهُ أصحابُ المزايدة الدينية المقيتة، فلا خانة الديانة في البطاقة الشخصية تقف عثرةً، ولا الصليب الموّشوم علىَ رَسْغي يجعل من بيده الأمر يفقد ميزانَ العدالة.

اتصلتُ بصديقٍ مُسلم لعلي أبثه أحزانَ نفسي فيواسيني في وطنٍ نسيناه، وتسامُحٍ فقدناه، وتَعَصُّبٍ كاد يدخل رئتيّ المصري مع أنفاسِه، ويخرج منها زَفيراً كأنه نَفْيرُ حربٍ أو تَقَاتُل من أكبر ديانتين سَماويتين.

جاءني علىَ عَجَلٍ فقدْ فَهَمَ من نبرة صوتي حاجتي المُلِحّةَ إليه في وقت تَوَارَىَ أكثر المسلمين خَلْفَ مزادٍ علني يربح الجنةَ فيه الأعلَىَ صوّتاً، والأكثف لِحْيّة، والأكثر اِظهاراً لمظاهر سطحيةٍ حتى لو انفصلتْ عن السُلوك القويم لتوجيهات الله من ملكوته الأعلى.

وضع يدَه في فوق كتفي، وظل يتحدث عن سماحةِ الإسلام، وعن الوطن الواحد الذي مزّقه المتعصبون كما يمزق المـُخْبِرون فراشَ مُواطن عندما يبحثون عن ممنوعات، واستشهدَ مرّاتٍ كثيرةً بنبيّ الإسلام صاحبِ الكلمةِ الأكثر تسامُحاً في تاريخ هذا الدين: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

وأَكَّدَ لي أنَّ كراهيةَ المتشدّدين له لا تقل عن بغضِهم لي، وأنه لا يملك مسلمُ أو قبطيٌّ في مصر شبراً واحداً أكثر من الآخر، ولا تتجذّر أصولُ أيّ مِنّا في تُربة الوطنِ أعمق مما يدّعي صاحبُ الدين الثاني.

مَرَرْنَا أمام مَسجدٍ وقد حانَ وقتُ الصلاةِ، فطلبَ مِنّي أنْ أنتظره في الداخل حتّى ينتهي، فخلعتُ حذائي، وجلستُ في رُكْنٍ بعيدٍ أراقبُ المُصَلّين من أهل بلدي.

بعد خروجِنا قال لي: إنَّ لك حقاً في المسجدِ مثلما لي نفس الحق في الكنيسة، وقد تستريح هنا، وقد أستريح هناك، فلا ينتقص هذا من إسلامي أو من مسيحيتك!

حدثتُه عن الفتاوىَ الفجّة والنتِنة والمتخلّفة والتدميرية التي تدّعي نجاسةَ القبطي، وتحرّم تهنئتَنا في أعيادِنا الدينيةِ، وترىَ أنَّ المسلمَ فقط هو الشهيد، وأنَّ اللهَ مُنحازٌ إلى المسلمِ حتّىَ في مبارياتِ كُرةِ القَدَمِ فَيُنِزْل الرُعْبَ في قلوب فريقِ غيّر الساجدين!

أقْسَمَ لي بأنَّ هذه الفتاوىَ ليست موجهة إلينا، نحن الأقباط، بِقَدْرِ ما هي موجهة للمسلم المستنير المؤمن، وأنَّ المتمسكين بها شبابٌ مُفَخَّخٌ يُدَمّر نفسَه ووطنَه وينتهي أمام اللهِ إلىَ حِسابٍ عسير.

قال لي بأنَّ القرآنَ الكريمَ اشترط لدخولِ الجنةِ أنْ يكون القلبُ سَليماً، أمّا المظاهرُ فهي كما قال هاملت لأمِّهِ في مسرحية شكسبير بأنها الأسهل في الادِّعاء والتمثيل.

قبل أنْ نفترق قال لي بأنه بَكَىَ طوال ليل مذبحةِ نجع حمّادي وهو يتلو ما تيسر من القرآن الكريم، وقرأ الفاتحةَ علىَ أرواح الشُهَداء الأقباط.

استراحتْ نَفْسي تماما، وتأملتُ من جديدٍ معركتَنا مع الظلمِ، واسْتَعَدْتُ في ذاكرةٍ مُنْتَعِشَةٍ تفاصيلَ حَياتي مع المسلمين ومع الاسلام، واستعنتُ بحكايات عَمّي الذي إذا تخاصَمَ جاران مُسلمان الْتَجَئا إليه، فيحدثهما عن محمد والمسيح بدون تفرقة، ويأتي بأدلةٍ من الكِتاب المقدس، ثم يعيدُ تأكيدَها من القرآن، فلا يتبرّم أحدٌ، ولا يعترض أيٌّ من الشهود.

ابتسمتُ ابتسامةً ساخرة تهَكُمَاً علىَ حمقىَ يتصارعون عَلَىَ مَكانٍ في جَنّةٍ لا يملك أيُّ منهم مَفَاتيحَها، ويتقاتلون، ويَسْفِكون الدِماءَ الحقيقيةَ التي أُضيفتْ إليها في الأعوام الماضية دِماءٌ إلكترونية ، وكلٌّ مِّنا يزعم أنه الأقربُ إلى الله كما ظن اِخوةُ يوسف أنَّ وَجْهَ أبيهم يخلو لهم إنْ قتلوا أخاهم!

في المساءِ عُدْتُ إلىَ البيّت كالحاج الذي يعود مُتطهراً كَيَوّم ولَدَتُهُ أُمُّهُ، وتجنبتُ كُليّةً السياحةَ البلهاءَ علىّ الشبكة العنكبوتية التي ينتقل فيها المرءُ من مُنتدىَ إلىَ مَوّقعٍ، ويقرأ مبارزاتِ طواحين الهواء التي يحاول خلالها المسلمون والمسيحيون تحطيمَ معتقداتِ بعضِهم البعض، فكلُّ الأديان والعقائد قابلةٌ للكَسْرِ في عُرْفِ ناقدِ الإيمانِ بتعاليمِها، وبتصديقِ مُسَلَّمَاتِها وثوابتِها.

لن أتابع بعد اليوم معاركَ دون كيخوت الدينية، فقضيّتي هي اتساعُ نِطاق الفساد والظلم والنهب والاستبداد في بلدي، ولا يهمني أنْ تعتنق كاميليا شحاتة ديناً جديداً مع صباح كل يوم، فهمومي ينبغي أنْ تكبُر، وأنْ أدافع عن آلاف المنسيّين في السجون والمعتقلات، وأنْ أنضم كقبطي إلى مُعارضة الديكتاتور ، فمن يظلم أبناءَ دينِه لا يتوانىَ عن انزال الظلم بأصحاب العقائد الأخرى.

حزينٌ أنا لمعْرَكةٍ غيرِ مُتكافِئَةٍ، فأخي المسلمُ لا يستطيع أنْ يطعن في المسيح، ولا يمسّ لسانُه مَريمَ العذراءَ بسوءٍ فالقرآنُ أكَّدَ علىَ أنَّ اللهَ اصطفاها على نساءِ العالمين، أما اخواني في العقيدة، خاصة في منتديات المهجر القبطية، فيطعنون في نبيّ الاسلام وزوجاته وشَرَفِهِ، وينقلون عن المسلمين الجُدُدِ المتعصبين والمتخلفين حكاياتٍ من كُتبٍ مُتْرَبةٍ صفراء فاقع لونها.

أشعر ُبِسَعادةٍ بالغةٍ فالإسلامُ جُزْءٌ من ثقافتي وهويّتي وتاريخي وحياتي وطفولتي، رغم أنني قِبْطيٌ حتّىَ النُخاع، ومعركةُ المسلمين المستنيرين والعقلانيين ضد قوىَ التشدّد والإرهاب والتكفير هي أيضا معركتي، وإذا انتصر العقلُ، وارتفعت رايةُ الديمقراطية، وانهزم الطاغيةُ وأعوانُه، وتغيّرت قوانينُ التميّز الطائفي، فأغلب الظنِّ أنَّ حُقوقي كقبطي ستتساوىَ مع حقوقِ أبناءِ بلدي المسلمين.

أشعرُ بالقَرَفِ والغَثـَيان من هؤلاءِ الذين يُلصِقون أعينَهم علىَ الشاشة الصغيرة، ويُهينون عقائدَ الآخرين بِحُجّة مُقارنةِ الأديان، فالمقارنةُ لها رجالها، وأكاديميوها، وعُلماؤها، وكُتُبها المتخصصة،

أتمنّىَ أنْ يصبح كلُّ قبطي في مصر مُعَارِضاً، ومهموماً بالسياسة، ومُدافِعاً عن أبناءِ بلده، وأنْ يعتبر اعتقالَ الأمن لعُضوٍ في جماعة الإخوان المسلمين أو سلفي أو مستقلٍ ومُلتزم دينياً لا يختلف عن اعتقال قبطي يجهر برأيه.

أتمنّى أنْ يَسْحَبَ قَدَاسَةُ البابا شنودة تأييدَه، الضِمنيَّ أو الصريحَ، لجمال مبارك، فالأقباطُ سيعيشون في عَصره جَحْيماً أشدّ سَعيراً من زمن والده.

وأخيراً أحلُمُ باليوّمِ الذي لا يَسّأَلُني أَحَدٌ عَنْ اسْمِي الثـُلاثي ليعرف إنْ كنت مُسلماً أو مسيحياً، فأنا مصريٌ، وهذه بلَدي، وإذا غَرَقَتْ مصرُ في مستنقعات الطائفية فلن تنفعنا حواراتٌ وجدالات وانتقالُ الواحِدِ مِنْ دينه إلىَ دين الآخرين، وسيحتفل الشيطانُ حينئذ بانتصارِ ذَكَائِهِ عَلَىَ غَبَائِنا.

وسلامُ اللهِ على مصر.

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 18 أكتوبر 2010

Taeralshmal@gmail.com

روح العرب تصعد في فرانكفورت

 

 

الخوفُ هو الموّتُ غَيّرُ المـَرّئيِّ الذي لا يشعُر به المرءُ، بَل إنَّ الخائفَ قد يَموت في كلّ يومٍ عِدّة مَرّاتٍ دون الإحساس بأنَّ روحَهُ تَصْعَد، ثم تعود، ثم تصعد ...

معرضُ فرانكفورت الدولي للكتابِ تظاهرةٌ ثقافية تتبارى فيها شعوبُ الدنيا لتعرض ما لديها، وما أنتجته عقولُ أبنائـِها، وما أخرجته تروسُ مطابعِها.

كتبٌ، مطبوعات إعلاميةُ، ثقافية، علمية، تعليمية، و.. فكرية .

كتب صوتية، خرائط، فنون، أفلام، وثائقيات، أجنحة يتنافس في إبداعها الفنانون، والرسامون، والديكوريون، فلا يتركون شِبْراً في الجناح خالياً، فتفيض أضواءٌ قوية، وملونة على الرفوف بزوايا مختلفة فلا تملك إلا أنْ تدخل الجناحَ، وتتصفح كتباً بلغاتٍ قد لا تعرفها، وتتمنىَ أنْ تقرأ هذا الكتابَ الياباني، والصيني، والماليزي، والإندونيسي، والسلوفاكي، والإسباني الذي أخرجته من أجلك دور نشر أرجنتينية، ضيفُ الشرفِ في المعرض هذا العام.

الثقافةُ هي خَطُّ الدفاعِ الأوّل عن أيِّ أُمَّةٍ، والأمةُ التي تهجر الكتابَ تفتح ذراعيها لمن يُهَيّمِن عليها، أو يدوس فوقها، أو يحتقر تاريخَها وماضيها وحاضرَها حتى لو تغنّت في كل أجهزةِ إعلامِها بزمن أجدادها وأصالة جذورها!

حتى الدول الفقيرة في العالـَمِ الثاني الذي يـَمُدّ له العالمُ الأول يَدَ العَوّن ليلحق به، كانت الأجنحةُ تحتضن الكتابَ، فهو هويّة الأمة، وفخرُها، وعِزُّها، والخَطُّ الوحيدُ المستقيم لمستقبلٍ مُشرق.

إلا العالم العربي الذي كان ثُلـُثُه نائِمًا فتسمع شخيرَه في كل رُكنٍ يُغَطّيه إعلانٌ عن مَعْرض الكتاب. والثلثُ الثاني غائِبٌ عن الوعي، فالأحضانُ والقـُبلات والابتسامات والضحكات في قِمة سِرْت ستجعل أعضاءَ لجنةِ جائزة نوبل للسلام يحتارون فيمن يستحقها من ثلاثة وعشرين زعيمًا، وأبنائِهم، وأحفادِهم!

أما الثلثُ الثالثُ فقد كان مَيّتًا نِصْفه حياة، والصفّ الطويل الذي يحتله عَرَبُنا يشبه بعضَ المقاهي المـُتراصة التي ينشغل أصحابُها بأجهزة موبايل أسقطها العالـَمُ الأول في حِجْرِ العالـَمِ الثالث فَفَرحنا بها كفرحةِ يوري جاجارين عندما صَعَد بمركبته إلى الفضاء ورأىَ الكرةَ الأرضيةَ التي مايزال بعضُنا يظن أنها مَسَطّحةٌ وتقف علىَ قرنيّ ثور!

الدنيا كلُّها كانت تحتفل بالكتابِ في أهَمّ مَعْرض لخيرِ جَليسٍ في الزمان، إلا أبناء لـُغة الضاد، ولو اعتذر المتواجدون لكان أشرفَ لهم من حضورٍ متكاسلٍ، باهتٍ، يخجل منه زائرون ظنوا أنَّ جزءًا مِنْ ميزانيات أجهزةِ الأمن والسجون والمعتقلات يمكن أنْ تقوم بتلميع السوّطِ والزنزانةِ و .. القضبان!

الكتابُ صناعةٌ وفَنٌّ وفِكْرٌ، أما في عالمِنا العربي فهو حِبـْرٌ وورقٌ و .. كماليات!

سألتُ إحداهُنَّ في دار نشرٍ عربية تعرض كُتُبـًا مُتْرَبَـًة، وقادمةً من مخازن عتيقةٍ في سفارةٍ عربيةٍ عن السبب في أنَّ مُعظمَ المعروض روايات مصرية قديمة، وباللغة الإيطالية، فأجابتْ بأنها لم تلاحظ ذلك!

موظفٌ في وزارة الثقافة العراقيةِ سألْتُه عمّا فعلوا بالكتبِ التي ذُكر فيها اِسْمُ صدام حُسين في المقدمة أو الاهداءِ أو ثنايا الكِتاب، فقال لي بأنَّ الوزارةَ تمنع عرضَ الكُتب العراقية المطبوعة قبل عام 2003، ثم أردف قائلا: إنني كعراقي فخورٌ بأنَّ رئيسَ الوزراء نوري المالكي قضىَ تمامـًا علىَ الطائفيةِ، وأصبحنا نتمتع بأمنٍ ومساواةٍ لا مثيل لهما في مكان آخر، ولا تعرف في العراقِ الفارقَ بين الْسـُنّي والشيعي!

جناح ( الأهرام) يعرض كُتبـًا شاهدتُها منذ أنْ بدأت القراءةَ الجادةَ، أي لخمسين عامـًا خَلـَتْ! والشيءُ الذي لا يخلو منه مَعْرضٌ للكتابِ المصري هو ( حول العالم في 200 يوم)، رغم أن مئات الآلاف من الشباب العربي والمصري تفوّقوا على أنيس منصور في مغامراته الجول فيرنية، بل إن ابني ناصر( 11 عامًا) قام بمغامرات في بلاد أكثر مما فعل صاحب الذين هبطوا من السماء عندما نشر عن المئتيّ يوم حول العالم!

كانت معي أسطوانة سي دي عليها كتابي الحادي عشر ( قلمٌ في عيون الطغاة – كتابات بالخط الأحمر)، وكنت أعرف مُسبقا أنه لا يمكن لأي دار نشر عربية أن تقبل الكتابَ، تمامًا كما حدث في زيارتي السابقة للمعرض.

عندما تتحدث مع صاحب دار نشر عربية فإنَّ عينيه تلمعان، ثم تظهر في العين اليمنى صورةُ زعيمِ بلده، وفي اليسرىَ صورة ضابط في أمن الدولة.

إذا كان الناشرُ بمفرده، وتسلل اطمئنانُه إليك لفؤاده فإنه يؤيدك، ويدْعمك، ويتعاطف معك، ويصب اللعناتِ المتلاحقةَ علىَ حكومتِه وأجهزة الأمن،باستثناء ثلاث أو أربع دول عربية!

أما إذا كانوا عِدةَ أفراد فسيتسابقون في الدفاع عن النظام حتى لتظن أنهم جميعا يُخْفُون رتَبَهم الشـُرّطية تحت أكتافِهم!

في دور النشر العربية يظل الخوفُ من السلطة سَيّدَ العَرض، والكتاب السياسي الذي تشُمّ منه أجهزةُ حماية الزعيم رائحةَ تمرد أو عصيان مدني أو غضب أو عدم رضا ليس له مكانٌ ولو كان صاحبُ دار النشر أسدَاً يزأر، ويُقسم لك أنه ينام مِلء َجفونه حتى لو أيقظت طرقاتُ زائر الفجر ومخبروه على بابِ سكنه الجيرانَ و .. جيرانَهم!

القصرُ يؤكد لك أنْ لا مانع من نشر كتبٍ أدبية، وروايات، وأشعار، ونقد لاذع في الفنون، ويمكنك أن تـُغرق المكتبات وأجنحة المعارض بكتبٍ دينية، إسلامية ومسيحية، شريطة أن لا توقظ الوعيَ بحقوق المواطن، ولا تربط حقوق الإنسان على الأرض بأوامر السماء!

في الجناح اللبناني الذي يعرض لعدة دور نشر سألتُ المسؤولَ ومن معه عن امكانية نشر كتابي، فأكد لي أن لا حدود للحرية في بلد الأَرز، وأن لا رقابة على الكتاب في موطن الكتاب، فالكلمة المطبوعة هي بيروت.

وبعد حوار أطلعته على فحوىَ الكتابين الثامن والتاسع ( قمت بتوزيع كميات كبيرة منهما مجانا)، وقرأتُ له عناوينَ فُصول الكتابِ المطلوب نشره، اعتذر لي بأن هناك رقابةً ذاتية، ومصالح مادية في كل الدول العربية، وتعاون أمني بين كل عواصم أمتنا العربية الواحدة!

عرضتُ الكتابَ علىَ مسؤولِ جناح الجامعة الأمريكية بالقاهرة، رجل ألماني مثقف، ويتحدث الانجليزيةَ بطلاقةٍ ويعرف بعضاً من العربية، وكان في انتظار الدكتور علاء الأسواني.

رفض رفضاً قاطعا بحجةِ أنَّ الكتابَ ستتم مصادرتُه فور خروجه من المطبعة، ولو طبعته الجامعة الأمريكية في الخارج فلن يعرف طريقَه إلى عاصمة أم الدنيا. وكان الرجلُ يعرف تفاصيل المشهد المصري المؤلم، لكن ما باليّد حيلة!

مسؤولة في الجناح الماليزي الحكومي والذي يعرض كُتبا كثيرةً مترجمة من العربية ولغات أخرى، أكدت لي أن هناك تعليماتٍ مُلـّزِمة بعدم نشر كتبٍ تستفز الأنظمةَ العربية، فكل الممنوعات يمكن التسامحُ معها إلا الرأيّ الآخر المكتوب، فالزعيمُ العربي علىَ استعداد لقطع العلاقات مع الأسرة الدولية كلها، واعلان الجهادِ، على طريقة ملك مُلوك أفريقيا ضد سويسرا، مواجِهًا كل من تسوّل له نفسُه اعتبارَ الكتاب أقل خطرا من المخدرات و .. الارهاب!

زعماؤنا العرب يصكّون وجوهَهم، ويضعون أصابعَهم في آذانِهم، ويُغلقون عيونـَهم إذا حلـَّقَتْ طائرات إسرائيلية فوق القصر الجمهوري في دمشق، أو تجسس الموسادُ على طائرة الرئيس المصري، أو اغتالت أجهزةُ أمن الدولةِ العبريةِ قياداتٍ فلسطينيةً في ضيافة تونس الخضراء، أو تنصتت علىَ مُكالمات زوّار المملكة الهاشمية والمقيمين بها، أو امتصت التعويضاتُ عَرَقَ الليبيين في مقابل غضّ الطرف عن جرائم العقيد، أو انفصل جنوبُ السودان قبل اختطافِ البشير لمحاكمته في لاهاي ، أو .. الخ

أما الكتاب فهو وسيّدُ القصر لا يلتقيان، ومن أراد من الصحفيين والكُتّاب والمثقفين والمفكرين أنْ يأمن غدرَ وليّ الأمر فعليه أنْ لا يقترب من الخط الأحمر، أي الحديث إلى الناس عن حقوقِهم، وعن السجون والمعتقلات والكرامة و.. أسرة الزعيم.

غيابُ العرب عن معرض فرانكفورت الدولي للكتاب لم يكن مصادفةً، لكنه كان احتقاراً، وازدراءً من أنظمتنا العربيةِ لهذا المهرجان الثقافي الدولي، فالكِتَابُ لا يعنينا في قليل أو كثيرٍ، وهو آخرُ اهتمامات المواطن في بيته، والأمةُ التي يقرأ أبناؤها لا يستحمرها طغاة، ولا يستغفلها فراعنة، ولا يستجحشها مُستبدون، ولا ينهب خيراتـِها لصوص.

أكاد أَبْكي حُرقةً، وألـَمَاً، ووجعاً، وأسفاً علىَ تلك الخسارة الفادحة في مثقفي عالمِنا العربي، وفي أصحاب قلم بلاط صاحبةِ الجلالة السلطة الرابعة، وفي دور النشر والمطابع والمكتبات، فهذا الغول الذي صنعناه، ثم جعلناه رقيباً على قلوبِنا وعقولنا ما كان له أنْ يعيش، ويُعشعش عَفَناً أخضرَ فوق أقلامِنا لولا طغيان الرقابة الذاتية على سوط الأمن الخارجي فوق ظهورنا!

غاب العربُ عن فرانكفورت، أو ماتوا، أو فقدوا الوعيَّ، فالنتيجةُ في النهايةِ واحدة، وإذا عاد الكتابُ إلى أرفف بيوتِنا فإنَّ أعمارَ طـُغاتِنا ستقصر، وأحلامَ أبنائِهم في التوريث ستتبخر!

بلغ حُزني في المعرض مداه مرتين: الأولى على غياب ثلاثمئة مليون ضادي لا يعترفون بأن كلمة ( اقرأ ) موجودة في قاموس لغتِهم، والثاني على ارتعاشة أيدي أصحاب دور النشر الذين يساندون طغاتـَنا في جعل الخطّ الأحمر أقرب إلى قلوبـِهم من مكتب الأمن العام.


محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 13 أكتوبر 2010

Taeralshmal@gmail.com





برقية عاجلة للدكتور البرادعي


هل رأيتَ جرّاحًا يدخل غُرفةَ العمليات، ثم يُشعل سيجارةً، وينفث دخانـَها في الهواءِ وهو يتأمله، والمريضُ يصرخ من الألمِ، ويبكي من الوجعِ، ويصيح من اليأس، ثم يطلب منه الجرّاحُ تفويضًا مُوَقـّعًا لتقديمِه إلىَ إدارة المستشفى لكي تجيز له القيامَ بالعملية؟
رائعٌ جدًا أنْ تغضب لحـُرمةِ أسرتِك، ولشرف ابنتـِك، لكن الأروعَ أنْ يحترق جهازُك العصبيّ لشرفِ أمةٍ من أعرق أمم الأرضِ يغتصبها أمامك، وفي كل لحظة، أحَطّ المخلوقات، وأسفل الطغاة، وأنذل لصوص عرفهم تاريخُ مصر.
الشائعات الفيسبوكيةُ الجبانةُ التي أطلقها كلابُ النظام كانت شوكةً صغيرةً لجسّ النبضِ، أما هدْمُ المعبدِ علىَ مَنْ فيه فهو مؤجَلٌ إلىَ حين، ومبارك الطاغيةُ لا يمزح، وكان ينبغي لك أنْ تَدْرُس تجربةَ الدكتور أيمن نور، ثم تعرّج على شراسةِ النظام مع مجدي أحمد حسين، وحتى تجربة الدكتور عبد الحليم قنديل الذي اختطفه الأوغادُ لتلقينه درساً في الصحراءِ، فالكبارُ لا ينزلون ساحةَ المبارزةِ كالفرسان النُبلاء، لكنهم يفترسون كالذئابِ المسعورة.
أنْ تطالب الشعبَ بعدم الذهابِ إلى صناديق الانتخابات البرلمانيةِ فهو أمرٌ هـَيّنٌ لأن عصابةَ التزييف والتزوير قادرةٌ علىَ الإتيان بصناديق جاهزةٍ، ومختومةٍ، ومغلقةٍ بالشمع الأحمر كأنها كانت في أحضانِ أعضاءِ لجنةِ الرقابة.
أنْ تطالب الشعبَ بمقاطعة الانتخابات الرئاسية فسيفتح العفريتُ القمقمَ بنفسِه، وسيخرج لتقديم مبارك أو ابنه للعالم كفائزٍ وحيدٍ بعد خروج مليونين أو ثلاثة ملايين من المغيَّبين من شبيبةِ الحزب الوطني الحاكم يهتفون بالروح والدم للطاغية الكبير أو .. الصغير!
أخاف عليك من مُصارعة الضباعِ، وأخاف على شعبـِنا من ثقتك الكبيرة بأنَّ التغييرَ قادمٌ لا محالة، فالجائعون قادرون على الصبر عقدين آخرين لو وضعتَ في أفواهِهم فِتاتَ طعامِ لصوص الوطن.
لكن كلَّ الدلائل تـُشير إلى اكتمال أعفن عمليةِ نقل ملكية وطن من ديكتاتور إلى ابنه بدعم أمريكي إسرائيلي شريطة وقوف مبارك مع واشنطون وتل أبيب في الحرب القادمة، وفي الحقيقةِ فإنَّ طاغيةَ مصر لا يحتاج إلىَ شروطٍ لأنه يَعْرض خدماته علىَ قوَىَ الاستعمار كما كان المتعاونون يعرضونها بالتبرعِ لتسليم الوطنيين أو الابلاغ عنهم.
وحتى لو وافق مبارك على التغييرات فالأمرُ يحتاج لأكثر لعامين من المداولات، وموافقة مجلسي الشعب والشورى، ثم الدعوة لاستفتاء، واللعب في الوقت الضائع وحينئذ يكون الطاغيةُ الصغيرُ قد خـَدَّر الشعبَ ببعض القوانين المُسـَكـِّنةِ للآلام، ثم يتضاعف رجالُ الأمن ليبلغوا مليونين أو أكثر.
لم يبلغ نبضُ الشعب درجةً من الوضوح والعـُلُوّ كما حدث منذ وصولـِك للمرة الأولى، وإذا خُضتَ بالمصريين البحرَ لخاضوه معك ولو غرق أكثرهم، لكنك كنتَ، ولازلت، تتحرك بقوةِ دفع مؤيديك حتى عندما اعتذرتَ عن اللقاءِ في الولايات المتحدة مع الجالية المصرية، ثم وافقت علىَ مَضَض، وفي لندن اشترطتَ أنْ لا تكون قاعةُ لقائـِك بالمصريين كبيرةً، وأن لا توَجَّه الدعوة لوكالات الأنباء والفضائيات.
الآن أعطاك مبارك، الذي تقول عنه بأنه لطيف ومُهذب ولا توجد معركة بينك وبينه، الإشارةَ الأولى، بالضرب تحت الحزام والتعرض لشرف أسرتـِك، لعلك تستعد لخوض اللعب مع الكبار، والمرة القادمة ستكون بحجم الدكتور محمد البرادعي، أي ربما تصفية جسدية من مختّل عقلي ( أي مرشد أمني أو مُسَجَّل خَطر)، وربما فضيحة أخلاقية فأوغادُ مبارك ماهرون في تلفيق قضايا التزوير.
لأول مرة أسمع منك كلمةً تثلج صدري وهي عن تهديدِك بأنك إذا حرَّضتَ الشارعَ المصري على العصيان المدني فستكون الأولىَ والأخيرة، وقد وضعَتْكَ هذه الكلمةُ في مواجهة النظام الذي لم يكترث لملايين التوقيعات، ولم تتحرك شعرةٌ في رأسـِه لمـَطـَالبـِك السبعة.
عزيزي الدكتور محمد البرادعي،
خصومُك هؤلاء أشرس من كلابٍ مفتِرِسة، ومبارك ليس له عَهْدٌ أو ذِمّة أو ميثاق أخلاقي، وينبغي أنْ تقفز الآن، وليس غدًا أو بَعْدَ غـَدٍ، علىَ كل المراحل السُلحفاتية التي تحرقك على المدىَ الطويل، وتستنفذ خلالها طاقةَ مُحبّيك، وتفلت منك المبادرةُ لو انفجرتْ الجماهيرُ لاسبابٍ أخرى خارجة عن إرادتـِك أو تخطيطـِك.
لا تجعل ثأرَك مع الطاغيةِ من أجل ابنتِك الكريمة فقط، فكلُّ مصري شريف له ثأرٌ مع مبارك، ولا تنتظر رَدَّ الفعلِ النهائي فاللعبُ معه ليس قائمًا علىَ قواعد أخلاقيةٍ يعرفها النبلاءُ، فَهُمْ ثـُلّة من الأوغادِ واللصوص والقـَتـَلة.
كما أنَّ الشعبَ معك فَثِقْ بأنَّ شعبـَنا المصريَّ يمكن أنْ ينقلب عليك بيّن عشيةٍ وضُحاها، فالذين خرجوا من أجل عبد الناصر، استقبلوا السادات لدىَ عودته من زيارة فلسطين المحتلة، وبعدها بعدة سنوات رفضوا الخروجَ في جنازتـِه عقب اغتياله في السادس من أكتوبر 1981!
الجماهيرُ عمياءٌ في كل عصر ومكان، وهي تلعن من كانت قبل نصفِ ساعةٍ تفديه بالروح والدَم، والذين وقفوا أمام شـُرفة قصر نيكولاي تشاوشيسكو في العاصمة الرومانية بوخارست يصفقون له هم أنفسُهم الذين مزّقوا حبالـَهم الصوتية وهم يصرخون بسقوطـِه في نفس اللحظة، و .. عيّن المكان!
الجماهيرُ لك وعليك، والشبابُ المتحمسُ لطـَرْق الأبوابِ من أجل توقيعاتٍ لتثبيت موقفـِك، سيخرجون عن بِكرة أبيهم بطالبون بطردِك من مصر إذا حرَّكتهم آلةٌ إعلامية جهنمية تنشر قصةً خياليةً محبوكةً، ومضافًا عليها تحبيشات دينيةٌ مقدسة!
أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية وبعض أصدقاء النظام في الشرق والغرب يعملون على مَدّ روحِ نظام الطاغية، تمامًا كما فعلوا مع معظم طـُغاة العالم، لذا فالوقتُ ليس في صالحِك بالمـَرّة، حسبما أرىَ، وقد تكون ثقتُك الزائدةُ في الزمن لك أو عليك!
أما احراقُ المراحل كما يفعل كلُّ الثوار الذين انتصروا فهو الكَيُّ النهائيُّ والمفاجيء للاطاحة بأفسَدّ عائلةٍ حكمت أرضَ الكنانة منذ أنْ انتصب أبو الهول ليحرُس الأهرامات والتاريخَ ويُطِلّ علىَ المستقبل.
عزيزي الدكتور محمد البرادعي،
لا تنافس مبارك أو ابنـَه في انتخابات هزيلةٍ أنت أكبر منها، ولا تقف مُنتظِرًا صناديق الاقتراع في دولة غَرَسَ طاغيتـُها في كلِّ شِبْرٍ منها فسادًا ورِشْوة واحتيالا، ولا تنتظر أنْ ينحني الديكتاتور لمباديء الديمقراطية.
ربما يلجأ مبارك لأحد الحلول اللأخلاقية وذلك باشعال فتنةٍ طائفية تتناثر إثرَها أشلاءُ ضحايا المسلمين والأقباط، ليعلن أنه الوحيدُ القادرُ علىَ حماية الوطن من الحرب الأهلية أو التفتيت الطائفي، وربما يأمر أجهزةَ أمْنه بتلفيقِ تُهـْمَة قلبِ نظام الحُكم لعدةِ مئاتٍ من رموزٍ وقياداتٍ وطنيةٍ مصرية، أو يقوده الفكر ُالسَلطويُّ العفن إلىَ تفجير في أحد الأماكن الشعبية أو السياحية، فتخرج الجماهيرُ المغيَّبة تطالب بالثأر من أعداء الوطن الوهميين، ويصبح قانونُ الطواريء سيّفا علىَ كل حُلْمٍ مصري يفكر صاحبُه في الاطلالةِ على مستقبل مُشْرق لأم الدنيا.
لا أعرف ماذا يقول لك مستشاروك، ولا أفهم سببًا واحدًا لخطواتـِك التي تجعل الزمنَ بطيئًا وتراه أنت يجري، أو تجعله يقف فتظنه يلهث!
لا أشك لحظةً واحدةً في أنك تحب مصر حُبّاً جَمّاً، ولكن من يعشق فعليه أنْ يُصغي جيّدا لدقاتِ قلبِ مَنْ يهيم به صَبابة وعِشْقًا، فقد تكون ضربات قلبٍ يبادلك الحبَ، وقد تكون دقات قلبٍ مُعْتَلٍّ قبل أنْ يتوقف.
وأخيرا فالأمرُ في النهايةِ بين يديك، والفرصةُ لقيادةِ شعْبٍ لا تتكرر مرتين.


محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 11 سبتمبر 2010
Taeralshmal@gmail.com

مناقشة البيان النهائي للاطاحة بعائلة مبارك


لـَمْ تهاجم جسدي من قبلُ رعشةُ فزعٍ علىَ مصر كما تفعل بي هذه الأيام، وأخشىَ أنْ تتحول الدموعُ، حقيقة لا مجازًا، إلى دماءٍ حقيقيةٍ، فَلَمْ يحدث خلال كتاباتي القاسية والمباشرة والصريحة والمؤلمة ضد طاغية بلدي أنْ شعرت بالخوف عليها كما أشعر الآن!
هل تسعفني اللغةُ لتطير برسالتي إلى كل مصري، فيقرأها، ويفهمها، وتبللها دموعُه، وتحرقها أعصابُه، ثم يجمع أهلـَه وأولادَه وأقاربَه وأحبابَه وينظر في عيونـِهم الهزيلة ليبشرهم بأنه استيقظ الءآن، ولن يترك لهم مقابرَ بمساحةِ الوطن، وخرابـًا يمتد إلى كل شبر من أرضٍ صمت أهلُها، فَفَجَرَ طغاتها؟
باقي من الزمن علىَ جنازةِ مصر نـَفَسات قليلة، ليصعد ابنُ الرئيس إلى شـُرفة قصر الظلم، ، ثم ينفجر ضاحكًا تتبعه كلُّ الشياطين المحيطة به، والمؤتمرة بأوامره، لتلفظ أرضُ الحضارات أنفاسَها الأخيرة!
شريطٌ طويلٌ يـَمُرّ في ذهني وأكاد أرىَ الطغاةَ يصطفون في طابور طويل، ويتهامسون فيما بينهم، وتجمعهم دهشة عجيبة علىَ صَمْتِ المصريين، أمّا هُمّْ فقد حَكَموا، وتسلـّطوا، وعذّبوا، وأهانوا، وانتهكوا الأعراضَ، وجعلوا أوطانـَهم سجونًا، ولكن في النهايةِ انتفض الأحرارُ لقيادةِ الشعوب، فاختفى فرانكو، وسالازار، وسوموزا، ومنجستو هيلامريم، وهيلاسلاسي، وستالين، وموسوليني، وهتلر، وفرانسوا ديفالييه، وياروزلسكي، وأنور خوجة، ونورييجا،وتشاوشيسكو، وباتيستا، ومحمد رضا بهلوي، وبينوشيه، وبول بوت، وعيدي أمين دادا، وجان بيدل بوكاسا، وجان كلود ديفالييه، وجعفر النميري، و تا موك الجزار الأعرج الذي قتل في المعسكر 21 بكمبوديا مئة ألف شخص.... و
لم يعد أمامنا إلا العصا السحرية للقضاء على الطاغية قبل أن يقبض مَلـَكُ الموت روحَه وهي أن نـُخفي وراء ظهورنا العقيدة، والايديولوجية، والمذهبَ، والطائفة، والمسجدَ، والكنيسة، والحزبَ، والمرشدَ، والأمينَ العام، والأميرَ، والجماعة، والجمعية، وكلَّ ما من شأنه أن يفتح كوة صغيرة لخلاف بين مصري وآخر ليظهر المصريون ولو مرة واحدة في تاريخهم بوجهٍ لا تستطيع أيُّ قوةٍ أنْ تعرف له انتماءً آخرَ غير مصر.
أخشى أنْ تكون اللعبةُ أكبرَ مـِنّا جميعًا، وأنْ تكون مصيدةُ ملايين التوقيعات رصاصةَ الرحمةِ للجسدِ المصري المنهـَك، فقد تم تجنيدُ شبابِ مصر وثوارِها القادمين والغاضبين لجمع توقيعاتٍ تمتص غضبَهم، نـُحصيها لــ( نـُحرج) النظامَ، ويطلب مـِنـّا زبانيتُه أنْ نـُلقيها في سَلـّة المهمـَلات فهي لا تـُقدّم ولا تؤخِر ولا تحَرّك شعرةً في رأس أصغر مُساعدي الطاغية.
لماذ لا يقوم الدكتور محمد البرادعي نفسُه بجمعِ ملايين التوقيعات التي تـُطالبه بتولّي رئاسة الدولة، لا تلك التي تـُثـَبّت شرعيةَ قاتـِلنا، وتستجديه أنْ يقوم بتغيير مواد في الدستور، رغم رفضِه القاطع، واستمرار مسلسل التوريث باحتقار شديدٍ لكل مصري، وازدراءٍ لقوىَ المعارضة، وبـَصْقٍ علىَ وجوهِنا قبل وصولِ الرئيس الابن ليجعل الموتَ أمنيةَ كل من سيشهد تكملةَ العصر المباركي اللعين؟
أيها المصريون،
اللعبةُ أكبر مـِنّا متفرقين، وأصغر لو تجاوزنا كلَّ الخلافات ليومٍ أو بعض اليوم!
باقي من الزمن ساعات، أو أيام، أو شهور قليلة ليلتف حبلُ غليظٌ حول رقابـِنا، ويلعن أبناؤنا، وأحفادُنا غباءَ وحماقةَ وجـُبنَ وصَمْتَ وسذاجةَ آباءٍ وأجدادٍ كانوا يصفعون بعضَهم في الوقت الذي يصفع أقفيتَهم أسفل طغاةِ العصر وأجبنهم وأضعفهم الذي تحميه تل أبيب وواشنطون وأبناءُ أبطال العبور وتلامذةُ رأفت الهجان وأجهزةٌ وطنيةٌ اشتراها بثمن بـَخْسٍ فأطاعته قبل أنْ يـُلَوّح لها بالعصا والجزرة.
لا أصدق أنني أعيش هذا الزمنَ، وأنَّ المصريين علىَ اختلافِ مشاربِهم لم يعثروا بعدُ علىَ سببٍ واحدٍ يستدعي غضبةً يتيمةً تقوم بها فئةٌ واحدةٌ فتلتحف بها كلُّ فئات الشعب المصري.
عاطلون عن العمل، قضاة، محامون، أساتذة جامعات، طلاب، مرضىَ مُسَرّطنون، عائلات وأهالي المعتقلين، ناصريون وإخوان مسلمون وأقباط ومستقلون ويساريون ووفديون وعانسات وأعضاء في أحزاب سياسية ومثقفون وإعلاميون وعمال وفنانون وأدباء و ...
هل يمكن أنْ يصدق عقلٌ في الدنيا كلها أنَّ هؤلاء عاجزون، ومستضعـَفون في الأرض، وجبناء، وخائفون من رجال الأمن، وغيرُ مُدْرِكين للمشهد الكارثي القادم؟
لن أصف المشهدَ المصري من جديد فهذا امتهانٌ لعيونِ المصريين التي تحفظه عن ظهْر قلبٍ، وتعرف تفاصيلـَه كلُّ دابةٍ علىَ أر ضِ الكنانة.
لكنني هذه المرة أريد أنْ أضع حلا مرهونا بعدةِ مَطالب قد تنقص أو تزيد، بفضل اشتراكنا جميعًا في دائرةِ النقاش، حتى يستوي ويستقيم ويَخْرُج للنور، وتلفظ مصرُ طاغيتـَها وأسرتَه وأزنابَه وكلابـَه إلىَ غير رجعة:
1- التفويض للدكتور البرادعي لتقديم استجداءٍ لمجرم الولايات الخمس ليتفضل بتغيير بعض مواد الدستور اهانةٌ كبيرة لشعبنا، وتثبيتٌ لشرعيةِ النظام الجائر والذي من المفترض أن يَمْثـُل كلُّ أركانِه في قفص الاتهام بحزمة من التـُهَم لا مثيل لها لدىَ أقسى وأغلظ مجرمي الحروب والابادات.
2- إذا أراد الدكتور البرادعي أنْ يتحمل مسؤوليةَ القيادةِ فليتفضل ويجمع توقيعاتٍ بتفويضِه لرئاسةِ مصر، أو يـُنشيء فضائيةً، أو يعقد مؤتمرًا صحفيًا في حضور عشرات من وكالات الأنباء ويطالب المصريين بعصيانٍ مدني سلمي، أو يُعلن على الأقل أنه ضد مبارك بدلا من الاعلان أنَّ الطاغية لطيف ومهذب وأنه على علاقة طيبة به، وحينئذ ستلتف حوله الملايين بعيدًا عن اللعب مع الكبار.
3- أنَّ الباقي من الوقت قبل اسدال الستار على مسرحية التوريث لا يسمح حتى بالتقاط الأنفاس، وأنَّ نيةَ الطاغية لتوريث ابنه رقابنا كانت منذ تولـّيه السلطة لثمانية وعشرين عامًا خـَلـَتْ، والنقاشُ الآن عبثٌ في الوقتِ الضائع، فالطاغيةُ الصغيرُ مُشارِكٌ في القرارات منذ عدة سنوات، بل لعله الحاكمُ الفعليُّ من وراء الستار.
4- أنَّ المطلوبَ شيءٌ واحدٌ فقط وهو يومٌ لمصر قد يمتد ليصبح يومين أو ثلاثة قبل سقوط الطاغية وأسرتـِه، وفي هذا اليوم لا يعرف مصريٌ مصريًا إلا من خلال كراهيتنا لنظام الحُكم الآثم والفظّ والمستبد.
5- أنَّ مبارك عدوُّنا المشترك، وأيُّ خلافٍ بين فصيلين مصريين، أو بين حزبين أو حتى بين اثنين من المواطنين في هذا اليوم المشهودِ هو انحياز ٌ من الطرفين، الظالم والمظلوم، لاستمرار الديكتاتور وحيتانه في نهبِ ما تبقى من مصر .. لو تبقى منها شيءٌ بعد خمس سنوات أو أقل.
6- ينبغي أنْ نعترف بأنَّ كل المظاهرات والانتفاضات والاحتجاجات السابقة باءت بالفشل لأننا كنا نضع رؤوسنا بين أنياب أجهزة الأمن والتي تجاوزت مليونا من المطيعين لأوامر القصر، فإذا تظاهر مِئـَةٌ في ميدان عام أحاط بهم خمسةُ آلافٍ من رجال الأمن.
7- يجب أن يكون التخطيطُ أكثر حنكة، ويباغت حُماة الديكتاتور، ويتحدد موعدُه قبل اليوم الموعود بثلاثة أشهر، ويكون مُوَجَّهاً لمفصل الوجع، وشلّ النظام، ولن يمر يومان فقط قبل أن ينحاز الشرفاءُ في الجيش والمخابرات وأمن الدولة والإعلام ليقوم مبارك وأسرته وأعضاء حكومته وقيادات الحزب الوطني وأعضاء مجلسي الشعب والشورى بتسليم أنفسهم طوعًا إلى غضبة الشعب.
8- ولن تتم السيطرة على الوضع إلا بالتوجّه ناحية كل أقسام الشرطة في مصر، من أدناها إلى أقصاها، والاستيلاء عليها من قِبَل الملايين الغاضبة، وهنا سنكتشف أنَّ النظام من ورق، وأن الشرفاء أكثر عددا من المجرمين، وأن كل ضابط أمن وشرطي ومخبر سيبكي، ويقسم بأنه كان مضطرا للطاعة خوفا من بطش الطاغية.
9- في هذه الحالة لن نحتاج للتضحية بجماعة صغيرة في ميدان عام، و لن تستطيع قوى الأمن أن تسُدَّ المنافذَ والشوارعَ، وسيخرج المصريون في وقت مُحَدَّد متوجهين إلى أقرب قسم شرطة، ولن تمر ساعة واحدة حتى ينضم آلاف الضباط إلى أهلهم وأبنائهم واخوانهم وزوجاتهم.
10- ليس هناك مستضعـَفون في الانتفاضة، وسيخرج كل المصريين والمصريات، نساء، أطفال، شيوخ، مرضى، شباب وطلاب، عائلات بأكملها.
11- الاقتراح المبدئي هو أول أيام عيد الأضحى المبارك، واقتراح اليوم الموعود قابل للنقاش لمدة شهرين من الآن، وساعة التوجه إلى أقسام الشرطة محددة بالدقيقة لئلا ينفرد بجماعة صغيرة مخبرون وبلطجية وأفراد الأمن المركزي، وسيكون مشهدا رائعا يخرج فيه المصريون من مصانعهم ومساجدهم وكنائسهم وبيوتهم وعشش الصفيح وعشوائياتهم كأنهم أفراد عائلة واحدة قررت أن تثأر أخيرا لاغتصاب كل أفرادها على أيدي كلاب السلطة المفترسة.
12- ينبغي استثناء مديرية الأمن خشية أن تقع أسرارٌ خاصة بأمن الدولة والجهات المشبوهة في أيدي بعض العابثين، فيحاط بها ولكن لا يدخلها أبطال الانتفاضة المصرية.
13- تبقى معضلة قابلة للنقاش ممن لديهم أفكار موضوعية وعقلانية وهي وجود الطاغية في شرم الشيخ التي هي ثكنة عسكرية مغلقة، ويحميها إسرائيليون وأمريكيون، وبها عشرات الآلاف من السائحين في هذا الوقت من العام، ومنها سيهرب مبارك وأسرته، فكيف السبيل إلى هذا المكان المنعزل والذي لا تدخله ذبابة إلا ورصدها حماة الطاغية؟
14- أي جماعة ترفع شعار الحزب أو الدين أو التوجه الفكري أو شخصية مصرية ( البرادعي، أيمن نور، السيد البدوي، المرشد العام للاخوان المسلمين، عمرو موسى، ...) سنفهم منه أنه محاولة تخريب الانتفاضة، فمصر قبل الجميع، وبعد نجاح الانتفاضة يمكن لأي جماعة أن تنسب النصر إلى نفسها إن أرادت.
15- لكل مصري الحق في الغضب لأسباب خاصة، عاطل عن العمل، الفقر، لا يجد سكنا، عانس، مهضوم حقه، مريض بسبب المزروعات المسرطنة،تعرض لتعذيب أو ظلم، لا يجد قوت أسرته لأكثر من بضعة أيام في الشهر، ....، ولكن في اليوم الموعود كلنا نستند على سبب واحد وهو كراهيتنا لمبارك الديكتاتور وأسرته.
16- لا مانع من اطلاق أي اسم عليها: انتفاضة، غضب شعبي، عصيان مدني، احتجاج، تظاهرات، مطالبة جماعية، فلن نختلف على الاسم والوصف، وإن كنت أقترح تسميتها ( إسقاط مبارك من أجل مصر) ولكن الأهم هو تحديد اليوم الأخير لمبارك في الحكم إلا إذا قبض مَلَك الموت روحَه، فمعركتنا مع الوريث.
17- محترفو تخريب الاحتجاجات الوطنية قبل نجاحها كثيرون، وستجدهم بين أقرب الناس إليك، وفي الاعلام، وبين الفنانين والأدباء، وفي مانشيتات الصحف القومية، وبين المتغطرسين من القوى الوطنية الذين يأنسون بالمعارضة شريطة أنْ لا تزيح النظام، ولهم قدرة عجيبة على تحويل مسار أي صورة من صور الاحتجاج، وسيتعللون بأنَّ دولةً من غير أجهزة الأمن مُعرَّضة للانهيار، وأن عدمَ الخروج من البيت صورة حضارية للاحتجاج، وأن الاخوان المسلمين سيثبون على الحكم، وأن الكرباج الذي اعتادت ظهورُنا العارية عليه أفضل من كرباجٍ مجهولٍ لا نعرف متى وأين سيلهب أجسادَنا.
18- حتى لو أن أقل من 5% من أبناء شعبنا سيشتركون في الحراك الالكتروني لوضع هذه الخطة موضع التنفيذ، فكل من يشترك فيها قادر على ايصالها، ومناقشة تفاصيلها، واقناع أهله وأصدقائه وأحبابه ليكون الزخمُ حيًا وكبيرا، ولن تستطيع القبضة الحديدية أن تعتقل الشعب كله.
19- المرأة هي الأم والزوجة والابنة والأخت ومربية الأجيال، وهي التي تتحمل الغلاء وعمل معجزة في مصروفات البيت، وبدونها لن تنجح الانتفاضة، فإذا كان ملايين الأطفال معنا، وتنقل وكالات الأنباء العالمية خبر أول غضبة مصرية حقيقية لم تعرف مثلها أم الدنيا مثلا، فإن مبارك لن يستمر لأكثر من 48 ساعة، فإمّا أن يقوم جنرالات وقادة في الجيش والمخابرات والأمن باعتقاله، أو يتمكن من الهروب من شرم الشيخ بمساعدة إسرائيلية.
20- إذا سقط الطاغية تهاوت معه كل عروش الطغاة في العالم العربي، وسنكتشف مقابر جماعية، وآلاف المنسيين في زنزانات تحت الأرض، ومليارات من أموال شعوبنا تم تهريبها، وصفقات بيع كنوز وخيرات مثل آثار، وبترول، وغاز، وقناة السويس، واستقلال القرار العسكري، ومعاهدات سرية، ومؤامرات ضد شعوب أخرى، وفساد قذر سينهي عصر نهر النيل إن استمر الأوغادُ في حُكْم بلدنا.
21-هذا اليوم يحمل شعار ( اسقاط عائلة مبارك) وبالتالي لا يستطيع أحد أن يلتف حول الهدف النبيل، فمنهم من يقول بأنه ليس ضد مبارك ولكن ضد أعماله، ومنهم من يدّعي بحق الطاغية الصغير في الترشح لرئاسة الدولة، ومنهم من سيسعى لقتل الانتفاضة بالصمت، لكننا سننتصر بعون الله إن لم نخرج قيد شعرة عن هدفنا ( اسقاط عائلة مبارك) ، والسؤال المهين والسخيف عمن سيحكم مصر بعده يظل عقبة تخفف من طموح الشعب، فنحن أمام سفاح وطاغية وعدو للمصريين، فإما أن نزيحه وإما أن يقضي علينا.
22- أقباط مصر مطالبون قبل غيرهم بلعب دور سياسي ووطني أكبر من أي هموم خاصة بالحقوق والمطالب الدينية، فالوطن العادل والديمقراطي والنزيه والذي يحكمه نظام منحاز للشعب هو الطريق الوحيد للحقوق الخاصة والفئوية والدينية والإنسانية، والطاغية مبارك عدو لأقباطنا، ونازع لحقوقهم، ومفجر للفتنة بينهم وبين اخوانهم مسلمي الوطن.
23- شباب الفيس بوك والإنترنت و6 ابريل وكفاية والعمل والاخوان وغيرهم ينطلقون في اليوم الموعود من أجل مصر، وقبل أن تلحق بهم قبضة الأمن الوحشية، والانتفاضة ستنجح بإذن الله بعيدا عن العنف والانتقام والثأر ، باستثناء حالة واحدة وهي مواجهة بعض البلطجية والمسجلين خطرين الذي يتسلمون من أجهزة الأمن مطاوى وسكاكين وسيوفًا، وهؤلاء أشد وحشية من الذئاب، وهم لا يرحمون شابا أو عجوزا أو امرأة.
24- يمكن أن تكون بنود هذه الانتفاضة قابلة للنقاش، والتغيير، والتبديل، والاضافة، والحذف حتى الأول من أكتوبر 2010 ليخرج البيان النهائي وبه الموعد المحدد ، مع الحذر في أن مرشدي الطاغية وابنه يجوسون بالآلاف على الإنترنت، ويديرون حوارات عقيمة، ويتهكمون، ويسخرون من أي عمل مناهض للديكتاتور، ويوجهون الاتهامات، ويحشرون كلمات طائفية، ويفتون في عضد المتحمسين، ولديهم عشرات الطرق المختلفة لقتل الدعوة على الإنترنت، وقد يزعم بعضهم أنهم معنا، وأنهم ضد الطاغية، وأنهم يرفضون دعوة من الخارج، وأن المصريين في الداخل أقدر على معرفة نبض الشارع، لكن الحقيقة أنهم يمدون في روح النظام العفن، عمدا أو عن غير قصد.
25- على المتحمسين البدء فورًا في تبني الدعوة، وعلى الذين يطرقون الأبواب لجمع توقيعات نستجدي الديكتاتور بها أن يصلح هو ما خربه في ثلاثة عقود أن يعودوا إلى رشدهم، وإلى صوت العقل، فمبارك ليس ككل الطواغيت، ويساعده جيش جرار من المثقفين والإعلاميين والمخابرات العربية والغربية والاسرائيلية والأمريكية، ومدعوم من الجيران ( القذافي، البشير، قوات الاحتلال الاسرائيلية)، وأموال الأشقاء تطيل في فترة بقائه فوق رقاب شعبنا.
إذا اكتشف شبابُ طرق الأبواب في حملة التغيير بأن اللعب مع الكبار كان توطئة لوصول الطاغية الصغير ، فقد خسرنا وخسرتْ مصر ُقلبَ الوطن، ودينامو الحركة، وأملَ المستقبل.
26- المصريون في الخارج امتدادٌ للمصريين في الداخل، ونحن لا نَقِلّ وطنية عن أهلنا فوق تراب الوطن، وسبعة ملايين مصري في الخارج يمكنهم أن يكونوا سـَنـَدًأ لاخوانهم في الداخل وأيّ محاولة لدق إسفين بين المواطنين هنا و .. هناك يجب التصدي لها.
27- نحتاج لمن يتبنى الدعوة على الفيس بوك والتويتر ونشرها في أكبر عدد ممكن من المواقع والمنتديات واعادة ارسالها بالبريد الالكتروني لقائمة العناوين لدى كل من يهمه أمر مصر ويرى فيها مخرجا قبل أن ندخل في جحيم لا نهاية له مع وصول جمال مبارك.
28- أي تخريب أو كسر محلات أو إيذاء ضابط أمن أو عسكري أو مخبر مرفوض تماما.
29- خصوم الانتفاضة الحقيقيون هم الساخرون، والمتهكمون، واليائسون، والمشككون.
30- عندما تقرأ هذه الكلمات، وتهزّ رأسَك، وتعثر على المستحيل فيها قبل محاولة البحث عن ايجابياتها، ثم تنضم إلى المنتظرين الصامتين والسلبيين ...
وعندما يفقد الزمنُ قيمته لديك، ولا تتخيل أن الغد الأقرب سيحمل لنا كارثة سيلعننا أبناؤنا وأحفادنا أنهم ورثوها عن جبننا، وأن قرار الحزب الوطني ومجلس الشعب وملايين من الشباب المغيبين والجهلاء والمنافقين والخائفين الذين صنعوا الفكر الجديد لجمال مبارك سيجعل الكابوس حقيقة في دقائق أقل من تلك التي أعلن مجلس الشعب السوري ابنَ الرئيسِ .. الرئيسَ الابن، وحينئذ لن تنفع انتخابات، ولا احتجاجات، ولا ملايين التوقيعات، ولا صلوات في كل مساجد وكنائس مصر يقول المنسحبون من هموم الوطن بأنها إرادة الله!
إنها دعوة الأمل الأخير لئلا يأتي اليوم الذي نلطم فيه وجوهنا، ويبصق عليها أبناؤنا، ونخجل ما بقي لنا من أعمار أننا لم نحافظ على مصر حفاظ الشرفاء والنبلاء والشجعان، فأعطينا ما تبقى منها للصوص والأوغاد و .. الطغاة.
إنه برنامج عمل يحتاج لورشة نقاش، وحوار هاديء، وأفكار تـُجدّد في البرنامج حتى يكتمل مع غرة شهر أكتوبر ، وأنا على يقين من أن أفكارًا رائعة ووطنية ، من الدخل ومن الخارج، ستجعل هذا البيان وثيقة عهد شعبية تنهي إلى مزبلة التاريخ أسرة مبارك.
لا نطلب من طارقي الأبواب وحاملي توقيعات التغيير أن يتوقفوا، معاذ الله، ولكن أن يشدّوا من أزر غير المؤمنين بأنَّ مبارك يمكن أن يتنازل بالطلب أو الاستجداء أو عريضة عليها 80 مليون توقيع، فهذا الرجل أكثر طغاة العصر غطرسة، وكراهية للمصريين، وتعاونًا مع أعدائها، وعلينا ازاحته قبل أن يحرق بلدنا.
لنبدأ الآن في تفنيد السلبيات والايجابيات في البيان، مع طلب الاضافة والحذف، وعندما يهز عرش الطاغية يكون كل مصري صاحب البيان، وكل مشارك فيه مساهمًا فاعلا في انهاء عصر الكابوس .. الطاغية.
بدلا من أن تقوم بالتهنئة، والاطراء، والشكر، والتشكيك، والاتهام، و كتابة حكمة، أو آية كريمة، أو حديث شريف، أو القول أن لا فائدة، أو اضعاف موقف، أو الاكتفاء بالتوقيع والاستجداء لحقوقك، قَـدِّم لنا فكرة جديدة تضيف أو تحذف من البيان، فما أشد حاجتنا جميعا أن نصطف كالبنيان المرصوص..
لا تجعل البيانَ يتوقف عندك، وينتهي إليك، وأَعـِدْ ارسالـَه إلىَ قائمةِ بريدِك، فهو مـِلـْكٌ لك.
أيها المصريون،
هذا بيانكم، فافعلوا به ما تشاؤون.
وسلام الله على مصر
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 31 يوليو 2010
Taeralshmal@gmail.com

رسالة من مصري إلى الرئيس مبارك

سيدي الرئيس،

يقدم ظهري لكرباجِك اعتذارَه الشديدَ فقد كان ينبغي له أنْ يلتهب قبل أن تنزل عليه بقوتك وجبروتِك!

ويقدم وجهي اعتذارَه لكفِّك الغليظة لأنني لم ألطمه قبل أنْ تقترب منه يدُك الكريمة.

أعرف جرائمَك كما أعرف أصابعَ يديً، ومع ذلك فأنا مستسلمٌ لمذلتِك إياي كما يستسلم أيُّ جبانٍ لضربات بلطجي أنزله عنّوَةً من ميكروباص، وجعل يهينه أمام فئرانٍ لم تـَعُدْ للكرامة قيمةٌ لديها.

شاهدتُ خالد سعيد وقد تهشَّم وجهُه، وتكسَّرت أسنانُه، وخرجت روحُه تلعن عهدَ الصمتِ المصري الجبان، واشتركتُ مع الغاضبين في مظاهرةٍ ضـَمَّتْ عدةَ مئاتٍ، وانتهتْ إلىَ تـَوَسُّل واستجداءٍ أنْ تتفضل، مشكورًا، بعمل لجنةِ تحقيق فيما حدث، رغم أنك، سيدي الرئيس، الحَكَمُ، والخَصْمُ، والجلادُ، والقاتلُ،والملوثةُ يداه بدماءِ الشاب الشهيد ومئاتٍ من المصريين الذين قضوا في عهدِك الأغبر، ولاتزال أرواحُهم تـُحَلـّق فوق مصر، وتلعن جـُبنـَنا، وخيـّبـَتنا.

كلنا نعرف أنك المجرمُ الأكبر، وأنك أحدُ أخطر طـُغاة العصر، ولو طلـَبـَتْكَ مـَحكمةُ العدل الدولية فستحتاج إلى عقدٍ من الزمان لكي تَـطـّلع على ملفاتـِك السوداء، ومع ذلك فأنا أثق بك، وأنضم إلىَ جمعيةِ التغيير لكي أطلب منك، وأنا المواطن المسالمُ الفأرُ، أنْ تتكرم بتغيير عدةِ مواد في الدستور تسمح لمصري مستقل أن يترشح في انتخاباتٍ ستنتهي حتمًا بفوزك أو ابنـِك، وتحصل بعدها علىَ شرعيةٍ شعبيةٍ ودستوريةٍ تزيدنا وجعًا، وقهرًا، وألمًا، وحُزنًا، وفقرًا ..

أنا جبانٌ، لذا سأرفض العصيانَ المدنيَّ، وأسخر من الانتفاضة الشعبية، وأكتفي بوضع اسمي في قائمة طويلة، عريضة، قد تضم مئات الآلاف، أو الملايين، ونضعها تحت قدميك لتدهسها، ثم تلقيها في سلة المهملات، فهي تفويضٌ لرجل آخر بالسماح له أن يقف نـِدًّا لكَ، ويطرح نفسَه بديلا، ولو انتخبه ثمانون مليونًا من المصريين، فالنتيجة النهائية لأسرتك الكريمة وربع قرن قادم من أقصى درجات المهانة والإذلال لنا.

أنا جبانٌ، وسأوهم نفسي بالنضال ضدك، وأبعثُ رسالةَ استغاثةٍ لك منك، وأطلب أن ترحمني من قسوتك، وأن تخفف من عمل لصوصك كما تخفف إسرائيلُ حصارَها عن قطاع غزة، وكما يستبدل البلطجي مطواة قرن الغزال بسيف حادٍّ يقطع قبل اللمس.

أنا جبان، فقد وقـَّعْتُ بالأمس على طلب توكيل لمكتب محاماة لمخاطبة وزيري الداخلية والخارجية للسماح لنا، في الخارج، بحق التصويت، وحالي هنا، سيدي الرئيس، كحال من يتم اغتصابه علانية في فناء السجن، ثم يطالب بحقه في الاغتسال بعدها، وبأن تسمح له إدارة السجن بتجديد الفراش!

أنا جبان، لأن ذاكرتي أضعف من ذاكرة ذبابة، وأن ثلاثين عامًا من قهرك إياي ستنتهي بمنحك شرعية كل جرائمك السابقة والحاضرة والمستقبلية عندما أطالبك أن تستمر ديكتاتورًا جاثمًا فوق صدري شريطة أن يترشح أحدنا في عام 2011، وحتى لو حصل على عدة ملايين من الأصوات، فالبقاء لك في القصر، والبقاء لله في الوطن.

أنا جبان، لأنني فنان في إطالة حُكمك، وحتى عندما كاد العصيان المدني ينجح، قررتْ القوى المصرية المعارضة ظاهريًا، والمؤيدة لك من خلف ظهري، أن تجعله عصيانًا في البيت، ودعوة للمكوث أمام شاشة التلفزيون مع فنجان قهوة، فيخف الضغط ُعلى قوى الأمن، ويهدأ الشارع المصري، ثم نوهم أنفسنا بأننا عارضناك، لكننا في الواقع أنقذناك.

أنا جبان، وستجدني رهن إشارتك، صامتًا في البطالة، منافقًا في الصحافة، جبانًا في المصنع، أرنبًا في الشارع، متنازلاً عن كل حقوقي، غافلا عن كل مصاصي الدماء الذين لصـَقْتَ أنيابـَهم في رقبتي، وأينما تـُوَلـّي وجهـَك لن تلتقي عيناك بعينيّ، ولو طلبتَ مني، أنا الأستاذ الجامعي، والمثقف، والعالـِم، ورجل الدين المسلم والقبطي، والسياسي، والبرلماني، والمستشار، والقاضي، والمحامي، والمهندس، والطبيب، والعاطل عن العمل، والمريض بسبب سرطانات عهدك، والتائه في المحاكم باحثا عن حقه، وعضو الحزب، والمقيم، والمهاجر، والناشط على الفيسبوك، وصاحب المنتدى والموقع الفعـّال، والأديب، والشاعر، والضابط المتقاعد، وابن بطل العبور و .. أن أسجد لك من دون الله فلن أتردد لحظة واحدة!

عندما وافقت أنا أنْ أضع توقيعي على استمارة استجداءٍ، وتـَوَسُّل، واستغاثة، واسترحام، لإرسالها إليك، فقد وقعتُ في حفرةٍ لا خروج لي منها إلا إلىَ القبر أو مستشفى استثماري لسرقة ما بقيَ سليمًا في جسدي.

أنا جبانٌ لأنني أطلب من الذئبِ أنْ يرعى الماشية ريثما أعود، وأطلب ممن يأكل لحمي مـَيـّْـتًا أنْ لا يغوص بأنيابـِه، ويترفق بفريسته!

سيدي الرئيس حسني مبارك،

الآن يمكنك أن تأمر كلابـَك باغتصابنا جميعًا فأنت أشرف من أن تحكمنا، وأطهر من أن يتلوث لسانك بالحديث إلينا، وأرجوك أن تأمر زبانيتك أن يستخدموا الأوراق التي نرسلها إليك طالبين حقوقـَنا كورق محارم في دورات المياه، وأن تنام قريرَ العين، وأن تجمع في فمك بصقةً لم يجمعها لـُعابـُك لثلاثةِ عقودٍ، وتقف وابنـُك في شـُرفة القصر، وتقذفها في وجوهنا جميعًا.

أشعر باحتقار لنفسي لم أعرفه من قبل، فأنا أمسك القلمَ، وأضع توقيعي على طلبٍ بفتات خبز ممن سرقه من أفواه أولادي، وبأن تسمح لي ببطاقة انتخاب.

عندما لفـَّني صمتُ القبور وأنا أقرأ طلبًا مصريًا جماعيًا لك أنْ تفتح ملفَ التحقيق في استشهاد الشاب خالد شعرت بقرف شديد من نفسي، ومن كل مصري يحمل في نفسه ذرةَ أمل واحدة فيك أو في نظامـِك القذر، أو في سجونك ومعتقلاتك ورجال أمنك وكلاب قصرك.

أخجلُ من الوقوف أمام الله، ومن الابتسامة، ومن الصلاة للعلي القدير، ومن دخول المسجد والكنيسة، ومن الحديث في أي شيء آخر يجعلني أغفل لحظة واحدة عن الغضب لجرائمك، فكيف بي ممسكًا بالقلم، مُعـْتـَرفًا بشرعيتـِك، مُقِرًا بحقـِك الدستوري في حُكـْمـِنا رغم أنف كل مصري.

منذ فترة طويلة وأنا أحاول ما وسعني الجهد العثور على تبريرات قد تنفعني عندما أقف أمام العزيز الجبار، فربما أقول بأنني لم أكن أعرف، أو أنني كنت ضعيفًا فصككت وجهي والتزمت الصمت، أو أنني توسمت فيك وفي كلابك خيرا بعدما شبعتم إذلالًا لنا، ونهبا لأموالنا، وتخريبا في وطننا، وتدميرًا في مصرنا الحبيبة!

هل صحيح أن الله، تعالى، خلقني مصريًا، ثم نزع مني البصر والسمع وأمات فؤادي وجعل مشاعري كجلمود صخر، والفئرانَ والأرانبَ تتفوّق عليَّ في شجاعتها، وجرأتـِها؟

قرأتُ ملفات الاستجداء في حق التصويت للمصريين، وتابعت كلمةَ الدكتور محمد البرادعي وهو يقول بأنك إنْ لم توافق على تغيير مواد الدستور لتفسح له المجال للترشح فسيطلب من الشعب أن لا يذهب إلى صناديق الإقتراع، فكدت أسقط بالسكتة الدماغية، وبدا الأمر كسجين في زنزانة منفردة، وقريب من الموت يؤكد بأنه سيطلب من الزملاء الآخرين أن يـُضربوا عن الطعام إن لم تسمح إدارة السجن له أن يقدم أوراق ترشحه منافسًا للسيد اللواء المدير!

توكيلات، تفويضات، مطالب، رسائل.. كلها تـَصُبّ في خانةٍ واحدة وهي أقصى درجات الخنوع، وتبرئة ساحتك كمجرم طاغية، ومستبدٍ لم تعرف مصرُ له مثيلاً.

المصريون يعارضونك بنصف لسان، ويناهضونك بعد استئذانك، ويتذللون إليك بعد موافقة الأمن!

أحتقر نفسي وقومي إنْ راودني أملٌ خفيُّ فيك وفي أي من الذين أحاطوا بك لحمايتك، ومع ذلك فاللهثُ خلف الوهم أضحى سمة مصرية، والدكتور محمد البرادعي غير مقتنع بالمرة بأن ترشيح نفسه أمامك أو أمام ابنك هو صكّ غفران لخطاياك، وتبرئة لمذابحك، وتقنين لتزويراتك الانتخابية في الولايات الخمس السوداء لحُكمك العفن.

أريد أن استبق بصقتك على وجهي ببصقتي في مرآتي، فأنا أخجل أمام كل شعوب الأرض، ولا أستطيع أن أبرر مشهدًا واحدًا من مشاهد الجـُبن التي تعتريني في يومي، وليلي، ويقظتي، وحواراتي، وحتى في صلواتي لله العزيز المتعال.

هل تصدق، سيدي الرئيس، أنني أخجل حتى من رشفةِ مياه من نيلنا الخالد الذي فرّطنا فيه، ومن يونيفورم جيشِنا الذي قمت أنت بحقنه لينام في ثكناته، أو يحمي إسرائيل من غضب سكان غزة، أو يقوم بنقل الغاز والبترول لآلة الحرب الصهيونية لكي تدكّ عظامـَنا، أو تبني سورًا عازلا، أو تهدم الأقصى الشريف.

أنا مصري في عهدك تعني أنني في نظر العالم بـِرُمـَته حشرة يدهسها حذاؤك،وأنا لم أعرف للفرح يومًا أو نصفَ يومٍ في عهدك، ولو تمنيّت شيئا الآن لما كان أكثر من وقوفي على أبواب كل مساجد وكنائس مصر وأصفع كلَّ الخارجين منها، فالتطهرُ قبل الصلاةِ يجوز فقط بوقف التأييد لك، ولا صلاة لمن لم يغضب عليك، ولا جـَنّة لمسلم أو قبطي فرَّط في كرامته، وصَـمـَتَ بعد معرفةٍ موثقةٍ ويقينية بنـَتـَن حُكمك الأكثر قسوة من كل المستبدين في العصر الحديث.

سيدي الرئيس،

أعتذر لك لأنني تخيلت للحظات أنني إنسانٌ له حقوق وعليه واجبات، وأنني من نسل آدم، عليه السلام، وأنني مصري انصهرت فيه حضارات الأرض لتـُكـَوّن ذلك الكائنَ الفريدَ من نوعه، والثائر على من ينزع كرامته، والغاضب على فرعونه، والعاشق لوطنه، والذي يدفع حياته ثمنًا لحماية ترابه، ومستقبل أولاده، فإذا بي أمسك استمارةً لجمعية التغيير، أو تحالف المصريين الأمريكيين، أو مظاهرة الإسكندرية من أجل القصاص للشهيد خالد محمد سعيد، ثم أوقـّع أدناه طالبا منك أو من وزير داخليتك أو من وزير خارجيتك السماحَ لي بالتصويت أو الترشُّح أو أن أفرح بتقديم ثلاثة مخبرين وضابط للعدالة.

لا أعترف بعدالة القضاء في مصر، ولا بأبناء أبطال العبور، ولا بشرف المعارضة، ولا بشباب الفيس فبوك، ولا بالمثقفين والإعلاميين والكـُتـّاب والشعراء، ولا بشرعية مجلس الشعب أو مجلس الشورى، ولا بالانتخابات القادمة لو نجوتَ برقبتك من محكمة الشعب قبل أن يذهب المصريون لصناديق الإقتراع.

إنني خجل .. خجل .. خجل من الله، ومن نفسي، ومن أهلي وأولادي وأحبابي وأقاربي، ومن كل من عرف أنني أمارس حياتي اليومية.

نسيت أن أقول لك أيضا بأنني أريد أن أبصق في وجوه كل الذين يجوسون في أدمغتهم المتورمة ليعثروا على تبريرات لجرائمك، فمن كان مؤيّدًا لك عن جهل فلا حاجة لنا به، ومن كان يؤيدك وهو يعرف مقطعاً واحدا من المشهد المصري الجحيمي فلن ينجو من حساب عسير يوم لا ينفع مال ولا بنون.

سيدي الرئيس،

لا تتردد إنْ أردت التخلصَ من الشعب كله مرة واحدة، فالروحُ قد فارقتنا منذ زمن بعيد، ولو أردتَ أنْ تحفر لنا حـُفرة تتسع لثمانين مليونا من عبيدك فستجدنا رهن الإشارة، واضعين رقابنا تحت حذائك قبل أن تطلب مـِنـّا ذلك.

شاهدتُ جلسة لمجلس الشعب، وأقسم لك بأننا لو انتخبنا قرودًا مستوردة من غابات الأمازون لكانوا أكثر رُقيـّا، وتحضـُرا، وتمـَدُّنا من ممثلي المصريين تحت قـُبـّة الحرم الديمقراطي. هذا ليس مجلسَ شعبٍ، لكنه غرزة لتـُجـّار الكيف، أو تجَمـُّع لنشالين ولصوص ومعاقين ذهنيا!

كادت تقتلني سلحفائية الدكتور محمد البرادعي فهو يظن أنه يصنع سفينة نوح، وقد ينتظر عدة مئات من الأعوام حتى يكتمل بناؤها، ويأخذ فيها من كل زوج اثنين، ومصريوك، سيدي الرئيس، على مرمى سهم من الانتحار الجماعي بعدما وصلت نسبة الانتحار الفردي إلى رقم قياسي لم تشهد له مصر مثيلا في خمسمئة عام!

لم أسحب تأييدي بَعْدُ للدكتور البرادعي، لكن مشاعرَ من التوجُسّ والخيفة وبعض اليأس وتسلـُل الأمل هاربًا من أحلام يقظتي ومنامي قد تقتلني قبل اعتذاري لك لظني، سابقًا، أنك مستبدٌّ من ورق، فإذا بي أمام معارضين من ورق!

سيدي الرئيس،

كم تمنيت لسنوات طويلة أن أراك مطأطيْ الرأس في قفص حديدي بمحكمة الشعب، وأستمع بعد أسابيع مرهقة من الشهود والمداولات وقراءة وثائق جرائم العصر إلى أعدل حُكـْم ينطق به أحد شرفاء مصر فيتدلى بعدها حبل مشنقة بعد إحالة الأوراق إلى فضيلة مفتي الجمهورية.

أما الآن فرحلة المهانة الثلاثينية تنتهي إلى طلبات، واستغاثة، واستجداء، وتوسل، لتسمح لنا بحق الانتخاب، ولو في ظل قانون الطواريء، وتغيّر بعض مواد الدستور، وتتفضل على مصري آخر أن ينافسك وابنك!

لا أعتذر لك فقط لأنني جبان، ولكن لأنني مصري!

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 22 يونيو 2010

Taeralshmal@gmail.com







مقطع من يوميات شاب إنترنتـّي

استيقظتُ صباح اليوم وكأنَّ جبلا ثقيلا نام فوق صدري لأنني ذهبتُ إلى الفِراش بعد ثلاث عشرة ساعة متقطعة أمام الكمبيوتر تخللتها خمسُ مكالمات هاتفية على المحمول الجديد، لكنني اعتذرت عن ممارسة أيّ نشاطات مع أصدقائي، فأنا والشاشة الصغيرة أصبحنا توأمين، أفتقدها إنْ سرق منها وقتُ قضاءِ الحاجة عدة دقائق.
الإنترنت قـَلـَبَ حياتي سافلـَها عاليها، وأصبحتُ أكثر شهرة من كِبار الكـُتّاب، واستغنيتُ تمامًا عن عالـَم الكـُتُب رغم أنني لم أقرأ كُتيـّباً بحجم الكفّ منذ سبع سنوات، ويعرفني الآن القاصي والداني في أركان الأرض الأربعة، والاسم الغريب الذي اخترته لنفسي اخترق المنتديات والمواقعَ، وينتظرني الكثيرُ من الأعضاء لمعرفة وجهة نظري في عشرات الموضوعات.
قطعًا لا أقرأها، خاصة إنْ كانت ممن يقال عنهم أنهم مثقفون، لكنني أتسلل بخفـّة، وأقرأ العنوانَ، ثم أكتب:( جزاك الله خيرًا، فموضوعك رائع!)، ويردّ كاتبه أو ناقله: شكرًا لمرورك!
مرّات كثيرة تلك التي نقلتُ فيها مقالا كاملا، ووضعت اسمي بعد حذف اسم صاحبه، فالإنترنت جعل المـِلكيّات الفكرية كالماء والكلأ والنار، نشترك جميعا في مِلكيتها ولو شجّ صاحبُها رأسَه في الحائط سبعين مرة.
الشبكة العنكبوتية جعلتني مساوياً لكِبار الكـُتـّاب، ولم أعد بحاجة للثقافة والعلوم والآداب، فكل أنواع المعرفة أعثر عليها في حواراتي التشاتية مع أصدقائي الأونلاينيين، فنحن نتبادل النِكات والألغاز وأغاني الفيدو كليب، ولدىَ أكثرنا مهام عظمى في تغيير العالـَم برُمَّته، بل إنني أستطيع أنْ أطرد أي صحفي كبير أو كاتب شهير أو روائي عظيم بمجرد نشره أي مقال لا أفهمه!
الإنترنيت جعلني أحتقر الفلاسفة والمؤرخين والمفكرين وكِبارَ العلماء الماديين، ويمكنني أنْ أصارع أكبرَهم عِلمًا وأرّديه قتيلا أونلاين، فأنا أشكك في أي فكرة، ويكفي أن أكتب بأن هذا الكلام هراء ويتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف، وهنا يسابق الأعضاء الريح ليضعوا جواهرهم الفكرية المأخوذة من فقهائنا الذين عاشوا في القرون الأولى، فكارل ماركس، الذي لا أعرف من هو، تسقط أفكاره من منتدانا كما تسقط أوراق الخريف، ويستطيع أي أميّ وجاهل في موقعنا أن يُدحض كتابات أرنولد تويني وزكي نجيب محمود وسارتر وهنريك إيبسين وجمال حمدان وسيجري إينست ووليم شكسبير وقاسم أمين و جان جاك روسّو!
لم أعد بحاجة إلى قواعد اللغة العربية، وقد غضبت من أحد المتثاقفين، وهو رجل أخرجت له تروس المطابع كُتبا كثيرة أشاد بها أمثاله من الأدباء والمفكرين، عندما حاول تصحيحَ تعليقاتي، وكتب كلاما سخيفا عن أهمية اللغة السليمة، وصحّح لي كلمات مثل منذو ( منذ)، ولا كن ( لكن )، ومصطنقع( مستنقع)،ونحنو (نحن) وأستاز ( أستاذ)، تلميز ( تلميذ) و سقافة( ثقافة)، وسمانية( ثمانية) و.. عشرات غيرها، وهنا انفجرت غضبًا، وشتمت له أبا الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد الفراهيدي ومصطفى صادق الرافعي وعائشة عبد الرحمن وميّ زيادة، فأنا لست بحاجة إلى هؤلاء المتخلفين لأنني شاب إنترنتي أنقل أي مقال، وأذيّله باسمي، وسيتبارى العشرات للذود عني لأنهم أيضا أعداءُ ما تـُسَمّىَ الثقافة، وخصومٌ مثلي للكتاب المطبوع.
الإنترنيت جعلني، باسمي المستعار، على قدم المساواة مع الذين دفنوا حيواتهم في البحث والدراسة والقواميس والموسوعات، ويكفي أن أقرأ السطور الثلاثة الأولى، والسطرين الأخيرين، وأيضا أكتب أنني لم أقرأ الموضوع لتفاهته، وسيبرز فرسان ومغاوير يدافعون عني، ويطلقون الرصاصَ على كل من يقترب مني.
مساء أول أمس طرق والدي باب غرفتي، ودخل بهدوء ثم سألني عن سبب قضاء ساعات طويلة دون طعام أمام الإنترنيت، فقلت له بأنني رئيس لجروب كبير يـُغرق البريد الإلكتروني لآلاف من الناس بأحاديث نبوية شريفة، ومقالات منقولة تدحض أكاذيب الأديان الأخرى، وأكدت لأبي تفاؤلي بقرب تحقيق الخلافة الإسلامية التي ستمتد من كيب تاون، مرورا بنجامينا، ثم القدس المحتلة، ومنها إلى استانبول لتستقر في شمال النرويج وتأتينا الدنيا كلها صاغرة!
ابتسم والدي الطيب، ودعا لي بالفلاح والنجاح في مهمتي الشاقة، وشعرت بأن نجاحاتي على النت مرجعها إلى أنني هجرت الكتاب والثقافة والفكر، وتفرغت لقضايا سامية، وبدأت أستعد للخطوة القادمة وهي إنشاء منتدى أتحكم في أعضائه كما يتحكم المستبد في رعاياه، وأطرد منهم من يُهـَيـّج علينا أجهزة الأمن بآراء سخيفة ومناهضة للزعيم،
مهمتي العظيمة بالغة الصعوبة فهناك مئات المواقع الإسلامية والمسيحية التي يحاول أصحابها وأعضاؤها إثبات زيف الدين الآخر، فالمسيحي يظن نفسه مبعوث العناية الإلهية، وأنه سيجعل المسلمين متحضرين، وسينزع القسوة من قلوبهم، وسيثبت أن القرآن الكريم مليء بالمغالطات، والمسلم، الذي لم يقرأ حرفا واحدا في العهدين القديم والجديد، يستعد لجمع الجزية بعدما يسيطر الإسلام على كل شبر في الدنيا، وسيرغم الكفار على أن يأتوا إليه صاغرين!
معارك دون كيشوتية، يستخدم فيها أتباع الدينين الكبيرين كل الأسلحة والضرب تحت الحزام والاستعانة بأساطير تاريخية ليستلقي بعدها كل مسلم أو مسيحي على فراشه، ويتخيل العالم كله قد اعتنق دينه وذلك بفضل مكوثه أمام الكمبيوتر معظم ساعات الليل والنهار!
قال لي صديق مسلم بأنه لم يلمس الأناجيل أو حتى يراها، ولكنه يوصل الليل بالنهار ليدحضها، ويثبت خرافة المسيحية!
وأعرف مسيحيا انضم إلى جمعية دينية في الخارج، وأصبحت مهمته البحث في عجائب الكتب الصفراء عما يسيء للإسلام، ويعيد نشرها مهللا لعبقرية اكتشافاته، ويقسم باسم العذراء أن المليار ونصف المليار مسلم أصبحوا على مرمى حجر من اعتناق المسيحية.
نحن فرسان المبارزات الدينية على الشبكة العنكبوتية لا نحتاج لأدنى قدر من المعرفة والقراءة والبحوث والاعتكاف لدراسة تاريخ الأديان، فالساحة أمامنا تدعونا، مسلمين ومسيحيين، للقتال، فالله لا يريد أديانا مختلفة، وإنما يريد منا أن نتذابح حتى تقضي فئة على أخرى وتتفتح لها أبواب الجنة!
كم هو رائع ذلك الإحساس بتورم المعرفة في الدماغ بعيدًا عن كآبة الكتب، وسخافة المثقفين، وملل الأدباء، وثقل دم الموسوعات!
في كل يوم أحصي مشاركاتي فأجدها بالعشرات على الرغم من أنني لم أنشر مقالا واحدا من إعمال فكري، وأكثر مشاركاتي لا تتعدي ثلاث جُمَل في سطرين يتيمين، فنحن مولعون بكاونتر المشاركات، بل إن بعضنا إذا نقل برنامجا أو مقالا أو موضوعا من مكان آخر، ثم وضعه في منتدانا، يشترط تعقيب المشاهد قبل القراءة، وأن يُقدم الشكر الجزيل حتى يتمكن من المشاهدة.
أعرف كثيرا من الأصدقاء يعملون مع جهات أمنية، ويدخلون المواقع لتخريب الموضوعات أو إثارة البلبلة حول بعضها أو تحويل الأنظار إلى ناحية أخرى أو التشكيك في توجّهات الكاتب، وفي هذه الحالة نحن نأمن على أنفسنا حتى لو اعتقلت أجهزة الأمن كل أعضاء المنتدى.
منذ عدة أيام قابلت زميلا في الدراسة لم أكن رأيته لخمس سنوات، وتجاذبنا أطراف الحديث، ولكنني شعرت بالملل القاتل من تفاهة حديثه، فهو يقول بأن نقل الموضوعات من النت دون استئذان صاحبها سرقة، وأن الكتاب لا يزال سيد المعرفة، وأن التشات والألعاب والفوازير والساعات الطويلة أمام الماسينجر ومقارنة الأديان والبحث عن أخطاء الآخرين كلها اهدار للوقت وضياع للعُمر، ثم قال لي بأنه يرى الآخر مثله تماما حتى لو كان مخالفا في العقيدة والمذهب والطائفة والدين، وختم حديثه المتخلف بالقول بأنه يتساوى لديه المسجد والكنيسة، وأن الله قريب من المؤمنين هنا و .. هناك!
تركته دون تحية، فهؤلاء المتسامحون ضعاف بعلومهم، ونحن أقوياء بجهلنا! لقد صنعوا الإنترنت، ونحن قمنا باحتلاله.
إن أكثرهم عِلمًا يتذلل لأكثرنا جهلا، وإذا تم طرده من منتدى للأغبياء، عاد باسم مستعار جديد، ووضع مشاركاته، لينتظر موافقة المشرف العام!
أحد أصدقائي أنشأ واحدًا من أهم المنتديات على النت، واستقطب عددًا هائلا من الأعضاء والزوار، ولديه سمك لبن تمر هندي من كل شيء، أغاني، فيديو، تحميل برامج مجانية، تأسيس مواقع، حوارات ساخنة .. الخ
هذا الصديق، الذي أعرفه جيدًا، يقرأ بصعوبة بالغة، ويكتب جملة واحدة بَشقّ الأنفس، ولم يقترب من كتاب قـَطّْ، فبينه وبين الكتب خصومة شديدة، ومع ذلك فيتحكم بأميّته في موضوعات نشرَتها لديه نخبة من المثقفين والمفكرين.
أعرف شخصًا يدير موقعًا للمترجمين وقد أحاط نفسه بعدد كبير منهم ومن الأكاديميين وأساتذة الجامعات، وفي كل يوم يوسعهم إهانة فيتذللون إليه كتلامذة يقفون انبهارًا ورعبًا أمام ناظر المدرسة.
في إحدى المرات نشر صاحبنا استهجانًا منه يسخر فيه من الذين يبعثون إليه رسائل، وقال بأنه لا يرد على من لا يحمل رسالة دكتوراة، بل إنه طالبهم بتدمير مواقع مخالفيه ومنتقديه، وكلما ألهب ظهر كاتب مرموق، تمسح الأخير فيه كما تتمسح قطة صغيرة في قدمي صاحبتها!
يقول المثقفون بأننا سوس الشبكة العنكبوتية، لكن الحقيقة أننا ملوك الساحة لأنهم تركوها لنا، وولوّا الأدبار، فتـَحَكمْنا في القاصي والداني، حتى اللغة العربية جعلناهًا مِسْخًا، وشوّهنا حروفـَها، وتساقطت قواعدُها بين أناملنا كما يتساقط بناءٌ رمليّ أقامه طفلٌ على شاطيء البحر.
نعم، نحن نسرق الموضوعات، لكن الكـُتّاب العرب لا يدافعون عن شرف القلم، ولا يطاردون لصوص الملكية الفكرية، ويتساهلون مع أعراضهم الثقافية كما يتساهل الزعماء العرب في مؤتمرات القمة مع كل الاعتداءات الإسرائيلية، ويطاردون لسانَ المواطن العربي حتى لو حـَرَّكـَه داخل حلقه!
أحيانا يتملكني شعور بالدونية، وأغلق باب غرفتي، وأبكي ساعات طويلة فقد تركوني وحيدًا، وأمتدحوا جهلي، وأثنوا على أميّتي، ولم يصححوا لي أخطائي، وغضّوا الطرْفَ عن سرقاتي لأفكارهم، ورغم آلاف المشاركات الهزيلة التي تنفخ في عقلي فتورّمه، إلا أنني يتيمٌ أمام هذا الجهاز العجيب.
لقد ظننتُ أنني أصبحت واحدًا من الصفوة، فإذا بي أصنع مجتمعًا وهميًا من أصدقاء غير حقيقيين يدخلون بأسماء مستعارة، ويتبادلون كلمات تافهة، ويقضون ساعات الليل والنهار متنقلين بين الفيس بوك والمنتديات والمواقع وتحميل برامج لا تسمن ولا تغني من جوع!
لقد سجنت نفسي داخل الشاشة الصغيرة، وهجرت العالمَ الحقيقي، ولم تـَعُدْ لي أي فائدة في تطور المجتمع، ولو دخلت امتحانات من جديد فربما لا أستطيع أن أخُطّ حرفا واحدا مما أفرغته على ورق الإجابة منذ عدة سنوات!
إنني أشير بسبّابة الإتهام إلى كل المثقفين والمفكرين والإعلاميين والكـُتّاب والعلماء الذين تركوني وحيدا أتجرع بجهلي نتائج غطرسة كانت قد جعلتني على يقين من أن البقاء للعقل الأجوف، وأن قياس المعرفة مرهون بعدد المشاركات.
إنني وملايين غيري من الشباب العرب محبوسون داخل قمقم ونظن أننا نجوب العالم كله في طرفة عين، وقد آن الوقت لأن يحررنا من صنعوا لنا الإنترنت، وتركونا يتامىَ!
لقد صنعنا عالـَمَ الكراهية، وضربنا القيم الروحية والفكرية في مقتل، ونسجنا حروبا عنكبوتية هشـّة، وتصارع أتباعُ الإسلام والمسيحية على أرضنا الخاوية على عروشها فكان الجهلُ سيّد الفرسان، ونقلنا معاركنا إلى البيوت والمدارس والشوارع والعلاقات الإنسانية والاجتماعية لتخريب وطن تركت نخبتـُه الأميّين يتحكمون في المسار الفكري والثقافي على النت.
قام المتشددون المتمسحون بأهداب الدين باستغلالنا، وفتحوا لنا صنابير الفتاوىَ الفجّة لتنفجر ملوّثة الجميع كما تلوّث بريتش بتروليوم خليج المكسيك، وأصبحنا طرفا في معارك بدأت منذ ألف وأربعمئة عام، ودافعنا عن أنظمة فاسدة، وتجوفت أدمغتُنا ليضع كل مِنـّا مكان التجويف اسمَ فرقته الناجية من النار.
أشعر في أحايين كثيرة بقرف شديد عندما أجوس خلال النت، وألمس عن قرب عالم البغضاء الذي تم تجنيد ملايين من شباب الغد ليعيدوا صياغة المستقبل على أسس طائفية ودينية ومذهبية، رغم أن الملايين من الشباب الإنترنتيين لا يستطيعون تحريك شعرة في رأس أي طاغية يحكم بلدًا عربيًا، وأكثرنا خُشـُبٌ مُسـَنَّدةتجمعهم شاشة صغيرة ويفرّقهم مُخبر جـِلْفٌ، يتظاهرون بالشجاعة في غرفهم، ويتظاهرون بالعشرات فقط في الشوارع والميادين.
إذا كتب مسيحي متطرف وأحمق مقالا يطعن في الإسلام تداعت له جماهير النتّ كأنهم على وشك التخلص نهائيا من خاتمة الرسالات السماوية، وإذا نشر مسلم غبي ومتعصب مقالا يـُهين المسيحية وكتبـَها المقدسة وتعاليمها وأتباعها التفتّ حوله جماهير الأونلاين تظن أنها ستـُنهي إلى غير رجعة أكبر أديان الأرض، وتظل المعركة بين المسجد والكنيسة مبارزة حمقاء إنْ سقط فيها بيتٌ للهِ انهار البيتُ الآخر على رؤوس المؤمنين.
في غمرة مشاركاتي نسيت أنني أمام أهم اختراع حققه العقل البشري منذ بدء الخليقة، وبضربة خفيفة من أطراف أصابعي يأتيني من جـِنّ النبي سليمان، عليه السلام، آلافٌ ينطقون بشبيك لبيك، عبدك بين يديك، وسأجد قواميس، وموسوعات، وأدوية، وعلاجات ناجعة، وترجمات لكنوز الدنيا، وفنونا، وآدابا، وكتباً صوتية، وقصائد مسموعة للمتنبي وأبي تمام وإمريء القيس، وبحوثًا عن أعماق البحار، وصوراً لبركان آيسلندا وهو ينفجر غيظًا، واستمع إلى السيمفونية الثامنة لبيتهوفن، وأقرأ في قواعد اللغة، وأعيد تنشيط اللغات الأخرى التي أعرفها، وأحجز تذكرة سفر لجزيرة يونانية، وأتابع تقارير لجان حقوق الإنسان، وأشاهد العقيد جالسًا في خيمته، واستمع إلى جمال مبارك في الفيوم وهو يـَعِد الشعب المسحوق بالمن والسلوى على يد أحمد عز، وأشاهد الزعماء العرب يتعانقون وأعضاء الحكومة الإسرائيلية يضحكون حتى الثمالة مع بدء وانتهاء أي مؤتمر عربي.
أستطيع أن أدخل على مكتبة الكونجرس الأمريكية، وأبحث في وثائق مغمورة وهامة، ويمكنني قراءة أهم ما جاء في الصحف العربية قبل أن يتم فرشها على الطريق أمام الأكشاك، بل بامكاني مخاطبة الدنيا كلها، صورة وصوتًا، وأعُبّ من المعرفة والثقافة والعلوم ما لم يكن متاحاً لعلماء الأرض قاطبة قبل عشرين عامًا مضت.
لكنني اخترتُ طريقَ الغرور، وجعلتني المنتديات والمواقعُ الساذجة والمشاركات المتخلفة وأصدقاءُ الجهل الإنترنتّي أنتفخ حتى ظننت الورمَ معرفة، وقد آن الوقت الذي ينتشلني فيه المعرفيون والمثقفون والعلماء والخبراء وعلماء النفس بدلا من أن يهبطوا إلىَّ، ويسقطوا معي!
إن شباب الإنترنت لن يقودوا حركة تصحيحية، أو حِراكًا فكريًا، أو تغييرًا اجتماعيًا، أو مواجهات مع المستبدين والطغاة بغير قيادة واعية، وعندما يتنازل الكبار لنا عن هذا الدور فـَقُلّ على الوطن السلام، فنحن لازلنا على مقاعد الدراسة والتربية حتى بعد تخرجنا بسنوات، وعلى عقلاء الأمة أن يمدوا إلينا ايديهم ليرفعونا، وإلا مدَدنا نحن أيدينا لاسقاطهم!
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 3 يوليو 2010
Taeralshmal@gmail.com

لماذا يهتم المتديّنون بالتفاهات؟

ظاهرةٌ لا تحتاج في الواقع لكاتبٍ ولكن لخبير نفسولوجي يقوم برصدِها، وتشريحِها، وتحليل أسبابـِها، ثم الخروج بنتائج قد تؤدي إلى فهمها، وعلاجها!
شغلتني ردحًا طويلا من الوقت، وكلما اقتربتُ من فهمها عاودتني بوجهٍ آخر أكثر غموضًا، وتعقيدا، وتشابكًا!
بمجرد أنْ ينتقل أحدُهم إلى التديّن المحدث يترك خلفه المنطق، والموضوعية، والعقل، والمعرفة الإنسانية، ويتقدم صوْب عالم جديد كأنه يقوم بزيارة ساحر تتصاعد أمامه أبخرة ملونة تتشبك في هواءِ الغرفة الملوّث مع أصوات مبهمة لا تدري إنْ كانت ضحكات الشياطين أم صرخات الجن!
الدينُ في رأيي حالة من الوعي المتناقضة تمامًا مع ذلك التغييب، وهو تدبّر للكون، وتأمل في معجزات الخلق، وتوجه للخالق، عز وجل، وخشوع في حضرة نفخة الروح التي وهبنا إياها الباري جل شأنه.
الدين في رأيي عبادة بالعقل والقلب معًا، وبهجة يحققها الإيمان فتضفي علىَ الحياة سعادة دنيوية، وتنتهي بالاستعداد للسعادة الأخروية.
الدين في رأيي حرية في الاعتقاد، وتوحد كامل لمراحل الإنسان، فهو ينتقل من مرحلة إلى أخرى، وقد يبدأ بالشك وينتهي بالإيمان( د.مصطفى محمود، د.طه حسين، خالد محمد خالد)، وقد يبدأ بالإيمان وينتهي بالشك ( عبد الله القصيمي، عباس نور، الميرزا غلام أحمد)، لكن الخطأ الأكبر الذي يرتكبه عاشقو تكفير الآخرين هو الامساك بخناق مرحلة معيّنة من عمر الإنسان، واعتبارها التهمة الجنائية المفصولة عما قبلها، والمقطوعة عما بعدها.
شهد العقدان الفائتان زيادة ملحوظة في أعداد المتدينين المحدثين، وينبغي التفرقة بينهم وبين الذين جذبهم روح الإيمان، وانخرطوا في مرحلة جديدة ومتطورة زادت من سعة العقل، واتسعت بها تحليقات التأمل الإنساني العميق في الدين والكون والخالق و .. وما بعد الموت.
المتدينون المحدثون حالة مرضية أفرزتها مجتمعات متأخرة تمكنت من تغييب الوعي، واحلال أفيون الشعب مكانه، ثم محاولة اقناع معتنقيه أنه الدين الصحيح،ورسالة سماوية بعدما أخفوا وراء ظهورهم رسالة السماء إلى أهل الأرض، ونداء الحق إلى البشر كافة.
إنهم جنود أوفياء لثقافة النقل، وخصوم أشراس للعقل، وباحثون في بطون الكتب الصفراء عن كل ما يتصادم مع العصر، وعباقرة في حوارات الكراهية، وانعزاليون في طوائفهم، وملتصقون بفـِرَقـِهم الناجية من النار كأن هناك عقدًا مكتوبا في سدرة المنتهى يؤكد لهم أن رضوان، عليه السلام، لن يفتح باب الجنة لغيرهم.
المتدينون المحدثون خصوم للثقافة الإنسانية، وينظرون بريبة إلى الآخر، ويشككون في عقائد الغير ، ويغرسون سيوفهم في مذاهب المختلفين معهم.
منفصلون عن العصر، ومنكبّون على كتب عتيقة تفصلهم عنها مئات الأعوام، يستخرجون منها ما يؤذي الدين وأصحابه، ويضعون الصغائر أمام محاوريهم فيخسرون من أول جولة ويحسبون أنهم هم المنتصرون.
شغلني كثيرا هذا الجيش من الجراد الذي يأكل الأخضر واليابس، ويأتي على التربة الخصبة فيجردها من اخضرارها، وجمالها، وبكورتها، وينزع عنها كل فرص الحصاد ولو بعد حين.
اعرض على أحدهم مواد الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، فينبذها ويؤكد لك أن لديه الأفضل منها، فتنظر حولك ولا تجد إلا سجونا ومعتقلات وفسادا ورشوة وفقرا ومرضا ...!
تحدث في أي موضوع وستجد المتدين المحدث قد أحضر أمامك صفحات لا نهائية من أقوال السلف والسابقين والأولين، أما عقله هو فلا حاجة به إليه، فالعلماء يفكرون له، والفقهاء يُفتون من أجله، والأئمة يشفعون لأخطائه.
اكتب تحقيقًا عن التعذيب، والانتهاكات، ونهب أموال الفقراء، وتسميم التربة الزراعية، وتزوير الانتخابات، فسيمر عليه مـَرّ الكرام، ثم يلتقط من بين سطوره أقل الكلمات أهمية فيشتبك معك عليها، ويقضي على مقالك بالضربة القاضية.
عندما نشرتْ الصحافة صورة مفزعة للصحفية أطوار بهجت بعدما ثقب الإرهابيون رأسها، علـّق أحدهم قائلا بأنه مستاء كثيرا لنشر المواقع الإسلامية هذه الصورة وقد ظهر شعر رأسها، وكان ينبغي تغطيته لأنه عورة ( أما الثقب في رأسها المهشم، وجسدها المطعون في كل أجزائه فلم يثر انتباه صاحبنا)!
كتبت مقالا عن العهد الأسود لمبارك، وكان القلم في يدِ جهازي العصبي، ونشرتُ بعضا من جرائم الطاغية، وتوقعت أن يغشى على كل ذي ضمير يقرأ كلماتي، فإذا بأحدهم يكتب لي قائلا بأنه قرأ المقال، وأغضبه أنني ذكرت ملك الموت باسم عزرائيل، ولم يثبت في الكتاب والسُنـّة أن اسمه الحقيقي عزرائيل!
هذا الأحمق نموذج متطور من المتدينين المحدثين، كما كتبت لي إحداهن بأنها عثرت في كتاب مرت عليه قرون على أدلة أن الرئيس مبارك هو الحاكم الشرعي للبلاد!
إن امكانياتهم لا تسمح لهم بقراءة أكثر من ثلاثة سطور ثم تنفصل كهرباء الفكر من العقل، فيغترفون من أقوال فاقعةٍ تضر ولا تنفع، تنقص ولا تزيد، تـُميت ولا تحيي!
كتب أحدهم بأنه يسرع الخطى عندما يمر أمام محل تخرج منه موسيقى أو غناء لئلا يحاسبه الله، جل شأنه،على تلك اللحظات التي اخترقت معازف الشياطين أذنيه.
اكتب عن النقاب وأضراره وتعارضه مع كرامة الإنسان وأهمية أن يرى كل منا وجه الآخر، وعن حق أي منا أن يرى وجه من تتحدث معه، فلن ينام المتدينون المحدثون، وسيقومون لصلاة الفجر يدعون الله عليك باللعنة في الدنيا والآخرة ( حدث هذا معي فعلا، وقال الذي أقام صلاة اللعنة بأنني مُنكر للسنة والمعلوم بالضرورة من الدين لأنني أرى أهمية أن يتعارف الناس!).
عالم المتدينين المحدثين معجون بالجهل والكراهية، لذا فعندما تضاعفت أعدادهم أفسحت المجال للمستبد أن يستمر خانقًا شعبه، وللمخدرات أن تـُغَيـّب الملايين، وللدولة أن تتراجع، وللفساد أن يقتحم كل مؤسسات الدولة.
المتدينون المحدثون أعداء الدين الحقيقي، وحُماة الطغاة، وفي كنفهم ينبت سوس البغضاء، والتمذهب، والطائفية، واحتقار الغير، وصعود الصغائر والتفاهات.
قل لأحدهم بأنه ستكون لديه أقل من اثنتين وسبعين من الحور العين، وأن زعيم بلده أمر بذبح عدة آلاف من سجناء الرأي ومعتقلي الضمير، فسيرى الخبر الثاني تافها لا يستحق منه وقفة واحدة، أما الحور العين فهو على استعداد للدفاع عن عددهن، لا ينقصن واحدة، حتى آخر رمق في حياته!
قل لآخر بأن تحريك السبّابة وأنت تقرأ التشهد في صلاتك غير مهم، وأن جارك تم اغتصابه في قسم الشرطة القريب من منزلك، فلن ينصت إلى جملتك الأخيرة، لكنه سيفتل عضلاته النقلية في عنعنةٍ تمتد للقرن الثالث الهجري، فتحريك السبّابة فرضُ عينٍ على المُصـَلّي!
قل لثالث بأنك حضرت زواج سبعيني من فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، وأن عدد الأطباء الذين يجرون جراحة نقل الأعضاء، سرقة وخلسة، تجاوز المئات في مستشفيات الدولة كلها والعيادات الخاصة، فسيرُدّ على الفور بأن من حق السبعيني أن يتزوج من فتاة في العاشرة من عمرها، شريطة أن يكون جسدُها ممتلئا، وقويا، ومـُرَبـْرَبًا، وأن يظهر نهداها كأنهما بالونتان غير منتفختين تمامًا، أما سرقة الأعضاء من أجساد المرضى فلا شأن للمتدين المحدث بها.
قل لرابع بأن باب التبرع لجمعية مساعدة المنقبات في فرنسا لدفع الغرامة نصف مفتوح، وباب التبرع لتأهيل ضحايا التعذيب في بلدك مفتوح على مصراعيه، فسيفتح حصّالته القديمة من أجل ( المؤمنات في بلاد الكفرة)، أما ضحايا التعذيب والاغتصاب فالله يتولاهم برحمته!
أستطيع أن آتي بمئات، وربما آلاف الأمثلة والنماذج على عبقرية المتدينين المحدثين في العثور على التفاهات والصغائر والعباطات والهبالات واعتبارها من صُلب الدين، وأن الثقافة والحضارة والكتاب والتطور والتمدن والتسامح والعقلانية والموضوعية تقف في ذيل قائمة اهتماماتهم.
لقد جعلونا أضحوكة في الغرب والشرق، وصنعوا لنا خصوما في كل مكان، وباعدوا بيننا وبين أصدقائنا، وجعلوا المخالفين لنا في ديننا متوجسين خيفة، وفتحوا صفحات مجهولة في تاريخ قديم، وقدّموها على أطباق من ذهب لكل من يريد أن ينال من الإسلام الحنيف.
جراد في كل مكان، وعلى مئات الآلاف من مواقع ومنتديات الإنترنت، وفي الفضائيات الحمقاء التي تستضيف ملوثين عقليًا للحديث عن أسمى الرسالات، ولتفسير كلمات الخالق العظيم لأهل الأرض.
ويبقى سؤالي مطروحا: لماذا يهتم المتدينون المحدثون بالتفاهات؟
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 21 يوليو 2010

Taeralshmal@gmail.com

مقطع من يوميات الرئيس مبارك

موعدي قبيل ظهر اليوم مع مجموعةٍ من أفضل أطباءِ مِصر لاطلاعي على الوضع الصحي لي، لكن منذ عودتي من رحلتي العلاجية في هايديلبرج الألمانية وأنا ألمس نوعاً من المهانة في وجوه أطبائي، فقد كانت رسالتي في الرحلةِ العلاجية الأخيرة واضحةً لكل أطباءِ أكبر بلد عربي والذي حَكَمْته بالحديد والنار لثلاثة عقود، وكتب عن نظامه الصحي والمستشفيات وعبقرية الأطباء المصريين أكثر المنافقين تمرّساً في المديح الزائف حتى ظن الآخرون أنَّ مصرَ ستصبح قريباً قِبلة المرضى يأتونها من كل فج عميق!
إنهم يعرفون الآن أنني لا أثق بهم، وأنَّ أصغرَ طبيب أشقر الشعر، أزرق العينين أقرب لجسدي، وأرحم علىَ مرارتي، وأحنّ على غضروفي من كل أطباء وأساتذة وأعمدة الطب في أم الدنيا، فأنا لم أصنع نظاما طبيا يثق فيه أصحابُ السلطة والمال هنا، فمستشفياتنا من حق فقرائِنا، والمستشفيات الخاصة لمن يملك المال، أما العلاج في الخارج فهو للسلطة وحوارييها ومريديها!
دخل الدكتور زكريا عزمي وكأنه لص يتسلل في جُنْح الظلام، ثم اقترب من أذني اليسرىَ وأبلغني أنَّ هناك مظاهرة في قلب القاهرة، لكن أجهزة الأمن تمكنت من تفريقها!
ظننتُ في البدءِ أنَّ المتظاهرين عشرات الآلاف ينادون بسقوطي، لكنه أكد لي أنهم لا يزيدون عن سبعة وثلاثين مهووساً تكاد تتمزق حبالُهم الصوتية، وأنَّ المصريين يمرون عليهم كما يمر الأطفالُ على أقفاص القِرَدة في حديقة الحيوانات، فالأمر لا يعنيهم من قريب أو من بعيد!
اتصلتُ بوزير الخارجيةِ أحمد أبو الغيط الذي أكَّدَ لي فور سماعِه صوتي بأنَّ مصرَ أكبر من كل الحاقدين، وأنه لو اجتمعتْ أفريقيا كلُها وحجبت مياهَ النيل عنّا فإن حِكمَتي قادرة علىَ جعل الماء ينبجس من الصخر، وأنني أستطيع أنْ أروي ظمأ المصريين كلهم من قصعةٍ صغيرة!
فرحتُ بكلامِه رغم أنني أعرف مُسبقاً أنه كاذبٌ خائفٌ، وأنا كاذبٌ ديكتاتور!
سألني عما إنْ كان من حقه أن يعقد مؤتمراً صحفياً أُسوة بنظيره الهولندي في حال حدوث كارثةٍ تودي بحياة مئات المصريين، فسمع مني عِتابا اهتزتْ له أسلاكُ الهاتف، وقلت بصرامة:  لو ضرب زلزال مصر، أو تسمم عدة ملايين من المصريين، فينبغي أن لا يكترث أو يعطي الفاجعة أهمية أكبر من حجمها، فمصريونا أقل شأنا من حشرات تدوسها أحذيتنا، أليس كذلك؟
ثم أردفتُ قائلا: هل سمعت أنني انتقلت إلى مكان الحادث في أي مصيبة تضرب المصريين حتى لو احترقوا في قطار أو التهمتهم أسماك القرش بعد غرق عبّارة في سفاجا أو سقط عليهم جبل؟
يجب أن تعلم بأنني لا أتسامح مع أي مسؤول مصري يبدي أي قدر من الاحترام للمصريين!
فأجاب بنعم مُذلة أكاد أزعم أنه انهار بعدها من الخوف!
قال لي زكريا عزمي وقد انحنى حتى كاد عموده الفقري ينكسر إلى نصفين: سيدي الرئيس، هل علينا أن نخشى غضب المصريين في يوم من الأيام؟
كأنه ألقى على مسامعي نكتة تجمع بين الضحك والبكاء بنفس القدر.
قلت له: لقد فعلتُ مع المصريين في خمس ولايات من حُكمي ما يجعل الحديد ينصهر حِمماً من الغضب، وجعلت الكوارث تتسابق لتصيبهم، ووضعتُ أجندة فيها نهاية كل مصري إما غرقا في البحر الأحمر، أو محترقا في قطار، أو تحت ركام بناية سقطت بموادها المغشوشة، أو بسرطان من جراء فواكه وخضروات مُسَمّمة، أو من هواء ملوث، أو من مياه أكثر تلوثاً، أو من فقر مدقع، أو من جوع قاتل، أو من اكتئاب مميت، أو في تخشيبة بقسم الشرطة، أو في زنزانة تحت الأرض أو في مستشفى يسرق أطباؤها أعضاءه الصالحة ليستبدلها بأعضاء تالفة في أجساد أثرياء عهدي، أو يخرج عليه بلطجي بمطواة قرن غزال وهو آمن في الميكروباس، أو تختطفة أجهزة أمني، أو ينتحر يأساً، أو يغرق هربا من جحيمي قبل الوصول لشواطيء مالطا أو إيطاليا أو اليونان.
ابتسم الدكتور زكريا عزمي، ودعا لي بطول العمر، وللمصريين بِقصَره!
بعد قليل جاءتني مكالمة هاتفية من الدكتور أحمد فتحي سرور يبلغني فيها بنبأ تمديد العمل بقانون الطواريء، فهنئته، ووعدته بتمديد رئاسته لمجلس الشعب طالما ظل خادما أمينا لي ولأسرتي، ومادام يمرر توجيهاتي فيصنع منها قوانين ملزمة!
فسألني وهو يتلعثم: وهل سأكون على مقعدي عندما يتسلم مقاليد الحُكم السيد جمال مبارك بعد انتهاء ولايتك السادسة أو السابعة أو العاشرة، أطال الله في عمرك حتى يبدو نوح عليه السلام أقصر منك عُمراً؟
قلت له: كما قال أخي الملك الحسن الثاني، رحمه الله،لأحد وزرائه: لا يكفي أن تؤكد لي أنك خادمي، ولكن أن تعمل معي كخادم قولاً وفعلاً!
فرَدَّ بحماس: لو أردت، سيدي الرئيس، تشريع قانون يتيح لك وضع كل أفراد الشعب المصري في حامض الأسيد وإذابتهم، فلن أتردد أنا أو غيري من أعضاء الحزب الوطني!
قبل أن أضع سماعة الهاتف طلبت منه أن يكافيء العضو الذي طالب باطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين.
قيل لي منذ عدة أيام بأن هناك دعوات لتدوير منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، فطلبت من كل الأجهزة المعنية أن تسعى لتطويق الفضيحة، فأنْ يكون جزائري أو قطري أو صومالي مكان عمرو موسى فخسارتي تصبح مضاعفة لأنني أريد أمينا عاماً يجعلني أشعر أنني زعيمٌ لكل العرب، ويلتزم بتوجيهاتي.
اتصلت بعد الغداء بصفوت الشريف، وطلبت منه أن يخفف رؤساءُ تحرير الأهرام والأخبار والجمهورية وروزا ليوسف وأكتوبر من المديح المقزز للنفس، والنفاق المقرف، والكذب المضلل، فقد جعلوا مني نصف إلـَه، وسوبر نبي، وعملاقا بعقل أينشتاين ودهاء تشرشل!
ليل الثلاثاء الماضي أيقظني ابني جمال وقال لي بأنه يشعر بغربة، ووحشة، ويطارد الأرق عينيه من جراء التفكير في الدكتور محمد البرادعي!
ضحكت لدقائق عدة وهو صامتٌ لا ينبس ببنت شفة، ثم قمتُ بالتخفيفِ عليه من تخوفات وهمية، فالرجل القادم من الخارج لا يعرف قواعدَ اللعب مع الكبار، وماذا سيحدث لو أنني رفضت تغيير َبعض مواد الدستور ؟
قلت لجمال وقد علَتْ نبرة صوتي: أنا وضعت في قلب كل مصري، إلا مَنْ رحم ربي، بذرة الخوف ولو كان في جوف كهف لاتعرف موقعه وكالة ناسا، أو في بطن حوت يختبيء في عُرض المحيط!
إن المصري، ابني العزيز، يخاف من خياله، ومن البريد الإلكتروني، ومن كفّ المخبر المتقاعد، ومن المرور أمام قسم الشرطة، ومن أعضاء لجان الإنتخابات حتى لو كتب كلمة(نعم) ووضعها أمام عيونهم،!
هل تعلم أن ربع مليون شاب شجاع على الفيس بوك لو استدعاهم صاحبك الذي تؤرقك صورته، وعودته، ومؤيدوه، وطلب منهم العصيان المدني أو الانتفاضة أو التجمع المسالم في أحد ميادين قاهرة المعزّ فلن يحضر منهم أكثر من ثلاثة وأربعين، وسيبعث حبيب العادلي خمسين ألف رجل أمن ليجعلوا من الميدان ثكنة عسكرية، ومن العاصمة هدفاً لحرقها لو شعرت أن ملكيتي لرقاب المصريين تتعرض لتهديد حقيقي.
أعترف لك، ابني العزيز جمال، بأن العودة الأولى للدكتور محمد البرادعي كانت هي الفرصة الأكبر لوصوله للحكم، والقائه إياي وأمك وشقيقك علاء من نافذة القصر، وكانت مصر تغلي كراهية لي، وغضبا على أسرتنا، لكن البرادعي أضاع فرصة العُمر.
المصريون يبحثون عن زعيم وليس عن رئيس فقط، والبرادعي يطلب من الشعب التأييد الهاديء وليس التمرد الغاضب، وتلك هي المعادلة التي ستجعلنا ننهل من مغارة علي بابا لربع قرن قادم دونما حاجة لأربعين حرامي!
وأخيرا طلبت منه أن ينام قرير العين، فالخطر بعيد عَنّا بُعْدَ المشرقين، والعَدُّ التنازلي لحُكمنا لا يبدأ قبل أنْ يقتنع المصري بأنَّ مصر بلده، وأن المصرييين اخوة في المواطنة، وأن خيرات مصر لأهلها وليست لنا، وأن كرامة المصري تسبق كل القيم الأخرى، وأن الله لا ينحاز للمسلم أو القبطي، وإنما للشجاع، والنبيل، والمؤمن بأن الدفاع عن الكرامة شرط لرضا العزيز الجبار.
عدت إلى النوم وأنا أفكر في مصر التي تسلمتها لثلاثة عقود خلت، فجعلتها في ذيل أمم العالم، أكبرها وأصغرها، ويستطيع أيّ منصف أن يلقي نظرة متفحصة على التعليم، والسلوكيات، والفنون، والآداب، والترجمة، والسياسة الخارجية، والزراعة، والصحافة، وبرامج التلفزيون، وثقافة المواطن، ومعلومات خريجي الجامعات، وعالم المخدرات، والجنس، والتدين الزائف، والعلاقات بين المسلمين والأقباط، والتربية المنزلية المليئة بالكراهية لأصحاب الدين الآخر، ومياه الشرب، وقوانين الطواريء، وظروف اعتقال الأبرياء، والفساد، ونهب أموال الدولة، وموميائية الوجوه التي تطل من الشاشة الصغيرة، والعلاقات بين المصريين، والغش، و ... وسيعرف أنني أديت مهمة لوّ حَكـَم إبليس شخصياً لما استطاع أن يفعل بمصر والمصريين مثلما فعلت أنا وأسرتي.
قبل أن يغلبني النعاس، سألتني شريكة عمري عن تلك الابتسامة الساخرة التي ترتسم على شفتي، فقلت لها: لقد تذكرت غضب المصريين الذي هددني به معارضون لحكمي ومنظمات حقوق الإنسان، لكن يبدو أن هذا الغضب مؤجل إلى يوم القيامة.
ورحت أغـُط في نوم عميق، فاليوم التالي سيكون جحيما متجددا لشعب لا يثور، ولا يغضب، ولا يستعين بكل قيم الخير والشجاعة والإيمان وحب الله ومحبة الوطن ليدافع عن بلده، وأهله، وكرامته، وممتلكاته، ومستقبل أولاده!

مقطع من يوميات مواطن عراقي

 هدوءٌ حـَذِرٌ خـَيَّمَ علىَ منطقتنا منذ صباح هذا اليوم، لكنه لا يعني الضوءَ الأخضر للآمنين في الشوارع الرئيسة أو الجانبية، أو حتى للسيدات المـُسِنّات اللائي يفترشن أرضَ السوق في محاولةٍ يائسةٍ لكسب مبلغٍ ضئيلٍ قد يـَسُدّ رمق سبعة أطفال يتضورون جوعاً

قررتُ المجازفةَ والسيرَ في الطرقات المليئة بالمطبات، وفرَكتُ عيني مرات عديدة لعلي أتأكد أنني لازلت في العراق، ثم أزحت من ذهني مطلعَ قصيدة للجواهري ربما كان يقول فيها

سهرتُ وطال شوقي للعراق .. وهل يدنو بعيدٌ باشتياق

وهل يُدنيك أنكَ غيرُ سالٍ .. هواك وأنَّ دمعـَك غير راق

فما أنا على يقين منه الآن هو استجوابٌ في مشروع وطن، وتصويرٌ لمشهد عزاءٍ تحاول حكومة المنطقة الخضراء الايحاءَ لنا أنه عـُرْسٌ، وأنَّ الطلقات النارية هي للاحتفال والفرح وليست للقتل والدمار!

بدرت مني عن غير قصدٍ ابتسامةٌ ساخرة عندما تذكرْت تهكمي في السابق على طائفية اللبنانيين، وتأكيدي لأحد أصدقائي وهو يحاورني أنَّ العراقَ آخرُ دولة على وجه البسيطة يمكن أن تتسلل إليها نزعات طائفية، وأننا، شيعةً وسـُنـَّةً وأكراداً وتركماناً ومسيحيين وصابئةً ويهوداً ومؤمنين وغير ذلك ، شعب واحد يروي عطشـَه نهران، وتـُثري لسانـَه لـُغتان، ويـُعَمـِّر قلبـَه حرفان، ويكتب تاريخـَه مَلـَكان!

تحـَوّل المشهدُ العراقيّ إلىَ أكبر عملية عبث في المعاني اللغوية لوصف الحقائق والأكاذيب، فالاحتلال يصفه نصفُ العراقيين بالتحرير، والطاغية يؤمن ثلثـُهم أنه شهيد، وحكومة فيشي يأمل ربعـُهم في توجهاتها، والقتل على الهوية يرى أكثرنا أنه ضرورة وطنية، وكل الطوائف الأخرى تستحق الإبادةَ إلا طائفتنا التي أعـَدَّ اللهُ لها مكانا في الجنة!

الآن اسمـُك قد يحدد نهايتـَك، ومكانُ عبادتـِك هو الطريقُ المستقيمُ لقبـْرك، وحبـُك لعراقـِك لن يشفع لك، فحتى الذي يـُفَجـّر نفسَه في مستشفى للأطفال أو وسط سوقٍ يحتشد به الضعفاءُ والمساكين والباحثون عن لقمةِ العيّش على يقين أنه أكثر حـُبّاً للعراق من الذين ستتناثر لاحقاً أشلاؤهم في كل مكان!

تلقيت أول أمس مكالمةً هاتفية من ابن عمي المقيم في السويد، وقـَصَّ عليّ بعضاً من يومياته فأصابني هـَمٌّ علىَ غـَمٍ، واستفسرت منه عن طريقة الخروج من الجحيم، فطالبني بالصبر لعل اللهَ يُحْدِث بعد ذلك أمراً!

قابلت أحـَدَ أصدقاءِ الطفولة الذي كـُنّا، أنا وهو، لا نفترق حتى نلتقي، ولا يغيب أيٌّ منّا عن الآخر إلا ويراه مرة أخرى قبل أن يختفي ظله!

وقفنا نتأمل وجهينا مـَليـّاً، فهو يعرف أننا أصبحنا على طرفي نقيض، وهويتـُه قد تقطع رقبتـَه إنْ رآه معي أحدُ أعضاء جماعتنا، وهويتي ترسلني إلىَ العالـَم الآخر لو مررت أمام بيته في منطقةٍ تحمل جنباتي عنها ذكرياتٍ عطرةً مفعـَمة بالبراءة في زمن اكتشفتُ مصادفةً بعد شهور عدة أنَّ زميلي وجاري في مقاعد الدراسة من طائفة أخرى، فالاختلاف في الدين والعقيدة والمذهب والطائفة والعشيرة والطقوس كان آخر ما يشغل العراقي رغم طغيان الاستبداد لأكثر من ثلاثة عقود.

تذكرتُ صديقاً حميما لشقيقي الأكبر الذي حكى له خلال زيارة قصيرة قطعها من منتصفها وعاد إلى وطنه الجديد .. هولندا بأنه قضىَ سهرةً مع مجموعةٍ من العراقيين في بيت أحدِهم بضواحي روتردام، وكان البكاءُ فيها علىَ الوطن يفوق أحزانَ الدنيا كلـِّها، واستمعوا لناظم الغزالي، وقرأوا مقتطفات لعلي الوردي،ولم يسأل أي منهم صاحبه عن دينه أو مذهبه، وصبـّوا لعنات علىَ مُفـَرّقي الجماعة، وداعمي الطغيان، ومفجـّري أنفسهم في الأبرياء، والمجادلين في حقيقة أو زيف مذهب الآخر، واستخرجوا من قاموس الشتائم كل ما فيه لوصف أكثر مَنْ حكموا العراقَ منذ مذبحة قصر الرحاب إلى الانتخابات الأخيرة التي يتصدرها ثلاثة: بلطجي، وقاتل، ومحتال مصارف!

في الطريق لمحتُ رجلا أشيب الشعر، مقوّص الظهر، رثّ الثياب، وعندما التقت عيناي بعينيه أشاح بوجهه إلىَ الناحية الأخري، فهو يعرف أنني عايشت تفاصيلَ حكايته عندما اغتصبه ثلاثةُ جنود يانكي من حراس سجن ( أبو غريب)، وشاهد انتهاكَ كرامتـِه ثـُلـَّةٌ من صحاب السجن، فلما خرج بعد بضع سنوات رفض العودة إلى بيته، فهو من عشيرة ترى أنَّ الشرفَ قبل الإيمان، وأنَّ السيفَ أصدق إنباءً من الكتب، وأن عارَ اغتصاب الرجل أعمق جُرحا من فقدان المرأة لشرفها، ففضـَّل التسوّلَ في منطقة أخرى عن العودة لعشيرته الكبرى!

إذا أردت أن تتأكد من حُبـِك للعراق فعليك أن تتوَحـّد مع روح نخلة باسقة، وأن تهزّ إليك بجذعـَها، وأن تـُنعش لسانـَك برطبها، حينئذ يدخل إلى يقينك إيمانٌ أن ثروة العراق ليست فقط في عبقرية العراقيين، أو تسامحـِهم، أو نهريّن يحتضنان أرضـَه، ولكن في ملايين من أشجار النخيل.

فإذا علمتَ أنَّ نخيلَ العراق قتلتْ ثلثـَه حربٌ مجنونة بين بغداد وطهران، ودمَّرَتْ الثلثَ الثاني هستيريا طاغيةٍ ظنـَّه العربُ مَهيباً، وأتت علىَ أكثر ما بقي منها طائرات العم سام فكانت الحلبجةُ حلبجتين: واحدة لسكان قرية بريئة، والثانية لروح أرض كان تـَمرُها يـَسَّاقط علينا رُطـَباً جـَنـْيـّاً.

لو قام إبليس بافتتاح مكتب للهجرة في قلب بغداد مع وعد للعراقيين بجحيم في الخارج فسيقف أمامه صفٌّ طويلٌ من الحالمين يمتد من الحدود التركية إلى الحدود الكويتية، فأيّ حياة بائسة خارج أرض الرافدين هي جنة مقارنة بوطن كان يمكن أنْ يصبح قـِبْلـَةَ العرب الحقيقية، ومصدرَ الابداع، والتقدم، والثقافة، والشعر، والأدب، والعلوم، وعبقرية التسامح.

وقفتُ أمام كـُشك صغير به بضاعة لو باعها صاحبـُها مرة واحدة فلن تكفي لشراء ثلاث وجبات طعام لأهل بيته، وابتسم لي كأنه أراد أن يبوح بخلجات نفسه قبل أن استخرجها بنفسي، ثم قال لي مُبرّرا شـُحَّ مواد غذائية متناثرة في مـِتْرَيـّه المربعين بكـُشك يعادل مساحةَ زنزانة في سجون العراق تحت كل الأنظمة التي حـَكـَمـَته أو احتلته أو قهرته:

هذا ما بقي لدي بعدما أنفقتُ آخر دينار في بيتنا لتهريب زوجتي وبناتنا الثلاث إلى سوريا، لكن حيرتي لا تبرح ذهني إلا قليلا، فالفاقة بين ملايين العراقيين المُشـَرَّدين في سوريا والأردن قد تجعل غـَضَّ الطرفِ عن شرف المرأة أمراً إعتيادياً، فتتساوى المهانة في الغربةِ مع الذُلّ في الوطن!

لم أكن بحاجة إلىَ المزيد فقد فهمتُ من نظراته الحزينة أنَّ شائعاتٍ قد تناثرت حول أذنيه تتحدث عن اضطرار واحدة أو أكثر من حريمه إلى التفريط فيما كان يعتبره العراقي خطاً فاصلاً بين الحياة والموت، فلما نقلتْ له فضائياتُ العالم مشاهدَ الجنود الأمريكيين وهم يتحسسون أجساد العراقيات بحجة التفتيش، سقطت حينئذ بغداد للمرة الثانية, وتوارى سيف الشرف العراقي في غـِمْده، وبهتت نظرات عيونٍ كانت تبرق، ثم ترسل حمرتـُها شرارات حـِمـَميّة لو مسَّ شرفَ العراقيات غريبٌ ولو كان مقيما بين ظهرانينا نصف عمره أو يزيد!

كل شيء قابل للعادة حتى لو كان السجـّان يُلهب قفاك عشرين مرة في اليوم ثم يتوقف فجأة، فربما تفتقد صفعاته حتى تعتاد مرة جديدة على غيابها!

والإحتلال أيضا يخضع لنفس النظرية، فأنا في أقل من ساعتين وقعت عيناي على جنود أمريكيين لولا أنهم مسلحون لخلـْتهم يتنزهون كما يفعلون في شوارع لويزيانا وشيكاجو ومانهاتن وميامي، ولم أطرح على نفسي السؤالَ عما يفعلوه هنا خشية أنْ يأتيني الجواب بسؤال مضاد عما نفعل نحن في العراق!

الإحتلال أيضا غسيل مخ يجعلك تبحث بعد اليأس والغضب عن إيجابياته، فتُعيد النظرَ كرَّتيّن لشوارع عراقنا فتجد صحفا منشورة كأن كل عراقي لديه مطبعة في بيته، وفضائيات مفخخة في وجوه الجميع، وإيحاءات طائفية عبر الأثير تنفجر لاحقا لتقنع العراقيين بأن حُكم الطاغية، وقهر الجنود الذين اعتمر أحمد الجلبي قبعته وهو يجلس فوق دبابة معهم، وكل من تولى رئاسة الحكومة وتوارى في المنطقة الخضراء ليحيل أحلامَ أهل بلده إلى كوابيس سوداء، فتكتشف أن المشهد العراقي لو رسمه إبليس بريشة من عبقرية الوسوسة التي حنـّكته منذ بدء الخليقة، فإنه سيقف عاجزا، وربما يطلب من العراقيين أن يتتلمذ على أيديهم!

فجأة سمعت إنفجارا يهز الأرض وبناياتها الآيلة للسقوط، وأرتميت على وجهي، وحميت رأسي من تناثر زجاج المنازل القريبة، وظهرتْ فجأة صورة العراق الذي أعيش فيه، واختفت صورة وهمية من زمن أزعم أنه كان من نسج خيالي.

إنه ليس هجوماً بالطائرات الأمريكية، فالأمريكيون يعيشون بيننا، ويبيعون نفطـَنا، ويضعون مناهج الدراسة لأولادنا، ويحددون لنا أولوياتنا، ويوافقون على تعيين حكوماتنا، وأزعم أنه هجوم عراقي ضد العراقيين، وستختفي بعد دقائق اللوحات المعدنية للسيارات المفخخة، وسيغمض الأمنُ عيونـَه عن القتلة في انتظار البيان الذي سيحدده محتلونا لتوزيعه على وكالات الأنباء.

وقفت بعد قليل، وتأكدت أنني حيٌّ، هذه المرة على الأقل، فالموت غدرا مكتوب على العراقيين، وإنْ مـِنّا إلا وارده، وإذا نجوتَ من جنود الإحتلال، فأبناءُ وطنك أيضا سيرسلونك إلى باطن الأرض، ولكن تريّث قليلا، فالطائفة الأخرى تتربص بك!

عدتُ إلى البيت كما يفرّ السليمُ من الأجرب، وأرتميتُ على مقعد غير مُريح أمام جهاز الكمبيوتر، وعبثتْ أناملي بكل مفاتيح الكي بورد، وقضيتُ ثلاثَ ساعات متنقلا بين مواقع ومنتديات عراقية ليتأكد لي بعدها أنَّ انفجارات الخارج كانت أرحم من قنابل الشبكة العنكبوتية، وأنَّ عالـَم الكراهية والبغضاء والطائفية في المنتديات والمواقع التي يديرها ناطقون بلغة الضاد هو عالـَمٌ فريد من نوعه، ولو تجسـّد الحقدُ لغةً لكانـَها، ولو تحوّل الشـَرُّ حـَرّفا لما وجد غير أعضاء ومشرفي وزوار هذه المواقع ليمدّهم بأكثر مما يحتاجون!

كان العراقيون قادرين على إمداد العرب كلهم بالعلماء والأدباء والشعراء والجنود والأطباء والمهندسين، لكننا انتحرنا يوم أنْ رانَ صـَمْتٌ على ألسنتنا، فقد صـَكّ كلٌّ مـِنّا وجهه أمام الاستبداد، وتـَمَّت تصفية ربع مليون عراقي في أقل من ثلاثين سنة لم نشهد فيها سيارة مفخخة واحدة تنفجر أمام الحرس الجمهوري للقائد المهيب، فلما غاب، تفجّرَتْ بطولاتنا، وشققنا طريقنا بسهولة ليقتل العراقي أخاه بأسهل من قتل ذبابة.

كلنا قـَتـَلَة، وكل التبريرات التي نسوقها واهية وكاذبة وشهادة زور، ونقاشاتنا عن الماضي نفاق، واستدعاء شواهد من تاريخنا لألف وأربعمئة عام خلت كاستدعاء الكذب ليمحق الحق، ولو نزلت آياتٌ عن حديث الإفـْكِ مرة أخرى لما وجدتْ غير أرض العراق.

كلنا مارسنا التعاونَ مع الشيطانيـّن بنفس القدر: الاستبداد والإحتلال!

جلست أتخيل أحلامَ ملايين العراقيين في استبدال الراين والسين والدانوب بدجلة والفرات، وتذكرت يا ليلة العيد أنستينا لأم كلثوم وهي تقول: يا دجلة ميتك عنبر، وبحثت في كل الوجوه التي مرّت بذهني محاولا العثور على عاشق للعراق فأعياني الفكرُ، وأصابني دوار، فارهاق، فاكتئاب، فيأس!

أكاد أجزم بأنَّ من يجادل لاثبات أباطيل المذهب الآخر أو الطائفة الأخرى هو عدوٌّ للعراق ولو كان لديه توثيق مـُوَقـَّعٌ من رضوان، عليه السلام، يسمح له بدخول الجنة من باب الأنبياء والصدّيقين والشهداء.

منذ هذا الحادث وأنا أنتظر مكالمة هاتفية من الخارج، لعلي أرجو، واستصرخ صاحبها أن يجد لي فرصة هروب إلى أي مكان، ولو كان جحيما في عالم الحرية، بديلا عن وطن داس عليه الاستبدادُ ثلاثين عاما، وحطـَّمه الحصارُ ثم الإحتلال، وساهم أهلُ البلد في الاجهاز علىَ ما بقي منه.

من كان يظن أنَّ طائفتـَة هي وحدها الناجية من النار فهو من أهل النار!


 

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 9مايو 2010

Taeralshmal@gmail.com


مقطع من يوميات برلماني مصري

رغم مرور وقتٍ قصير منذ أنْ أخذت مكاني تحت قبة الحَرم الديمقراطي إلا أنني تمكنتُ من تعويض كلِّ ما أنفقته في الحملة الإنتخابية، وأشتريتُ بيّتاً أنيقاً في المنطقة التي يقطنها عَليـّة القوم وأسيادُ العبيد.

تخلصتُ صباح أمس من عشرات الطلبات المـُكدَّسة فوق مكتبي والتي يطلب فيها اصحابـُها تأدية خدمات لهم مقابل ما ظنـّوه وعْداً مني مشروطاً بنجاحي!

لو طرح عليّ أحدٌ سؤالا عن مفهوم السعادة لقلت على الفور بأنها المالُ والقوة، فإذا احتاج صاحبـُنا لتفسير لأحلته علىَ الفور إلىَ كلمةٍ سحريةٍ تطارد أحلامَ كل منّا منذ أنْ قرر بيعَ مجوهرات زوجته وشقيقتها خلال الحملة الإنتخابية.. إنها ( الحصانة البرلمانية)!

الكلمة التي لو وقفتْ أمام سَحـَرة فرعون تبتلع ما يلقون، وما يتخيل المصريون أنها تسعى!

الحصانة البرلمانية هي الطريقُ إلى الثراء والهيبة والمَنـَعَة والبرستيج الإجتماعي حتى لو قضيت نصفَ الجلسات نائماً علىَ مقعدي بينما الدكتور أحمد فتحي سرور يهبط بمطرقته على مكتبه طالباً من أحد أعضاءِ الإخوان المسلمين أنْ لا يطيل في الحديثِ!

منذ يومين تلقيتُ إتصالا هاتفياً من أحد أعيان قريتنا الذي ساهم كثيرا في نجاحي رغم أن النتيجة النهائية حددتها وزارةُ الداخلية بعدما تلقت التوجيهات من لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم، فمنعتْ قوات الأمن بمساعدة مسجلين خطرين الناخبين من دخول لجان الاقتراع!

طلب مني أنْ أقوم بتمرير اقتراح كنت قد قدّمته من قبل للتعجيل في شق طريق فرعي يمر على المنتجع السياحي الذي يملكه، ووعدته خيرا، فوعدني بــ ( الحلاوة)، ولعله يقصد شقة مجانية تطل على النيل تتزوج فيها ابنتي الثانية في البرج الذي يملكه باسم زوجته!

يوم الثلاثاء الماضي وصلتني رسالة على المحمول يشكرني فيها رئيسُ الوزراء لموقفي من بيان الحكومة الذي ألقاه، فقد كنت متحمساً له، رغم معرفتي أنَّ تسعاً من كل عَشـْر كلمات فيه أكـّذَب من رئيس الجمهورية نفسه وهو يـَعِدُ الشعبَ بالمـَنّ والسلوىَ وبانتخابات نزيهة.

تسلمتُ كتاباً من صديق قديم يهتم بالثقافة والعلوم والآداب، وهو عن كيفية النهوض بالتشريعات المناسبة لتـَقَدُم الأمم، وضحكتُ حتى ظـَنـّت بي زوجتي مَسـّاً من الجنون، فصاحبـُنا الأبله لا يعرف أنَّ عضوية البرلمان في مصر والثقافة نقيضان لا يلتقيان، وآخر كتاب انتهيت من ثلاثين صفحة فيه بشق الأنفس كان منذ عشر سنوات.

إننا نحن، أعضاء البرلمان عن الحزب الوطني الحاكم أميون يقرأون بصعوبة، ولو تم عقد إختبار لـُغَويّ أو معلوماتي لنا لأصبحنا لقمة سائغة في أفواه الملايين!

عاتبني زميلي الجالس بجواري في مجلس الشعب لأنني لم أسافر معه إلى بيروت في عطلة الأسبوع الماضي، فقد عاد وفي حقائبه أربعمئة جهاز محمول لحساب تاجر جُملة شاطر أعطاه عـَدّاً ونقـْداً علىَ الفور مبلغا يـُعادل مرتبَ موظفٍ حكومي في ربع قرن!

تجنبتُ الأحاديث الجانبية للأعضاء الثلاثة الجالسين خلفي، فأنا في الواقع لا أحب تجارة الكيف التي يمارسونها.

صحيح أنني أحتال، وأنهب، وأقترض من البنوك بدون ضمان، وأقوم بتسهيل التهريب، وأنافق، وأشهد زوراً، ومتزوج سِرّاً من فتاة صغيرة في عمر ابنتي الثالثة، لكنني لا أحب تجارة المخدرات رغم أنني أراها حرية شخصية من حق حامل الحصانة البرلمانية لتعويض النفقات الباهظة التي كادت تـُفلسه وأسرته خلال الحملة الانتخابية!

تشرفنا بلقاء أمير الشباب، رئيسِنا القادم في مكتبه بلجنة السياسات، وأعطانا التوجيهات والتعليمات، ووعدنا أننا سنعود إلى المقاعد في الانتخابات القادمة، وقرأ علينا رؤوس الموضوعات للقضايا التي ينبغي لنا التصدي لطرحها تحت قبة البرلمان، ولم ينس أنْ يشير إلى أهمية تمرير بعض القوانين التي تصب في صالح ملوك الغاز والبترول والعقارات والحديد والسيارات!

ابتسم لي الدكتور أحمد فتحي سرور، وغمر لي بعينه بعدما تمكنت مـِراراً وتكراراً من مقاطعة عضو أرادَ الحديثَ عن السجون والمعتقلات، وعن الذين قضوا سنوات طويلة في زنزانات مخيفة في أقبية تحت الأرض، فهذا الموضوع يثير غضبَ الرئيس، وفخامتـُه يرى أن الزنزانة هي البيت الحقيقي للمصري، أما الحياة خارج المعتقلات فهي حالة مؤقتة ومشروطة بالطاعة.

ثم تحـَمـَّس ثان، ورفع يدَه ثم بدأ في طرح موضوع سخيف وتافه عن قوانين الطواريء والاعتقالات العشوائية والتعسفية والتعذيب، لكن زميلي الشهير بصوته الجهوري وهو مُقـَرّب إلىَ السيد اللواء وزير الداخلية هجم عليه، ولـَكـَمـَه في وجهه، وأدار سياقَ الحديث لموضوع آخر، ورفع رئيسُ المجلس الجلسة!

الإنتخابات الجديدة تقترب، وزوجتي تـُلـِحّ عليَّ قبل النوم في كل مساء نحصي فيه مكاسبـَنا بأنها ليست أقل من فلانة هانم زوجة عضو مجلس الشعب الذي لم يعد يستطيع أن يحصي أمواله من كثرة خدماته لذوي السلطة والنفوذ ولصوص الوطن، وأخيراً وعدتها بخبطة العمر في الشهور القليلة القادمة، فنحن أعضاء السلطة التشريعية، ونواب الكيف والمحمول والأراضي والمسرطنات والحليب المسموم وبيع أراضي سيناء والبصم على أي قوانين تـُسَهـّل بيعَ مصر دونما حاجة لمزاد علني.

ما كرهت شيئا أكثر من كراهيتي لكلمة( ممثل الشعب)، فهؤلاء الحمقى الذين يذهب بهم الخـَبلُ إلىَ الظن أننا في خدمتهم يعيشون في أوهام من صـُنْع أنفسهم، فنحن في خدمة القصر وسيّده وأولاده وأحفاده وأقاربه ومريديه وحوارييه.

يجب أنْ يتوقف المصريون عن هذا العبط والهـَبَل والسذاجة، فنحن أعضاء مجلس القصر، وخدمٌ للرئيس، وعبيدٌ لا يعصونه ما أمرهم، ولو غطـَّس رؤوسَنا في بالوعات القاهرة، وشربنا من مجاريها لشكرناه، وصفـّقنا له، وحمدنا اللهَ علىَ عودته ومرارته من مشفاه بألمانيا!

حدثٌ غريبٌ لو رويـّته لأيّ شخص فلن يصدقني، فقد شاهدت في أحد الصفوف الأولى إبليساً بشحمه ولحمه وناره وقرنيّه المشوبين بالحمرة، وكان يقوم من مكانه دون أن يراه أحد، ويقف بجوار أيّ متحدث من الحزب الوطني، ويقترب بشفتيه من أذن النائب، ثم ينتفض الجسدُ فجأة، وتلبس روحُ الشيطان المتحدثَ حتى ظننت أنَّ قرنين سيظهران فجأة في رأسه!

صباح اليوم ونحن نجلس على إفطارٍ عائلي، ألقيتُ على مسامع أولادي وبناتي موعظة عن الصدق والشفافية والخير وحب الوطن والأمانة والشهامة والنـُبـْل والحرية والديمقراطية والثقافة، ولم تمر دقائق قليلة حتى انسحب كل أولادي كأنني مصاب بالجرَب، وتردد أصغرهم لثوان معدودات، ثم اقترب مني، وقذف في وجهي ببصقة فيها بقايا طعام، وولـّىَ فِراراً!

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 6 مايو 2010

Taeralshmal@gmail.com

مقطع من يوميات جبان

كانت الليلةُ الماضيةُ عَصِيبةً علىَ كلِّ مسامات جسدي بعدما تلقيتُ مُكالـَمَةً هاتفيةً من صديق يدعوني فيها إلىَ الاشتراكِ معه في مظاهرةٍ ضدّ نظام الحُكم، وهو يعرف تماماً أنني مواطنٌ مَبنيٌّ للمجهول، ومفعولٌ به، ومجرورٌ، ومكسورٌ الجناح، ومنصوب عليه،ومن أخوات كان، وعلىَ لساني علامةُ استفهام، وتسبق كلَّ كلمة أتفوّه بها علامةُ تعَجُّب، وحياتي من مهدها إلى لـَحْدِها بين قوسين!

خشيتُ أنْ تكون عيونُ الأمن قد رَصَدَتْ أسلاكَالهاتفِ أو ستالايت المحمول ووجدتْ في ارتعاشةِ حنجرتي صيّداً ثميناً ينبغي أنْ تصحبه في الفجر من فراشه، وتـُلقي به على أرضيةِ سيارة الترحيلات ليستقبلي مأمورُ القِسْم قبل انبلاج فجر اليوم التالي!

نزلتُ مُسرعاً سلالمَ العِمارة التي أقطنها، حتى حارسها لم تلتق عيناي بعينيه خوفا من أنْ يقرأ في هرولتي لواعجَ نفس كاد الذعرُ يُهَشـّم كل أجهزتها العصبية والعاطفية، ويجَمّد أطرافَ جَسَدٍ عاش علىَ الهامش طوال حياة صاحبه الذي لم يَدُر بخلده للحظةٍ واحدة أنَّ اللهَ نفخ من روحه في نسل آدم حتى يوم القيامة.

في الطريق اشتريتُ صحيفة اليوم وهي الأكثر تمَلـُّقاً للزعيم، والأشدّ نقداً لخُصومه المشاغبين الذين لم يتعلموا أننا فئرانٌ تتشرف بتقبيل حذائِه، وأننا أرانبٌ تـُقَدّم له جزيلَ الشكر لأنه قد قام بتأجيل ذبحها أياما أخر، فإذا لاحت طلعتُه البهية سابـَقنا الريحَ لكي لا يرانا.

سمعتُ زميلين كانا بالقـُرْب مني يتحدثان في أمور سياسية، أذْكـُرُ منها ظنَّ أحدِهما أنه يجب الدفاعُ عن السجناء، وأن معتقلي الضمير اخوتنا في الوطن، وأشقاؤنا في الانسانية، وأنَّ الواجبَ الأخلاقي يقتضي معارضة سيدنا وقائدنا الذي تـَحْدُث كل الجرائم ضد المواطن بتواطيء معه، أو برضاه، الضمني أو الصريح، أو بتوجيهاته التي لا يستطيع أحد أن يَعْصِيها ولو بشـَدِّ عَضـَلة خلفية في وجهٍ يوشي بتبـَرُّم غير مرئي!

لم أشترك قطعاً في الحديثِ، بل تسللتُ خارج المكان لئلا يطرح عليّ أحَدُهما سؤالا يـُغنيني خوفي الدائم عن الإجابة عليه أو حتّىَ السماح لأذُنيّي أنْ تـُدخله في طبلتها ولو كان همساً غيرَ مسموع!

عاقبت اليوم ابني الأكبر عقابا لن ينساه بعدما أسـَرَّ إليّ أنه اشترك في جروب علىَ الفيس بوك يـُبدي أعضاؤه المتهورون اعتراضاتٍ شبابيةً ساذجةً علىَ الأسرة الحاكمة، ونفقاتها، وسوء تصرفاتها، وإهدار أموال شعبنا، فقررتُ أنْ أمْنـَعَه من الدخول علىَ الإنترنيت حتى يتعلم أنْ رفعَ الرأس أمام الكبار خطيئة من الكبائر التي لا أسمح بها في بيتي أو تحْمِل اسمي الذي ورثه أولادي.

طاعة ولي الأمر من طاعة الله، وأستطيع أنْ استدعي من أقوال العُلماء والفقهاء، الأحياءِ منهم والأموات، ما يجعل نبضات قلبي تعود منتظمة ومستقرة بعد الإيمان أنْ الخروجَ علىَ طاعة جلادينا، وسجـّانينا، ومُعـَذّبينا، ونَهـّابينا هي معْصيّة للخالق، عزّ وجل، والمؤمنُ الجبانُ له جنتان، والمطيعُ كالقطيع يَهشّ عليه الحاكمُ بسوّطه فتنفصل مفاصلُ ركبتيه قبل أنْ يلتهب ظهْرُه.

يطاردني الأرَقُ بعدما زادتْ جماعاتُ مناهضةِ الحاكم، وتغيير القوانين والدستور، والمطالبة بمساواة الراعي بالماشية، والظن الأحمق أن دماءَنا النجسة لا تختلف عن الدماءِ الزرقاء النقية لأسيادِنا، ومالكي رقابـِنا، وراكبي ظهورنا!

ماذا سأفعل إنْ نجح المعارضون، وتـَحَرّرَ الوطنُ، ولم يـَعُدْ قفاي يتلذذ بكفٍ غليظةٍ تهوي عليه كلما رفع عينيه أمام السلطة أو ممثليها في كل مكان؟

أيُّ قَدَم سأقوم بتقبيلها إنْ أصبح الوطنُ كلّه مِلـْكاً لي ولأهلي ولأبناء بلدي، وحَمَل سيّدُ القصر عصاه ورحل كما فعل الإستعمارُ من قبل؟

متعة أنْ تكون جَبـَاناً لا تعادلها متعةٌ أخرى، فكل الأيام متشابهة، وكل البصقات على وجهي متساوية، ولا يهمني مَنْ يَحـْكـُم، ولا أكترث لصراخ جاري الذي سَحـَلـَته أجهزة الأمن أمام زوجته وأولاده وجيرانه، ولا أسـرع لنجدة من يستصرخني، ولا أرُدّد مع الحمقى شعارات جوفاءَ ضد سيّدي ووليّ نـِعْمـَتي.

لقد تمكنتُ من ضبط وبرمجة كل عضلات جسدي لتـُصبح مُطيعةً أكثر من طاعةِ كلب تـَرَبّىَ في أحضان كـُرّباج لا يستريح بعد الضرب أو التلويح إلا مع بقايا عظام يـُلقيها إليه صاحبـُه!

أول أمس أرسلتُ رسالة إلكترونية غاضبة لصديق أراد توريطي في تلقـّي مقالات وأخبار أدبية وشعرية، لكنني خشيت أنْ تتسلل إليها كلمات سياسية، أو يلتصق عنوانُ بريدي الإلكتروني بآخر لأحد المعارضين فتكون نهايتي أمام رائد صغير في قسم الشرطة التابع له سكني.

هؤلاء الأوغادُ الذين يـُعارضون الحكومة، وينتقدون القائدَ الملهم، ويتحدوّن أجهزة حمايته التي تستطيع تصفية نصف سكان الوطن في مذبحة تصْغـُر بجانبها راوندا وكمبوديا و .. دارفور!

لا أريد أنْ أنخرط في جماعة، أو يتلوث توقيعي بكلمة(لا)، أو يُذَكـِّرَني أحدٌّ بأنَّ سُجناء الضمير هم أبناءُ بلدي، أو يقنعني مخبول أنَّ الأموالَ التي ينهبها الحاكمُ وأولادُه هي مِلـْكٌ لأولادي وأحفادي، أو أنـْصِتْ لمجنونٍ يحاول إلقاءَ مسؤوليةِ خَرَابِ الوطن علىَ نِصـْفِ النبي الجالس فوق رؤوسنا منذ اللازمن إلى يوم لا يعرفه عَرَّافٌ أو كاهِنٌ أو ضاربٌ بالـْوَدَع!

إنني ترابٌ فوق ترابٍ لم يتصلصل بَعـْدُ في صورة بشر، وأنَّ حياتي ومماتي ونـُسُكي ومحياي لمن يملك من قصره رقبتي ولساني ومشربي ومأكلي، ومستقبلَ أولادي.

لو جاء حمارٌ ودخل القصرَ عنوة، وألقىَ البيانَ رقم واحد فإنني سأصفق له قبلما تتحرك أيدي الحاضرين، وسيهتف لساني باسمه الكريم قبل أنْ تتحرك شفاه الآخرين.

نعم، أنا جبان، ولو علـَّق سيدي كل الشجعان المدافعين عن حريتي على أشجار بطول الوطن السجن وعَرْضِه فإنني خارج الدائرة وقـُطـْرها وحسابـِها.

فليحترق الوطنُ، وليغتصب الحاكمُ كلَّ أهل بلدي، ولتسرق عائلتـُه فـِتاتَ الطعام من أفواه أولادي، ولتخرج جماهيرُ الشعب غاضبة عليه، وليرقـُص على جثثِ رُبعِ أو ثلث أو نصف الكائنات الحية فوق هذه الأرض المغتصبة، لكنني سأخلد كل ليلة إلى نوم عميق ولو بدا لي من ارتعاشة جسدي أنه أرَقٌ لا ينتهي مع إشراقة يوم جميل، فصباحُ الشُجـْعانِ فـَجـْرٌ، وصباحُ الجُبناءِ ليلٌ طويل!

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 4 مايو 2010

Taeralshmal@gmail.com

 

تعريف جديد للكُفر: تأييدك للرئيس مبارك!

أوسلو في 23 مارس 2010
 
أخطر ما تصاب أمَّة هي تلك البلادة تجاه الكلمة، والذاكرة الضعيفة نحو استثارةِ مشاعر الخير والتمرّد، فالمصري بوجهٍ عام، إلا ما نـَـدَرَ، سعة ذاكرتِه مما يقع عليه من كوارث ومصائب لا تزيد عن دقيقتين!
وأخطر مراحل البلادة تلك التي تختلط بالاستعلاءِ فيشعر المرءُ أنَّ جمجمتـَه متضخمة بكنوز المعرفةِ ولو كان لا يعرف موقعَ بلدِه علىَ الخريطةِ، ويقرأ جملة صحيحة بشق الأنفس، ولم يدخل بيتـَه من الكتبِ إلا ما لقنته إياه وزارة التربية والتعليم فتورَّم به دماغـُه!
جرائمُ الرئيس مبارك في حق المصريين تحتاج لمجلداتٍ موسوعية تنوء بحَمْلها أولو العُصبةِ من الرجال.
أحيانا ينتابني إحساسٌ بأنه لو بعث اللهُ نبيّاً للمصريين فقط حاملاً رسالة سماوية من كلمةٍ واحدةٍ هي الدفاع عن الكرامة لرَجَمَه المصريون بكل حجارة جبل المقطم، وقالوا له: اذهب أنت وربك فقاتلا مبارك، إنا ها هنا قاعدون!
التركيبة النفسية والعصبية والعقلية والوجدانية للمصري في عهد مبارك تُسقط كلَّ النظريات التي توَصَّل إليها العلماءُ والمختصّون في كل المجالات، من سيكولوجية الجماهير إلى علم الاجتماع، ومن علم الوراثة إلى علم وظائف الأعضاء، ومن تاريخ الحضارات إلى الرسالات السماوية وتأثيرها.
حاولت ما وسعني الجهدُ الغوّصَ في التحليلات المختلفة لظاهرة المصري المعاصر فعدت إلى نقطة الصفر، وكلما عثرت على تفسير اصطدمتُ بعشرات الشواهد التي تؤكد عكسَه تماما!
لو اعتكف المصريُّ سبعين يوماً في مسجد أو في دير للرهبان، وشحن روحه بكل قوىَ الإيمان بالله وبالعدل والتسامح والحرية، وتأكد يقينه بأنه خليفة في الأرض وأنَّ فيه نفخة من روح الله، ثم خرج فستعود تركيبته التي صنعها العهد الأغبر لمبارك كما هي، وسيسمع المارة مفاصل ركبتيه وهما ترتعشان رعباً من السلطة ومن أشباح تقفز فوق أكتافها نياشين ونجوم ونسور كأنها كاميرات نصبها القصر ليؤكد للمصريين أن الوطن كله سجن رغم همهماتنا الخفيضة التي لا يدري المرءُ إنْ كانت احتجاجاً على استحياءٍ أو قبولا على استعذاب!
يمكنك أن تحرق جهازك العصبي مع كل مشهد تراه، وستنتهي حتماً إلى نهاية موجعة تخالفك فيها، ظاهريا، الأغلبية، لكنها تصفق من وراء ظهرك لهذا الاكتشاف الذي يعرفه فراعنة عهد مبارك.
إنها تلك الكراهية العميقة والمغلفة بمحبة مزيفة التي يحملها المصري لبلده ولأهله ولأبناء وطنه، وإلا فقولوا لي، رحمكم الله، كيف لا يخاصم النومُ عيونَ المصريين، وصيحات شياطين اللصوص والنهّابين والهبّارين والسجّانين والمنافقين والقبضايات تخترق الأذنَ والعقلَ والقلب؟
كيف تمكن المصريون من جعل الرسالات السماوية وأنبياءِ الله والكتب المقدسة في خدمة الطغيان والعبودية والغش والتخلف والتراجع؟
كيف يخرج المصري من باب المسجد والكنيسة بعدما طلب من العلي القدير أنْ يهديه صراطا مستقيما، ثم يرفض أوامرَ اللهِ بمجرد أنْ يترك دارَ العبادة فلا يدافع عن بلده، ولا يقاوم المتسلطين عليه، ولا يعترض على تزييف، ولا يكترث لتزوير، ولا تجرح إيمانه يدان يرفعهما لله ثم يُرشي بهما، أو يصفق لطاغية كاد يطلب صرحا لعله يطلع إلى إلـَه رقيقه؟
لقد بلغ القلمُ قمة جبل الصراخ والاحتجاح، وتكدست فصولُ عهد مبارك بما تتوارى منه خجلا كلُّ عصور الاستبداد منذ أن خلـّد الفراعنة أنفسهم محنـَطين لعلهم يعودون في عصر من العصور التي لا يستولى فيها طغاة على رقاب المصريين.
كل المصريين يبكون على اغتيال وطن، فمن هو القاتل؟
كل المصريين يكتبون عن جحيم مصر، فمن هو القاريء؟
كل المصريين يلوذون بالقرآن الكريم والعهدين القديم والجديد، لكنهم ينصتون لأنفسهم وليس لله!
أخشى اليوم الذي تغادر فيه آخر الملائكة أرض الكنانة ولا يبقى فيها غير صنفين: صاحب سوط يلسع به، وصاحب ظهر يُعَرّيه!
عندما يحكم نصفُ ميّتٍ شعباً نصفَ حيٍّ، فإنَّ تقسيمَ التركة يصبح تمزيقا، وتهشيما، وتدميراً، ومع ذلك فإن النصفَ الميَتَ من الشعب يُلقي اللومَ علىَ الدين، والنصف الحي من الطاغية يحكم ولو كان في غيبوبة.
في عصر تتقزم أمامه كل عصور الاستبداد والسُخرة والاذلال والنهب في أي مكان، يصبح تأييدُ المسبب الأول في كل الكوارث والمصائب والفواجع كفرا ولو كانت هناك ذرة إيمان بكتابك المقدس لعثرت على تفسير الكفر في تأييد شيطان القصر.
أعتذر لكل للذين أزعجتهم كتاباتي في ربع قرن رغم أنها لم تحرّك عضلة واحدة في وجه مصري يقرأها ويغضب لشرفه وكرامته، لكنني لم أعثر بعد على كلمة السِرّ التي تجعل المصريين يؤمنون أن الوقوف أمام الله عِزّةٌ تتناقض مع الخضوع للطاغية، وأن دخول الجنة مرهون برفض نظام الحُكم الجائر في بلدك، وأنك لو صليت لآخر يوم في حياتك وأنت صامت على مهانة، وراض بنزع كرامتك، وساكت على نهب خيرات بلدك، فلا حاجة لله في صلاتك، مسلما كنت أو مسيحياً!
استخدمتُ في كتاباتي لربع قرن كمناهض للطاغية ونظامِه العفن كل قواميس الغضب والشجب والتحريض والدعوة للعصيان المدني والانتفاضة الشعبية، وتأييد إنقلاب عسكري، وأخيرا دعم الدكتور البرادعي، لكنني لم أحرّك شعرة واحدة من موقعها، واكتشفت ما يحتاج لسرادق من العزاء عندما رأيت المعارضة المصرية تنام في فراش السلطة خوفا من الدكتور البرادعي، وترضى باستمرار اغتصاب مصر شريطة أن لا يحكم بلدَها قادمٌ من الخارج يحمل لها المنّ والسلوى و .. الديمقراطية.
أصابني إعياءٌ شديد وأنا ابحث لأقل قليلا من نصف عمري عن كلمة السر التي تجعل المصريين يغضبون، وينتفضون، ويبصقون على عهد الذل، ويسحبون لصوصاً من رقابهم إلى محكمة الشعب، لكن المصري يملك قدرة عجيبة في التهكم من أي شخص يُحذره من المستنقع، أو يبصره بحق الحياة الحرة الكريمة.
كيف تحولت الإهانة إلى خبز يومي لا يُشبع أحداً فيتمرد، ولا تؤثر في جائعه دساتير السماء والأرض مجتمعة، ولا تحركه نخوة تندفع إلى صدره فجأة بعد مشاهدة شعب من شعوب العالم يحمل كرامته ويتوجه إلى القصر فيزيل سيده كما تزيل مواد التنظيف أوساخاً تراكمت لوقت طويل؟
كل الأبواب طرقناها فلم نسمع إلا همساً!
حب الله، والوطن، ومستقبل الأولاد والأحفاد،والكرامة البشرية، والضمير، والكتب المقدسة، والمستقبل الكارثي لعملية إبادة المصريين التي يقوم بها مبارك منذ تولـّيه الحُكم، ومع ذلك فجيش الجائعين والعاطلين والصفوة وأبناء أبطال العبور والمتمسحون بالدينين الاسلامي والمسيحي وملايين المرضىَ ومثلهم من سكان العراء وعشش الصفيح والمقابر فضلا عن كل قوى التأثير في المجتمع من أساتذة الجامعات والقضاة والمحامين والإعلاميين ، ولم ننس ملايين العمال العبيد الذين سَخـَّرهم لصوصُ العهد لخدمةِ نظام الاستغلال البشع لم يتحركوا للدفاع عن حقوقهم المسلوبة!
كل الأنظمة الديكتاتورية في العالم وعلى مدىَ التاريخ يمكن أنْ تتهاوى بعد ثورة شعوبها لو تعرضت لرصاصة واحدة من وابل الرصاص الكثيف، المكتوب والمسموع والمشاهـَد، الذي تعرّض له نظامُ الطاغية مبارك، وبالرغم من ذلك فالنظامُ الوقح يضع أصابعـَه في عيوننا جميعا، ولو أتيت له بملء الأرض أدلة، على سبيل المثال، عن فساد إبراهيم سليمان، أو عن نهب خمسين ألف فدان، أو تهريب عدة مليارات، فسيضحك الرئيس حتى تنفجر مرارتـَك، ففاقدو الكرامة لا حقََّ لهم في الاحتجاج، ومن يُفـَرّط في وطنه عليه بتحَمـُل كل صنوف الإهانة.
الغريب أن القوى الدينية هي الأكثر دعماً لنظام البغي المباركي، وهي الأقل اكتراثاً للظلم الواقع على أعضائها واخوانها في سجون الطاغية، وهي الأشدّ رفضا لأيّ مظاهرات أو احتجاجات أو انتفاضات غضب، وهي الأسرع اشتراكاً في الانتخابات التي تمنح للمستبد شرعية من صناديق اقتراع تم تحديدها مُسبقا، ولو تحالف الأقباط مع الاخوان المسلمين حباً في مصر، وبعيدا عن الخلاف الديني فإن المشهد المصري سيتغير بالكامل.
أخشى أن يقتل المصريون الدكتور محمد البرادعي بالتجاهل، وأن يحبطهم هو بالصمت والسلحفاتية، ويحتفل ابن الطاغية ببداية نهاية كل العهود، فإذا حَكـَم جمال مبارك مِصْرَنا فلن تقوم لنا قائمة لقرون قادمة.
لازلت مؤيدا للدكتور البرادعي، لكنني أخاف عليه من لعبة أكبر منه يكتشف إثرها أن مبارك وابنه والمصريين والمعارضة تحالفوا جميعا ضده، وأنه قرر العودة إلى بيته الهاديء القريب من المعهد العالي للموسيقى بالعاصمة النمساوية.
طرحتُ من قبل موضوعاً تحت عنوان : لماذا يحتقرنا الرئيس مبارك؟، وأعيد الآن طرح السؤال بعدما عرفت الاجابة الصحيحة!
سامحوني، يرحمكم الله، على تفسيري الجديد لكلمة الكفر، فكل من يؤيد مبارك كمن يعلن الحربَ، سِـرّاً أو جَهراً، علىَ الله!

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج
Taeralshmal@gmail.com

نهاية طاغية ولكن متى يفرح المصريون؟

 

أوسلو في 16 مارس 2010

الصَدْمة البرادعية التي فغر لها المصريون أفواهَهم لم تؤثر في المشهد المصري، فالأوراقُ اختلطتّْ علىَ الجميع، والمعارضة وضعت قدَماً في القصر الجمهوري وقدَمَا في مقار أحزابها، وعزرائيل ينتظر الأمرَ الإلهيَّ بقبض روح الطاغية في هايدلبرج أو علىَ ترابِ الوطن الذي دمّره مبارك خلال ثلاثة عقود أشدّ سواداً وظلاما من أعماق بَحْر لجيّ يغشاه موجٌ من فوقه سَحاب، وثلثا الزعماءِ العربِ هَجَرَ النومُ عيونَهم، فهم يعرفون أنَّ نهاية أسرة مبارك تعني عَدْوىَ التغيير لديهم، وأنََّ تحريرَ مصر من اللصوص والقساة والطغاة وساديي الأمن سيعقبه تحرّرُ الليبيين والسوريين والسودانيين والجزائريين واليمنيين و .. هلم جرا!

طلبُ تغيير بعض موادِ الدستور يسير كسُلحفاة عرجاء ومتكاسلة، ومصريو الداخل لا يُصَدّقون أنَّ مصرياً من الخارج يمكن أنْ يكون مُنقذَهم، وأسرة مبارك تلتف حول فراش أبيض يظن النائمُ فوقه أنَّ يديه ستلتفان حول رقابِ المصريين إلىَ الرمق الأخير من حياته المديدة، وأنَّ ولايته السادسة ستجعل مَلكَ الموتِ ينتظر حتى عام 2017!

مغارة علي بابا التي غرَف منها أوّقح لصوص عرفهم تاريخُ الفراعنة لا تزال مفتوحة، ويسيل لها لعاب الأربعين حرامي، فالآثارُ التي لا تُقدّر بثمن تنتظر من يقوم بتهريبها، خاصة أنََّ كلمة السر للمغارة محصورة في قيادات الحزب الوطني الحاكم ويعرفها أصدقاءُ الوريثِ الشاب كما يعرفون أبناءَهم!

الخيارُ الشعبيُّ المصري بين من يأخذ بأيديهم إلى بَرِّ الأمان، ومن يركب ظهورَهم حتى يُسَففهم ترابَ الأرض لم يتم حسمُه بعد، والأربعة الكبار، زكريا عزمي وصفوت الشريف وأحمد فتحي سرور وعُمر سليمان، يُقسمون لروح الرئيس قبيل صعودها أنَّ الوفاءَ للراحل قريبا لن يختلف عنه عندما كانت أوامرُه تهزّ القصرَ ويتبلل منها سروالُ أيّ كبير تحمرّ عينا مبارك أمام وجهِه، والأربعة الكبار في مستشفى هايدلبرج ( أسرة مبارك) يؤكدون للمصريين أنََّ صحة الزعيم زيّ الفل، وأنَّ مرارَته تَفقع ولا تُفقع، وأنَّ حياة نوح، عليه السلام، لن يُضرب بها المثل طولا وفـُلـَكاً، فمبارك سيتخطاه بقرون طالما حَكَمَ عَبيداً بقرون!

بعد قليل يبدأ بثُ تلاواتٍ من القرآن الكريم، ويتوافد كبارُ الضيوفِ علىَ عاصمةِ المُعزّ لحضور جنازة الرئيس حسني مبارك، وتبكي ملايينٌ من الجموع البسيطة والطيبة، وترقص فرحاً قلوبُ آلافٍ من السجناءِ والمعتقلين الذين حَرَمهم الطاغية من رؤية أحبابهم وأولادهم وزوجاتهم وألقاهم بكل ما في قلبه من حقدٍ وقسوةٍ في زنزانات عَفِنة بعدما ضرب بحذائِه مَنصّة القضاءِ، فالعدالة لم تعرف طريقها إلىَ عهده الأسود.

المعارضة المصرية، باستثناء قِلة تُعَدّ على أصابع اليدين والقدمين، قررت الانحيازَ ضد الشعب، وجنرالاتُ العسكر يكتفون بجملة إكليشية تُدْخِل البهجة في قلوبهم وهي أنَّ الجيشَ خطٌ أحمر، والشجاعة تحاول أنْ تجد لها مكاناً في قلوبِ المصريين لعلهم يخرجون لحماية بلدِهم لكن القلوبَ موصدة، والأسنان تصطك، والسيقان تهتز كأنها جان، وعفاريت ضباط الأمن تتراقص أمام عيون المصريين في اليقظة والمنام وتؤكد لهم أنها ستتناسل أضعافا مضاعفة في عهد الرئيس الشاب، والدكتور البرادعي أعطاه الشعبُ أكثر مما منح الإيرانيون لآية الله الخوميني الذي قاوم عرشَ الطاووس سنوات طويلة ، لكن عاشقَ مصر القادم من النمسا لا يعرف أنََّ الكبارَ قتلة، وأن اللعب معهم في الداخل يحتمل خسارة كبيرة وربحاً غيرَ مضمون، وأنه يستطيع، إنْ أراد، أنََّ يتوجه من المطار إلى القصر وسيهرب اللصوصُ من الأبوابِ والنوافذ وقاعة كبار الزوار.

طلبُ تغيير مواد الدستور لكي تناسب مصريا آخر غير جمال مبارك هو استجداءٌ في غير محله، فالاستقلال والحرية والكرامة والحقوق كلها أمورٌ إنْ لم ننتزعها عنوة من أنياب الطغاة فلن يقدمونها إلينا ولو على طبق من حديد خُردة.

الانتخابات التي سيترشح أمام الوريث الشاب فيها حفنة من الكومبارس لا تحمل أيََّ صفة شرعية، والقولُ بأنََّ الجيشَ لن يرضى أنْ يحكمه رئيسٌ مدني هُراءٌ فجنرالات جيش العبور أكثر طاعة لسيد القصر من عامة الشعب، والذين يختبئون في الثكنات العسكرية أكثرعددا من الذين يرتعشون رعباً في عشش الصفيح والعشوائيات.

مصرُ هي رجل العرب المريض وإذا ماتت صعدت روحُ الأمة العربية إلى بارئها، وإذا شفيت انتعشت كل أقطار الوطن العربي، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وفنيّاً، لذا فإنَّ أيّ دعم عربي لنظام الطاغية مبارك هو في الوقت عينه عملٌ مناهضٌ للشعبِ الذي يمثله الداعمُ، ومساندة مبارك إثمٌ يرقىَ إلى مرتبةِ الكـُفر أو أشدّ!

الأيامُ أو الساعات القادمة حُبلىَ بتوأمين: ملاك وشيطان، والمصريون فقط هم القادرون على اختيار واحد منهما!

أخشى أنْ يهرب اللصوصُ الذين نهبوا نصفَ خيراتِ الوطن، وتنجو من المحاكمة كلابٌ نهشت لحومَ أبناءِ شعبنا لسنوات طويلة، ويصمت المصريون، كما صمتوا لثمانية وعشرين عاما، فربما الأمرُ لا يعنيهم، وعشقُ مصر ليس له مكان آخر غير الملاعب الخضراء، ومن يتزوج أمَّ المصري يصبح عمَّه أو أباه الجديد حتى لو كان أبوه الحقيقي على قيد الحياة!

لازلت أرى الدكتور محمد البرادعي أملا في التغيير ساقته الأقدارُ لشعبٍ يمكن بين عشية وضحاها أنْ يختار اللي يعرفه أحسن من اللي ما يعرفوش، أو تضع له السلطة في صندوق الاقتراع صوتا جاهزا أعدته أجهزة الأمن، وحدّد نسبة النجاح فيه وزيرُ الداخلية بعدما تلقى الأوامر من السيد الجديد أو القديم أو نصف الميت!

مصرُ على فوهة بركان، لكنه قد يكون مثل الحَمْل الكاذبِ لامرأةٍ لم يلمسها إنسٌ أو جان، وتطهى الطبخة بعيدا عن أيّ رأيٍّ شعبيّ، وتغمض المعارضة عيوناً وقـِحَة كانت ترى بها عندما قاوَمَت ورقياً النظامَ الورقي، فلما رأت أنه سيسقط ومعه حنجرتها هاجمت الدكتور البرادعي فهو يرفل في ثياب غربية، وينام على أنغام يوهان شتراوس!

الطاغية الأكثر كراهية لشعبنا المصري منذ سقوط أنف أبي الهول يحتضر الآن، وربما تتناقش عائلته في هذه اللحظات عن تفصيلات الموكب، وصلاة الميّت، وبيان رحيل الرئيس، واختيار من سيقرأ كلمات الوداع!

ولكن ألـَم يأن الوقتُ الذي يستدير القفا مئة وثمانين درجة ليظهر وجهُ المصري الحُرّ، الكريم، المؤمن بالله وبالوطن، وتبدو عليه علائمُ الغضب، وينتزع حَقـَّه في حُكم نفسه، ويختار الدكتور البرادعي بعدما يتوعد أولادَ الكلبِ بمحاكمات عادلة ومَهيبة ليستعيد كرامته، وأمواله، وخيراته، ويكتشف العالمُ أنَّ المصريين مازلوا أحياءً يُرْزَقون، وأنهم ليسوا عبيداً استقدمهم تجارُ الرقيق على سُفـُنِهم، إنما هُم الضلع الأكبر في أمةٍ عربيةٍ واحدةٍ إذا اعوَجّ هذا الضلعُ سقطت كل العظام الهشة من البحر إلى النهر.

المصريون أمام أهم اختبار في التاريخ، فالأربعون حرامي يقفون أمام التركة لتقسيمها، والطاغية على فراش الموت، والوريثُ واثقٌ أنَّ الرقيقَ لا يعترضون إلا من وراء ظهره، وأن كل المحيطين بمبارك خلال سنوات حُكمه ملوثة أيديهم بدماء شعبنا، ومليئة جيوبهم وحساباتهم بما تم نهبه، وهم شهود على أصحاب الاخدود.

المصريون أمام محكمة التاريخ التي إنْ اختاروا ديكتاتورا جديدا، أو وافقوا على اختياره إياهم عبيداً من جديد، فلن ترحمهم أجيالٌ قادمة، وستبصق على قبورهم، وستلعن يوم أنْ قيل لهم بأننا أجدادُهم، وأنهم من صُلبِنا النجس!

إذا لم يغضب المصريون الآن، وينبذوا خلافاتهم القميئة، ويعتبروا أنفسَهم شركاءَ في وطن واحدٍ، فلن يبقى لهم من هذا الوطن إلا صناديق القمامة يأكلون من فضلاتها قبل أن يقوموا لمعارك وهمية يظن الحمقى فيها أن الله، تعالى، سينظر في الرقم القومي، وخانة الديانة، وربما يُقرّب إليه السُنّي أو الشيعي أو القبطي أو الاخواني أو الناصري أو الوفدي أو التجمعي أو الوطني أو منتخب الساجدين!

المصريون الآن ينظرون ببلاهة منقطعة النظير للصوص يقفون صَفـّاً كأنهم بنيانٌ مرصوص، ويدخل كل منهم المغارة، بكلمةِ السِرّ أو حتى بتوصية من ملوك الحديد والغاز والموبايل والأراضي المنهوبة، وبعد تفريغ الوطن تبدأ وصلة لطم الخدود النسوية على وطن لم نحافظ عليه حفاظ الفرسان.

كان ينبغي للدكتور محمد البرادعي أنْ يجتمع في العاصمة النمساوية بأقطاب المصريين المغتربين في أوروبا والأمريكتين، وأنْ يتم التنسيقُ فسبعة ملايين مصري في الخارج يمكنهم أنْ يساهموا في إنقاذ وطن لم يستطع أهلهم في الداخل أن يُحرّكوا أقدامَ الطغاةِ قيد شعرة وهي تدوس على رؤوسهم.

مرة ثانية وثالثة و..عاشرة أقول للدكتور محمد البرادعي، مع تعاطفي الشديد وتأييدي له رئيساً لمصر، بأنَّ الزمنَ لا يعمل لصالحه، وأنََّ الكبارَ في مصر بلطجية وفتوات، وأنَّ الانتخابات تثبيتٌ لشرعيةِ الباطل، وأنَّ ترْكَ حيتان النهب يهربون بأموال فقرائنا جريمة بكل المقاييس، وأنَّ العصيانَ المدني والانتفاضة والثورة الشعبية المنظـَمَة تمَثـّل الطريقَ الوحيد والمختـَصَر لوصوله إلى القصر رئيساً لمصر في مرحلة تـُعيد لها الحياة بعدما كادت تحتضر مع طاغيتها.

حسابات الدكتور البرادعي سَتُخطيء الطريقَ إنْ لم يقابل كل خطوة من شعبنا بعَشر خطوات نحوه، فالمصريون لا يحتاجون رئيسا فقط، لكنهم في حاجة لزعيم، والزعامة مبادَرَة وليست إنتظاراً لتصفيق الجماهير، والرمزُ يأتي لاحقاً، والخوميني كان زعيما قبل العودة فمهدت له الجماهيرُ طريقَ السلطة.

الجماهيرُ كالأفراد تُخطيء وتصيب، واختيارُها البرادعي الآن يُلغي تماما صناديق الاقتراع الجاهزة والمشمّعة في وزارة الداخلية، وأنا أرى أنَّ توجيه نداءٍ علنيّ وأمام مئات من كاميرات وميكروفونات وكالات الأنباء والإذاعات والفضائيات يطلب فيه البرادعي من مبارك مغادرة القصر، فنحن قوم لانورَث ولا نُسّتعْبَد، ولا يتحدث بلهجة ودية ولطيفة، كما فعل مِنْ قبل، فالمستبدُ لا يفهم إنْ تربت على كتفيه أو تعانقه وتطلب منه مغادرة القصر.

إما أنْ يأخذ الدكتور البرادعي مبادرة تسلـّم زمام السلطة الآن أو لن يصل إلى الحُكم أبداً، فمعركة تغيير مواد الدستور باطلة لأنها استجداء لسلطة باغية ومجرمة وحقيرة، والدستورُ يمكن تغييرُه على أسس قانونية ومعاصرة وعادلة وحكيمة بعدما يصل إلى الحُكم، ويلقي بأولادِ الكلب إلى الشوارع أو السجون بعد محاكمات عادلة وشعبية.

الكارثة أنْ ينتظر المصريون والبرادعي حتى يتقاسم اللصوص السلطة وخيرات الوطن، حينئذ تصبح الجنازة جنازتين: واحدة للرئيس مبارك والثانية للشعب المصري!

أيها المصريون،

روحُ الحياةِ في الغضب، وصلواتكم في مساجدكم وكنائسكم لا يقبلها اللهُ إلا مرهونة بالدفاع عن وطنكم، وإذا لم تغضبوا الآن فستغضب عليكم أجيالٌ إلى يوم القيامة.

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com

 

 

 

تشكيل حكومة البرادعي ضرورة وطنية

  أوسلو في 04 مارس 2010

 شراسة الطاغيةِ لا تعادلها إلا شراسة الطغاة الصغار الذين يسبغ عليهم نِعَمَه، ويتولوّن حمايته!

في أقل قليلا من ثلاثة عقود تمكن الرئيس حسني مبارك من تكوين عشرات من الميني طغاة الذين تسمح لهم امكانياتهم التي صنعتها تربية القصر من الجمع بين الديكتاتورية والاستبداد والنهب والقسوة والاحتيال، فضلا عن عشرات الممنوعات والجرائم غير المرئية ، وهؤلاء هم خط الدفاع الأول عن جرائم كبيرهِم، وخط الهجوم الأول على كل مصري يؤمن أن له حقوقا في جمهورية مبارك، وأن فيه نفخة من روح الله في عصر هذه الأسرة التي سعت بكل قوة ووحشية لمساواة المصريين بالحشرات، وجعل الوطن الكبير سجناً أكبر.

لم أشعر بقرف في حياتي مثلما شعرت به هذه الأيام وأنا أقرأ وأتابع تصريحات وكتابات مصريين، من معارضة قزمية، ومحررين مملوكيين لا يدري المرءُ إنْ كانوا فلولا من الرقيق، أو كانوا جواسيس نائمين أغضبهم من جاء ينبههم بالكف الغليظة التي تهوي على أقفيتهم.

رئيس تحرير أكبر صحيفة قومية يشير إلى أن الدكتور البرادعي ومناصريه قطاع طرُق، وشخص آخر يتولى رئاسة حزب لا تراه بالعين المجردة يطالب بعقد محاكمة للدكتور البرادعي، وحزبي ثانٍ أشك في أنه يعرف القراءة والكتابة قال بأن ( البرادعي لديه أحاسيس أمريكية) وهي جملة جديدة أزعم أنها ستنقلب لاحقاً إلى تهمة تشبه ما تطلق عليه أجهزة الاستخبارات السورية ( النيّل من هيبة الدولة)، وما يسميه حماة العقيد المجاهد ضد سويسرا ( التعاطف مع الكلاب الضالة)، وما يراه قاتيو الرئيس علي عبد الله صالح( أعداء الوحدة اليمنية)، وكذلك التشابه مع التهمة الأمنية التونسية بأنها(التعاون مع أعداء الحرية في جمهورية بن علي)!

الدكتور البرادعي يرى أن نيوب الليث بارزة، فهل هو حقا يظن أن الليث يبتسم؟

مبارك لن يترك السلطة، فالطاغية لم يعد قادرا على التحكم في أفكاره، وتحركاته، وعضلات وجهه، والمونتاج الذي يقوم ابنه بعمله قبل بثه على الهواء إثر كل لقاء جماهيري يتم فيه اقتطاع تسعة أعشاره حتى يبدو العُشر الباقي كأن الرئيس لا يزال حياً، وأن عزرائيل على مسافة عشرين ألف فرسخ تحت الماء!

القضاة والفنانون وأساتذة الجامعات والمثقفون والمحامون وأكثر الإعلاميين حسموا خيارَهم تقريبا، وانحازوا للطاغية ضد الشعب.

أما كبار الكتاب الذين كانت مقالاتهم تزلزل الأرض من تحت أقدام لصوص العهد المباركي فقد صكّ كل منهم وجهه، وتملكته الحيرة بين عهد ديمقراطي لا يعلم عنه شيئا، وبين زمن أغبر جعل مصر تلامس تراب الأرض فقراً وجوعاً وعِلماً وتأخراً، وتهبط تحت الأرض إنْ تعلق الأمر بحقوق الإنسان وكرامة المواطن.

أعترف بأنَّ حزني كان جَمّاً على الزميل عادل حمودة، الإعلامي والكاتب المثقف وصاحب المعارك الوطنية ضد لصوص مصر، والمتابع الجيد الذي يملك أسلوبا يُعَصْرن فيه المازني، وأحيانا يتفوق عليه، عندما وقف ضد ( البرادعي الذي جاء ليأكل الديك الرومي جاهزاً)، وكأن الزميل لا يعرف أن الديك الرومي في بطن الطاغية منذ ثمانية وعشرين عاماً ولم تتقدم قوى المعارضة قيد شعرة من الاطاحة بديكتاتورها، ويشهد ميدان التحرير أنه خلا تماما من أقطاب المعارضة عندما سلطت كلاب السلطة بلطجية النظام وقبضاته على شباب زي الورد آمنوا بالكبار، فلما خرجوا إلى الشوارع خذلهم القضاة وأقطاب المعارضة، وبحثوا عن مصر الغاضبة فقيل لهم بأن الوطن نائم، وأن المصريين يُطمئنون النظام بشخيرهم الذي تفرح بها جنبات القصر و .. جدران السجون والمعتقلات.

أعيد فأكرر بأن الفترة الممتدة إلى انتخابات عام 2011 لن تكون في صالح الدكتور البرادعي، فالطاغية يملك الأرض والبحر والجو والجيش وأجهزة الأمن والمخابرات والاعلام ، وأن الفنانين مِلكُ يمينه، وأن السلطة القضائية تحكم بهواه، وأن السلطة التشريعية تحت حذائه، وأن وجبة من قيادات الإخوان المسلمين يغيبها خلف القضبان مرة في كل شهر أو شهرين تقزم الجماعة فلا تملك بعدها إلا أن تقول : حسبي الله ونعم الوكيل!

مبارك والطغاة الصغار نفخوا في بوق الحرب، والمستبد يستعد لهدم الوطن على رؤوس الجميع إنْ تعرضت مِلكيته الخاصة لعزبة مصر لتهديد من الداخل أو من الخارج، وقبل أن تتشوه صورة الدكتور البرادعي بفضل آلةٍ إعلامية حمقاء تطارد عيون وآذان المصريين آناء الليل وأطراف النهار، فعلى الرجل أن يضيف إلى هدوئه قليلا من غضب الجماهير، فالحماس ليس حالة عقلانية أو تأملا فلسفيا أو وصفا ساكنا لمياه هادرة، إنما هو أيضا صلة وصل بين القائد والجماهير، والخطيب الهاديء الذي تبتسم له الجماهير في أول الخطبة، تتثاءب في نهايتها، ومن أراد دفع مئة ألف مواطن لشوارع العاصمة المصرية فعليه أن يصرخ فيها، ويهاجم سجّانيها، ويتوعد منتهكي حرماتها بالويل والثبور، ويكشف سوءات الطغاة الصغار، ويقلل من شأن ابن الرئيس، ويرفع من شأن نفسه، ويجعل أمانيه أحلاماً مصفوفة أمام الجماهير.

إنهم نفس جماهير الكرة المسحورة بضربة الجزاء، فاللاعب الذي لا يصرخ تتوجه الأنظار لقدم أخرى تطارد الكرة بشراسة كأنها في أرض معركة حربية، والدكتور البرادعي هو المحرك للعصيان المدني، والانتفاضة الشعبية، والثورة، والغضب الجماهيري، وعمال المحلة وكفر الدوار، وملايين من الطلاب والتلاميذ، وعدة ملايين من سكان العشوائيات والمقابر، وتسعة ملايين تهينهم صباح كل يوم بطالة تمسح دورهم في الحياة والأسرة.

الخطوة القادمة ينبغي أن تكون اجتماعا مع قوى المعارضة في الخارج، والخروج بتوصيات تقرّب الدكتور البرادعي من رئاسة الدولة.

أما الخطوة الأهم والأخيرة والعاجلة فهي الدعوة للاثنين معا: خروج الجماهير للشارع، وخروج الرئيس من القصر.

أنا أرى أن محاكمة الرئيس مبارك تعادل في أهميتها محبتنا لمصر، ففي المحاكمة ستتكشف حقائق عن جرائم القرن وكل القرون، وسنخجل جميعا من أنفسنا وصمتنا.

الدكتور البرادعي لا يعرف، ربما، أن النظام يستطيع كأي حكم طغياني في العالم أن يعثر على قرود تقفز، وتصرخ، وتصوّت له، وتهاجم خصومه، ولو طلب منها احراق مصر فلن تتردد لحظة واحدة.

لقد أثبتت الأسابيع الماضية أن مصر لا يصلح لها إلا من قضى سنوات طويلة في الخارج، وأن غياب المنقذ في الداخل الذي ترك لمبارك الحُكم لخمس ولايات ستعقبها السادسة قبل أن يقترب عمره من التسعين عاماً سيمتد في صراع المعارضة وعجزها إلى ربع قرن قادم، وربما إلى حفيد الطاغية الذي لن يجد شيئا يبيعه من وطن انقرض، وبلد يستعد المؤرخون لوضعه مع الأمم البائدة.

نظام مبارك لا يملك ذرة من حياء، وقد يقوم بأي جريمة يساعده فيها الموساد والاستخبارات الأمريكية، وقد يقوم بتصفية الدكتور البرادعي، أو اسقاط طائرته على طريقتي البشير وصدام حسين مع خصومهما، أو فضيحة أخلاقية كما يفعل الرئيس التونسي مع خصومه، أو حادث دهس بالسيارة وأكثر طغاتنا بارعون في تدبير حوادث السيارات.

أمام الدكتور محمد البرادعي باب يوصله إلى أقصر الطرق الشرعية في مواجهة حكم غير شرعي: أن ينظم دعوة للانتفاضة الشعبية والعصيان المدني، ثم يطلب من مبارك وأسرته مغادرة القصر في خلال ساعات معدودة.

مازلت مؤمنا أن نظام مبارك نمر من ورق، وأن سقوطه أسهل من سقوط تمثال صدام حسين في قلب بغداد، وأن قصره أكثر هشاشة من خيمة العقيد، وأن ابنه أضعف من بيت العنكبوت.

أعداء مصر الحقيقيون في الداخل، والمنقذ في الخارج!

أعداء مصر الحقيقيون عارضوه عندما كانت المعارضة لا تمثل خطرا على النظام، وعندما اكتشف مناهضو السلطة أن الأمر جدّ خطير، وأن طاغية مصر يمكن أن يفقد العرش والسوط والكلاب شعروا بخطر غيابه، فأكل العيش تتساوى فيه أحيانا اللا والنعم!

إذا لم يسقط مبارك قبل نهاية العام الحالي فستظل أسرته تقبض على رقاب المصريين لثلاثة عقود قادمة!

الشابي كان يقول إذا الشعب يوما أراد الحياة، لكنه لم يسأل إذا كان الشعب لا يريد الحياة، فهل سيستجيب القدر؟

هل المصريون في حيرة حقاً بين القاتل والمنقذ؟

الغلبة لمن: عشاق الحرية أم .. المستعذبين بالذل؟

 

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو النرويج

مبارك والبرادعي .. ليس هناك خيال ثالث

 

أوسلو في 25 فبراير 2010

مسكينٌ الدكتور محمد البرادعي فقد ظن قبيلَ وصولِه إلىَ أرض مصر أنَّ المَعْركة ستقتصرعليه ضد نظام الطاغية الذي سيسقط حَتماً بالضربةِ القاضيةِ أوّ بالضربات المتلاحقةِ، لكنه اكتشف مع هدير الحبّ الذي استقبلته به جماهيرٌ كادَ اليأسُ يضمَّها إلىَ أحضان فقر ومرض وبطالةٍ وحياةٍ بائسةٍ أنَّ العَدُوَّ قد يتخفىَ في صورةِ مُعَارض للنظام، لكن مشاعرَه الخفية تنطق كلها بدعم الاستبداد.

الحقدُ والحَسَدُ والشماتة والغيرة كلها خصومٌ غيرُ مرّئية، لكن ظروفاً استثنائية تمُرُّ بها الأمة تستخرج عُنوَة تلك المشاعرَ الكريهة لتفصح عن شخوص مُزَيَّفةٍ رفعتْ شعارات وطنية ودينية ضد الطاغيةِ، ثم سَجَدَتْ له بعيداً عن عيون المتطفلين!

الدكتور محمد البرادعي لم يأت من عطارد أو بلوتو، لكنه واحدٌ من ملايين المصريين في الخارج الذين أتعبت قلوبَهم متابعاتٌ لمحنةِ الوطن، فالمغتربُ الذي انفصل تماماً عن وطنِه الأم قد يفهم الوطنَ الجديد، لكنه سيعجز حتماً عن وصفِ مشهدٍ واحدٍ لجُذوره!

والمهاجرُ الذي اصطدم مع وطنه الجديد ولم يتمكن من استبدال ذرة واحدة لحاضره بماض التصق به كما يلتصق الخفاشُ بوجهِ خائفٍ ساقه قدَرُه لكهفٍ مظلم، هو خاسرٌ للاثنين معا: الغياب والإياب!

أما النموذج الذي انسجمت في أعماقه الحضارتان اللتان تضمّان بتناغم شديدٍ ماضيه وحاضرَه لتصنع مستقبلا متوازنا لا تصطدم فيه التناقضات إلا لِمَاماً، ويمكنه أنْ يجلس في سيارته التي تنهب شوارعَ العاصمة النمساوية ويستمع إلى أم كلثوم أو نازك أو رجاء عبده، أو يتمشى بجوار نهر الدانوب ويدندن لنفسه موسيقىَ النهر الخالد أو النيل نجاشي، أو يتابع على الشاشة الصغيرة أخبار العالم بالروسية أو اليابانية أو اللاتفية أو الماندارينية أو البرتغالية ثم ينتقل بعدها دون أي إحساس بالانتقال ليشاهد على قناة عربية فيلما قديما لليلىَ مُراد وحسين صدقي، أو ينتهي من قراءة كتاب بالألمانية لجونتر جراس ثم يُكمل كتاب عبقرية التاريخ لجمال حمدان أو وحي القلم للرافعي أو مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي لمالك بن نبي، فهو النموذج القادرُ على العودة إلى وطنه الأم وتقديم عطاءٍ قد يعجز المقيمون عن الإتيان بمثلِه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا!

في الغربة تتضح معالمُ الطريق في الوطن، وفيها تنبعث من جديد مفاهيم نقية للقومية والوطنية والتسامح الديني وحُب الأرض التي خرج منها المهاجرُ وظلت همومُها هاجسَه حتى لو تمكن بصعوبة بالغة من وصف مشهد أسرة فقيرة يعيش أفرادُها العشرة في غرفة صغيرةٍ وقذرة بواحدة من العشوائيات، أو وصف حياة يومية لمعتقل مصري لم يَمْثل أمام عدالة(!!) القضاء، فأمر وزير الداخلية الشمسَ أنْ تتجنبه، أو تشرق لدقائق معدودة على جسده الذي يرتع فيه الروماتيزم، أو إعادة عملية حسابية دقيقة لربةِ أسرةٍ وضع زوجُها في يدِها وهو يطرق خجلا مصروفَ الشهر كله، وطلب منها أن تتصرف .. وتقلب عاليه سافله حتى لا يتضور الأولادُ جوعا قبل السادس عشر من الشهر، شريطة أن لا تكشف ليوسف بطرس غالي أسرار معجزة الحياة لمن لم تمسك قط آلة حاسبة!

كنت متوجساً بعض الشيء، ثم متفائلا، برادعياً، مع قدر قليلٍ من التشاؤم المطلوب لكل صاحب قلم، ثم أنفرجت أساريرُ نفسي مفسحة المجال لحلم العثورعلى قائد، ومفصِحَة عن راحةٍ عميقة لم تعرف طريقها إلى قلبي أو عقلي لأكثر من ربع قرن.

مصرُ في حاجة إلى رئيس لم تتلوث يداه برشوة أو محسوبية أو انخراط في أعمال غير مشروعة أو تلوث ذهني من مجتمع صنعه طاغية، وأصبح الشرفُ فيه حالة تعثرعليها بشق الأنفس.

الدكتور محمد البرادعي هو الرئيس الذي ينبغي أنْ يلتف حوله المصريون ولو اختلفوا معه، وانتقدوا بعضا من أفكاره، ففي أيام معدودة بَهَتَ جمال مبارك، وخفتَ وهْجُه المزيف، وبدا أمام العائد إلى وطنه الأمّ كأنه فزّاعة لا تخيف أطفالا ألقاها الوالد المستبد ليجسَّ بها القابلية للمهانة لدى الشعب.

أمامنا فرصة تاريخية لن تتاح مرة أخرى قبل ربع قرن عندما يُعَرّي أقفيتنا البيبى دوك المصري الذي لن يختلف عن نظيره الهاييتي عندما تسلم في سن التاسعة عشرة الحُكم في اليوم التالي لوفاة والده الديكتاتور فرانسوا ديفالييه بعدما علّمَه شيئين: اذلال شعبه ونهب أمواله.

إن مشاعر بعض قوى المعارضة المصرية نحو المغتربين الوطنيين ليست أكثر من كراهيةٍ وحسد وغيرة، وهي أيضا اعتقاد خاطيء بأنَّ المقيمَ أكثر وطنية من المغترب، وأنَّ يده التي تحترق في النار تلامس الواقع أكثر من اليد الناعمة في بلاد العالم الآخر.

لم أقابل في حياتي وطنيين تشتعل أجهزتهم العصبية مع كل نشرة أخبار كالمغتربين والمهاجرين الذين منعهم مبارك من الادلاء بأصواتهم في انتخاباته المزيفة، فالمغتربون امتدادٌ للمقيمين، وليس كلُّ مغترب متزوجاً من شقراء، ويجلس أمام المدفئة يلاعب بأناملِه كلبَه، ويشاهد مصر بحجم تلفزيونه الحديث المعلق بجوار لوحة لبيكاسو أو ادفارد مونك!

علىَ قوى المعارضة أن تنضم كلها، وبدون استثناء، للدكتور محمد البرادعي، ومن أخفى البديلَ الذي كان يراه أصلح من الوطني العائد من النمسا فعليه أنْ يحجبه حتى يصل الدكتور البرادعي إلى قصر الرئاسة.

مشاعرُ الغيرة تقتل المصريين إذا ظنوا أن قاماتهم بلغت الجبالَ طولا، وأنَّ معارضتهم للطاغية تمهيدٌ لدور كبير في حكومة قادمة بعد إزاحة مبارك.

الإخوان المسلمون أيضا أمام خيار تاريخي ووطني وديني، وأيّ لعب الآن بالثلاث ورقات لسحب البساط من تحت الرئيس محمد البرادعي لحساب الرجل الذي سَفّفهم ترابَ الأرض، وجعل قضبانَ الزنزانات في السجون والمعتقلات تعرفهم كما تعرف نحنحة الشاويش ذي الشارب الكثّ قبل أنْ يُغلق عليهم لصباح اليوم التالي أبواباً صدئة هو لعب قذر لا يليق بمن تغطي زبيبة الصلاة جبهَته كلها وتكاد تسقط ما بين حاجبيه!

القول بأنَّ المهم تغيير المادة 76 فربما يظهر مرشح آخر من الإخوان المسلمين لينافس مبارك والبرادعي هراء، ودعابة سخيفة، وضربٌ تحت الحزام، لأن الإخوان المسلمين ارتضوا لعبة القط والفئران الكثيرة ردحا طويلا من الزمن، ولا يمرّ أسبوعٌ حتى يصطاد الأمنُ بعضاً من الفئران، فيدخل الجميعُ جحورَهم حتى يأتي موعدُ الوجبةِ الجديدة.

الدكتور محمد البرادعي أعطى الأمان للاخوان والأقباط والنساء والمعارضة وحتى للمتوّجسين خيفة من الدور الأمريكي، فمبارك وجورج بوش توحدا على ضرورة إبعاده عن وكالة الطاقة الذرية، ولم تعد لدينا حجة واحدة لخيار آخر.

سيرفض الطاغية قطعا تغييرَ مواد الدستور، فهو على استعداد لهدم المعبد على نفسه وعلى البلد كلها كالطفل الذي يُكَسّر كل اللعب في غرفته إنْ أخذت عُنوة واحدة منها، ولن يجد الدكتور البرادعي أمامه حلا إلا بالطلب من مبارك أن يترك القصرَ مع أسرته في خلال أربع وعشرين ساعة ، ولكن هذا لن يحدث قبل أن يتأكد البرادعي أنَّ بقايا قوى المعارضة والإخوان المسلمين لن يتحالفوا مع الطاغية إذا وعدهم بجزء من الكعكة لاحقا.

أتوقع في خلال فترة قصيرة أن يأمر مبارك أجهزة أمنه وحمايته بالقيام بعملية إرهابية كبيرة يقنع بها الغرب وأصدقاءه والطيبين الساذجين من أبناء شعبنا أن الوطنَ السجنَ الآمنَ في أغلالِه أفضل من الوطن الحر العاكس لعرقنةِ أرض الكنانة.

وضعُ شروطٍ للدكتور محمد البرادعي بحجة أن المقيمين أكثر معرفة بأحشاء الشارع المصري واحتياجاته وقضاياه وهمومِه من المغترب الذي سيقضم الكعكة دَفعة واحدة دون أن يبذل جهدا في عَجْنها، وعملها، وخبيزها، وعرضها هي شروط مناهضة لأماني شعبنا، فنحن كلنا أمام طاغية لم تعرف مصرُ من قبل مثيلا له، وضعْفُه في إتحادِنا، وسقوطه مرهونٌ بتوحّدنا حول الدكتور محمد البرادعي، والتعجيلُ بتحرير مصر مشروط بانهاءٍ أو اخفاءٍ لبعض الوقتِ مشاعر الكراهية التي يحملها المصري لأخيه المختلف عنه في التوجه، والحزب، والعقيدة، والمذهب، والدين، والجماعة، والفكر، ونهج المعارضة.

أغلب الظن أن عودة الدكتور محمد البرادعي ستتبعها تحركات وطنية في الجيش والمخابرات العامة والحربية ومباحث أمن الدولة وبين الضباط الأحرار الذين سيعصون أوامرَ الطاغية، وإذا خرجت مظاهرة من مئة ألف مصري، وما أسهل أن يستدعيها البرادعي، فأغلب الظن أن رصاصة واحدة لن تنطلق من عسكري في الجيش أو الشرطة ولو هدَّدَهم مبارك بقطع رؤوسهم.

القضية الآن في عام ونصف قبل الانتخابات الهزلية، مع افتراض عدم تغيير الدستور، هي أن الفترة طويلة نسبية، والنظام يخطط بذكاء أو بغباء، ولكن بقسوة قد تحرق مصرَ، وتشعل حربا أهلية، وتنفخ في الفتنة الطائفية.

قناعاتي اليقينية تؤكد لي أن الشعب الآن في أوج قوته، وأن مبارك نمرٌ من ورق لا يحتاج لأكثر من نفخة واحدة، لكن الانتظار الطويل قد يقلب المعايير، ويهدأ الحراك، وتحمي بقايا المعارضة ظهْرَ النظام بثمن بخس، ويعتاد الشعبُ عبر أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة على لهجة وعودٍ لا تتحقق، ونبرات صوت لم تعد تلمس الوجدان.

ليس أمام الدكتور البرادعي في الوقت الحالي غير توجيه الحديث المباشر إلى الطاغية، والطلب منه أن يتخلى عن السلطة دون مقاومة، وأن يوجه حديثه للجيش والمخابرات ومباحث أمن الدولة بعدم التدخل خشية الاضرار بمصالح مصر، والدعوة للانتفاضة والعصيان المدني.

الدكتور محمد البرادعي يملك الآن الفضائيات كلها، وأجهزة الإعلام العربية والدولية، ويحمل اسماً يمتد من القاهرة إلى لجنة جائزة نوبل مرورا بكل لجان حقوق الانسان والقوى الدولية وعلاقاته المباشرة مع أقطاب العالم برمته.

وبامكانه أن يطلب من مبارك وأسرته الرحيل بهدوء، أو التعرّض لاحتمال القاء القبض عليه وعلى كل زبانية سلطته، ولن تستطيع أي قوة في مصر أن تقترب من الدكتور البرادعي.

إنني لا أخاف عليه من كلاب القصر أكثر من خوفه عليه من القوى الوطنية المعارضة التي تأكل من مناهضة الطاغية، وتشبع عندما يعارضها ظاهريا، وتهضم إذا بقي الوضعُ كما كان عليه طوال عهد مبارك.

من يَمُدّ في عمر مبارك الآن بعد عودة البرادعي ستلعنه مصرُ وشعبُها وأجيالٌ قادمة ولو بعد حين، أما قرود القلم في مكاتب التحرير الكبرى بصحف القصر فهؤلاء مستعدون لكتابة مانشيتات عريضة تؤيد الرئيسَ الجديد فور صعود أسرة مبارك سلم الطائرة التي ستقلهم من شرم الشيخ إلى سويسرا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة في حماية طائرات أمريكية وإسرائيلية.

على الدكتور البرادعي أن لا يعترف بأيّ خط أحمر في محاوراته الآن، لا الجيش، ولا المخابرات، ولا القضاة، ولا حتى ضباط أمن الدولة مع وعد منه بالعفو عمن سيرفض الأمرَ باطلاق الرصاص على المتظاهرين الغاضبين.

الطاغية مبارك بدأ مزادَ شراء الأصوات الساقطة، وترويض كلاب جديدة لسُلطته، وتخويف أناس لا يزالون في حيرة من ميزان القوىَ بين الرئيس الجديد الدكتور محمد البرادعي والرئيس المغادِر نهائياً.

على قوىَ المعارضة التي تشترط على الدكتور البرادعي مشاركتَها تأجيل شروطها حتى يسقط مبارك، فهو العدو الأول لمصر والمصريين، وأيّ نقاش أو حوار أو جدال مؤجل إلى حين تنتهي مصر من كابوس جثم فوق صدرها ثمانية وعشرين عاما.

أيها المصريون،

لا تخذلوا مصرَكم مرة أخرى فقد طال صَمْتُكمّ على النظام العفن، فراجعوا أنفسَكم، وتخيّروا قيمَ العدل والمساواة والتسامح، وضعوا أيديَكم في يديّ الدكتور محمد البرادعي، وطهّروا بلدَكم إلى الأبد من عدوكم .. من مبارك!

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com

المصريون والبرادعي بين الحلم والوهم

 

أوسلو في 17 فبراير 2010

ساعاتٌ قليلة ويعلن قائدُ الطائرةِ النِمْسَاوية عن سلامةِ الوصول إلىَ مدرج مطار القاهرة الدولي.

الإيرانيون استقبلوا الإمامَ الخومَيّني في نفس هذا الشهر منذ 31 عاماً بعد حرب الكاستات التي خاضها الزعيمُ الروحي بعدما أقنع الإيرانيين بحُلم الثورة.

المصريون في حيرة بين حُلم لا يثور، وقائدٍ لا يظهر، فالتصفية النهائية بين الدكتور أيمن نور والدكتور أحمد زويل وعمرو موسى انتهت إلى التعادل الصفري رغم أن الأوّل رشح نفسَه فلبث في السجن بضعَ سنين، والثاني، مستشارُ الرئيس الأمريكي للعلوم، رشحَته الجماهيرُ، والثالث لا يستطيع أنْ يتحدى الرئيسَ الذي ركله إلىَ الأعلى من وزارة الخارجية إلى جامعةِ الدول العربية ليكون عينَ القاهرةِ علىَ العالم العربي.

الدكتور البرادعي أعلن منذ فترةٍ عنْ موعدِ وصولِه إلىَ قاهرة المُعز، وترَكَ المصريين يحاولون اقناعَه في استقبالهم له في المطار بأنه الأملُ الوحيدُ المتبقي.

هل تزحف الجماهيرُ المصرية المقموعة، والمقهورة، واليائسة إلى المطار لتحتضن زعيمَها القادمَ، أمْ سيصدمها الدكتور البرادعي متوجّهاً إلى القصر لاعلان وفائِه وولائِه للطاغية؟

أخماسٌ في أسداس، فالقصرُ قد يَعْرض على البرادعي مَنصِباً أكبرَ من الصغار، وأصغرَ من الكبار، ويعيد إليه اعتبارَه، ويوهمه أنه سيشارك في الاصلاح.

والبرادعي قد يقول للجماهير بأنَّ الصحافة هي التي صنعت منه بطلا، والفيس بوك وضع على لسانه أضغاثَ أحلام، وشباب 6 ابريل لم يفوّضهم العائدُ إلى الوطن أنْ يتحدثوا باسمه أو يعبّروا عن أحلام لم تدُرّ بذهنه قط!

قبضة الطاغيةِ لا ترّحَم، وليس كلُّ ظهْر يتحمل الضربَ، والثوارُ المناهضون للحكم هم الذين يصنعون الأحلامَ حتى لو تحوّلت لاحقا إلى كوابيس.

الدكتور البرادعي علىَ مرمى حجر من الوصول إلى قصر العروبة رئيساً أو مَرّؤوساً، قائدا أو مواطنا، شجاعا أو خائفا، آمِرَاً أو مُطيعا، أميرا أو خادما.

قد يصل إلى مصر ويقول بأنَّ المصريين أجبروه على التحدي الذي لا قـِبـَـل له به، وقد يحدث العكسُ ويكون البرادعي قد لعب مع الكبار بذكاء ( كما يؤمن بذلك شاعرنا الرائع عبد الرحمن يوسف)، وحدّد موعدَ وصولِه لقياس شعبيته قبل أنْ يضع نفسَه موازياً ونِدّاً وبَدْيلا للرئيس مُبارك.

مبارك وأمريكيوه وإسرائيليوه وأجهزة القمع ليسوا نائمين، فأحذية الطغاةِ تسحق من يعمل على تحقيق حلم التغيير إلى واقع.

سيكون من أسعد ايام حياتي لو تحدّىَ البرادعي بمساندة وتأييد الشعب الطاغية مبارك وابنه، لكنني لا أريد أنْ أستعجل بيعَ حبوبِ الوهم خشية أنْ أكتشف أنَّ الدكتورَ البرادعي ليس طرَفا في معركتنا مع الارهابي وكلابه الذين يحكمون شعبنا.

ساعات قليلة ثم نستيقظ أو نعود إلى النوم ربع قرن آخر.

ساعات قليلة فينحاز البرادعي إلى الشعب أو يعود إلى بيت الطاعة.

ساعات قليلة يكبر بعدها الدكتور محمد البرادعي فيصبح في قامةِ وطن أو يصغر فيضْحَىَ واحداً من ثمانين مليونا يخدمون أسرة مبارك!

زيارة البرادعي هذه المرّة أكثر أهمية من كل زياراته السابقة للمفاعلات النووية التي كان فيها زعماء وعلماء وخبراء وعقول ، أما الآن فعليه أن يتعامل مع لصوص، وبلطجية، وسجّانين، وارهابيين، وأجهزةِ قمع لا ينام ضباطها مِلَء عُيونهم قبل التلذذ بمشاهد سلخ مواطني هذا البلد الصابر.

حتى هذه اللحظة فالدكتور البرادعي لم يحسم خياره بعد، فالشياطين والملائكة سيكونون في استقباله، وسكان القصر والكوخ ينتظرونه، والكبار لا يحبّون اللعبَ معهم، والصغارُ يكرهون اللعبَ بهم.

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com

حوار بين جاهل و .. مثقف

في غرفةٍ صَغيرةٍ للمُدَخِنين مُلحَقة بقاعةِ الانتظار الكُبرىَ بمحطةِ القطارات التقيا!

كان الأولُّ يتأبَط كِتاباً، وينفث دُخانَ سيجارهِ الكوبي مُتأمّلاً تصَاعُدَه الحَلزونيّ. والثاني لصَقَ سيجارَته بين شفتيه كأنه لا يعرف إنْ كان سيأكلها أو سيملأ رئتيه بنيكوتينها المسموم!

اضطرّا لتبادل عباراتٍ ريثما ينتهي كلٌ منهما مِنْ آخر نفسٍ يلوّث الاثنين معا: الغرّفة و .. الصَدْرَ!

ودار بينهما الحوارُ التالي:

الجاهل: هل بقيَ وقتٌ طويلٌ علىَ موّعدِ وصول قطارِك؟

المثقف: أقل من نصفِ ساعةٍ، لكنني أعْدَدْتُ نفسي بكتابٍ دَسِمٍ آمل أنْ أنتهي مِن نِصْفِهِ قبل وصولي، وأنتَ .. هل سيمضي بك الوقتُ بطيئاً أمْ ستمضي أنتَ به سريعاً؟

الجاهل: أما الكتابُ فبيني وبينه خُصُومَة، يكرهني وأكرهه! هل تصَدّق أنني لمْ أقرأ خَمْسَ صَفحاتٍ منذ تخرجْت في الجامعةِ لسنواتٍ طويلةٍ خَلتّ؟ وقطعتُ علاقتي به فور خروجي مِنْ آخر إمتحان في اللجنةِ التي كانت تلهبها خيّمَة تحتضن حرارة الشمس و .. سخونة الأسئلة!

الثقافة ليست كتاباً فقط، فأنا أتثقفُ من التلفزيون، ومن السهر مع أصدقاء الفرفشة على المقهىَ، وأذهب إلى السينما، وأستمع إلى رجل الدين في الحيّ الذي أقطن فيه، ولا يستطيع أحَدٌّ أنْ يُمَيّز بيني وبين قاريءٍ يلتهم كتاباً مع إشراقةِ كلِّ صباح، ويهضمه قبل أنْ يأوي إلىَ فِرَاشِه!

المثقف: هذا زمنُ البؤس والطاعون حيث يتساوىَ العِلمُ بالجهل، والمَعْرفة بالأميّةِ، والكتابُ بالنرجيلةِ، والموسوعة بالمسلسل التلفزيوني، والمكتبة بالغرّزة!

لو استضافتنا فضائية عربية في حِوار عن أكثر قضايا الوطن عُمْقاً، وأشدّها تعْقيداً، فإنك بسهولةٍ بالغةٍ سَترْديني قتيلاً بدماءٍ أثيريةٍ، وغالباً ستنحاز الجماهيرُ إليك، وربما تتلقفك لاحقاً فضائياتٌ حُرّة، ومُسْتقلة، ودينية، وثورية، وخليجية، وتصبح نجْماً لامعاً تمَزّق المراهقاتُ ملابسَك كأنهن أمام تامر حسني، وربما تتلقى طلباً للمساهمةِ في رَسْمِ مُستقبل الأمةِ!

الجاهل: ثقافتك تجْعَلك تسْخَر مني، وعالمُ المعرفةِ الذي تعيش فيه، ويعشعش فيك يجعلك تظن أنَّ دورَك في الوطن أكبر من دوري.

في عالمِنا العربيّ الذي تهَيّمِن علىَ أكثره ديكتاتورياتٌ جمهورية، ومَلكيّة، وثوريّة، ورجعيّة، وعلمانية، ودينية، يفسحون المجالَ أمامَ أعداءِ الكتابِ وخصُوم الثقافةِ، بلْ إنَّ ثمانية مِنْ كل عشرة زعماء عرب يقرأون خُطبَهم بصعوبةٍ بالغةٍ، أما قواعدُ اللغةِ فحَدّث ولا حَرَج!

المثقف: لكنني أنا الذي أصنع الكتابَ والفنونَ، وأكتبُ التاريخَ والجغرافيا والعُلومَ!

إذا أردتَ أنْ تعْرف فلا بُدّ أنْ تتلقى المَعْرفة مني، وأنا أتصدر الندوات والملتقيات والمؤتمرات الكبرى.

أستطيعُ أنْ أبهر العالمَ حتى لو صنعت من اللاشيء كلمات منتقاة سابحاً بها في الفراغ، وأنا العقل الذي تستعين به الدولة ليرُدّ علىَ أعدائِها، ويفنِدَّ أكاذيبَ خصومِها.

أنا الذي أكتب للزعيم خِطابَه فيقرأه بشِق الأنفس ولو شرَحْتُ له سبعين مَرّة ما خفيَ عليه في اللغةِ والمعاني.

أنا أفسْرّ لك دينك، وأهَلّهل تفسيرات الجَهلةِ إنْ اقتربوا مِن كتابك المُقدّس.

الجاهل: رغم ضخامةِ الأنا في حَديثِك، ونرجسيةِ كل إشارة إلأ أنَّ الحقيقة اختفتْ تماما من كلماتِك المزركشة!

فأنت تصْنع الطاغِيَة، وتبررّ الاستبدادَ، وتعيش في دائرةِ مُغلقةٍ عليكم!

عشراتُ الآلافِ مِنكم في العالم العربي لا يُحَرّكون ساكناً إلا قليلا، وتستطيع حِفنة صَغيرَة مِنْ الجَهَلةِ مِثلي أنْ تعيد الوطنَ كله إلىَ الخلفِ قبل يغشي الليل النهار!

هل تعرف شاعرَكم الكبيرَ الذي يُصْدِر مِجلة شهرية أدَبية في مصر؟ إنه يطبع أربَعة آلافِ نسْخةٍ، ويبيع منها 25 نسخة فقط، أيّ أقل من نسخة واحدة لكل محافظة!

لو أنني أصدرتُ مجلة تهتم بالملابس الداخلية لفتيات الشاشة الفضية، ونجمات الفن السابع، فلا تتعجب إنْ نفدَتْ أعدادُ المجلةِ قبل أنْ يفرشها علىَ الأرض بائعُ الصحفِ!

لو أنني أنشأتُ موقعاً أو أحَدَ المنتديات علىَ النت، فلن تستطيع أنت أنْ تنشر إلا ما يروق لي، ولو جادلتَ أو قدّمْتَ احتجاجاً فسينهشك الأعضاءُ الآخرون.

في هذه الحالة فأنا وزملائي الجهلاء وأنصاف الأميين نحَدِدّ قواعدَ النقاش، ونفسّر علىَ هوانا الدنيا والدين، ونسمح لأجهزةِ الأمن أنْ تجوس مع عملائِها في الموقع، ولأباطرةِ الفتاوىَ الفجّةِ أنْ يلعبوا بعقول الشباب، ويقنعونهم بعبقرية التخلف!

في عالمِنا العربيّ يظل البقاءُ لي، فأنا ضابط شرطة، وعسكري، ومزارع، وطالب، وخرّيج جامعة، وموظف.

وأنا أيضا عضو برلمان، وأحيانا أضع علىَ بابِ شقتي لقب دكتور رغم أنني لا أعرف اسمَ عاصمةِ موريتانيا، ولا مساحة مصر أو اسمَ مدينةٍ ساحليةٍ سورية، ولا أعرف أسماءَ الدول التي تطل حدودُها على تركيا!

أنا الأغلبية الغالبة، وأنت الأقلية المهزومة!

لو أنني في ندوةٍ لك تلقي علىَ مَسامع الحاضرين حَديثاً عن فلسفةِ سبينوزا، وكتابات كافكا، وتفسيرات وليم جيمس النفسية، وروائع هربرت ماركوز، ولامنتميات كولن ولسون، وتشرح علاقة هاملت بأمه، وتقتطع فقرات من قصة الحضارة لولّ ديورانت، ويبدو منطقك كأنك تلميذ لكانط، ثم قمت أنا بتسفيه حديثك علناً، وانتقاد آرائك، وزعمتُ أنَّ أقوالك غامضة، فإنَّ ثلثي الحاضرين سينحازون لي ولا يعرفون أن مكتبة بيتي ليس بها غيرُ عددين من مجلة حواء، ورواية واحدة لشارلوك هولمز!

أنا لا أمثل خطراً علىَ السلطةِ، ولا يعبأ بي رجالُ الأمن، وأقضي عمري كله مع أسرتي دون أن أغيب يوما واحداً في غيابات السجن مثلك.

لو تولىّ حِمارٌ قيادة الدولةِ فحياتي ستستمر دون أنَّ يعتريها أدنىَ تغييرٌ، ولعلي أصفق له، وأمتدح في عبقريته، وأضمن لنفسي حياة هانئة وآمنة.

المثقف: ومع ذلك، ورغم حركةِ التقدم البطيئةِ في عالمِنا العربي فسيظل وجودي هو الذي يحميك، فأنا القوة غيرُ المؤثرة ظاهرياً، وأنا التغييرُ الذي لم يأت بعدُ، وأنا الماردُ المَحْبوسُ في القمقم، وأنا أصِف للعالم كله ولجمعيات حقوق الإنسان ما يفعله بك الطغاة رغم ادّعائِك أنك حُرّ، وسعيدٌ، ومواطن مطيع.

أنا أقوم بتعليم أولادِك، وأنت تحَرّضهم علىَ الجهل.

أنا أحاول تخليصَ رقبتِك من التعصّب، والتشدّد، وأشرح لك حقوقك وواجباتِك، وأكشف المتلاعبين بعقلِك في المنابر الإعلامية والدينية، ولجان الاقتراع، وبورصات المال، و ....

أنا أحترق من أجلِك، وأنخرط في المعارضة لتحريرك، وحتى لو لم أكن معارضاً فلا تعاتبني لمعرفتي، ولا تناهضني لاختياري الكتاب صديقاً، وأنيساً، ومُرشِدَاً!

الجاهل: وأنت تحتقر جهلي، ولا تحاول أنْ تجد لي عُذراً، ولا تتفهم كراهيتي للثقافة في وطن يرفع من شأني، ويَحُط مِنْ فِكرك.

أنت لم تنتفع بثقافتِك وصعدتَ إلى برج مشيّد فلا يسمع صياحَك أحدٌ، وأنا وجدتُ بجهلي الطريقَ مُعَبّدا،والأبوابَ مفتوحة، والمناصبَ بجانبِ السلطةِ فاتحة أذرعها لي.

أنت وأنا ضحيتان ولو كنا علىَ طرفي نقيض!

سيجارُك وسيجارتي لا يلتقيان إلا في بيئة مُلوّثة، ومعرفتُك وجهلي يتصارعان دون معرفةِ الأسباب، وغرورُك وفراغ عقلي يتنافران، وصمْتك وسلبيتي يعملان لصالح الاستبداد.

المثقف: وأنا غير واثق أنك تفهم حديثي، وعلىَ يقين أنَّ التلاعبَ بك أسهل من اليو يو، وأنَّ الجماهيرَ التي تنتمي أنت إليها تعين الظالمَ، وتعَرّي قفاك لصاحب الكفّ الأغلظ!

بل إنَّ جهلك أكثر غروراً من معارفي كلها، وكراهيتك للكتابِ والثقافة والعلوم والآداب جعلتك في الجانب المُعادي لتقدم الأمة، وتطور الوطن، وتحرير الأرض.

أنت تصُمّ أذنيك، وتزدري أقوالي، وتعَمّم ثقافة الفهلوةِ، وتضم إليك في كل التجمعات خصومَ خير جليسٍ في الزمان.

أنت تظن أنَّ صُعودَك لي فيه مَشقة، وأنا على يقين من أن نزولي إليك تنازل يضرّ أكثر مما ينفع.

نحن نتفاوض على مكاسب لكل مِنّا، والسلطة تراقبنا ضاحِكة، فكرّباجُها لا يفرّق بين ظهري وقفاك!

حوارات سابقة للكاتب
حوار بين سمكتين في قاع البحر
حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين
حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك
حوار بين زنزانتين في سجن عربي
حوار بين حمار و .. زعيم عربي
حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك
حوار بين سجين حر و .. حر سجين
حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن
الحوار الأخير بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث
حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع
حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية
حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة
حوار بين وافد و .. كفيل
حوار بين جواز سفر عربي و .. جواز سفر أوروبي
حوار بين الرئيس بشار الأسد و .. الرئيس جمال مبارك
حوار بين مواطن خليجي و .. إعلامي عربي
حوار بين مواطن مصري و .. ضابط شرطة
حوار بين عزرائيل و .. الرئيس حسني مبارك

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com

خطاب الرئاسة الأول لجمال مبارك!

  أوسلو في الأول من فبراير 2010

حاولتُ بصعوبةٍ بالغةٍ أنْ أتخيّلَ بعْضَ تفاصيل الخِطابِ الأوّلِ للرئيس جمال مبارك بعدما اعتلىَ عَرْشَ مِصر مُفترضاً أنه سَيُلقي علىَ مَسَامِع المصريين ما يفكر فيه حقيقة وليس ما يُظهره كلُّ الطواغيت مِنْ صورةٍ مشرقةٍ توحي للمستمعِ بأنَّ كاتِبَ نَصِّ الخِطابِ استقاه مِنْ الشِرّعة العالميةِ لحُقوق الإنسان!

كانت قاعة المؤتمراتِ مُكتظة مِنْ بوابتِها الخارجية إلىَ دورةِ المياه، ويجلس في الصفوفِ الأولىَ رجالُ الرئيس الجَديدِ، وكلٌّ منهم يحمل بيده آلة حاسبة صغيرة لعله يَحْسِب أرباحَه في السنواتِ العَشر القادمةِ التي تنتهي، لا قدّر اللهُ، بمزادٍ عَلنيٍّ لبيع النيل والأهرامات وأبي الهول والمتحفِ المصري ومكتبةِ الإسكندرية ووادي المُلوك وماسبيرو و.. قناة السويس.

سيدة مِصْرَ الأولىَ خديجة الجَمّال تهمس في أذن رئيس البروتوكول آمرةً إياه أنْ يطلب مِنْ السيدة سوزان مبارك الجلوسَ في الصَفِّ الرابع، فمصرُ لا تحتمل سيدتين، كالأردُنّ تماماً عندما تراجعت الملكة نور لصالح الملكة رانيا العبد الله!

يدخل الرئيسُ الجديدُ، وتضجّ القاعة بالتصفيق لعشر دقائق كاملة، ويوزع سَيّدُنا ابتسامة صفراءَ تحمِل في طياتها وَعيداً بفتح بابِ الجحيم علىَ مِصراعيه فيجعل المصريين يترحمون على عهد والده حيث لم تكن هناك أكثر من الاغتصاب، والحرق، والتعليق من القدمين، وسرقة أعضاء الجسد.

رغم الرعشات في الحِبال الصوتية التي تخفيها ثقة اكتسبها الشابُ طوال عمله كمساعد ديكتاتور من الدرجة الأولى، ونائب طاغية، فقد كان نَصُّ الخطابِ، الذي تخيّلته، علىَ النحو التالي:

أيها المواطنون المصريون،

وأخيرا أقف أمامكم، وفوق رؤوسكم، بفضل صَمْتِكم الذي فاق صمت صخرة صمّاء تنزل عليها قطرة ماءٍ لعقودٍ طويلةٍ فلا تتحرك من موضعها حتى تخْضَرّ، وتعشعش فوقها طحالبٌ فلا يدري المرءُ أهو عَفنٌ أم كائنات حيّة تبعث الروحَ في الجماد!

كنت أبث لوالدي بين ألفينةِ والأخرى مخاوفي، فيضحك حتىَ الثمالة، وتزداد آلامُ غضروفه، ويقول لي: ستقف في شرّفة القصر الجمهوري أمام كبار الكبار ممن يتوقف القلبُ فزعاً لو تناهىَ إلىَ السمع اسمُ واحدٍ منهم، ويمكنك أنْ تفتح سروالك، وتطرطر عليهم جميعا، وأقسم لك بأنهم سيصفقون حتى تدمى أيديهم!

كان والدي يؤكد لي أنكم أقل شأنا من المماليك، وأنني لست في حاجة إلى أن أتوعد رؤوساً أينعت بأوان قطافها، وأنَّ مصرَ كلها، من قضاتها ومحاميها وإعلامييها وضباطها ومخابراتها وقدامى محاربيها ومثقفيها وشعرائها ستأتيني راكعة ساجدة حتى لو ثارت كل شعوبِ الأرض، وبلغت القلوبُ الحناجرَ، ولم يَعُدْ هناك عبيدٌ علىَ وجه البسيطة!

أيها المواطنون،

كم ودِدْتُ أنْ أشعر بقيمتي في قمع معارضةٍ كبيرةٍ، أوّ اطلاق النار علىَ عدةِ آلافٍ من المتظاهرين الباحثين عن كرامتهم، أو حتىَ أشعر بأصغر خطر من ثمانين مليوناً من نسْل الفراعنةِ وهاضمي حضاراتٍ سادَتْ ثم بادَتْ، لكنني حزينٌ حُزنا جَمّاً، فالسوط لا قيمة له إنْ لمْ يصرخ مَنْ يُلهبهُ ظهْرُه، أما الذين لا يجدون قوتَ يومِهم، ولا عمل لديهم، ويبللون فراشَهم من الحزن والضعفِ وقلةِ الحيلةِ، وتأكل أجسادَهُم أكبادٌ تتآكل بفعل المرض والفيروسات، ثم يخرجون عن بكرة أبيهم يحتفلون بانتصارات في الملاعب الخضراء وهزائم في المستشفيات البيضاء لأجسادٍ صفراء طوال عهودٍ سوداء، فلا أظن أنني ساشفق عليهم طوالَ فترة حُكمي إيّاكم.

الديكتاتور يشعر بغبطة عندما ينتزع الحُكمَ مِنْ أنيابِ شعوبٍ شرسةٍ وهي تدافع عن بلدِها، وأرضِها، وأهلِها، أما عندما يُسَلمه شعبٌ رقابَه، وحُرْمَة نسائِه، ومستقبلَ أولادِه، وخيرات وطنِه تبرُّعاً، وطاعة، وثمناً لفتاتِ خبزٍ حاف يُلقيه في أفواهِهم لصوصُ الطاغيةِ، فقد أحْكَمَ الشعبُ لنفسِه العقدةَ التي لا حل لها، وأعطى إشارة لكلابِ القصر أنْ تنهش في لحوم الذين صَمَتوا علىَ جحيمٍ مضى، وسيصمتون على كوارث قادمة لا تبقي ولا تذر.

صباح اليوم، أيها الاخوة المواطنون، اجتمعتُ مع أصدقائي الحيتان، وقمتُ بتوزيع المكافآتِ عليهم، لكنني للحقيقةِ اعتذرت عن بعض الطلبات غير الموفقة زمنياً، فقد طلب صديقي الوفيّ أنْ أكتب سيناءَ باسمِه، واستجداني آخرٌ أنْ أخَصّخِصّ البترولَ، وأمنحه باطنَ الأرض له ولاولادِه، وطالب ثالثٌ باحتكار بطون المصريين في الأرض الزراعيةِ كُلِّها، لكنني عاتبت أحدَهم عندما طلب عقدَ تمليكٍ لنهر النيلِ، وذكرّته بالمليارات التي سمحتُ أنا له بنهبها عندما كنتُ نائبَ ديكتاتور، فأطرق خجلا، ثم وافق علىَ أنْ أمنحه فرعيّ رشيد ودمياط و .. احتكار السماد.

كنتُ أراقبكم ورقيا وإلكترونياً، وأقرأ لكبار مُحَلليكم، وأعمدةِ الثقافةِ والاستراتيجيةِ ، وصحافةِ المعارضة، والفيس بوك، والمواقع والمنتديات، وأضرب كفاً بكفٍ، وأكادُ أسقط علىَ الأرض من الضحك الهستيري، فأنتم لأكثر من ربع قرن ظللتم في سنة أولى سياسة، وترتكبون أخطاءً في الرؤىَ السياسيةِ كأنكم لا تعرفون الفارقَ بين الألف والعصا، فكنتم تُرَشّحون عمرو موسى وهو ابنُ الخارجية المصرية، وتجمعون آلافَ التوقيعات للدكتور البرادعي الذي لم يطلب منكم دَعْمَه أو توريطه في معارضتِنا، أو تطلبون من الدكتور أحمد زويل أنْ يترك أمْريكَتَه، وعمله كمستشارعلمي لسيّد البيتِ الأبيض ليعود إلى مصر، ويقبل ترشيحَكم، ويُسْحِله ضباطُ الأمن علىَ سلالم دار القضاءِ كما فعلوا مع الدكتور أيمن نور.

كنتُ مندهشاً وكل منكم يؤكد للآخر بأنني وجهٌ غيرُ مقبول، وأنَّ الشعبَ لن يوافق، وأنْ المؤسسة العسكرية لها كلمتها العليا، فإذا بكم جميعا أمامي تتبرعون بكل صنوف العبودية والمهانة والاستكانة، أما جيشُكم البطل فلا يتنفس أيٌّ من جنرالاته قبل أنْ آذن له، ولا يرفع أحدٌ منهم عينيه أمام حذائي، فثقافة العبيد صنعها والدي لأبناءِ مصر طوال عهده، فلما تسلمت مقاليدَ الحُكْم هالني أنْ أرى تلك المازوخية السائدة التي تستعذب المهانة، وتغبطها المسكنة، وتتلذذ بالحط من شأنها.

كان والدي يقول لي بأنه طالما ظل المصريون أعداءَ المصريين فأنا في أمان، والعرشُ تحت مؤخرتي، والتاجُ فوق رأسي ولو لم يفصح عن نفسه، فأنا وكلابي وزبانية القصر ولصوص حُكمي في حماية كراهيتكم التي شملتْ، ووَسِعَتْ كل شيء إلا طغاتكم الذين أذلوكم، ونهبوكم.

أنا في أمان طالما ظل المصريًّ فأراً يرتعد من قِططٍ وهميةٍ، ويُبْلغ الإعلاميُّ أجهزة الأمن عن زملائه، ويتلقى أيُّ مُعارض شتائم البلطجية، وسباب المنحطين أخلاقيا لمجرد أن يبدي وجهة نظره، أو يعارضني، أو يفضح جرائمَ والدي!

لو خرج ثلاثة آلافِ مصريّ شريفٍ يعترضون علىَ نهبِ وطنِهم، فسيتصدى لهم، صَمْتاً وتَهَكُّمَاً، ثلاثة ملايين. ولو كشف تحقيقٌ لصحفيٍّ تجري في عروقِه دماءُ حُب الوطن خرابا وكوارث ومصائب فسترفض كل الصحف القومية نشرَه، وسيتبرع زميلٌ له يكونا قد أكلا عيش وملح سويا بالاتصال بجهات أمنيةٍ لتأديب الزميل، وكَسْبِ نقطةٍ لصالح الواشي تنقذه لاحقاً من فضيحةٍ أخلاقية.

أنا في أمان طالما ظللتُمّْ طائفيين، ومذهبيين، ومتعصبين، ومتشددين، ومتوهمين بغباء أنَّ اللهَ تعالىَ ينحاز إلىَ فرقةٍ مصريةٍ ضُدَّ أخرى، أو يحجز جنات من الدرجة الأولى لمصريين يوهمهم رجالُ الدين أنَّ التسامحَ ضعفٌ، والمحبة اعتراف بحقوق الآخر، والمساواة كُفر، والتهنئة اعتراف بالمخالفين.

أنا في أمان مادام المصريُّ يصنع معاركَه بنفسه، ويتهكم على أخيه، وينتقد الرأيَّ الذي لا يُرضي أجهزة الأمن، فالمشهد المصري برمته، رغم الحجاب والنقاب والمصاحف والأناجيل وأبواب المساجد والكنائس المفتوحة دائما، والفضائيات المهووسة بتهميش الآخر، دينيا وفنيا وثقافيا وفكريا وإنسانيا وعلميا، هو مشهدٌ عبثي، أحمق، كارهٌ لنفسه ولانسانيته، مبغض لمصر وأهلها.

أنا في أمان ما دامت أقصى أمانيكم هي انتصارات كروية تحقق الذات، وتمنح مشاعرَ زائفة من حُب الوطن، وتسمح لكم بالرقص في الشوارع، ورفع الأعلام، والتظاهر طوال الليل دون أن يتحرك ضابط أو مخبر أو بلطجي يعمل مع الأمن ليهشم وجهَ أحدِكم، أو يسحبه من رقبته إلى تخشيبة أقرب قسم للشرطة.

أنا في أمان ما دامت الأنانية تسيطرعلى سلوكياتِكم، ومشاعركم، فتجعلكم تحجمون عن التظاهر ولو مرة واحدة من أجل الافراج عن عشرات الآلاف من اخوانكم الذين حرمناهم، والدي وأنا، من أهلهم، وأحبابهم، وأولادهم، وكرامتهم، وحريتهم، أو تجعلكم تخرجون للدفاع عن أرض نهبناها منكم، وبترول صدّرناه لأعدائكم، وغاز دعمنا به آلة الحرب الإسرائيلية لتطحنكم والفلسطينيين ومن يعترض على هيمنة الدولة العبرية على أرض عربية.

أنا في أمان طالما أوهمناكم أننا حماة المسلمين والأقباط، لكننا، وأنتم تعلمون ذلك، صانعو الفتنة الطائفية، ومفرّقو الوَحّدة بين أبناء الشعب، وقد جعلنا المشهد المصري كأنه رواندا قبل مذابح التوتسي والهوتو، وصنعنا تعليما فاشلا يقضي فيه التلميذ والطالبُ ست عشرة سنة من عمره ليخرج للحياة نصف أميّ، وجاهلا بقواعد القراءة والكتابة، وعدوّا للكتاب، وخصما للثقافة، ومحصورة اهتماماتُه بين الملعب، والتلفزيون، والمقهى!

أنتم أعداءُ أنفسِكم قبل أنْ أكون عدواً لكم، ومَنْ يتابع حديثَ مصريّ مع آخر في الشارع، والمدرسةِ، والانترنيت، وعلى المقهىَ، وفي الفضائيات، وفي النقاش العلني ، وبين أتباع التعاليم السماوية سيعثر بسهولة ويُسْرٍ علىَ جبال من الكراهية ترهق صدور المصريين، ولو اغتصب مخبر جلف مواطناً مصرياً في قلب شارع مكتظ فلن يتحرك منكم أحد، ولا يندفع صاحب ضمير لينقذ ابن بلده من براثن أعدائكم.

أيها المواطنون المصريون،

لماذا تحولتم إلى عصبيين، وهستيريين، وقساة، وكأنَّ كلَّ واحدٍ منكم يحمل ثأراً ضد ابن بلده، ويريد أنْ يدفنه قبل قتله، أو يُعَلقه من قدميه بعد ذبحِه؟

حتى التعاليم السماوية التي أنزلها الله رحمة بكم ولكم، تحوّلت إلى أدوات للكراهية، وتبريرات للبغضاء، ودفاعات عن التفرقة والاستعلاء، والغريب أنه كلما ازداد تديّن المجتمع انحَسر الإيمانُ، وخفتَ حب الله في القلوب، وبحثتم في كتب عتيقة عن مصادر لشحن أفئدتكم من جديد بالعداوة، ورفض الآخر، وقبول الغث من الكلام.

كنت أقترب من الحُكم وأنتم منشغلون بكرة القدم، أو الصراع بين أبناءِ الوطن الواحد من مسلمين وأقباط، أو صناعة دين جديد للذكور فقط تحاربون فيه الدنيا كلها للدفاع عن حق المسلمات في التنكر واخفاء الوجه في فرنسا، لكنكم تخفون وجوهكم في الرمال بعدما كادتْ مِصرُكُمْ تُفلس، وأجسادُكم تذبل، وأكبادُكم تهلك، ورئاتكم تتسمم، ودماؤكم تضحىَ مَرتعاً للفيروسات والميكروبات!

لا تتهموني بكراهية مصر فأنتم أشدّ مني كراهية للوطن، فكل صور الفساد تنضوي تحت هذا البند .. رشوة، ومحسوبية، ومخدرات، وغش، وإحتيال، وعدم إتقان العمل، وبث الفُرّقة بين المصريين، وتقريب أصحاب الدين الواحد وليس المواطنة القائمة على الصدق، والأمانة، والنزاهة، والشرف.

فرّقتكم مشاعرُ الغيرةِ والحسد، فما إنْ ينجح واحدٌ منكم حتى تثيروا البغضاءَ حوله، وتتربصون بالشائعات عنه لتوَسّعوا نطاقها بدلا من أنْ توسِعوا مطلقيها تأنيبا وتقريعا، فهذا الفنان شاذ جنسيا، وذاك الكاتب يتلقى دعما ماليا من الخليج، والزميل الغائب يعمل مع الأمن، والمريض متمارض حتى يأتيكم الحانوتي بخبر رحيله، والفقير متفاقر إلى أن يسقط أمامكم، والغائب في زنزانات تحت الأرض منسيٌّ حتى يفرج السجّانون عنه!

حتى علاقاتكم في الغربة أصبحت نماذجَ يخجل منها الشرفاءُ، فهي خليط من الضغينةِ والحسد والضرب في الظهر والغيبة والنميمة، فكل الجاليات الأجنبية في الخليج وليبيا وأوروبا وأمريكا تتكاتف، وتتعاون، وتخرج في مظاهرات من أجل بلدها، لكنكم تتقوقعون، وأكبر همومكم لا تخرج عن تحويشة، وتحويل أموال لبناء بيت في مصر، أما الدفاع عن الوطن، والتظاهر أمام السفارة المصرية، ورفض منع الرئيس إياهم حق الاقتراع، وإنشاء تجمعات مصرية خالية من الصراعات السطحية العبثية فكلها خارجة تماما عن اهتمامات المصري في غربته.

إنني، أيها المواطنون المصريون، أستعد لادخالكم عصر ما بعد الفاقة، وعهد ما بعد الفقر، وجحيم ما بعد الكوارث والفواجع، ووباء ما بعد الأمراض والسموم، ومذابح ما بعد الفتنة الطائفية، ولن يهتز يقيني لحظة واحدة بأنكم أعداء مصر، وأن جيشكم البطل، وأجهزة الاستخبارات والأمن، وعشرات الآلاف من القضاة وممثلي السماء على الأرض، ورجال الدينين الاسلامي والمسيحي، لن يعاتبونني ولو على استحياء، وأن القضية ليست خوفا مني أكثر مما هي كراهية دفينة يحملها المصري لابن وطنه.

تابعتُ مئات المقالات التي أعقبها نقاشٌ وجدال وردود وتعقيبات على النت، فما وجدت إلا سِهاماً تصوَّب ناحية ابن البلد، وقنابلَ تنفجر في وجهه، وتهكما ينخر كلماته، وسخرية تقلل من شأنه، واتهامات كأنه عائدٌّ لتوّه من زيارة الموساد في تل أبيب!

لو كنتم تحبون مِصْرَكُم وقرأتم مقالا واحدا لابراهيم عيسى أو الدكتور عبد الحليم قنديل أو سكينة فؤاد أو حمدي قنديل أو فهمي هويدي أو الدكتور أسامة رشدي أو الدكتور أحمد صبحي منصور أو الدكتور يحيي القزاز أو محمد شرف أو الدكتور محمد عباس أو مجدي أحمد حسين أو قصيدة لفاروق جويدة أو أحمد فؤاد نجم أو عبد الرحمن يوسف أو عشرات من الذين حملوا لواء فضح جرائم أسرتنا لما بات أحدُكم في بيته قبل أنْ تعَلقوا لنا المشانقَ في ميدان التحرير، لكن عدمَ ثقة المصري بأخيه وابن بلده جعلتم تسخرون من كل من يريد تحريرَكم، وتصدقون أيّ شائعات عن كل من حاربني، أنا ووالدي، من أجلكم.

حدّثوني، رحمكم الله، عن مكان واحد لا تصَدْع فيه الكراهية، ولا تلسع فيه ألسنة حِدْاد حرمات الآخرين، ولا يستعد فيه المصري لتفريغ جيب أخيه أو زيادة عذاباته!

استخراجُ ورقة رسمية، المرورُ على الجمرك، زيارة قسم الشرطة للشهادة، البحث عن ملف في محكمة، شراء وبيع في كل ساعات النهار، دروس خصوصية، أسعار ملازم جامعية، زيارة لمستشفى، تعامل مع موظف حكومي، خلاف مع رئيس في العمل، البحث عن رخصة قيادة مصادرَة في قلم المرور، زيارة لصيدلية، خلاف مع الجيران، شكوى عن غش في مشتروات، و ... آلاف من الاحتكاك اليومي بين المصريين فلا تعثر على سِرِّ تلك الكراهية التي يحملها المصري لأخيه حتى لو كان خارجاً من مسجد أو كنيسة بعدما تطهر أمام الله.

كانت هذه سرَ قوة أبي وستظل معي كمادة سحرية تجعلني زعيمَكم لربع قرن قادم إلا إذا أفلسناكم، أنا وأصدقائي، ولم يعد في مصر ما يثير لعاب أصدقائي اللصوص!

كلمة واحدة مررتم عليها ملايين المرات ولم تثر انتباهكم، وكانت قادرة على اقصاء أبي قبل انتهاء ولايته الثانية.. إنها الحب!

لو أن كل مصري نزع الغِلَّ من صدره، وأحَبَّ ابن بلده المسلم والمسيحي والبهائي واللاديني والمؤمن وغير المؤمن، ومد يده لأخيه المختطف خلف قضبان في سجون عتيقة، ودافع عنه، ورفض التعذيب والاغتصاب وانتهاك الكرامة، ودافع عن حقه وحقوق أبناء بلده في القضاء على البطالة، والعلاج المجاني لغير القادرين عليه، ورفض الغش، واعتبار المخدرات اغتصابا لأولادكم في وضح النهار، وتقدير كل كلمة في أي مقال أو تحقيق عن تجاوزاتنا مهما صغرت، واحتقار المنافقين والأفاقين، واعتبار رئيس الدولة خادماً لديكم وليس العكس، لما وصل بكم الحالُ إلى هذا البؤس.

أيها المواطنون المصريون،

قوتي في حمقى وجبناء وقلوب قاسية وأفئدة مليئة بالكراهية ونفاق تتقزز منه الكائنات الأخرى وستعثرون عليها بسهولة في هؤلاء الغوغاء الذين دافعوا، ويدافعون عني في الصحف القومية، وفي الجيش الذي كان بطلا، وفي أجهزة المخابرات، الهجّانية سابقا، وفي مليون ضابط وشرطي ومخبر وبلطجي يعملون تحت حذائي وخدما للصوص أسرتنا، وفي مجلس الشعب الذي صنع قوانين الكذب ، وصفق للغش، وتولى شرعيا حماية قاتليكم، وفي أربعين ألف قاض، ومئتي ألف محام، وفي الملتقيات الإعلامية التي تستقطب أصحاب القلم من رجال الأمن الإعلاميين، وتسعة ملايين عاطل عن العمل يفضلون مَدَّ أيديهم لذويهم الفقراء عن مَدِّ أيديهم لصفع وجوهٍ خدعتهم، وخذلتهم.

قوتي في كل ذرة كراهية يحملها مسلمٌ لقبطيّ، أو قبطيٌّ لمسلمٍ، فهي شرارة نار ستُشعل مِصْرَكُم بعدما نكون قد قضينا على الأخضر واليابس، وأنهينا مصرَ إلى الأبد.

قوتي فيكم جميعا، وأنتم تُعَرّون لي ظهورَكم قبل أنْ أهوي بسوطي عليها، وإذا لم تصدّقوني فراقبوا جيدا ردودَكم، وتعقيباتكم، وآراءَكم، وشماتتكم، ونوعية خلافاتكم مع أي مواطن شريف يريد أن يحرركم مني: إما تغتالوه صمتا، أو تقتلوه تهكما وسخرية وتكذيبا!

أنا باق .. باق .. باق، ولن أدلكم علىَ طريق الحُبِّ لأن فيه نهايتي، وفيه عودة مصر إليكم، وفيه تطهير قلوبكم من كراهية لبعضكم أطالتْ الروحَ فينا ، وفي كلابِ القصر، وفي الذين نهشوا لحومَكم وأنتم تنظرون.

قوتي الحقيقية في ردودِ أفعالكم على هذا الخطاب، فهو سيسقط من ذاكرة كل منكم قبل أنْ يقوم من مقامه، وربما يصفق له آحادٌ هنا و .. هناك، لكن الثورة، والتمرد، والعصيان المدني، والانتفاضة الشعبية، وغضب الكرامة المصرية أمور مؤجلة إلى حين تكتشفون مكانا لمصر في قلوبكم، فهل أنتم فاعلون؟

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com

رسالة تحريض إلى أبطال العبور

أوسلو في 26 يناير 2010

أيها القادة والضباط والجنود في جيش مصر العظيم،

الجيشُ هو ذلك الخط الأحمر الذي لا يقترب منه قلمٌ، ولا يعاتبه معارضٌ، ولا ينتقده كبيرٌ، ولا يلومه مسؤولٌ، ولا تخدش وطنيّته كلمة في أيّ مقال أو تحقيق!

الجيشُ كالقضاءِ، وما عليك إلا أنْ تلتزم باكليشيه الوطنيةِ غير القابل للحوار أو الجدال أو النقاش، فتقول :جيش مصر البطل، وقضاء مصر النزيه، ولو رقصتْ أمام عينيك عشراتُ الشواهد التي تناقض المعاني الصريحة والضمنية في أوصافِ المؤسستين العسكرية و .. القضائية.

القضاءُ المصري يخضع للرئيس الفعلي والعملي لكل قاض ومستشار ومحكمة وحاجب وروب ودستور وقانون ومادة، وعندما يقول الرئيس بأنه لا يتدخل في أحكام القضاءِ فهو كاذب، كما كان دائما، أو منذ اليوم الأول الذي زعم أنه لن يجدد لولاية ثانية، فإذا هو يستعد للسادسة.

ومذبحة القضاء ليست حالة معينة، ومحددة بزمن ومكان وأشخاص، لكنها استمرارية لخضوع الكلمة المقدسة التي تنطلق في القاعة من حنجرة حاجب : محكمة! لأوامر وتوجيهات ورغبات الرئيس حتى لو كانت الحُكم على الدكتور أيمن نور، والدكتور سعد الدين إبراهيم، والدكتور مجدي أحمد حسين، والمدونين المصريين الذين يفضحون بكاميرات موبايلاتهم تجاوزات رجال الأمن وهم يغتصبون كرامة المواطنين، وينتهكون أعراضهم.

والقضاءُ المصري للفقراء والمساكين والمعاقين ومن ليس له ظهرٌ في السلطةِ يحمي ظهْرَه في فساد ظهَرَ في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، أما الكبار فيرسلون محاميهم ليبتسموا في وجه قاض تعلو هامَته آية قرآنية كريمة لو نزلت على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله.

وعليك أنْ لا تقترب من هذا الخط الأحمر، وأنْ تكرر ما يردده الناسُ من حلايب، والنوبة، مرورا بنجح حمادي، وليس انتهاءً بمحكمةِ المنشية بالثغر، أنْ القضاءَ المصري عادل ونزيه، حتى لو تاهت بين إداراته ملايين القضايا التي لم يَبُتّ فيها العدل البطيء، وبقىَّ الوضعُ على ما هو عليه!

جيشُ العبور خط أحمر أصدر قائدُ الضربة الجوية الأولى فرماناً مباركياً يحرم على المصريين حتى مجرد التساؤل عن الوضع الصحي والنفسي والمادي والعسكري والوطني لمؤسسة عسكرية انكفأت على نفسها، وحبسها ماردٌ من ورق في ثكنات لا تدخلها ذبابة إلا ويكون تقرير عنها على مكتب الرئيس، ولا تحرك أوتادَها نسمة صيفية قبل أنْ تستأذن الطاغية، وتؤكد له أنَّ جنرالاته لا يزالون نائمين، وأنَّ أحلامَهم في ردّ كرامة الوطن ستظل أضغاثاً ما أنفك الشعبُ يعتبر اللامبالاة هي التفسيرَ الوحيدَ لطاعةِ الله و .. الضمير.

أيها القادة والضباط والجنود في جيش مصر العظيم،

مشتاقون لكم، ولعزتكم، ولمهابتكم، ولمارشات عسكرية لو تناهى صداها لجدار من فولاذ يشطر مصرَ وفلسطين لسقط من فوره دون أنْ يتصدّع، أو ينشرخ!

مشتاقون لقدَامىَ المحاربين الذين شربوا مياه النيلِ قبل أنْ تتلوّث، ومشوا على أرضِها الطاهرة قبل تتدنس، وتنفسوا هواءَها قبل أن يصبح سموماً تحوّل رئَتيّ المصري إلى لونٍ أسود كظلمات الليل البهيم!

ماذا حدث لكم؟

لو قام مبارك بتكبيلكم في سلاسل غليظةٍ كأنها أصفادٌ من شواظ حممية ، وشاهدتم مصرَكم، وأهلكم، ونساءَكم، وأولادكم، وخيرات وطنكم، واستعنتم بذرات لا متناهية في الصغر من كرامتكم العسكرية والميدانية والوطنية، لما انبلج فجرُ يوم جديدٍ قبل أنْ تسحبوا مبارك وأسرته وزبانيته ولصوصَه ومجرميه من رقابهم إلى محكمة الشعب لتسمع مصرُ الحُرّة بيانكم رقم واحد، وتحذيركم لكل من تسوّل له نفسُه المساسَ بحُبّكم الكبير، فجيشُ مصر لم تغادره روح أكتوبر، وأنَّ قطعة خردة في ثكنة عسكرية أثقل، وأغلىَ من حديدِ عزّ ، فعزّة الوطن في يونيفورم مَهيب يحمي الشعبَ قبل القصر، والمواطنَ قبل الرئيس، والأرضَ قبل الحدود، واستقلالية القرار دون الرجوع للشين بيت أو البيت الأبيض!

أرى وزيرَ الدفاع وقد انحنت قامته، وتقوّص ظهره، وتناثرت على وجهه بقعُ الخمول والمسّكنة، فالرئيسُ لا يتركه لجنوده قبل أن يُرهقه صَعُوداً في يوم طويل من اللقاءات، والحفلات الغنائية، والاستقبالات الروتينية خشية أن يلتحم بكم، ويبث في نفوسكم روحَ التمرد والقتال، تماما كما يفعل الطاغية مع رئيس جهاز المخابرات، فيجعله يمُرّ على سبعين جهاز إسرائيلي، ومراقبة، واجتماعات، ووساطات، فينزع من قلبه روح رأفت الهجان، ومن عقله التفرّدَ الذكي والوطني للعقلية الاستخباراتية المصرية.

ماذا بقي من كرامتكم؟

ثلاثون عاماً وأنتم تجلسون في الصفوف الأولى من مسرح هزيل، وهزلي. تشاهدون أمَّ الدنيا وقد شاختْ، وهَرمَتْ، وتجعدَتْ، واصفرّ لونها فلا يدري المرءُ أهي سكرات الموت أمْ ترنحات البلادة، وكل الدلائل والشواهد والقرائن التي يُمهرها الطاغية بتوقيعه تصُمّ الآذانَ بصراخها أنَّ جيشنا عاطل عن العمل، وأن مساحة كرامته يحددها سيد القصر، وأن اليونيفورم لم يعد رمزا للنبل والفروسية، إنما هو إشارة إلى أمر باعتقال جيش مصر العظيم، فلا يتنفس أفرادُه، ولا تنطلق رصاصة تدريبٍ في عُمق الصحراء، ولا ينفكّ رباطُ حذاءٍ قبل أنْ يسمح الطاغية، ويستعد رجاله للقضاءِ علىَ أيّ إنقلاب عسكري ولو كان في ثنايا كلمةِ مزاح بين ثلاثة جنرلات، يخشى اثنان منهم الثالث!

أحبابنا .. قادة جيشنا العظيم،

سنوات ونحن نبحث عنكم، وننتظر ردودَ أفعالكم، وتستصرخكم نساؤكم، وتدعوكم ألسنة من وراء القضبان، وتحلم بفروستِكم النبيلة ندءاتُ كل المظلومين الذين سمَّمَهم عهدُ مبارك الأغبر، وسلط عليهم رجاله كلَّ الأمراض الوبائية، وتهتكت أكبادُهم من مزروعات رجال الرئيس وابنه، وأصبح لكل مواطن مكان في سقف مكتب ضابط شرطة يُعَلقه كأنه شاة مذبوحة، أو مطواة قرن غزال تلمس جسده النحيل في ميكروباص بعدما سلط الطاغية البلطجية لتخويف أهلكم، أو غرفة في مستشفى يسرقون بعض أعضاء جسده الملقى أمامهم، أو مكان يحترق أو يغرق فيه، أو زنزانة تحت الأرض يُعَلّمه فيها مبارك آدابَ الطاعة كما علمكم أنتم ورجال الأمن وأجهزة المخابرات والقضاة والمحامين وأساتذة الجامعات والإعلاميين والفنانين والأدباء والأطباء والطلاب والعمال والعاطلين عن العمل.

سنوات ونحن ننتظر البيان رقم واحد، ونلهث خلف أمنيات لم تبلغ الحُلمَ بَعْدُ بأنْ تصحو فجأة روحُ العبور، وتتقدموا بصدور تعلوها عزة، وتنتفخ شجاعة، وتنتصروا لحق أثبتت سنوات حُكم مبارك أن شعبكم الأعزل غير قادر على أن يُحرك حجرا صغيرا في قصر العروبة، أو كتلة رمال أمام مقر الديكتاتور في شرم الشيخ.

نساؤكم، وأولادكم، وأحبابكم، وأصدقاؤكم، وجيرانكم، وأهل بلدكم لم يعودوا قادرين على النظر في عيون ضابط صغير في قلم المرور، أو أمين شرطة يلقي بالهوية الشخصية على الأرض، أو بلطجي ينزع باب شقة آمنة تقيم فيها امرأة عجوز لا تتمنى أكثر من موت فيه كرامة، ودفن هاديء تودّع فيها سطحَ الأرض، وتنضم لسكانٍ تحتها لم يعودوا في متناول أيدي رجال سفاح مصر الكبير.

أيها القادة والضباط والجنود في جيش مصر العظيم،

ترتعد أجساد المصريين خوفاً ورعباً إذا تبادرت إلى الذهن فكرة قدوم أحذية العسكر للقصر الجمهوري مرة أخرى، وأكثرهم يفضلون الموتَ بسموم مبارك عن عهد عسكري جديد يحمل معه هزائمَ، وطواغيت صغاراًً، ونياشين بدلا من الأقلام، ومهمَتكم الآن اقناعُ أبناءِ شعبكم أنكم منهم، وأنْ ليس كلُّ عسكري توأماً لطاغية القصر، وأنَّ منكم رجالا صَدَقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، وأنكم ستعيدون لمصر كرامتها، وللمجتمع المدني قوته، وحقه في عهد جديد ومتسامح!

إنه التحدي الأكبر في تاريخ أرض الكنانة، فالرجل في خمس ولايات قام بتغيير خريطة المشهد النفسي المصري، وحفر في العمق، وثبَّتَ فيها سلوكيات ما كنا نعرفها إلا بين تجار المخدرات، وعصابات السطو والسرقة والقتل.

إنه التحدي الأكبر حيث تم نهبُ دولة على مسامعكم جميعا، والتفريط في استقلالها، وبيعُ بترولها وغازها لعدوكم، ثم إعادة شرائه بضِعْف ثمنه لكي يهدر ما بقي من فتات ميزانية بلدكم!

لا تقولوا لنا أنكم لا تعرفون تفاصيل جحيم المصريين تحت حكم مبارك، ولن يصدقكم طفل أبكم صغير لو قلتم بأنه لا حول لكم ولا قوة، أو أنكم أصفار لا يساوي مجموعها شيئا في عيني الرئيس وابنه، أو أنكم بآلاف الجنرالات لا تستطيعون تخويف بعوضة، ولا يملك أي منكم رؤية عن كيفية القضاء على الطاغية، وتكوين خلايا من ضباط أحرار تتعلق ضمائرهم بالسماء، وقوتهم بعقولهم العسكرية الاستراتيجية الذكية التي لو اجتمع منكم عشرة أو عشرون لغيروا وجه الحياة في مصر بعد اقصاء مبارك وأسرته.

لن نصدقكم كما فعلنا من قبل وأكثر من ثلاثين شهيدا من زملائكم يسقطون بطائرة فوق نيويورك، بعد أن وافق قائد الطيران السابق، ورائد الضربة الجوية الأولى، أن يحشرهم، خلافا لألف باء العسكرية، ونصمت، ثم نصك وجوهنا حزنا عليهم و .. علينا!

ولن نصدقكم إذا قلتم بأنكم لا تعرفون ما يدور على حدود مصر، فالطيران الإسرائيلي اخترق مجالكم عدة مرات ليكون الفلسطينيون في مرماه!

لقد أصبحنا على مرمى حجر من فقدان الثقة بكم، فالطاغية في سبيل الاحتفاظ بالعرش قادر على رهنكم لاسرائيل، وبيع استقلالكم لواشنطون، ونزع كل قوة، مهما صغرت، من سلاحكم، وتكاتفكم، ومشاعر وطنيتكم التي اختفت ردحا طويلا من الزمن.

أيها القادة والضباط والجنود في جيش مصر العظيم،

هل صحيح أنكم خذلتم أهلكم وأطفالكم وأجيالا في المستقبل ستدرس في التاريخ أنَّ جيش العبور انكمَش، وتكوّر، واختبأ في ثكنات عسكرية ، ورفض إنقاذ الضعفاء والمساكين، وأصبح دُمْيَة في أيدي مبارك والطغاة الصغار الذين يحيطون به؟

هل صحيح أنكم فقدتم الاستقلالية، ولم يعد مئات الجنرالات منكم قادرين على اختلاس نظرة واحدة على سيد القصر، وأنكم ترتعون في امتيازات مادية ثمنا لسكوتكم على نهب مصر، وتدمير الوطن؟

اعطونا إشارة واحدة، رحمكم الله، تؤكد أنكم لا زلتم أحياء تتنفسون، وأنكم غير راضين عن تفاصيل الجحيم المصري، وأنكم تنتظرون الوقتَ المناسبَ لاعادة مصر إلى شعبها؟

أنتم خط أحمر، كما يقول الذين يخادعون أنفسَهم، فماذا عن أفرادِ الشعب، وخيراته، ونيله، وحدوده، وبتروله، وغازه، وسلاحه، وأرضه التي بسط عليها رجال ابن الرئيس هيمنة وسطوة وامتلاكاً؟

الشعب هو الخط الأحمر الذي يوازي الجيش، فنحن أهلكم، ومن لا يحمي عِرْضَ أهله وشرفهم وأموالهم وممتلكاتهم وكرامَتهم فلا حاجة به للوطن!

توريثكم لم يعد بينه وبين الاعلان عنه رسميا إلا خطوات معدودة، ومحسوبة، وستنتقلون بكل ثقلكم، وتاريخكم المشرّف، وعقولكم الجبارة، والمدارس العسكرية والأكاديميات والخطط والاستراتيجيات ومصانع الأسلحة وأسرار الدولة العسكرية ، إلى ابن الطاغية، تماماً كملكية خاصة في عقد توريث يفعل بها الوريث ما يشاء، حتى لو باعها لأمريكا وإسرائيل!

نحصي الشهورَ، والأيامَ، والدقائق لعلَّ ساعة الصفر تعلنها ساعة جامعة القاهرة وماسبيرو في وقت واحد، وتُبْعَث مصرُ العظيمة من جديد في بيان قوي، ووطني، وشجيّ، ومؤثر عبر الأثير بأن العملاقَ المصري استيقظ، وأنَّ القوات المسلحة تطارد اللصوصَ والنهّابين والهبّارين والجواسيسَ الذين التصقوا بالعهد الأسود لحُكم أسرة مبارك، فيُعيد التاريخ نفسَه .. تشاوشيسكو، سوموزا، هيلاسيلاسي، منجستو هيلامريم، أنور خوجة، جان بيدل بوكاسا، بول بوت، عيدي أمين دادا، تشومبي، هتلر، .....

العد التنازلي في اتجاهين متضادين: إما اهانتكم، ونقلكم من رقابكم إلى الوريث الشاب الذي سيجعلكم تلعنون يومَ صَمْتكم، ويوم سقطت نياشينُ البطولة من فوق أكتافكم، وإما اشتعالُ نار الغضب والكرامة وعشق مصر والخوف من الله، تعالى، وخشية أنْ تلعن السكوتَ أجيالٌ قادمة لن يستطيع أحدٌّ أنْ يشرح لها أسبابَ التخاذل!

العدّ التنازلي يُسْرع مع دقات قلوب ظنها الكثيرون ماتت، أو يُبطيء مع نبضات في غرفة الإنعاش، ولا نعرف حتى هذه اللحظة أين أنتم: مع الله، أم مع الشيطان؟

ظن البلهاءُ أنَّ الصحافة خط أحمر، وهي صاحبة الجلالة السلطة الرابعة، فنكتشف أن مداد أقلامها في محبرة على مكتب مدير الأمن!

واعتقد الساذجون أن الخط الأحمر في الأزهر والكنيسة، فإذا بالإمام الأكبر وقداسة البابا يستعدان لتوجيه التحية لوارث مصر وأصدقائه ومصارفه وحيتان البترول والحديد والأراضي!

وتوهم المغيَّبون أنَّ القضاءَ المصري خط أحمر، فإذا بصيحةِ الحاجب يسمع صداها القصرُ، فيأمر، وينهي، ويعتقل، ويسجن، ويعذب، وتعاد إلى يدي البريءِ كلابشاتٌ مفتاحُها في جيبِ حبيب العادلي، وكلمة السر مع سيد القصر.

هل صحيح، أيها القادة والضباط والجنود في جيش مصر العظيم، أنكم خط أحمر لا يمسه إلا المطهرون؟

في صباح، وظهر، وعصر، ومساء كل يوم يعبث الروموت كونترول في القنوات الفضائية، ويمر على المصرية سريعا خشية أن تصطدم عيناي بمومياءات متخلفة ومحنطة، لكنني أتوقف لبرهة من الوقت أملا في أن أسمع الكلمة الأولى من البيان رقم واحد!

يا أبطال العبور، الذين نفخ الله في أرواحهم فأحيا روحَ أكتوبر المجيد، بحثت عنكم، كما أعيا البحثُ ثمانين مليونا من أهلكم، لكنكم لم تظهروا بعد، فهل حدث لكم مكروه، لا قدر الله؟

أحبابنا .. جنرلات وقادة وضباط وجنود مصر،

هل مازلتم أحياء؟

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com

الجنس في الذهنية السعودية

أوسلو في 18 يناير 2010

 لابد أنْ أعترف في البدءِ أنَّ الكتابة عن السعوديةِ في الصحافةِ العربيةِ لا تخرج عن حفنةٍ صغيرةٍ مِنْ الاحتمالات، فإما أنْ تكون في قائمةِ الخصومِ الذين لا يرون إيجابية واحدة في المملكة القائمة فوق رمال لا متناهية من وادٍ غير ذي زرعٍ، وفقاً لرؤيتهم، وهؤلاء تحرك أقلامَهم مشاعرٌ من الاستعلاءِ نحو الخليجيين بوجهٍ عام، أو ممن يدافعون عن أقليةٍ طائفية، أو من الذين يحصرون المشهدَ السعوديَّ برُمته في إطار الوهابية!

وهناك احتمالُ المديح الزائف، وتقليد صحافة الأمراء، وهؤلاء هم المؤلفة قلوبُهم، أو من الخائفين على مصالحهم المادية مع السعودية، فالسعوديون لا يطلبون منك إلا أنْ تكون معهم أو ضدهم، وليست هناك تدرجات بين اللونين الأبيض و .. الأسود!

النصائحُ ممنوعة، والانتقادُ مُحَرَّم، والصداقة تعني التصديقَ بكل توجيه وأوامر وخطب وإنجازات. فإذا ادَعَيّت أنك تحب المملكة، ولا تناهض نظامَ الحُكم فيها، لكنك تكتب عن السلبيات، وتنتقد المؤسسة الدينية، وتطالب بحقوق كاملة للمواطن، ومساواة بين السُنّة والشيعة، ونظام قضائي عادل، وإلغاء سُخرة الكفيل، وأهمية قيادة المرأة للسيارة حماية لأولادها من عبث السائقين المحرومين جنسياً، وإزالة الفوارق بين الطبقات، فقد صَنّفت نفسك مع خصوم السعودية حتى لو كنت تدعو اللهَ آناء الليل وأطراف النهار أنْ يحمي المملكة وأهلها وأرضَها وآلَ سعود!

السعودية تؤثر ولا تتأثر، فإذا أقام فيها أستاذ جامعي ليبرالي خمسَ سنوات أو عقدا أو أكثر قليلا، ثم عاد إلى مسقط رأسه، دمشق أو القاهرة أو الرباط أو بنغازي أو .. فإن نصف همومه تصبح ملتصقة بفتاوى العُلماء والفقهاء عن المرأة، وجسدها، وحجابها، ونقابها، ومكياجها، وعملها، وواجباتها تجاه سيدها .. ربِّ البيت!

رجلُ الدين هو نبي العصر، فيعصر عشرات من الكتب التي توَقفَ الزمنُ عندها ليُخرج من بطونها نصائحَ وتعليمات تختص بذلك الكائن الذي تكَوّن من ضِلع أعوجٍ لرجلٍ مستقيم، فيرقص إبليسُ فرحاً، ويهمس في أذن أُمِّ البشرمُوَسّوسا بضرورة إقناع أبينا أنْ يترك كلَّ فواكه الجنة ليضع في فمه تفاحة حمراءَ أو صفراء أو خضراء.

في السعودية لا تزال الشجرة تُغري السعوديين والوافدين، فالمؤسسة الدينية ترعاها، وترويها، والمرأة لم تعد تهمس في أذن آدم واحدٍ لكنها تضع كل رَجُلٍ أمام اختبارات لا نهائية، وعلىَ المؤسسة الدينية أنْ تحْميه من الفتنة قبل أنْ يقع في المحظور.

في السعودية قامت المؤسسة الدينية بصناعة الذهنية البورنوجرافية التي ترى ثلثي المُحَرّمات الدينية في المرأة، فكلها عَوّرة وفتنة حتى حبال صوتها تستمد نغماتها من خلايا أنثوية رضعت حليبَ الشياطين، والمرأة تغطي وجهَها فلا تدري إنْ كان السببُ الخوفَ علىَ الرجلِ من الفتنةِ أمْ الخوف على نفسها!

عشرات الآلاف من الفتاوى التي فتكت بالذهنيةِ السعوديةِ حَمَلَتْ أكثرُها صورتين متلاصقتين كأنهما توأمان لا ينفصلان: المرأة والشيطان، ومع ذلك فكلها كانت مُعَنّوَنة بكرامة المرأة والحفاظ عليها، فهي المَلِكة المتوَّجة في البيت.

تبحث أحيانا عن المرأة الصديقة، والزميلة، والمناضلة في حقوق الإنسان، والتي تتقدم مظاهرة تدافع عن أبرياء خلف القضبان، فلا تعثر عليها إلا بشق الأنفس، فالذهنية البورنوجرافية تقف لك بالمرصاد، مثلما حدث مع الأب الذي استقبلته ابنته في المطار بعد غياب دام عدة أعوام، فاحتضنته وهي لا تستطيع صَبْراً، وكاد ( المطاوعة ) يفتكون بالأب المسكين في مكان من المفترض أنْ يكون مرآة للمشاعر الإنسانية التي تعَبّر عنها قبلات وأحضان وعناقُ الأحباب والآباء والأمهات والأولاد فهي الصورة الطبيعية للقاءٍ بعد غياب، أو لوداع خشية طول الغياب!

كل خلايا الجسد تصرخ بعبادة الجنس ولو بدا ظاهريا أنها كراهية وبغضاء ونفور، وهنا يُشحذ اباطرة الفتوى أسلحتهم، وكلما أغلقوا باباً سَدّوا معه عدة فتحاتٍ لئلا يتنفس السعوديون، فظهور العينين حرام، ثم يأتي مُزايد جديد ويفتي بأنَّ على المرأة أنْ تُظهر عيناً واحدة كأنها الدجال الأعور، ويُعمم ثالثٌ فتاويه بأنَّ اللونَ الأسود الحزينَ في قيظ الصيف هو المناسب للمرأة لئلا تُغطي جَسَدَها بعباءةٍ خضراء فاقع لونها، وخمار تتخمر من رؤيته خيالات الرجل، فيتقلب على جنبيه طوال الليل بعدما أثِمَ خياله دون أنْ ترسل العينان إشاراتٍ مثيرةً لذهنٍ مريض.

الذهنية التي امتلأت بفتاوى تقتل كل قوى الابداع والفكر والمنطق والموضوعية تصبح عَصِيّة على الانفتاح على هموم الآخرين، وقضايا الحرية، وكرامة الإنسان، وروح التمرد والعِصيان والمناهضة والنقاش والرفض ، بل تصبح أكثر خشونة في التعامل مع الغير، فكل الانتهاكات تصْغر بجانب فتنة مجهولة لا تراها العين المجردة، وحينئذ يُضطر الملك نفسُه، بكل ما يملك من قوى تمَكنه أنْ يقول، أرضياً، للشيء كن فيكون، فيأمر بعدم نشر صور النساء في الصحف السعودية ضماناً لطاعة المؤسسة الدينية له، وبالتالي جماهير الشعب التي تستمد روحَ الطاعة والنوم والتغييب من المنبر، والنصوص التي يَفك طلاسمَها مَنْ لا يستطيع أحدٌ أنْ يأكل لحومَهم، وفقاً لأدبيات مُطيعي العلماء.

كانت هناك ثنائية للعرش يطيع العلماءُ فيها القصرَ، ويبارك القصرُ كهنة التفسير شريطة أنْ تظل صورة الحُكم مَهيبة كأنَّ القانونَ يَسْري على الجميع بنفس القدْر، لكن الحقيقة تغيّرت بمرور الوقت بعدما تم تكبيلُ المواطن السعودي المُسلم بفتاوى استخرجها العلماءُ عُنْوَة من أحشاءِ كُتبٍ اختلطت فيها عصورٌ مختلفة، وعهودُ الازدهار والانحطاط، التقدم والتأخر، الانتصار والهزيمة، وجاء منها كل عالِم بما في داخله أولا قبل إعادة صنعها لتناسب المسلمَ الجديدَ الذي جعلوه يرتعد رعباً وفزعاً من الملوك والعلماء و .. فتنة المرأة.

هنا تصرخ المرأة فتسمع صراخَها السماواتُ السبْعُ ومن فيهن، وتطالب بحقها في أنْ تقود سيارتها لتذهب إلىَ الطبيبِ مع زوجها المريض، أو تحمي أطفالَها الصغارَ من سائق مَحروم جنسيا لم يغادر المملكة لسنوات، وتقتله رغبة جنسية جامحة، لكن الدولة بكل مَنْ فيها، من حُكام وعلماء ورجال فكر ومئات الآلاف من الذين نهلوا علومَهم في الخارج لا يستطيعون إيجادَ مَخرج واحدٍ آمن، فالسماءُ ستلعن المرأة التي تريد حماية أطفالها(!)، والذهنية البورنوجرافية تؤكد لها المؤسسة الدينية أنَّ المرأة سترتمي في أحضان أول رجل يقابلها، أو سيعتدي عليها أول سعودي تقع عيناه على عجلات سيارتها وهي تنهب الأرض نهباً، وتصمت أرضُ الحرمين، وتلوذ الأمُ بصمتِ الصمت، ويُخفي الأبُّ ضعْفه وخوّفه وقلة حيلته، ويعود الطفل إلى البيت مكسور الجناح بعدما عبثتْ في جسده الغض الضعيف أناملُ شيطانية لسائق أنهكه التفكيرُ في الجنس، فأهدته المؤسسة الدينية، وحماقة الصامتين، أطفالَ المملكة ذهابا إلى مدارسهم وإيابا إلى بيوتٍ ضجت الشياطينُ ضَحِكاً في أرجائها وهي تراقب آباءً وأمهات يُقدمن فلذات الأكباد قربانا لرضا التفسير الجنسي للدين و.. طاعة الله!

تخفت، وتدْبل، ثم تموت الروحُ التي نفخها الله في عباده، وكرَّمَهم بها، ومنحَهم العقلَ ليتدبروا شؤونهم، ويتحوّل الإنسانُ ، كما أوهمته المؤسسة الدينية إلى ذئبٍ، إذا رأى ابنة عمه وهي تصارع سَكرات الموت حَرَّضه الشيطانُ على أكل التفاحة، فهو ليس مَحْرَما لها، ووجهُها الذي تتجه بَشرَته الباهتة إلىَ اللونِ الأزرق سيثير شبَقَ الجنسِ ويتحدى المشاعرَ الإنسانية ورباطَ الرَحم.

وتستفتي فتاة في أنَّ شقيقتها ستسافر مع زوجها الذي يُعِدّ دراسة جامعية ستشغله عنها وهي وحيدة، وتريد شقيقتها لتؤنس وحدتها في غربةٍ مؤلمة، لكن صاحبنا، الشيخ المفتي، يُحَرّم سَفرَها خشية أنْ يأتي الزوجُ فجأة في غياب شقيقتها، ويراها، ثم يحدث بينهما لقاء الشياطين!

أي فكر مريض هذا الذي ابْتُلينا به، والذي يظن أنَّ كل رجل سيقفز على أيّ امرأة يقابلها في المطار أو المَدرسة أو الجامعة أو المستشفى، أو حتى شقيقة زوجته، بل إنَّ أحدَهم سأل عن حُرمة الدخول على أمِّهِ وهي بمفردها! وأنا قابلت فتاة أصابها مرضُ التديّن البورنوجرافي فحكى لي والدُها عن رفضها مصافحة عمّها، أي الشقيق الأكبر لوالدها، خشية الفتنة، والذي في الواقع شارك في تربيتها كأنها ابنته!

سيقول قائل بأنها نماذج فردية ونادرة الحدوث، ومشاهد مستقطعة لحاجةٍ في النفس، لكن الحقيقة أنَّ شعبنا السعودي وقع في أسْرِ المؤسسة الدينية، وقيّدت فكرَه، وأمسكت برقبته، واغتالت ابداعاته، وسرقت حُرّيته، وداست على كرامتِه، وخنقت روحَه، ولوَّحَتّ في وجهه بصكوك الغفران.

هل مقالي هذا كراهية لشعبنا السعودي؟

معاذ الله أنْ أكون من الجاهلين، فقد تعرّفت على المملكة في أول زيارة عام 1985 ولازلت أذكر وصولي إلى مطار جدة، وكيف تم تفتيش الواقف أمامي وهو مواطن دانمركي وفتح كل حقائبه، ولما جاء دوري ابتسم لي الموظف مرحبا بدماثة خلق لطيفة.

وفي الطريق من مكة المكرمة إلى المدينة في ميكروباس تشاجر شخصان، سعودي ويمني، مع السائق، وكل واحد منهما يريد أن يجلس بجانبي، ولما سألت اليمني لاحقا عن السبب، قال لي: إنه لو كان بيده لأقام تمثالا من ذهب لكل مصري سقط شهيدا في اليمن ليحرره من حكم الإمامة البائد.

وكان مضيفي الدكتور عبد الله عمر نصيف أمين عام رابطة العالم الإسلامي(سابقا)الذي ربطتني به علاقة دافئة، وصداقة جميلة وفكرية شهدتها مكة وجدة ومدريد وإشبيلية و أيضا أوسلو عدة مرات.

وفي زيارتي الأخيرة للمملكة، منذ تسع سنوات، خفف عني وقعَ الصدمةِ في استقبال بدا كأنه عقوبة وليست ضيافة، وزيرُ الإعلام الأسبق، والمستشارُ لخادم الحرمين الشريفين، والمثقفُ المتحضرُ الأستاذ علي الشاعر، فالتقيت به في كل يوم من أيام الزيارة عندما قاطعني المضيفون، وكانت كل جلسة معه نناقش فيها الشِعرَ والأدب والإعلامَ واللغة كأنها كنز أحتار في النهل منه، إلىَ أنْ استقبلني الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض، وهو أحب آل سعود إلى قلبي وعقلي، وكثيرا ما تمنيت أن يصبح هو الملكَ القادمَ للسعودية والقادرعلى ترتيب البيت الداخلي، وعلاقتي الطيبة به تمتد لربع قرن، وكنت أيضا قد أهديته ألبوما لصور مدينة الرياض ألتقطتها بنفسي في وقت سابق، عندما استقبلني في افتتاح المركز الاسلامي بالعاصمة الإسبانية مدريد في 20 سبتمبر 1992.

مشاعري تجاه السعوديين ترقى إلى أجمل صور المحبة، وتجاربي غير الرسمية كانت معظمها جيدة، ومفعمة بدفء شديد، لهذا كتبت كثيرا أناشد الملكَ تحريرَ شعبنا السعودي من عبودية الفتاوى، وتمنيت عليه في مقالات عدة أنْ يجعل مملكة الصمت إشعاعاً لحقوق الإنسان، ويُلغي نظامَ الكفيل وهو النظام المناهض تماماً للإسلام وتعاليمه، ويمنح المواطنَ حرية الفكر، والكتابة، والمعارضة، والاختيار، ويفرج عن المعتقلين ظلما وعدواناً، ويرفع رقابة المؤسسة الدينية التي تتحكم في كل شاردة وواردة من حياة المواطن السعودي، ويحلّ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فشعبنا السعودي أكرم وأشرف من أنْ يحركه السوط على الظهر..

وتمنيت على خادم الحرمين الشريفين أيضا العدالة والمساواة بين كل مواطنيه، وأنْ لا يشعر أبناءُ البلد من الشيعة أنَّ حقوقهم أقل ولو درجة واحدة من اخوانهم السُنّة، وأن يذهب جزء كبير من ميزانية الدولة إلى صناع جيش قوي، ومصانع سلاح محلية، وأن تتساوى المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، وأن يتغير مفهوم الإسلام لتنضم إليه فروض جديدة مثل التأمين الصحي، والعلاج المجاني، ومحاربة الفقر، ومعاشات كريمة للمُسّنين، واعتبار وجود فقير واحد أو محتاج أو متسوّل مع تلك الثروة الهائلة كفر بديننا الحنيف!

وتمنيت عليه أن لا يصبح الدينُ سلاحاً في أيدي المتطرفين، وأن تنتهي تلك الحفلة التنكرية التي جعلت نصف المجتمع في غياب تام خلف خمار أو نقاب، وأفسحت المجالَ للارهاب لكي يتحرك بسهولة، وللرذيلة أنْ تختفي وراء قطعة قماش خلافا لأمر الله تعالى الذي جعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف.

لقد تمكنت المؤسسة الدينية المُسيّطِرة والقاسية من أنْ توحي للجميع بأنَ انتقادَها خصومة مع الاسلام، وأنَّ المسلم السعودي في زمن الانترنيت، والموسوعات، ومعارف كل القرون الماضية، وضغطة على كلمة (بحث) فتظهر ملايين المعلومات أمام المسلم ليختار ما يشاء، يجب أن يظل تحت قدميها، ويفهم أن المَلكيّن عن اليمين عن الشمال هما من المطاوعة، وأن رضا الله مرهونٌ برضا رجال الدين والعلماء والفقهاء.

كل الذين اكتشفوا الإسلامَ من جديد إثر تأثرهم بالمؤسسة الدينية السعودية، من مقيمين ووافدين، شحنوه بالجنس، وجعلوه محصورا في المرأة أو التكفير وكراهية الآخرين، وقاموا بتلوينه بالأسود القاتم فتشعر عندما تتحدث مع أحدهم أنك في سرادق عزاء، أو أن صاحبنا يتلوّىَ من سُمّ الثعبان الأقرع.

المجتمع الذكوري أخطر على الأمة من الاختلاط العفيف الذي يجمع المرأة والرجل في حدود مايراه العقلاء أساليبَ تعارفٍ لا تستقيم الحياة الطبيعية بدونها، فالتعارف يرقق الطباع، ويقلل نسبة اللواط، ويُكمِل مشاركة الجنسين في التربية والبناء والتعلم والخبرات الحياتية.

الذهنية الجنسية التي صنعها أباطرة الفتوى نزعت كل وسائل المقاومة في الجسد والعقل، والمحروم والمكبوت والمقهور لا يحتاج لأكثر من لمسة واحدة لتتفكك مفاصل قدميه، وترتعش مسامات جسده، ويخرّ صريعا أمام أيّ امرأة عندما تطأ قدماه أرض المطار في القاهرة أو دمشق أو تونس أو لندن أو جنيف أو بانكوك أو بيروت أو الدار البيضاء!

لقد صادرت آلافُ الفتاوى أجهزة الدفاع الطبيعية في جسد الرجل من حب، وعشق للموسيقى، وأحاديث عفيفة مع زميلة الدراسة والعمل، وأحاديث عائلية مع ابنة الخال وابنة العم وتلك الجارة الجميلة التي كبرت على مقربة من عينيه ، لكنه لا يعرف الدنيا إلا بقائمة المُحَرّمات والتي تزيد أضعافا مضاعفة عما حلل الله لعباده.

ودخلت صناعة الكبت أخطر مراحلها في أجسادٍ لا تستطيع أيُّ قوة أنْ تكبح جماحَها، فسمعنا صيحات احتجاج على الرجال الذين يقومون، في المساجد، بالسجود في صلواتهم وقد ضاقت ملابسُهم لتكشف أجسادَهم، وتكشف عن قرب مرحلة الانفجار بعد ثلاثين أو أربعين عاماً من بدء صناعة المسلم المفخخ بورنوجرافياً.

لقد آن الوقتُ الذي يُعيد فيه السعوديون بناءَ وطنهم من جديد، ويتحرروا من سوط المطاوعة، وفتاوى العلماء والفقهاء، وكراهية المرأة واحتقارها، ولو أقسم الجميعُ أنها مَلِكة متوّجة في بيت زوجها.

وآن الوقت الذي يختار فيه آل سعود الكرام بين المؤسسة الدينية و .. الشعب السعودي العظيم، والراشد، والقادر على أن يعبد اللهَ دون وصاية، ويذهب للصلاة في المسجد بغير التلويح له بالعصا!

قِلة من الناس هي التي صفقت للسعوديين وهم يقصفون الحوثيين نيابة عن الرئيس اليمني الذي ساند صدام حسين في البدء باحتلال دول الخليج العربية، وشمَتَ الكثيرُ منهم في خسائر السعودية ولو كانوا على طرفي نقيض مع الفكر الحوثي الذي لم يكن العربُ قبل عدّة أشهر يعرفون عنه شيئاً!

إذا أردت أنْ يهاجمك الناسُ من كل حدب وصوب، فما عليك إلا أن تكتب مقالا يجمع بين المديح والغزل في نظام الحُكم السعودي، وتلك لعمري هي الخسارة الفادحة التي مُنيَتْ بها المملكة، والتي تصغر بجانبها كلُّ الخسائر الأخرى على الساحة السعودية.

الآن فإنَّ الكرة في ملعبِ خادم الحرمين الشريفين، ويستطيع الملكُ أنْ يتحرر ثم يقوم بتحرير أبناءِ بلده، والعُمر الافتراضي يقترب من الفصل الأخير الذي يمكن فيه للعقل أنْ يستوعب ما يحدث حوله، وأجنحة الحُكم ليس بينها وبين بلوغ العام المئة أكثر من عقدين من الزمان، والأمير بندر بن سلطان فقدَ قوته وتأثيره، وتبخرت أحلامُه، ووالده عاد لبعض الوقت، كما فعل الملك حسين بن طلال، رحمه الله، ليؤكد أنه لا يزال الرجلَ الثاني، ولم يبق في الصورةِ غير المقاتل من الصحراء.. خالد بن سلطان، والأمير نايف بن عبد العزيز الذي تؤيده المؤسسة الدينية.

السعودية خسرت تعاطف العالميّن العربي والإسلامي بسبب مصانع الكراهية التي استقطبت قوى التشدُّدّ باسم الدين، وفي العقد المنصرم تفجّرت في الأفئدة والعقول فتاوى البغضاء التي تبدأ من عدم تهنئة غير المسلمين، ورفض مصافحتهم، وعدم الاعتراف بحقهم في طقوسهم الدينية، وتمرعبرعالَمٍ بورنوجرافي لم يبق منه إلا خطوة واحدة وهي وأد المرأة في رمال الصحراء لئلا يراها الرجل، أعني خشية أن تمر على خيال الرجل حتى وهي داخل سبعين خيمة.

لا يقرأ السعوديون ما يكتبه الصحفيون والإعلاميون من ضيوف المؤتمرات والندوات والملتقيات والجنادرية، فهي لقمة عيش مُرّة في بلادهم، وسهلة في المملكة، والأمر لا يستغرق وقتا طويلا ليخرج المؤلفة قلوبهم بأكاذيب مزيفة عن الوضع المبدع في عالم الانجازات والمكتسبات، وأزعم أنَّ الانهيارَ يبدأ عندما يبتسم سيّدُ القصر الملكيّ والمحيطون به يقرأون له مقالات خطتها أقلامُ الشياطين، وقيل له بأنها ممهورة بتوقيع الملائكة!

مستنقعات اليمن ستأكل الأخضرَ واليابسَ في السعودية إذا استمر الوضعُ الكارثيُّ على الحدودِ، وثنائية العرشِ في المملكة ترجح كفتَها المؤسسة الدينية، والانفجارُ الجنسي قادمٌ لا محالة وهو أشدّ هوّلا وتدميراً من ثورة الجوعى، وانتفاضة الغاضبين.

تلك هي رسالتي للملك عبد الله بن عبد العزيز، ولأولي الألباب في السعودية، ولكل من لا يزال قلبُه يخفق بحبِ وطنه .. أرضِ المقدسات، فإما إنقاذ المملكة بأيدي حُكّامِها وأبنائِها، وإما أنْ يضع السعوديون أصابعَهم في آذانهم قبل الطوفان!

تلك رسالة حب للسعودية وأهلها وشعبها الطيب، والشيطان فقط هو الذي يستطيع أن يعثر في ثناياها على ذرة كراهية!

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com

 

أيها المسلمون، ماذا فعلتم بأقباطنا؟

أوسلو في 11 يناير 2010
مذبحة نجع حمّادي التي سقط فيها شهداءٌ أقباطٌ لم تكن مفاجأةً لي، والمذبحة القادمة، التي لا أعرف متى، وأين ستحدث، لن تكون هي أيضا مفاجأة!
يخطيء المصريون حين يظنون أنَّ القاتل هو ذلك المُتهَمَ الماثلُ أمام عدالةِ، أو ظلمِ، المَحْكمَةِ بعدما ثبتتْ عليه التهمة، ولم يبق إلا حُكم القضاءِ وتنفيذه.كلنا قتلة، من رئيس الجمهورية إلى الأم التي تصمت ببلاهة ريثما يحكي لها ابنها الصغيرُ عن التلميذ المسيحي الذي يجلس بجواره في الفصل.طاعونٌ أصاب المصريين وهم لا يعرفون أنَّ صَمْتهُم دعوة للوباءِ بأنْ يستشري في الجسدِ المصري البليدِ الذي لا تحَرّك فيه ساكناً التحذيرات والكتابات والاشارات الصريحة والضمنية، فالانهيارُ بدأ يوم تحوّلنا إلىَ بلهاء لا يقرأون، وإذا قرأنا اكتفينا بالعناوين، وإذا مررنا على التفاصيلِ سقطت من ذاكِرَتِنا قبل أنْ نطوي الورقة أو ننتقل إلىَ موقعٍ إنترنتيي آخر.مذبحة نجع حمادي تخرج لنا لسانَها، فهي أمام أعيننا منذ ثلاثين عاما أو يزيد، وقد شاهدت مثلها مئات المرّات دون أنْ تراق دماءٌ، ظاهرياً، أو يُشيّع أقاربُ الضحايا أحبابَهم.شاهدت المذبحة وأنا أجادل مسلمة تقول لي بأنها لا تشتري دواءً لابنِها المريضِ تحت أيّ ظرفٍ لو كان الصيدليُ مسيحياً!وشاهدت المذبحة وأنا أقرأ سؤالا من مسلم غبي إلى شيخ أحمق يستفتيه رأيَّ الإسلامِ في صديقه المسيحي الذي عاده في مَرَضِه، وجلس على طرفِ فِراشِه، فهل أصبح الفراشُ نجساً؟وشاهدت المذبحة في مفرداتِ لغةٍ سقيمةٍ تعْثر في ثناياها علىَ دماءٍ غيرِ مرئية، فالقبطي هو الآخر، وهو الذمّي، وهو دافعُ الجزيةِ ليحميه المسلمون على خط بارليف، وهو الكافرُ، وهو الوَثنيُّ الذي يريد بناءَ كنيسةٍ بجوار المسجدِ، وهو الذي ينبغي أنْ لا يشاركه المسلمُ في أعيادِه، ولا يبعث تهنئة له، ولا يتذوق طعامَه, وهو المتعاطفُ مع إسرائيل ( رغم أن كل الجواسيس تقريبا مسلمون)، وهو المحرومُ من أنْ يكون شهيدا في الدفاع عن بلده في الوقت الذي ينعم المسلمُ بالجنة والحور العين لو قاوم غزاة وطنه.وشاهدت المذبحة عندما قصّ عليَّ صاحبي القبطي أنَّ صديقَ طفولته المسلم تديّن، وترك لحيته تغطي نصفَ وجهه، ورفض أنْ يُصافِحَه بعدما عرَفَ الطريقَ إلىَ اللِه، ولما قال لوالدته: كل سنة وأنتِ طيبة يا حاجة!، رَدّتْ عليه قائلة: والمسلمون طيبون!وشاهدت المذبحة في مناهج الدراسةِ ووسائل الإعلامِ وألعابِ الأطفالِ، والتربية المنزلية، ومنع الأقباط من مناصب عِدّة في بلدهم، وشاهدتها في كل نقاشٍ متخلفٍ عن خانة الديانة في البطاقة الشخصية.وشاهدت المذبحة عندما أصبح للمسلمين قضاياهم، وللأقباط همومهم، وأضحت الرؤية السياسية ملتصقة بالهلال أو الصليب، وهرب المصريون من مواجهة نظامٍ عفن، وفاسد، ونتن، وإرهابي، وبلطجي، واستخرجوا من بطون وتراث وتفسيرات الإسلام والمسيحية مبررات الجُبن والضعف والتخاذل والطاعة العبودية وتفضيل لقمة العيش الذليلة على حياة الحرية والشرف والعصيان والمقاومة والرفض والتمرد.وشاهدت المذبحة على البال توك، وفي القنوات الدينية التي تستقطب حواة ولاعبي الثلاث ورقات، ومفجري الفتنة الطائفية، ثم انضمت إليهم في السنوات العشر الماضية آلاف المواقع والمنتديات الدون كيشوتية التي تحارب طواحين الهواء، ويدّعي كل من يضع أصابعه على الكي بورد أنَّ الله منحاز إليه.نحن غزاة مدينتنا، كما قال الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة:حين جلسنا نصخب في أعراس الجنحين أجبنا الغرقى بالضحكاتحين أجاب الواحد منامادمت بخير فليغرق هذا العالمَ طوفانكنا نحن الأعداءكنا نحن غزاة مدينتا!المذبحة تدخل عقدها الرابع قريبا، وهي مستمرة في كل مكان، وتستطيع أن تشاهدها لو كان في قلبك متسع لحب مصر والمصريين، وكلنا شاهدناها في مطاردة الكتاب والمفكرين الذين غادروا مصر هربا فتصادف هروبهم مع أشقائهم الأقباط الذين قرروا اللجوء إلى أحضان أمريكا وكندا والغرب.المذبحة أيضا في مشاعر تحتضنها أضلعٌ، وتخفيها صدورٌ، وتحتفظ بها قلوبٌ لم تعُدْ تخفق بهجة للآخر.مع أنني مؤمنٌ بأننا نحن المسلمين نتحمل النصيبَ الأكبرَ من الفتنةِ الطائفيةِ التي لم تعُدْ نائمة، وأنَّ التكفيرَ استخرجناه من ألسنةِ أباطرةِ الفتوىَ المنتشرين كالجَرَادِ في فضائياتنا وصحفِنا وكتبنا الغثةِ والرخيصةِ المرّصوصة بترابها على أرفف عتيقة في مكتبات فوضوية، وعلى أرصفة تجاورها أعقابُ سجائر ملقاة، إلا أن أقباطنا .. أحبابنا .. شركاء الوطن يتحملون قدرا لا بأس به من المسؤولية الجماعية عن إنهيار مصر العاجل أو الآجل!كان يجب على كل قبطي أن ينخرط في المعارضة المصرية لنظام الطاغية مبارك، فهو الذي أمر أجهزة أمنه بأن تسيء للأقباط، وهو الذي رفض حقوقهم المشروعة، وميّز بينهم وبين المسلمين، واحتكر مناصب كبيرة للمسلمين فقط.وكان يجب على كل قبطي أن يعمم مطالبه في حقوقِ الأقباط، فتصبح حقوقَ الانسان المصري، ويخرج كمصري قبطي مدافعا عن معتقل من الإخوان المسلمين ولو كان على نقيضه تماماً في الرأي والفكرة والنهج والإيمان، فحقوق الإنسان المصري العادلة هي الطريق لمساواة المسلمين بالأقباط.وأخطأ أحبابنا عندما انخرطوا في منظمات قبطية تطالب بالانفصال، وبعودة الاستعمار، وبالمساواة بين الصليب الشرقي والصليب الغربي، وباعتبار الاسلام هو الخصم، وبتجاوز كل الأخلاقيات في وصف نبي الإسلام وحياته العامة والخاصة، واستقطاع مشاهد ملوثة من كتب صفراء فاقع لونها تضر الدين أكثر من أعدائه.وأخطا قداسة البابا شنودة الثالث عندما أعطى إشارات لتأييده جمال مبارك ليرث بلدا مدمََرا، وعلى شفا الانهيار، فيكمل مسيرة والده الارهابي، وحينئذ يجلس المصريون، مسلمون وأقباط، يبكون بلدا رائعا لم يحافظوا عليه، ولم يدافعوا عنه.وأخطأ شركاء الوطن عندما اعتبروا أنفسهم عنصرا من عنصري الأمة الاثنين، فالمسلمون والأقباط عنصر واحد أتحدى أي خبير في علم وظائف الأعضاء أو الآثار وطبائع الشعوب أن يستخرج فارقا واحدا بين مسلم وقبطي.النظام الفاسد في مصر يصنع قبحا، وانهيارا، ويدمر كل صور الجمال في الفكرة، والمعتقد، والمشاعر، والعلاقات الأخوية، وعلينا نحن أن نقاومه، ونصنع زمنا جميلا، ونلتحم رغم أنفه، ونهزم الحمقى الذين يظنون أن الله، تعالى، سينحاز يوم القيامة لفريق وفقا لخانة الديانة في البطاقة الشخصية.مذبحة نجع حمادي، كغيرها في الماضي والحاضر والمستقبل، نتيجة طبيعية لافرازات مريضة في أذهان متخلفة يظن أصحابها أن كراهية الآخر ترضي العلي القدير، وتفسح لصاحبها مكانا في الجنة.نجع حمادي موجودة في عقولنا ونفوسنا وصدورنا كعفريت من الجن يتلبسنا، ولن يخرج إلا بثقافة التسامح، وقبول الآخر، والتوقف عن السخرية من معتقدات الغير.عندما تفكر، ولو للحظة واحدة، أن هذا أفضل من ذاك لأنه يعتنق دينك، الاسلامي أو المسيحي، فأنت في الواقع مشترك في مذبحة بين المسلمين والأقباط لم تحدث بعد.عندما تستخرج من القرآن الكريم أو العهدين القديم والجديد آيات يفسرها هواك على أنك أقرب إلى الله من أخيك الآخر، المختلف عنك في العقيدة، فأنت في الواقع تشعل فتيلا لنار ستحرق وطنك في يوم ليس بعيدا.هل تريد أن تسحب البساط من تحت أقدام القتلة من المتطرفين والمتشددين، ونظام البغي المباركي، فالأمر في غاية البساطة، وجارك المسلم أو القبطي على مبعدة أمتار منك، والابتسامة والمصافحة والكلمات الطيبة لا تكلف كثيرا.أعود لنجع حمادي، وأبعث خالص التعازي للشهداء الأقباط الذين سقطوا في مذبحة الكراهية والطائفية والبغضاء والعَمى والتخلف الذهني.وأعتذر لكل قبطي عما حدث، فنحن كلنا قتلة، وأثوابنا ملوثة بدماء الشهداء منذ أن رضينا بنظام طائفي، إرهابي، يقف على رأسه طاغية يكره أن يرى مصر تعيش في أمن وأمان ورخاء وسلام ومحبة.وقبل أن تشهد مصر المذبحة الكبرى التي لن تقوم لأرض الكنانة بعدها قائمة، علينا أن نرفض شرعية حكم الطاغية وابنه، وأن نقاومهما بوحدة الهلال والصليب، وأن نرفض كل صور الحوار حول أفضلية دين على الآخر، وأن تتوقف المواقع والمنتديات والفضائيات عن توجيه سهامها لعقيدة الآخر.مصر في حاجة لأقباطها كحاجتها لمسلميها تماما، وأي مقاطعة من مسلم لقبطي أو العكس هي مساهمة كريهة في مذبحة قادمة .. لا تبقي ولا تذر.كلنا قتلة ومن كان منا بلا خطيئة فليرجم الآخر بحجر!وسلام الله على مصر.محمد عبد المجيدرئيس تحرير مجلة طائر الشمالأوسلو   النرويجTaeralshmal@gmail.com         

حوار بين عزرائيل و .. الرئيس حسني مبارك!

 
 أوسلو في 3 يناير 2010
كان الرئيسُ مبارك جالساً علىَ أريكةٍ مُريحةٍ، وقد بدا مُرْهَقاً يَغلبه النُعاسُ لثوانٍ، ثم يستيقظ فجأة كأنه يخشىَ أنْ تكون تلك الشهقة الأخيرة.
وبعد الغفلة الخامسة ظهَرَ أمام ناظريه مَلَكُ المَوّتِ علىَ مسافةٍ تبدو كأنها بَرْزَخٌ يفصل الحياتيّن في عدة أمتار بطولِ الغرفةِ الأنيقة التي يتوسطها تلفزيون حديثٌ تطلُ مِن شاشته مُذيعَةٌ بلهاءُ جاءَ أمْرُ تعيينها مِن خالها القريبِ مِن صانع القرار!
انتفض الرئيسُ وكاد يسقط صريعاً من الخوف، فابتسم عزرائيل وقال له: جئتك، سيدي الرئيس، لأتحاور معك، لا لأقبض روحك، فالحيّ القيوم لم يأذن لي بعْدُ بقبضها.
مبارك: خِلتُكَ وجدتَ عملا مع المعارضة المصرية، أو مررت على الدكتور محمد البرادعي فأسَرَّ إليك ببعض أمنياته، أو أنك تنهي ولايتي الخامسة قبل موعدها المُحَدّدّْ بأقل من عامين!
عزرائيل: أردت فقط أن أتأكد منك شخصياً إنْ كان الموت يخيفك، ومشهدُ يومِ الحساب يدلف بين ألفينة والأخرى إلى مخيلتك فيستيقظ ضميرك للحظات قصيرة، ولو كانت طرفة عين!
مبارك: تقصد توبتي قبل زيارتك الحقيقية لقبض روحي، أليس كذلك؟
يا سيدي عزرائيل، لو وقف كل حفاري القبور أمام القصر ومعهم نعوش وأكفان، وحَلّقَ البوم فوق رؤوسهم، واستيقظت ضمائر طغاة الأرض فإن مشاعري المتجمدة، وقلبي الأكثر قسوة من صخور الدنيا كلها، وضميري الذي مات مع صعودي عرش مصر، ستظل كلها معادية للمصريين، وكارهة لأبناء أرض الكنانة، ولو كنت أنت على مبعدة دقائق معدودة من ارسالي إلى القبر الموحش والمظلم فإنني أتلذذ، وأستمتع، وأسعد بشقاء المصريين، وأقرأ تقارير عن عذاباتهم يشيب لها شعر الجنين، وأعرف عن حالات من الانتهاك والاغتصاب والحرق والسلخ والقمع، ومع ذلك فإنهم لثلاثة عقود لم يثوروا، ولم يغضبوا، ولم بعترضوا، وهم يخشونني أكثر من خشيتهم الله، عز وجل.
عزرائيل: لقد رأيت طغاة كُثراً، وعرفت قوتهم وضعفهم، واستمعت لنبضات قلوبهم وهي تخفت، وتضعف قبل أن أنهي مهمتي التي أولاني إياها ربُ العزة، لكنني لم أرَ طاغية على شاكلتك!
معظم الطغاة لهم مع القبضة الحديدية إيجابيات يظنون أنها تشفع لهم، فستالين الذي قتل ستة ملايين من أبناء شعبه هو باعث النهضة السوفييتية، وهو الأب الروحي لصمود الشعب السوفييتي والجيش الأحمر أمام جحافل الرايخ الثالث. وماوتسي تونج صانع الصين الحديثة رغم فظائع نظام حكمه، وزين العابدين بن علي تحولت تونس في عهده إلى وطن في سجن، لكن النهضة الاقتصادية والسياحية حققت تقدما ملموساً رغم أن كرامة المواطن التونسي تراجعت إلى عصر العبودية. ومحمد رضا بهلوي قام بصناعة السافاك، وجعل اقتصاد بلده النفطي في أيدي صانع القرار الأمريكي، لكنه بنىَ قوة ضاربة في الخليج، وحققت إيران في أيامه ما لم تحققه دول المنطقة مجتمعة، والقائمة تطول .....
أما أنت فليست لك إيجابية واحدة منذ أنْ توَليّت الحُكم لأكثر من ثمانية وعشرين عاماً!
تراجعت مصر بفضل كراهيتك لشعبها في كل المجالات، وبدا أنَّ هناك عهدا بينك وبين خصومها على أن تجعلها، قبل أن أقبض روحك، الأخيرة في كل شيء.
مبارك: كل الدلائل تشير إلىَ عبثية حكمي، وأنا لا أخشى اللهَ أو الموتَ أو يومَ الحساب أو حتى ضميرا يقظاً يأتيني ليلاً أو نهاراَ!
المصريون قادرون على تبرير كل جرائمي، وكل مصري من النوبة إلى الثغر يمكنه أن يقصّ عليك ما يجعل الحجرَ يذوب حُزنا وهَمّاَ وكَمداً، وأي إنسان وضع الله في جمجمته ذرة عقل لا تراها العين المجردة كان ينبغي أن يصبح في مقدمة المناهضين لحُكمي.
أنا أتحالف مع الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، وضد جيش العبور، وأهين جيشنا الذي شاهد جنرالاته طائرات الدولة العبرية تخترق سماء مصر، وتدك مواقع الفلسطينيين.
وأنا أعطي أوامرَ بالقبضِ علىَ فلسطيني يهرب من القصف الإسرائيلي ويظن أنه يلجأ إلى رحمة أشقائه المصريين.
وأنا أبني جداراً فولاذياً أشدّ قوة ومَنَعة من الجدار الإسرائيلي الذي يفصل أهل فلسطين عن وطنهم.
وأنا صانع الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، وأحتقر المصريين كما لم يحتقرهم أيّ فرعون منذ بناة الأهرام، ولا أستجيب لصراخِهم، وعويلهم، واستجدائهم حتى أنني أتلذذ بوجود آلاف من الأبرياء خلف القضبان في سجون مظلمة، وأشعر بغبطة عندما أتخيل أولادهم وزوجاتهم وأحبابهم وقد أبيضت أعينهم من الحزن والبكاء عليهم.
قرأت آلافَ التقارير في الصحف المصرية والعربية والغربية ومنظمات حقوق الإنسان وزاد شبقي ونهَمي لأجعل من مصر سَلخانة، ولولا خشيتي من الرأي العام الدولي لأمرت زبانيتي بإبادة المصريين لأستريح منهم، ولعلك تعلم، سيدي عزرائيل، أن ثلث ميزانية الدولة تذهب لأكثر من مليون رجل أمن يقومون بحمايتي من هؤلاء الأوغاد الذين أستخف بهم فيطيعونني.
وأنا نجحت في جعل مصر تقوم بتسليم الريادة إلى دول لم تكن تساوي قرية أو نجعاً أو أحدَ أحياءِ القاهرة القديمة.
وأنا صنعت المصريَّ المتخاذلَ، والخائف، والمرتشي، والجاهلَ،  والفهلوي، والبلطجي، وعدوَ الثقافة، والمتحالف مع الأمن ضد أمه وأبيه وأصدقاء عمره.
وأنا قضيت علىَ كل محاولات الإنقلاب ضدي، وأقوم دائما بتغيير مواقع الجنرلات، وأراقب تحركاتهم وأحاديثهم وزياراتهم العائلية، وأسعى لأنْ أقرأ طموحاتهم وأحلامَهم.
وأنا أكره أجهزة الاستخبارات الوطنية التي لا يزال المصريون يحبونها، ويقدّسون أفرادَها، وتدمع أعينهم من بطولاتها، لذا فقد جعلتُ رئيسَها وسيطا بين القاتل والقتيل في فلسطين، وجعلتها مكشوفة أمام الموساد، فأنا في حماية تل أبيب وواشنطون.
وأنا أكافيء كل من يَسرق أو ينهب أو يفشل أو يعذب مصريا، حتى أنني منحت أوسمة لثلاثة ضباط شرطة متهمين بتعذيب المصريين، وعندما خرج وزيرُ الإسكان السابق من الوزارة بعشرات التهم الموثقة، أعطيته منصبا لائقا به، وراتبا مغريا.
أعمالي كلها تشهد بأنني عدو المصريين الأول، لكنهم لسذاجتهم، وعبطهم، وجبنهم، وخشيتهم على لقمة عيش من فتات أصدقاء ابني يبررون كوارث ومصائب وفواجع وطن يكاد يغرق في السموم والأوبئة والأمراض والجوع والتسول والعشوائيات وسكن المقابر.
عزرائيل: لستَ في حاجة لأنْ تسرد على مسامعي جرائمك، فسيذكرك تاريخ مصر لقرون طويلة قادمة.
لقد تعَرّتْ مصرُ عندما أعطيت التوجيهات لإعلام أنس الفقي أنْ يستعرض عضلاته، وألسنة مُذيعيه، وغباء الرياضيين، وحماقة الفنانين، فرَدّ عليك الآخرون،ونشروا غسيل بلدك على العالم، فصغرت مصر في أيام معدودات لتصبح مثلَ كرة قدم شراب بين أقدام صِبْيَة لا تعرف إنْ كانوا يمررونها أو يدوسون عليها!
لم أرَ في كل الطغاة الذي قبضت أرواحَهم زعيماً أكثر وقاحة منك وهو يفتخر بنظام تعليم يدفع من بطون الجامعة إلى الوطن جهلة وأنصاف أميين، ويفتخر بوسائل إعلام يخجل منها المصريون في داخل وخارج مصر، ويعتز بالفاشلين من الوزراء، ويحمي اللصوص وناهبي الثروات، ويفسح المجالَ لثقافة الفهلوة.
مبارك: قل كلَّ ما تعرف، لكنني باقٍ فوق رؤوس المصريين، وسعادتي في تعاستهم، وثمانون مليونا منهم لو أوجعهم الحزنُ على بلدهم وزفروا زفرة واحدة لهربت أنا وأسرتي وكلاب قصري على أول طائرة تتوجه بنا إلى تل أبيب أو واشنطون أو في خيمة يبنيها لنا رسول الصحراء على مشارف بنغازي.
لقد صنعتُ المصري المُحَصَّن للاستجابة لدعوات الثورة ضد الظلم.
أقسم لك بأنني أستطيع الآن أنْ أجعل مصرَ كلها تخرج، وتضع رقابها تحت قدمي ابني جمال لو أنني سلطت عليهم حمقى الشاشة الصغيرة أو أمرت رؤوس الأزهر الشريف والكنيسة القبطية بالكذب على الله تعالى، والادعاء أن السماء تبارك الدماء، وأن محمداً والمسيح، عليهما السلام، لو كانا في مصر لأعطيا صوتيهما لابني جمال!
لست أنا فقط الذي يلهب ظهور المصريين، لكنهم هم الذين يُعَرَّون ظهورَهم وأقفيتهم لكرباجي!
هل عرفت شعبا واحدا في العالم تكون قوانين الطواريء هي القاعدة التي تحكمه، ولم يعش يوما واحدا في ظل الحرية والأمن والدستور الطبيعي والقوانين غير الاستثنائية؟
إذا هاجمني واحدٌ من الأحرار تصدى له سبعون من العبيد، وإذا تفوّه الدكتور البرادعي، الذي كان يمثل للمصريين رمزا للفخر، بكلمةٍ واحدة عن ترَشحّه على استحياء نهشت كلابي لحمَه وشرفه وتاريخه قبل أنْ يعود إلىَ أرض الوطن.
لا تقل لي، سيدي عزرائيل، بأنهم لا يعرفون، وأنهم لم يشاهدونني أدَمّر بلدَهم، فكلهم، من قضاة ومحامين وإعلاميين ورجال دين إسلامي ومسيحي، وأكاديميين، ومثقفين، وجنرالات في الجيش، وضباط أشراف في الشرطة والمخابرات، ومفكرين، وأدباء، وشعراء، وقيادات طلابية، وعاطلين عن العمل، ومرضى، وأهالي المعتقلين الأبرياء، وستة ملايين مصري في الخارج، كانوا شهود زور، ووقفوا في صف الشيطان، ويقدمون مئة تبرير لخوفهم، وصمتهم، ورعشة رُكبِهم، واصطكاك أسنانهم.
إنهم واقفون وقد فغروا أفواههم في مزاد بيع وطنهم، وكل منهم على استعداد لتبرير موقفه المتخاذل، وأيضا على استعداد لأن يشهد اللهَ على ما في قلبه وهو ألدّ الخِصام.
عزرائيل: لو نزل غضبُ الله على شعب فإنَّ أبناءَ مصر سيكون لهم النصيب الأكبر من هذا الغضب!
لقد كرّمهم اللهُ فرفضوا الكرامة، وأغناهم فأفقرتهم فأطاعوك!
السماءُ غاضبة على جيش العبور وعلى جنرالاته وعلى الأحرار والشرفاء وكل من يستطيع في موقعه أن يناهض حُكمك الفاشي والإرهابي ولم يفعل.
مبارك: هل صحيح أن صلوات المصريين في مساجدهم وكنائسهم لا يقبلها الله؟
عزرائيل: إنها مشروطة بالدفاع عن الحق والعدل والخير والوطن، ومشروط بمقاومة الفساد والظلم والذل، ومشروطة بكراهية العنصرية والطائفية، ومشروط بحب الجار وابن الوطن المختلف دينيا ومذهبيا وعقيديا وطائفيا.
صلوات المصريين الذين يعرفون جرائمك، ثم يصمتون أو يبررونها، أو يجدون لها أعذاراً، هي صلوات باطلة لأنها جمعت الدين مع الظلم، والعبادة مع الفساد، والدعاءَ مع الغش، وتكدست المساجد والكنائس رياءً ونفاقا وخوفا، فتمكنت أنت وكلاب قصرك من تدمير وطن، وتخريب أمة.
مبارك: لو بعث الله كل أنبيائه مرة أخرى ونصحوني لما استمعت إليهم!
إنني أهش على غنمي، أعني شعبي فيطيعونني قبل أن يرتد إلىَّ طرفي.
الموت، سيدي عزرائيل، لا يخيفيني، ولعله تناهى إلى سمعك تصريح صفوت الشريف وهو يؤكد للمصريين أنني، في الثالثة والثمانين من عمري عام 2011، مُرَشَّح الرئاسة، ولو ترشح أحدهم أمامي فسألقنه درساً تلقى مثله أيمن نور.
عزرائيل: لكنني عائدٌ إليك في الشهقة الأخيرة، وحينئذ لن ينفعك ندم أو بكاء!
مبارك ضاحكاً: وحتى تأتيني في زيارتك الأخيرة فإنني ساجعل مصر مُكبلة بمعاهدات ظالمة، ومحاطة بجدار فولاذي، ومثقلة بديون إلى يوم الدين، ومرهقة، وتعبة، ومُسَمَّمة من مياه النيل، وعطشى وهو يجري فيها، ولن أتركها قبل أن يصبح كل مصري مريضا أو سجينا أو معاقا أو متسولا أو نائما على الرصيف حيث لا مكان له في العشوائيات أو المقابر.
دعني أهمس في أذنك بكلمة سر، سيدي عزرائيل، وأقول لك بأنني في حماية أمريكا وإسرائيل، والجيش الذي تتحدث عنه لا يتحرك جندي من ثكنته إلا ويبلغني بذلك أصدقائي في تل أبيب، ويحميني الذين يطلق المصريون عليهم أشراف الوطن في أمن الدولة والجيش والمخابرات، ويحميني القلم الذي يأكل منه الصحفيون حراما، وتحميني قلوب ترتجف خوفا ورعبا.
عزرائيل: كل ديكتاتور قال من قبل هذا الكلام، ثم تبين للناس أنه نمر من ورق، ولو عرف الذين يتحاورون الآن في الاطاحة بك أن عرشك أوهن من بيت العنكبوت لعجلوا في البيان رقم واحد.
وإن غدا لناظره لقريب.

 

رسالة مفتوحة إلى الدكتور محمد البرادعي

أوسلو في 10 ديسمبر 2009
الطريقُ من الطاقة الذرية إلى الطاقة البشرية ليس مُعَبّدًا بالرغبةِ الشعبية بقدر ما هو ممهور بتوقيعِ الرجل الذي سَيَعْبُره!أوجه التشابه بين المفاعل النووي وقصر الرئاسة قليلة جدا، فتستخدم أياً منهما في السلام والحرب، في البناء أو الهدم، في التخصيب أو التمدير.الآن وقد وضعت أصغر أصابعك في فم الضبع، ماذا كانت النتيجة؟توجيهات من كلاب القصر إلى قرود القلم بتزييف تاريخك، والحط من شأنك، والتهكم على شروطك، والتشكيك في مصريتك بعدما كانوا يمتدحون في كل كلمة تتفوه بها، ويعتبر كل منهم أن جائزة نوبل فخر لكل محرر في الصحيفة التي انقلبت عليك.كل هذا وأنت لم ترشح نفسَك بعد، ولم تنخرط في عضوية حزب، ولم تناهض الحكم، ولم تفضح جرائمه رغم معرفتك بتفاصيل جحيم المصريين!بضع كلمات منك جعلت المصريين يتعاملون معك كأنك الرئيس القادم، وجعلت زبانية مبارك يصوّبون نحّوَك سهام الحقد والكراهية لأنك تهدد بقاءهم!ومع ذلك فأنت لا تزال في المربع صفر، وشروطك مرفوضة من الطاغية، والدستور تم تغييره ليصبح في خدمة العصابة الحاكمة، وقام مبارك بصناعة حزب، وملايين المهووسين، وسَدّ منافذ الوصول للقصر لأي شخص غير ابنه، وأطعم أصحابَ القلم مع التلويح بنزع لقمة العيش من أفواههم، ونزع أظافرهم من أيديهم!المربع صفر، سيدي الدكتور محمد البرادعي، هو المكان الذي يحتوي الشيء ونقيضه، ولا تنتصر فيه الملائكة أو الشياطين، وتستطيع أن تطلق رصاصا مطاطياً في كل الاتجاهات فيظنك الجميع عدوا لهم، ويظنك الجميع صديقا لهم!فجأة تسابق المصريون لترشيحك في انتخابات 2011، وانبثق أمل في نفوس أبناء شعب كاد اليأس من اقصاء مبارك أو ابنه يتحول إلى ما يشبه الهواء الملوث في الرئتين.السلطة، سيدي الدكتور البرادعي، ليست مطالب شعبية أو رسائل غزل، ولكنها انتزاع الحكم من أنياب وحوش كاسرة ظلت محتفظة به لثلاثة عقود.لو بعث الله نبيه، موسى عليه السلام، مرة أخرى إلى مصر فلن ينجح في انتخابات الرئاسة أمام مبارك، وسيقول له المصريون إن البقر تشابه علينا!ولو بعث، سبحانه وتعالى، نبيه يوسف الصديق عليه السلام لينافس عزيز مصر وامرأته وابنهما، فسيعلن اللواء حبيب العادلي أن ابن يعقوب لم يتمكن من النجاح في أي دائرة، وأن اخوة يوسف صوتوا لصالح مبارك أو ابنه، وأن النسوة في القاهرة قطعن أيديهن لما رأين جمالاً!أيها العالم الجليل،أنت أمام حلين لا ثالث لهما: إما أن تنتظر المصريين وهم ينتظرونك، أو تحارب التنّين فيلتفون حولك!الفارس لا يضع شروطه على أرض المعركة، وأنت الرجل الوحيد الذي أتيحت له فرصة لم تتح لمصري منذ أن سقط مبارك من على مقعده في العرض العسكري في 6 أكتوبر 1981، ولو أردت أن تكون رئيسَ مصر القادم فمصباح علاء الدين بين يديك، فافركه، وتقدم إلى القصر.أنت لست في حاجة لأكثر من مؤتمر صحفي مطول تتناقله وكلات الأنباء، وتبثه فضائيات الدنيا، ثم تخرج مصر كلها تلبي النداء، فالمصريون يحتاجون فقط إلى من يقوم بالخطوة الأولى لتحريرهم من مبارك، ونظام الأسرة الحاكمة الفاسدة الذي لن يتحمل نفخة واحدة فيتهاوى كما تسقط قصور الرمال التي يبنيها الأطفال على الشواطيء.ستتعجب أن مصر كلها ستؤازرك، وأن الجيش سيقف محايدا، وأن أجهزة الأمن والمخابرات التي تعرف خفايا عفن أسرة مبارك ستحجم عن اعتراض المصريين وهم يتظاهرون، وأنه لن يمر يومان بعد مؤتمرك الصحفي حتى يهرب مبارك وأسرته وزكريا عزمي وأحمد عز وأحمد فتحي سرور وحبيب العادلي وأنس الفقي، وستعرف حينئذ أن نمرَنا من ورق.قدّم برنامجك، ولا تتوجه إلى الطاغية بشروطك لترشيح نفسك، وقل لشعب مصر بأنك تضع نفسك في خدمته، ولحظتئذ سيتغير الدستور، ولن تكون هناك مادة لمزدوجي الجنسية، وستعود إلى مصر محمولا على الأكتاف، وسيتوارى عارا وخجلا وخوفا رؤساء تحرير الصحف القومية.أما المربع صفر فهو استجداء السلطة غير الشرعية، وهذه ليست فروسية أو بطولة أو نضالا، فلا تترك المصريين في حيرة.بقدر ما أنت معروف للجميع، بقدر ما أنت مجهول لدى الجميع، وعليك الآن مسؤولية التعريف بنفسك، ورؤيتك لمستقبل مصر، ونظام الحكم، ووضع حلول لأزمات ومشاكل البلد.المصريون لن ينتزعوا السلطة ليسلموكها، لكن مهمتك أن تنتزعها عنوة لتسلمهم إياها، ولا تكرر غلطة الدكتور أيمن نور عندما ظن أن اللعب مع الكبار في ملعبهم يحمل احتمال النصر والهزيمة، فالترشح أمام مبارك أو ابنه دعم للطاغية، ومنحه الشرعية في ديمقراطية مزيفة، يتحكم في صناديق الاقتراع بلطجية، وسيعترف العالم بفوز مبارك، الأب أو الابن، حتى لو أطلق الرصاص على جميع الناخبين.إما أن تقول بأنك ضد مبارك ونظامه، وأن لديك حلولا لمعظم مشاكل مصر، أو تصارح الشعب بأنك خائف، وأنك مثل عمرو موسى ، أي مع وضد في نفس الوقت!إذا أردت أن تصبح رئيسا لمصر فيمكنك تجنيد الشعب كله في عصيان مدني أو انتفاضة وأنت بعيد، وتأثيرك أكبر من تأثير كل قوى المعارضة في الداخل، وعندما تعود، وتقول للذئاب بأنك ستلعب معهم السباق حتى النهاية، فقد وضعت نهايتك بيدك، وحجزت لنفسك زنزانة مَرَّ عليها الدكتور أيمن نور والدكتور سعد الدين ابراهيم وسيمر عليها قريبا الدكتور عبد الحليم قنديل والدكتور محمد مهدي عاكف!الأستاذ الدكتور محمد البرادعي،أنت الأقوى في الخارج، والأضعف في الداخل!أنت الآن على مرمى حجر من تولّى رئاسة مصر شريطة أن لا تضع شروطا، وأن تنأى بنفسك عن لعبة الانتخابات القذرة، وعليك في مؤتمر صحفي يشاهده كل المصريين وقيادات الجيش والمخابرات والأمن أن تعلن بصراحة، كما أعلنها آية الله الخوميني منذ ثلاثين عاما، بأنك عائد برغبة شعبية لتولي الحكم، وأن تهيب بالجيش وأمن الدولة وشرفاء الشرطة أن يقفوا على الحياد، وأنك تطلب من مصر كلها الخروج في يوم محدد لتعلن رغبتها في عودتك، ورفضها ديكتاتور مصر الذي يحكمها بقانون الطواريء منذ ثلاثة عقود.لا أعرف حتى الآن إن كنت أختلف أو أتفق معك، لكنني أعرف أن طريقك للوصول إلى القصر أقصر من حبل الوريد.لا تكترث لخفافيش الصحافة القومية التي تهاجمك فهي تأكل من فتات السلطة، وتعمل لحساب وزارة الداخلية وليس وزارة الاعلام.اللعب مع الكبار يحرق الاثنين معا: الضعيف الشريف و .. الشعب!محمد عبد المجيدرئيس تحرير مجلة طائر الشمالأوسلو   النرويج

Taeralshmal@gmail.com

الرجل الذي أحلم به رئيساً لمصر!

أوسلوفي 29 نوفمبر 2009

الحياة لا تستقيم بدون أحلامٍ، والأحلامُ هي العلاجُ السحرّي لكلِ أنواعِ اليأسِ والكآبةِ والحزن!

خلال ثلاثة عقودٍ وأسرة مبارك تسرق أحلامَ المصريين، تماما كما تسرق منهم اللقمة!

باستثناء عدة مئاتٍ من المصريين الذين لا يزالون على العهد مُقاوِمين شجعان، في الإعلام والجامعات وأحزاب متناثرة وفنانين ومثقفين، فإنَّ الثمانين مليوناً لم يفيقوا بعد من غفوة شلّت الجسدَ والروحَ والعقلَ و .. الفؤادَ!

لم تنفع مع أهل بلدنا منابرُ المساجدِ والكنائس، ولا المقالات النارية التي تهُزّ الجبالَ هَزّاًً، ولا الكوارث في البحر والجو والبر، في المسرح وتحت جبل المُقطم وفي قطارات متهالكة كأنها أكفان لم تلتف بَعْدُ حول أجسادِ الفقراء والمطحونين الذين أصبح الموتُ لديهم مساوياً للحياة، وأحيانا تمنيات بعيدة المنال!

لم تنفع مع أهل بلدنا الكتبُ المقدّسة، وحكايات عن ثورات الأنبياء والرسل ضد الطغاة، ونقل الفضائيات إليهم في بيوتهم وقائع غضب الآخرين ..

لم ينفعهم الإيمانُ بالله، تعالى، ولا حرّك فيهم ساكناً مَلَكُ الموتِ يحصُدهم في الشوارع والطرقات والمستشفيات، ويتخفى خلف الفقر والمرض والوبائيات، وانتظرتْ السماوات السبعُ غضب شاربي مياه النيل حتى لو كان سببُ الغضبِ سُموماً قاتلة في طعامِهم وشرابهم وهوائِهم وتكاتف عدوٍ لئيم يتربص بهم في كل شارع وناصية وحارة، أعني القمامة، لكن المصريين تعلموا من وادي الملوك أن الصمت هو الذي يقوم بحمايتهم من سوط فرعونهم.

ومع ذلك فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التمسك بالحلم عن زعيم ينتشلنا من مستنقع لا قرار له، أو الاستمرار في العبودية المختارة تتقاذفنا أسرة مبارك كأننا كرة بلاستيك تمررها أقدام لاعبين يصرخ فيهم جمهور هستيري يظن أن كرامته تحددها الملاعب الخضراء، وأن التقدمَ هو حالة كروية ولو تحول المجتمع كله إلى أفواه جائعة، وبطون خاوية، وعقول فارغة، ونفوس مريضة.

وأنا لا زلت مُتمكسا بالحُلم عن زعيمٍ مجهول كما تتمسك عذراءٌ في خِدرها بفارسٍ أحلامِها الذي قد لا يأتي حتى يلج الجمل في سم الخياط!

أحلم برئيس يحب مصرَ، وترابَها، ونيلها، وتاريخها، وحاضرَها، ويحتفظ في مخيلته  بتفاصيل مستقبلِها الذي يرسم كل خطوطه كفنان ماهر لا تبرح الريشة سبّابته وابهامه إلا لِماماً!

أحلم برئيس ليس كاذباً، ولا منافقا، ولا متعاظما، فإذا وعَدَ بأنْ لا يُجدد ولايته بعد الثانية، أوفىَ بوعده ولو خرج المصريون كلهم مطالبين إياه بولاية جديدة لأنهم يتامىَ مِن بعده.

أحلم برئيس يحترم شعبَه، ويعتبر كرامة كل مصري مِنْ كرامته، ولو سرق كفيلٌ أو مُهَرّبٌ على مراكبِ الموتِ أو بلطجي أو رجل يَحْميه أحدُّ الكبار مصرياً، فإنَّ الرئيسَ يأتيه بحقه قبل أنْ يقوم مِنْ مَقامه.

أحلم برئيس يتسلل آناءَ الليل وأطرافَ النهار إلىَ السجون والمعتقلات، ويبحث عن المظلومين، ويُفرج عن الأبرياء، ويطرد مِنْ رحمته كبارَ الضباطِ المتورطين في التعذيب والمهانة واذلال أبناء البلد.

أحلم برئيسٍ يحترم القضاءَ، ويجعل القضاة والمستشارين يُشرفون علىَ الانتخابات، ويُعطي توجيهاته بأنْ لا تقترب وزارة الداخليةِ مِنْ أيّ مصري يتم الحُكمُ عليه بالبراءةِ، فيعود إلىَ أهله قبل أنْ ينبلج فجرُ اليومِ التالي.

أحلم برئيس يُحب الفنَ الرقيقَ، ويستمع إلىَ الموسيقى الكلاسيكيةِ، ويحفظ بعضَ المعلقات، ويعرف قواعدَ اللغة العربية وأدابَها، ويستشهد مُرْتجلا بالمتنبي وأبي تمام وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل والجواهري ومظفر النواب!

أحلم برئيس لديه مشروع قومي ووطني وحضاري، ويعرف تضاريسَ مصر وجغرافيتها، ويقرأ لجمال حمدان، ويحفظ عن ظهر قلبٍ كل قطعة من أرض مصر، ولديه فكرة عن احتياجاتها البشرية والمائية والانمائية.

أحلم برئيس ينتزع مئات الآلاف من الأفدنة التي استولى عليها لصوصُ عَهدِ مبارك، ويُعيدها للمصريين في مشروعات انتاجية، زراعية وصناعية، ومدن سكنية ضخمة وراقية وجميلة تتسع للفقير والغني على حد سواء.

أحلم برئيس يغضب من المديح، ويزيح عن طريقه المنافقين، ويفتح صدرَه للنقد، ولا ينام الليلَ حتى يطمأن أنَّ بالوعة صغيرة في قرية نائية سقط فيها ثلاثة أطفال قد تم اغلاقها ومحاسبة رئيسُ الحي، وأنَّ المصريَّ الذي يستغيث به ولو كان في جوفِ كهفً يصل صوّته للقصر.

أحلم برئيس عبقري، وذكي، ورقيق القلب، ويفهم في الفلسفة وأصول الحكم، ويقرأ في العلوم الانسانية، ويحفظ عن ظهر قلبٍ الشِرّعة العالمية لحقوق الانسان، وتخجل منظمات حقوق الانسان أنْ تعاتبه ولو علىَ استحياء.

أحلم برئيس يتساوى لديه المسلم والمسيحي والبهائي واللاديني، والسني والشيعي، وأن المقياس الوطني لديه هي الكفاءة والمصداقية والنزاهة والعمل الجاد والمثابرة.

أحلم برئيس يلتهم الكتاب الجَيّدَ الذي تقع عليه عيناه، ويستطيع أنْ يتحدث حديثا راقيا وعقلانيا وموضوعيا، مرتجلا وليس من نص جامد أحمق وضعه له مستشاروه، عن الصحة والعلاج وحقوق الطفل ومناهج التعليم وحرمة البيوت وأسعار الكتب والملازم في الجامعة والدروس الخصوصية ونسبة التلوث في مياه الشرب.

أحلم برئيس يحلم بجيش وطني قوي، كل أفراده كأنهم خليّة نحل في التدريب والتعلم، وهم سَندٌ للأمة وليسوا عالة على اقتصادها، وأنَّ التعليمَ لا يتوقف مع اليونيفورم، وأنْ لا تكون لأي قوة في العالم سيطرة ولو غير مباشرة على جيش مصر، وأنَّ المصريين هم الذين يحددون حاجياتهم من السلاح، وأنه جيش يتحرك داخل أرض الوطن دون اتفاقات تلزمه بالتقزم والتحجيم ورغبات أمريكا وإسرائيل!

أحلم برئيس يخاف من أصغر عضو في مجلس الشعب، ويخاصم النومُ عينيه قبل أيّ استجواب تحت قبة البرلمان، ولو كان الاستجوابُ موجَّهاً إلى وزير في أقلّ الوزارات أهمية.

أحلم برئيس يَعْرض على الأمة مشروعا متكاملاً للقضاء على الأميّة في عدة سنوات.

أحلم برئيس لا يحكم مصرَ وهو على فراش المرض أو الموت، وأنْ يكون في كامل قواه العقلية والروحية والجسدية والنفسية.

أحلم برئيس يبدأ صباحَه بتصفح كل الصحف اليومية، المعارضة قبل القومية، ولا يعتمد على ما يختاره له مستشاروه، وتلتقط عيناه همومَ الوطن كله، ويتصل بنفسه بكل مسؤولي مؤسسات الدولة، وتلهب توجيهاته قوىَ النشاط فيها، وتضاعف أوامره عطاءاتهم، ويزيح عن الطريق المهمِلَ والفاسدَ، ولا تكون له أولويات، فكل مشاكل الوطن علىَ نفس القدر من الأهمية، محاربة المخدرات كالعلاج المجاني، كرامة المواطن في أقسام الشرطة كحقه في مياه غير ملوثة، حق الطفل في الحليب يومياً كأهمية العاطل في العثور على عمل.

أحلم برئيس لا تسجنه الشللية في القصر، ولا يحبسه المنافقون في الايحاء له بأنه الملهَمُ والزعيم، ولا يبحث عن الثناءِ والمديح في كل عمل يقوم به أو توجيهات أو أوامر.

أحلم برئيس يبدأ من الصفر في كل شبر من أرض مصر، من الشواطيء التي استولى عليها الأثرياءُ، والاحتكارات في البيع والشراء التي التهمت خيرات مصر، وإنشاء لجان حماية المستهلك، ووضع خطة مُحْكمة وذكية للفصل في مئات الآلاف من القضايا المُحنطة في المحاكم، فالعدالة البطيئة ظلمٌ بَيّنٌ، وخطة لوضع حلول لأكثر من مليون طفل من أطفال الشوارع، وانهاء فضيحة سُكان المقابر، وتخليص الوطن من العشوائيات، واعتبار القضاء على البطالة هي المَحَكّ لنجاح الرئيس أو فشله في إدارة شؤون الوطن.

أحلم برئيس لا يحكم باسمه أولادُه وأشقاؤه وزوجته وحواريّون ومستشاروه والملتصقون بسطوته وسيطرته، فكل الناس في عهده علىَ قدم المساواة، ويستطيع أصغر قاض استدعاء ابن الرئيس، وحتى الحُكم بحبسِه لو تجاوز السرعة المسموح بها لسيارته.

أحلم برئيس غير مختلّ النفس والروح، وفيه تواضع وإيمان ومحبة وتسامح، ويعتبر نفسَه الملاذ الآمنَ لكل مصري في الداخل أو في الخارج.

أحلم برئيس صادق مع شعبه، ولا يقيم معاهدات سرية مع خصوم مصر، ولا يتعاون مع إسرائيل، ولا يسمح لأي دولة باهانة رعاياه، ويصارح المصريين بكل تفاصيل الاتفاقات والمعاهدات التي تعقدها الدولة، ولا يُفرّط في استقلالها، ولا يبيع غازَها وبترولَها لأعدائها ..

أحلم برئيس لا يكره المصريين ولا يحتقرهم كما هو الحال مع الرئيس مبارك، فنجده في موقع اي حادث كبير، أو حريق، أو غرق سفينة، أو كارثة تسمم، أو زلزال ....

أحلم برئيس يجري، ويلهث، ويطير بمصر صوب كل مناحي التقدم والازدهار والرفاهية والتطور، ويتمكن من ازالة الفوارق بين الطبقات، وليس كما الرئيس مبارك الذي ينام ملايين من رعاياه وهم يتضورون جوعا، ويلعب العشرات بمليارات انتزعوها عنوة من خيرات مصر.

أحلم برئيس إنْ هددت مسؤولا في عهده بأن شكواك ستصل إليه يَخرُّ صريعا من الخوف حتى لو كان وزير الداخلية إنْ أهانك ضابط أمن، ووزير العدل إذا اختفت قضيتك في المحاكم، ووزير الصحة إذا سرق مجرمو الطب عضوا من جسد مريض يأتمنهم عليه تحت التخدير، فيخونوه رغم قسَم الشرف الطبي.

أحلم برئيس يُعيد التسامحَ للمصريين، وفي عهده يتساوى المسجدُ والكنيسة، ويحتفل كل مصري بأعياد أخيه في الوطن، ويعتبر كل من المسلم والقبطي أن حساب الآخرة شأن ربّاني، وأن الجنة لمن جاء اللهَ بقلب سليم، وأنَّ محبة المصري للآخر الذي يختلف معه في الدين والعقيدة هي أقصر الطرق لصناعة التسامح الذي يُرضي اللهَ تعالى.

أحلم برئيس تدعو له ربّة كل أسرة مصرية وهي تطعِم أولادَها، وتصحبهم للطبيب أو الصيدلي، وتتسوق حاجياتهم، وليس كما يحدث الآن فملايين من ربّات البيوت المصرية يرفعن أيديَهن إلى السماءِ، ويلعَنَّ مَنْ تسبب في هذا المشهد الكارثي والحزين لأم الدنيا.

أحلم برئيس ينتزع السلطة من الرئيس مبارك، ولا تصل به إلى القصرِ دبابة في حماية أمريكية أو مساعدة اسرائيلية.

أحلم برئيس يرفع مصرَ درجات في التعليم والإعلام والكتاب ودور النشر وحقوق الانسان وحرية الصحافة والصحة والمواصلات و ...

أحلم برئيس يوافق على مناقصة ضخمة لشركات نظافة تجعل مصرَ واحدة من أنظف بلادِ العالم الثالث، وتضع صناديقَ قمامة في كل شوارع وحواري وأزقة مصر، وتقوم بتفريغها مرتين في كل يوم.

أحلم برئيس يعرف كلمة السرّ، ويَدخل بها إلى نفوس وقلوب وعقول المصريين، ويدمرّ البرنامجَ الذي وضعه عهد مبارك في شرايين أبناء شعبنا فجعل سلوكيات المصريين بلطجة ورشوة وفساداً وبقشيشاً واكراميات واستغلالاً وكراهية وتعصّباً وتديّناً زائفاً وازدواجية تجمع الملائكة والشياطينَ في قلب واحد، فيُعيد الرئيسُ الجديدُ الوضعَ الطبيعيَّ  للانسانِ السويِّ.

أحلم برئيس تتقدم مصرُ في عهده بالفن الجميل، والموسيقى َالراقية، والفيلم الجيّد، والكِتاب المثمر والمفيد، والتلفزيون الريادي ...

أحلم برئيس يأمر وزير إعلامه بطرد آلافَ العاملين والعاملات في القنوات المصرية كلها، الأرضية والفضائية، ثم يعيد توظيفهم على أسس جديدةٍ قائمة على الكفاءات الثقافية واللغوية والعقلية والعلمية والقدرة على العطاء والمعلومات العامة والأفكار المبهرة والمبدعة، وفي هذه الحالة لن يعود إلى الشاشة الصغيرة من المومياءات الحالية إلا حفنة تعَدّ على أصابع اليدين!

أحلم برئيس يغادر المواطنُ مصرَ في عهده ويعود إليها سبعين مرة في اليوم، فلا تجرح كرامتَه في المطارِ كلمة أو نظرة أو اشتباهٌ، ويرفع رأسَه أمام مدير أمن المطار.

أحلم برئيس لا يضيع خطابُ بريدٍ في عهده، ولا يُهمل موظفٌ شكوى أو طلباً، ويحتقر المصري كل من يتوسط لآخر، ويعتبر القضاءُ أنَّ أعداءَ الوطن في الداخل هم مهربو المخدرات، والبلطجية من المَسّجلين خطرين، والذين لا يحترمون أحكامَ العدالة.

أحلم برئيس لستَ مُضطراً في عهده أنْ تضع يدك في جيبك لتحصل علىَ حقك، ولا تضغط علىَ أعصابِك المزايَدة الدينية من مُكبّرات الصوت، وجدال النقاب، ومطاردة المفكرين، ولا يقبل القضاءُ دعاوىَ يرفعها متخلفون عقلياً لمطاردةِ من يُفكرّ، أو يختلف معهم ..

أحلم بواحد من الثمانين مليونا يقرأ كلماتي، ويفهم أنني أعنيه هو شخصيا، في أي موقع يحتله، في ثكنة عسكرية أو جهاز المخابرات أو أمن الدولة أو حزب معارض أو أكاديميا أو مثقفا أو إعلاميا أو عالِماً، أو سياسيا بارعا ومغموراً، أو إداريا ناجحا، أو سفيرا سابقا أو ...

أحلم بالبطل الذي ينقذ مصرَ قبل أنْ تصعد روحُ الوطن إلى بارئها، وأنْ يأخذ أرضَ الكنانة في أحضانه، ويلملم جراحَها قبل أن تتفكك أرضُها وينحسر نيلُها، ويستولى الآخرون على نصيبِها من المياه، وتتحول مصر إلى ساحة حرب داخلية نتيجة التعصب والكراهية.

أحلم برئيس يضع مبارك وأسرتَه وزبانية السلطةِ وداعمي الطغيان وخط الدفاع الأول عن الاستبداد في العقود الثلاثة المنصرمة من المستشارين والوزراء وكبار الإعلاميين ورؤساء تحرير صحف النفاق القومية ومثقفين وكُتاب وروائيين وأكاديميين ومحافظين خلف القفص في محكمة شعبية بتهمة محاولة اغتيال وطن، وتخريب أمة، ونهب دولة، واهدار طاقات، وتهجير أدمغة، وتفريغ مصر من خيراتها.

أحلم بانتفاضة أبطال العبور، أو عصيان مدني، أو ثورة العمال والطلاب، أو غضب الجوعى، أو ثأر الذين لم تعد كرامتهم تتحمل المزيدَ من المهانة، أو بطل بجوار الرئيس استيقظ ضميرُه فجأة إثر اكتشافه أنه يحب مصرَ حُبّاً حقيقيا، وليس كرويّا، وأنه الرجلُ الذي تنطبق عليه معظمُ شروط أحلامي!

ولكن كيف لي أنْ أحلم إذا كان عشرات الملايين من أبناء بلدي لا يعرفون الفارقَ بين الحُلم والكابوس، ويظنون الجحيمَ جَنة، وأنَّ الكاذبَ سيتحول إلى صادقٍ، وأنَّ القاتلَ أو أحدَّ ولديه سيقنع الملائكة بالتحليقِ فوق مصر من جديد!

ومع ذلك فلا أملك إلا الحلم، ترى من يشاركني أحلامي كاملة غيرَ منقوصة؟

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو    النرويج

Taeralshmal@gmail.com

الإنسان قرد تلفزيوني!

 

أوسلو في 23 نوفمبر 2009

هل رأيت قرداتياً في ساحة عامة يستعرض مهارةَ القرد ميمون أمام المارة؟

إنْ كنتَ رأيته فقد يسْهُل عليك أنْ ترسم المشهدَ الجماهيري العربي بتفاصيله التي تمتد من القصر إلى الكوخ عبر حناجر أرهقت حبالَها الصوتية طبولُ الحرب من أجل الكرة والنقاب والرسوم الكاريكاتيرية ورفض الآخر!

لو كان معك جهاز لقياس ذكاء الجماهير وتسللت بين جموع حاشدة تُلَوّح بقبضاتها، وتنتفخ عروقها، وتعرق أجسادُها، فأغلب الظن أن الجهاز سيتوقف عند نقطة الصفر، فإذا حاولتَ أنْ تستخدمه بين متحاورين كروياً على أحد المقاهي الممتدة في عالمنا العربي فسيكون الصفرُ هو العبقرية التي يتمناها كل الحاضرين!

لو عاد جوستاف لوبون إلى العالم مرة أخرى وحاول أن يُعيد كتابة ( سيكولوجية الجماهير) فسيحتاج إلى عقد من الزمان ليصف المشهد الجماهيري في موسوعة تصغر بجانبها كل أعماله.

وقاسم أمين، عبقري عصر النهضة، كان يرى الجماهير ممثلة للطغيان والجهل والظلم، وكان ذلك منذ أكثر من مئة عامٍ، فكيف لو كان وصفه في زمن أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة؟

عهد أغبر تحاكم فيه أحذية اللاعبين في الجزائر عبقريات أحمد عرابي وجمال حمدان وعبد الوهاب المسيري، ويسخر فيه إعلامُ الريادة المصري من عبقريات الأمير عبد القادر الجزائري ومالك بن نبي والشيخ عبد الحميد بن باديس!

آلاف المفقودين في جزائر بوتفليقة لم يتمكنوا من تحية فريقهم القومي الذي سيمثل جامعة عمرو موسى في بلد نيلسون مانديلا ، فتلميذ بومدين لا يرفع عينيه أمام جنرالات القتل والذبح والسحل، وعشرات الآلاف من المصريين في مصر مبارك يقبعون في زنزانات قذرة خلف قضبان صدئة، يرهفون السمع لنحيب ذويهم وأحبابهم وأولادهم، لكن الرئيس وولديه يضعون أصابعهم في آذانهم خشية أن تتلوث بصيحات الاستجداء والاستغاثة.

سمعت ضحكة مجلجلة من حذاء كان قد ضرب به ضابط بلطجي وجه مستشار وقاض وممثل العدالة في مصر، فالحذاء لا يصدق أن كلمة كرامة المصري التي أعادها آلاف المرات إعلامُ الريادة على مسامع المشاهدين المخدَّرين أمام الشاشة الحمقاء، فكرامة المصري كانت لثلاثة عقود آخر اهتمامات الرئيس حسني مبارك، ثم سمعت مثلها في جزائر المليون شهيد وهي تراقب عن كثب زوارق متهالكة يحاول ركابها الشباب الهروب من جحيم الوطن إلى قاع البحر أو أحضان خفر السواحل في فرنسا .. الأم الحنون ، فإذا لم تعد إليهم، هربوا إليها!

لأول مرة منذ أن جلست مندهشاً أمام جهاز تلفزيون أبيض وأسود عام1961 أشعر أنني قرد اختطف منه أصحاب وضيوف ومقدمو برامج الفضائيات الروموت كونترول، وجعلوه يقفز أمام الشاشة الصغيرة، يصيح، ثم يبكي، ثم يرقص، وينتهي الارسال اليومي بالطلب من القرد ميمون، الذي هو أنا، بــ ( سلام للبيه!).

جاءني بغتة صوت العقل من الداخل يخفف عني مواجع العروبة ويعتذر قائلا: لست وحدك القرد ميمون، فكلنا قِرَدة!

4800 مصري قام نظام صدام حسين بتصفيتهم في شوارع بلد حاول ساطع الحصري أن يقنع أبناءها وضيوفهم في كل كتاباته بأنهم جسد واحد يتحدث لغة الضاد، لكن الرئيس مبارك لم يكترث لآلاف النعوش لأبناء بلده التي انزلقت من أحشاء الطائرات في مطار القاهرة الدولي، ثم تم تسليمها لذويهم في هدوء لا يقل عن صمت القبور التي ستلفهم في عالم النسيان، ووصلت الرسالة إلى الرئيس العراقي عن طريق رئيس تحرير أكبر صحيفة مصرية وهو يقول له: سيدي الرئيس، يقال بأنك المحامي الأول للمصريين في العراق!

عشرات الآلاف من الجزائريين قضوا بين جزِّ الرؤوس واخراج الأحشاء وتمزيق فرّوة الرأس، ثم اختفى سبعة آلاف تبكيهم حتى الآن الجزائر كلها، و تحولت سجون الوطن الذي دفع أغلى ثمن لاستقلال وهمي إلى سلخانات يتبرأ من أصحابها إبليس وذريته ( انظر أيضا كتاب الحرب القذرة لحبيب سويدية، وكتاب مافيا الجنرالات لهشام عبود )، وانتهى الصراع إلى اتفاق جنتلماني بين العسكر والاسلاميين وعبد العزيز بوتفليقة على أن يبصقوا جميعا على الجزائر وتاريخها ونضالها وروحها وعَلَمِها واستقلالها وشهدائها، وصدر العفو عن القتلة في المصالحة الوطنية، وقام الأسياد الجدد بفتح الباب أمام اليورو والدولار ليحتلا جزائر ما بعد الرأسمالية!

كان آلاف المصريين يبكون في صحراء السلوم بعدما ألقى بهم العقيد خارج جماهيريته، وأمر بسرقة أموالهم وعرقهم، فهم ليسوا فتيات إيطاليات جميلات سيحاول أن يقنعهن بالدخول إلى الاسلام وهو يتأمل سيقانهن الملساء شبه العارية، ثم يقوم بتوزيع المصحف الشريف والكتاب الأخضر الشريف، ومع ذلك فقد ابتلع المصريون كرامتهم، ولم يتأخر الإعلاميون والمثقفون والسياسيون عن تلبية دعوة المكتب الشعبي الليبي في القاهرة لحضور احتفالات الهوس الجماهيري، فالكرامة تحددها القيادة السياسية، ولو تم جلد كل الأطباء المصريين في بلد خليجي لما اعترض فنان واحد، ولما خصص (البيت بيتك) حلقة يتيمة عن كرامة المصري.

طلب أنس الفقي من الفنانين والفنانات الحضور لماسبيرو أو الاتصال في وصلة بكاء ونحيب وعويل عما أصابهم في السودان.

وبكى أحفاد الفراعنة على كرامة وطن داستها أقدام همجية لعدة آلاف من البلطجية الذين أرسلتهم السلطات الجزائرية، واصيب عشرون مصرياً باصابات طفيفة!

الفنانون المصريون مساكين فقد زج بهم النظام في سرادق عزاء للعَلَمِ المصري بدلا من الترفع، واخفاء الوجه الشعبي لفنانيي مصر الذين لهم عشاقهم في الجزائر والمغرب وتونس والخليج و ...، فقد أجبرهم أن يكونوا في مقدمة المحاربين!

الدب يقتل صاحبه ليبعد عن وجهه الذبابة، فيصغر الفنانون أمام محبيهم.

ولأننا في عالمنا العربي مدمنو هزائم فقد خسر المصريون والجزائريون والسودانيون المعركة، وتم تقديم الهزيمة الجماهيرية هدية لاسرائيل في يوم موافقة قوات الناتو على اشتراك الدولة العبرية في مراقبة سواحل الأمة العربية .. الواحدة!

النظام السوداني يمثل الارهاب بكل صوره، وهو رمز للاستغلال، ورئيسه مجرم هارب من العدالة الدولية، وسجونه ومعتقلاته كأنها مقتطعة من الجحيم الأبدي، لكن الزعيم المتهم بالابادة الجماعية والتحريض على اغتصاب خمسين ألف امرأة وفتاة في دارفور يلعب ساديو الأمن فيه دور ملائكة الرحمة!

يتشابه النظامان المصري والجزائري في عدم اعتراف أي منهما بكرامة مواطني بلده، وبأن قوى الفساد هي التي تتحكم في خيرات الوطن، والاختلاف الوحيد بينهما هو أن الهاربين من جحيمهما بحراً يغرق الأولون قبيل الوصول لشواطيء مالطا واليونان وايطاليا، وتأكل أسماك البحر جثث الآخرين قبيل شواطيء فرنسا وإسبانيا!

هناك أيضا اختلاف آخر فالرئيس الجزائري يصافح رئيس الوزراء الاسرائيلي كما يفعل شيخ الأزهر، أي يقول بأنه لم ينتبه لوجه مصافِحهِ، أما الرئيس المصري فهو يستقبل رئيس الوزراء الاسرائيلي قبل كل مذبحة عبرية ضد الفلسطينيين!

بوتفليقة في ولاية ثالثة، ومبارك في الخامسة، والأول يُعِدّ شقيقه سعيد لتخليد البوتفليقية، والثاني أَعَدَّ جمال لينهي عصر الجمهورية، فالرئيس هو الملك!

هل المخدرات هي الحشيش والأفيون والهيروين والقات فقط؟

التلفزيون أيضا نوع من أنواع المخدرات، وأكثر متعاطيه يشبهون الغائبين في جلسة تخزين القات!

القرداتي يجلس في قصره المعمور بالخيرات والكلاب، ويأمرنا جميعاً أنْ نقفز، ونرقص، ونبكي، ونضحك، ونتقاتل، ونكذب، ثم بعدما أوحي إلينا أن الله، تعالى، يتابع كأس العالم، وأنه، جل شأنه، سينزل ملائكة مُسَوّمين لنصرة فريق كرة قدم، وجدنا أن الملائكة ليس لديها وقت لتجلس في المدرجات، فالمحتاجون إليها في مصر والجزائر والسودان بالملايين، وهم يرفعون أكفهم بالدعاء لعل الله يساعدهم في التخلص من المستبدين والطغاة والفاسدين وممتهني كرامتهم، وسارقي اللقمة من أفواه أولادهم.

لو أن الرئيس مبارك أعلن على الملأ عقب انتهاء برنامج (البيت بيتك) وقبيل غلبة النعاس المصريين أنه قرر تعيين جمال مبارك نائباً للرئيس، وعلاء رئيساً لمجلس الوزراء، فإن الجماهير التي تبكي وتغضب لكرامتها الكروية سوف تخرج عن بكرة أبيها للموافقة على العبودية لربع قرن قادم.

الرئيس بوتفليقة الذي فشل في إثارة المتاعب للمغرب، قرر استعراض عضلاته على نظام الرئيس مبارك، وجعل أجواء الجزائر كأنها حرب التحرير الثانية، والجزائريون الذين انتقلوا إلى أرض المعركة في السودان كانوا أيضا قبضايات من المسجلين خطرين، ولكنهم تعلموا من النظام المصري أن البلطجية والصيّع والشبحطجيات الذين يَعِدْهم حبيب العادلي بفيش وتشبيه ناصع البياض إذا جعلوا كرامة المصريين المحتجين على مبارك أقل من كرامة أدنى الحيوانات شأناً!

كلنا خسرنا المعركة، المصريون والجزائريون والسودانيون والعرب والمسلمون.

كلنا خسرنا كأس التمدن والتحضر والقيم والأخلاقيات، ولا يزال القرد ميمون يرقص، ويشاهد الفضائية الجزائرية والفضائية المصرية، ويتعاطف مع حكومات تمسح بكرامته تراب الأرض، وتمرمط كبرياءه في الطين، وتلغي وجوده وعقله.

عندما قام جاك شيراك بزيارة الجزائر رافضاً الاعتذارعن سنوات الاحتلال، خرج ملايين الجزائريين يهتفون بحياة فرنسا، وضاعت كرامة المضيفين والشهداء وأبطال حرب التحرير.

وعندما أهان مبارك مصر كلها ، رافضاً أي شخص آخر غير ابنه، ومُغَيّراً مواد في الدستور لصالحه، وجاعلاً المصريين أمام خيار واحد، ابتلعنا كلنا كرامتنا، ولم يتفضل فنان واحد ليطل علينا من الشاشة الصغيرة، ويذرف دمعة على وجهه الناعم من أجل مصر والعَلَمِ المصري و الكرامة .. المصرية.

القرد ميمون يتابع الأخبار، ويرقص أمام اليوتيوب، ويتوعد الآخر بالقتل والذبح، ويقول بأن القرداتي يمنحه الكرامة والأمن والطعام حتى لو كانت السلسلة في رقبته.

نظرية دارون في أصل الأنواع التي يحاولون تحطيمها كان يمكن أن تكون أكثر قوة وصموداً لو طبقناها على كثيرٍ من مشاهدي القنوات الفضائية العربية.

كتبتُ من قبل مقالا قلت فيه:( أنا حمار لأنني صدّقت الرئيسَ علي عبد الله صالح!)  وذلك إثر خداعه إيانا، وترشيحه نفسه بعدما أقسم أنه زهد في الحكم، أما الآن فأقول: أنا قرد لأنني أشاهد الفضائيات العربية، وأنحاز أحياناً إلى القرداتي وهو يطلب مني ( تعظيم سلام للبيه!).

 محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو   النرويج

مؤتمر القمة العربي للتوريث!

لم يمر يومان حتى تلقى زعيمٌ عربي موافقة زملائِه القادة العرب على عقد جلسة استثنائية وعاجلة لبحث تثبيت وراثة العرش.جلس الرئيس بشارُ الأسد مبتسماً ومتفاخراً، ونظر إلى زملائه قائلا: المفترض أنْ أكون أنا رئيسَ الجلسة فقد ضرب مجلسُ الشعبِ في دمشق المثلَ في كيفية استغفال شعبنا العظيم، وقام بتغيير الدستور في أربع عشرة دقيقة، وأصبحتُ بعدها الأسدَ الابنَ وريثَ الأسدِ الأب!ثم نظر إلى يساره حيث يجلس الرئيسُ المصري وقال متهكماً: مصرُ ليست سوريا، سيدي الرئيس، كما قلتَ أنت من قبل، ولكنني واثق بأنَّ استحمارَ المصريين في توريث ابنك جمال سيكون أكثرَ فضيحة من استجحاش السوريين في وراثتي عرين الأسد!كان الرئيس مبارك مشغولا في تهدئة نظيره اليمني الذي كان يبكي من شدة قلقه أن يرث أحمد علي عبد الله صالح نصف اليمن الموحد إذا تمكن العدنيون من الانفصال بجنوبهم عن سطوة موحد اليمنين.انتفض الرئيس قائلا: لقد قضيت ثمانية وعشرين عاماً حكمت خلالها جمهورية سبأ بالقات وبالسجون، وعلى مرأى من العالم كله أقسمت أنني لن أجدد لولاية جديدة، ثم فجأة، وبعدما ظن الساذجون بي خيراً، تملكتني شهوة السلطة فملكت عليَّ كياني كله، وطردت من ذهني كابوساً أفزعني وهو أن يحكم اليمنَ رجلٌ لم يكن من صُلبي قبل أن يكون نطفة فعلقة فمضغة حتى لو أبلغ هدهدٌ كل منظمات حقوق الإنسان بأنه وجد من دونهم رجلاً يعبدونه من دون الله وهم يُخزّنون السمومَ الخضراء!ضج المكانُ بضحكة مجلجلة أطلقها قائد ثورة الفاتح من سبتمبر، ثم نظر إلى سقف القاعة، فابتسم الحاضرون، وتوقع الجميع أن ينسحب العقيد احتجاجاً على منافسته في سلخ ظهور شعبه، ثم قال: أما أنا فحالة فريدة من استغباء شعبي، ولو قمت ببيع الليبيين إلى أثرياء مالطا، ثم ألقيت بالباقي في خليج سرت فإن من يبقون أحياءً من أحفاد عمر المختار سيخرجون إلى الشوارع مهللين بالقرار التاريخي.عندما طلبت من القيادات الشعبية أن تقوم بتعيين ابني سيف الإسلام في منصبٍ لا يخضع للمساءلة، ولا يتقيد بسنوات محددة، لم تمر أيامٌ حتى قرر الليبيون وضعَ رؤوسهم تحت حذائه، واصبح المنسقَ العامَ، ورسميا وجماهيرياً أصبح القائدَ الشابَّ، فأولادنا سيمنعون أي محاكمات شعبية لجرائمنا حتى تختفي صورتنا الدراكيولية خلف ذاكرة شعبية أوهن من خيوط العنكبوت.قاطعه الرئيس مبارك قائلا: من غير العدل مقارنة أحدكم بحالتي، فأنا أحكم أمَّ الدنيا ومنبع الحضارات وثمانين مليوناً يحرسهم النهر الخالد.إنني مريض، واستجمع أفكاري بصعوبة بالغة، وقضيت على كل محاولة لأي شخصية مصرية ترفع رأسها، فمقعدي في القصر الجمهوري محجوز منذ أكثر من ربع قرن لابني جمال، وسيركب فوق ظهر المصريين وهم يتضاحكون، ويلقون النكات، ويحصون مرضاهم في عهدي الذي لم يترك جسدا مصرياً إلا عاث فيه فساداً، وعلى الرغم من أن جمال هو الحاكم الفعلي لمصر منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويترأس مجلس الوزراء، ويقرر سياسة الدولة والاعلام والاقتصاد والحزب الحاكم إلا أن أحفاد الفراعنة لو اضطروا للاختيار بين هزيمتهم أمام الفريق الجزائري وبين حريق جديد للقاهرة يشعله الرئيس الشاب فإنهم لن يترددوا في اختيار الأخير، فكرامة المصري ليست مهانة إن قام ضابط شرطة بتعليقه من قدميه في سقف مكتبه، لكنها ثأر قومي يجمع الفراعنة إن تمكن جزائري من ادخال كرة بين خشبتين أمام جماهير تنفجر أجهزتها العصبية، وتتكسر حبالها الصوتية في الملاعب الخضراء!إنهم يطرحون أحمق سؤال لو سمعه نزلاء مصحة نفسية لظنوا بصاحبه خبلا وهلوسات: هل سيرث جمالُ عرشَ أبيه، رغم أنه سيّدُ القصر الجديد أمام أعينهم؟بلكنة بريطانية مُعَرّبة، وبلسان عربي أوكسفوردي قال عبد الله الثاني: لقد تم اقناع والدي، رحمه الله، في الوقت الضائع بين الحياة والموت أن يقوم بتعييني ولياً للعهد بعدما ظن عمي الحسن بن طلال أنه وريث عرش الهاشميين، وعاد الحسين وهو يتوكأ على عصاه وبصحبته عزرائيل بعدما منحني بركاته، ثم قفل عائدا إلى المستشفى الأمريكي.ولم أغير شيئا واحداً فسجون الراحل الكبير ومعتقلاته وأجهزة استخباراته في يدٍ أمينة، ويمكن للاسرائيليين أن يضعوا بطيخة صيفي في بطونهم، فنصف سكان بلدي فلسطينيون تعلموا من آبائهم أن سبتمبر الأسود لم ينته بعد، وأن تلامذة جلوب باشا لا يمزحون، ولو تهدد أمننا أو أمن إسرائيل فالقبضة الهاشمية يمكن أن تجعل من المملكة كلها امتداداً لمعتقل الجفرة، فتصبح اسوارُه حدودَنا مع أبناء العم.لن تكون هناك مشاكل في التوريث ويمكن أن أختار ولياً جديدا للعرش قبل صعود روحي بربع ساعة، وهذا يتوقف على رغبة الجنس الناعم .. أعني سيدة القصر!اعتدل الملك محمد السادس في جلسته فظهرت بدلته الأنيقة كأن مُصَمّمها وضع عليها اللمسات الأخيرة قبيل بدء الجلسة!قال بصوت خفيض: أما أنا فقد ورثت عرش الأشراف! صحيح أنني تسلمت الحُكمَ من واحد من أكبر طغاة العصر إلا أنني لم أرث سيئاته وقسوته وغلظته واحتقارَه لشعبه.إنني واحد من أكثر الحكام العرب قرباً لشعبه، وقد تحسن الوضع في عهدي، وتنفس الشعب بعدما داس والدي على صدورهم لأربعين عاماً.ثم أكمل محمد السادس قائلا: لو خرجنا جميعاً، الزعماء العرب ووزراء الدفاع والداخلية، ثم حاولنا العودة إلى بلادنا مرة أخرى فأقسم لكم بأن شعوبنا لن تقبل منا أكثر من أربعة زعماء ، وأنا منهم، وسيبقى الآخرون في المنافي ما بقي لهم من أعمار!بدا جلال الطالباني مستاءً من هذا الحديث، ورفع يده طالبا الحديث، ثم أخذ نفساً عميقا ليخفي صحته المعتلة، وحملق في وجوه زملائه الزعماء العرب محاولا إحصاء عدد المرضى منهم، ثم اتسعت ابتسامته فقد وجد منهم تسعة يقف خلف كل واحد ملك الموت في وضع الاستعداد لقبض روحه!قال الرئيس العراقي: أما نحن فلا نكترث للوراثة لأن سيدنا الأسمر في البيت الأبيض لديه صندوق يحتوي على حيوانات منوية تم تجهيزها في المنطقة الخضراء لاختيار وارثي عرش الرافدين، وسيتم تحديد مذهبه الطائفي لاحقاً، فقد انتهى زمن تقاسَم فيه عُديّ وقصيّ حُلمَ وراثة العراق ، وأصبح الزعماء إما متعاونين سابقين مع السي آي إيه، أو لصوص بنوك أردنية، أو لورانسيين عرباً صنعهم الحلمُ الأمريكي.نظر الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى الناحية الأخرى خشية أن تلتقي عيناه بعيني ملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين ورسول الصحراء ثم قال: أما نحن فليست لدينا أي مشكلة، وهناك عشرة آلاف أمير من بينهم أقل من خمسين ينتظرون دورهم في مملكة المؤسس الأكبر، ويحلم كل منهم بلقب خادم الحرمين الشريفين!صحيح أن ولي العهد يقيم في المنطقة الفاصلة بين البرزخ ومشفاه في مملكة الأشراف، وأن ابنه الأمير بندر كان الأقرب لأن يصبح الملك قبل أن يشي به آخرون، فالوشاة في عالمنا العربي أكثر عددا من المستشارين وصفوفهم تمتد من القصر إلى صاحبة الجلالة السلطة الرابعة، والجيل الشاب لا يصدق أن حقوقه في العرش تعَجّل في الحصول عليها اعتلالُ صحة أي مَلك أو اقترابه من العقد التاسع من عمره، لكن الأيام القادمة حُبلىَ بالمفاجآت، والكلمة الأخيرة للمؤسسة الدينية.إن ستة من كبار أبناء عبد العزيز يقفون في وضع الاستنفار للحصول على لقب خادم الحرمين الشريفين أو ولي العهد الأمين أو النائب الثاني.لم ينتبه الكثيرون لضحكة قادمة من أقصى القاعة وكانت للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وتوجهت أنظار الزعماء العرب إليه فقال وهو يضغط على مخارج الحروف خشية أن يظن به زملاؤه صعوبة فرنسية في لسانه العربي رغم أنه تلميذ هواري بومدين: لقد أخترت أنْ لا يكون وريثي من صُلبي، ولا أدري حتى الآن عدد مرات تجديد ولايتي فقد استجبت لنصيحة أخي الرئيس مبارك عكس ما فعله الرئيس بوتين الذي انحاز للديمقراطية رغم أنه حفيد البلاشفة.إنني أفكر جدياً في أن يرثني أخي الأصغر سعيد بوتفليقة على طريقة فيديل وراؤول كاسترو، ولن يغضب الجزائريون فغضب أبناء شعب المليون ونصف الميلون شهيد محجوز لمباريات كرة القدم.ظهرت علىَ محيّا الرئيس اللبناني ابتسامة هادئة تنم عن فخر ببلده الصغير وقال: الحمد لله أن هذه آخر اهتماماتي فكل لبناني هو زعيم حتى لو قضى رئيس الوزراء المكلف أربعة أشهر في البحث عن لبنانيين يبحثون عن أدوار أكبر منهم.الوراثة لدينا ليست في قصر بعبدا لكنها في الجبل وفي الحزب وفي الطائفة وفي المسجد وفي الكنيسة وفي الفن وحتى الشحرورة زعيمة، وكل لبناني يغني بحبك يا لبنان ولو كان متهماً بقتل رئيس الوزراء.وراثة الزعامة في لبنان تحددها أجهزة الاستخبارات العربية والغربية والايرانية والأمريكية، والعالم كله يتحارب على أرض هذا البلد الصغير.رفع الرئيس التونسي يده اليسرى طالبا بأدب جَمٍّ الحديث، فاشار إليه رئيس الجلسة بالموافقة.قال زين العابدين بن علي: ولاية خامسة قررت أن أحدد نتائجها مسبقا بنسبة تسعين بالمئة لأترك فسحة من المناورة ليؤكد المتزلفون لي أن ديمقراطيتنا غربية الهوى ولو قامت في بلد أبي القاسم الشابي، وتعرفون أنني قمت بتغيير الدستور عام 2002 حتى أحصل على 12 عاماً إضافية ليتحدد المشهد التوريثي بوضوح، وحتى هذه اللحظة فإنني اخترت صخر الماطري زوج ابنتي ليكون وريثي، فالمهم أن عائلتي تظل فوق رؤوس هؤلاء العبيد الذين أتحكم في رقابهم، لكن المشهد الخفي هو أن حرمي المصون  السيدة ليلى هي الحاكم الفعلي للبلاد، وكبار رجال الدولة يصغرون أمامها فلا تراهم العين المجردة من قوة سطوتها وخنوعهم.ورفع زعماء آخرون أيديهم طالبين الحديث عن التوريث للاشتراك لاحقا في تحويل الوطن العربي الكبير إلى عزبة، وتحريم وصول أي شخص لا ينتمي للأشراف والسادة إلى سدة الحكم، وسيصدر قرار ملزم لاحقاً يطالب رجال الدين الاسلامي والمسيحي والمثقفين والاعلاميين والحزبيين وأعضاء مجالس التصفيق الشعبية بأن يعثروا في الكتب المقدسة والدساتير والضمائر الميتة عن صيغة مناسبة لتأصيل العبودية وتقديس الاذلال والتأكيد على أن الله تعالى ربٌ للزعماء وأبنائهم فقط، أما الشعوب العربية فعليها التوجه في صلاتها لسيد القصر!محمد عبد المجيدرئيس تحرير مجلة طائر الشمالأوسلو   النرويجTaeralshmal@gmail.com

 
A service provided by Al Bawaba