مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com

سفير لبناني لا يتلقى الأوامر من دمشق

سفارة سورية في بيروت يتساوى بعدها السفير السوري مع سفراء نيبال وسوازيلاند والصومال وربما لاحقا جمهورية محمد عبد العزيز الصحراوية فهو أمر عجب، وحدث خََطَب!
جاء حين من الدهر كان السفير السوري في عاصمة فيروز كالسفير الأمريكي في العاصمة الهاشمية، وكانت الدكتورة كونداليزا رايس تهبط سلالم الطائرة الأمريكية برشاقة فيستقبلها رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء ورؤساء الكتل ( هل هناك لبناني لا يعمل رئيساً؟) وترحب هي بكل زعيم لبناني يختلف مع دمشق وطهران وغزة وهراري ، وكأن لبنان دار أبيها ، أو خيمة صديق أمريكا الجديد!
الرئيس ميشال سليمان رئيس التوافق اللبناني في الدوحة، وهو رجل نزيه ومحايد وليس طائفيا أو معاديا لأي فرقة أو مذهب أو جهة غير وطنية في لبنان!

لبنان بلد الغرائب، فزعماء الطوائف فيه يتعاملون كأن كل واحد منهم يملك مفتاح الحرب والسلام في الكون كله، ويهددون، ويتوعدون فتظن الحربَ الأهلية على وشك العودة مجدداً.
ما يميز لبنان أن كل دولة عربية يوحي جهاز إعلامها بأن لها الفضل الأكبر في الاستقرار والمصالحة وإعادة البناء، وأنه لو تَرَكت اللبنانيين لحال سبيلهم فسيصبحون أيتاماً من بعدها، فيخرج نصف اللبنانيين في استعراض قوة الطائفة وضعف الدولة، لتسمع طهران ودمشق، ويخرج النصف الثاني في استعراض آخر للتذكير بأهميتهم، وعدم اقصائهم!
بعد قليل تنفجر سيارة ويذهب ضحيتها أحد المسؤولين الحزبيين، ولا تعلن أي جهة مسؤوليتها أو براءتها، فالمطلوب أن يخاف اللبناني من اللبناني، وإلا فكيف لنظام طائفي أن يعيش عشرات السنوات دون أن يستأنس بنار أو يتدفء بها، ثم يًلَوّح بها جحيماً للشعب إنْ لمْ يتصالح اللبنانيون؟

ليس المطلوب من الرئيس ميشال سليمان أن يحرر لبنان من سطوة السوريين والأمريكيين والمصريين والخليجيين والفلسطينيين والفرنسيين فقط، ولكن أن يحرر اللبنانيين من أنفسهم، ومن انتماءاتهم الضيقة إلى لبنان الأصغر .. الأكبر!
الرئيس اللبناني الجديد حالة جديدة من الحياد، وشعبيته أكبر من شعبية كل زعماء الطوائف مجتمعين أو متفرقين، لكنه يقف فوق رمال متحركة من نظام محاصصة طائفي، تم تثبيته وفقا للمسافة بين اللبناني وبين الجنة.
مهمة صعبة وشاقة نتمنى أن ينجح فيها رئيس كل اللبنانيين ميشال سليمان، وأن تبسط الدولة سيطرتها على كل شبر في لبنان، وأن يكون حياده قوةً وليس ضعفا، وأن يُنهي عصر مكاتب الاستخبارات العربية والغربية والأمريكية والاسرائيلية التي تعمل من بيروت.
وعلى اللبنانيين أن يلتفوا حوله فهو الشرعية الوحيدة الحاكمة في لبنان.


ليس لديَّ ما أكتبه عن الفلسطينيين

الفلسطينيون نزعوا الروحَ من أقلامنا، فهم، كما تَعلّمنا، أصحابُ أطهر قضايا العصر، وأكثرها وضوحاً وجلاءً في معرفةِ الحق من الباطل، لكنهم الشعبُ الوحيد في العالم الذي منحته نسبة الديمقراطية بينهم وارتفاع مستوى التعليم عكس ما تمنحه للآخرين.
ستون عاما تعلّم خلالها كل فلسطيني أن الاسرائيليين أعداء شعبه، وسارقو أرضه، ومغتصبو حقوقه، لكنه كلما زادت معرفته عاد إلى نقطة الصفر.
كوارث ومصائب ومؤامرات خارجية وداخلية وحروب ومتابعات تجعل كل فلسطيني موسوعة متحركة في حقوق الانسان وقضايا وطنه وطرق العدو للايقاع به، لكنه لا يتعلم من تجاربه، وينشطر في كل حادث، ويتطاير أجزاء مبعثرة في كل مكان.
فليتبادل إسماعيل هنية ومحمود عباس موقعيهما، وسنكتشف أم المصائب، أي سيرتدي أهل رام الله الزي الاسلامي، وستنبت لحية كثة، وتظهر زبيبة صلاة في جباه الرجال.
أما غزة فسيعود الكازينو الكبير لفتح أبوابه منافساً لاس فيجاس، وربما تقام مسابقة ملكة جمال الشاطيء، ويقوم الرئيس الفلسطيني بتسليمها جائزة كبرى، وتقبيلها كأنها الدكتورة كوندي.
الفلسطينيون ينتقدون قادتهم لكنهم في الواقع يطيعونهم أكثر من طاعة الشعوب العربية لأشد زعمائها طغيانا وبغياً وكفراً!
ما معنى أن هناك فلسطينيين يشتبكون في شوارع بلدهم، وعلى مبعدة أمتار معدودة من عدوهم، كأن الرصاص الحَيَّ الذي ينطلق بكثافة قد وقّع أصحابُه عَقْداً بتحريم استخدامه ضد القوات الاسرائيلية!
إذا تحدثتَ مع الفلسطيني على انفراد وجدت نفسك في مواجهة حالة وعي ويقظة ووطنية كأنك تلميذ في حضرة أستاذه.
وإذا اجتمع فلسطينيون في وجود قيادة تحولوا إلى قطيع يهش عليها قائدهم، وتضيع الرؤية، ويُخَيّم سواد قاتم على كل ما يحيط بها!
يعتبرك الفلسطيني مناصرا ومؤيدا وحاميا له، ورافعا علم بلاده، وجنديا مجهولا في حرب تحرير الوطن السليب.
ولكن نفس الفلسطيني يعتبرك خصما ومناوئا ومنحازا للعدو الصهيوني لو كان في جماعة أو فصيل أو في حكومة مؤقتة أو وطنية أو متمردة!
تجارب الفلسطينيين في الكويت والعراق والأردن ولبنان ومصر وليبيا وسوريا لم تضف إلا أصفاراً على الشمال لوعيهم بقضيتهم، ولذكائهم في التعامل في الصراعات الداخلية.
ينجح الفلسطيني في سنة أولى سياسة أو يرسب، فسيعود إلى السنة الأولى مرة ثانية وثالثة وعاشرة، وهو على استعداد لأن يطلب من خصومه التوسط، ويثق في زعماء تحالفوا مع عدوه ضده.
فلسطينيون لو خرجوا مع عائلاتهم وأطفالهم دون حمل أي سلاح، وتوجهوا بملايينهم ناحية عدوهم المستوطن أمام أنظار العالم لمنحتهم إسرائيل أكثر مما يطلبون، لكنهم يطلبون وساطة مَنْ أغلق في وجوههم المعبر تلبية لرغبة إسرائيلية!


النرويجيون و .. جنون السفر

هنا في النرويج إذا التقيت جارك أو شخصا لم تره منذ فترة أو صديقا بعد عطلة أو صاحبا ولم تتحدثا عن المناخ والجو والمطر وشعاع الشمس الذي يطل على استحياء أو كثافة الجليد فلابد أن يسأل أحدكما الآخر عن السفر!

إذا تصادف وشاهدت جارتك تركن سيارتها بجانب سيارتك ولم تكن قد رأيتها لعدة أيام فستقفا معا تتحدثان عن آخر رحلة لك أو لها، ثم ينتقل الحديث إلى الخطة المستقبلية للسفر في العطلات الثلاث القادمة!

ستقول لك بأنها قضت أسبوعين في أثينا، واستمتعت بأشعة الشمس ورحلة بحرية وتناولت الطعام اليوناني في جزيرة جميلة، ثم تردف قائلة: أما اليومان الأخيران الرحلة فقد هبت عاصفة خفيفة، فمكثنا في الفندق حتى موعد العودة.

تنتظر حتى تكمل حديثها لتقول لها بأنك قضيت ويك إند في لندن لأنك عثرت مصادفة على تذكرة سفر على الخطوط الجوية الإيرلندية ( رايان إير) بثمن بخس كأنها بطاقة سفر مجانا.

لكنك تفكر في العطلة الخريفية للمدارس في جزيرة مايوركا الإسبانية.

تبتسم جارتك وتقول لك بأنها قضت أسبوعا هناك وقد أصبح المنتجع السياحي الإسباني مستعمرة ألمانية حتى أنك تشتري في الصباح الباكر صحيفة فرانكفورتر تسايتونج في نفس موعد بيعها في أكشاك المدن الألمانية!

تذهب إلى عملك وتسأل عن زميلك في المكتب المجاور فتعرف أنه في رحلة إلى سوسة التونسية أو نيويورك أو يقضي مع أسرته أسبوعين في نيس.

تفتح صحيفة آفتين بوسطن فتطارد الإعلانات عن السفر عينيك بكل الأشكال والألوان والخطوط والأسعار مع صور وضعها متخصصون في فن الإعلان الذي يداعب خيالك ويتسلل إلى جيبك وحسابك ليقنعك بأن ميزانيتك التي أرهقتها ثلاث رحلات هذا العام قادرة على الرابعة والخامسة قبل عطلة الكريسماس!

تتصل بشركة أو مطبعة أو مصنع أو مكتب في الثلث الثاني من يوليو فيقال لك بأن ( العطلة الجماعية بدأت)، وكل العاملين قد سافروا بحثا عن الشمس، ويمكنك إعادة الاتصال في أوائل أغسطس.

ويتعجب محدثك من أنك لست على سفر!

يبدأ اليوم الدراسي الأول في منتصف أغسطس، ومن الصف الأول الابتدائي إلى طلاب الثانوية العامة يكون الحديث كله عن السفر، والعطلة والأماكن الساحرة في العالم.

تدخل المُعَلّمة وقد أشرق وجهها بلمعان لا تخطيء العيون أنه من شمس الجنوب، وبعد دقائق تكون قد بدأت في توجيه الأسئلة للتلاميذ عن الأماكن التي قضوا فيها عطلاتهم، وتختلط الأصوات والمدن والأسماء فتسمع جزيرة كريت اليونانية، إزمير التركية، أغادير المغربية، فينيسيا الايطالية، كوستا دي سول الاسبانية، ولكن هناك من سافر مع والديه، أو مع والدته وصديقها الجديد وأولاد الاثنين إلى تايلاند وجزر الكاريبي ودزني لاند ونيو مكسيكو!

وتقول المُدَرّسة بأنها قضت نصف عطلة الصيف في شاليه فوق الجبال بغرب النرويج أو شمالها، وقامت برحلة صيد، لكنها ستسافر في الخريف لزيارة صديقة لها تقيم في دبي.

الحياة في النرويج لا تستقيم بدون السفر، والطاقة يستمدها النرويجي من رحلتي الصيف والشتاء، لكن الخريف أيضا له عطلته المدرسية التي تستبق عطلة نهاية العام قبل الاستعداد لعطلة الشتاء، ناهيك عن عطلة عيد الفصح والعيد الوطني.

كانت الأسبقية منذ عشر سنوات لليونان وجزرها، كريت ورودس وقبرص وآيا نابا ثم سبقتها إسبانيا وبعض المدن الساحلية الفرنسية وجنوب إيطاليا.

لا يزال الأجانب في النرويج يفضلون عطلاتهم إلى بلادهم مع استثناء طالبي اللجوء السياسي من العراقيين والايرانيين والسوريين والأفغان.

بوجه عام رغم أن الأجنبي الذي يحمل الجنسية النرويجية ولا يقل مستوى معيشته عن نظيره النرويجي يرى في السفر رفاهية أكثر من متعة وراحة وفترة التقاط الأنفاس .

تسير في شوارع منطقة جرنلاند فتظن أن العرب والأفارقة والفيتناميين والأتراك والإيرانيين والهنود والبنغال والسريلانكيين قد احتلوا القسم الشرقي من أوسلو، لكنك تستقل طائرة شارتر متوجهة من أي مدينة نرويجية إلى منتجع سياحي فلا ترى إلا وجوها بيضاء عليها عيون زرقاء ويزين رؤوسها شعر أصفر ذهبي، فالمغتربون السمر يبني الأثرياء منهم بيوتا في بلادهم ويشترون عقارات، أما الفقراء فيعيشون على الضمان الاجتماعي.

فلسفة السفر قائمة على تحسن مستوى معيشة النرويجي في العقدين الأخيرين، واعتبار شدّ الرحال إلى الخارج تقليدا جديدا يتبارى في الحديث عنه كل الناس في كل الأوقات وتحت أي ظروف!

أما متعة التفكير في هدوء ما بعد التقاعد والمعاش والمرحلة الأخيرة من الحياة فغالبا لا تخرج عن تخيل سكن لائق قريب من البحر في جزر الكناري أو يوريت دي مار الإسبانية فالعظام التي أرهقتها فصول الشتاء القارص الطويلة تحتاج إلى ترميم بدفء الشمس، وراحة على الشاطيء مع كتاب انتظر طويلا من يقرأه!

والمعاش الذي يحصل عليه النرويجي من عمله يسمح بمعيشة كريمة في جنوب أوروبا، فهو لا يتأخر يوما واحدا عن حسابك في البنك، ويزداد في كل عام مع زيادة الأسعار وارتفاع مستوى الدخل لدى الذين لم يتقاعدوا بعد.

عندما تسأل طفلا نرويجيا لم يبلغ العاشرة من عمره عن الأماكن التي قام بزيارتها فربما ينتهي العدُّ على أصابع يديه الصغيرتين قبل أن يسرد عليك أسماء المدن والمنتجعات السياحية التي قام بزيارتها مع أسرته، فضلا عن مدن الملاهي والألعاب المائية وسيارات الرالي!

يأتي موزع الصحيفة اليومية ويقذف بها أمام شقة كل مشترك في بيوت المنطقة كلها، ثم يعود في اليوم التالي ومعه صحيفة الصباح فيكتشف أن صحف الأيام السابقة لم تتحرك من مكانها، فالمشترك عثر على تذكرة سفر بثمن زهيد تشمل الاقامة في فندق فاخر على شاطيء البحر في الجنوب!

والنرويجي يحدثك عن أسماء منتجعات سياحية لم تعلمك إياها كتب الجغرافيا وخرائطها، لكن شركات السفر والسياحة اكتشفتها كما اكتشف كولومبوس العالم الجديد!



حيرة الصائمين مع شمس منتصف الليل!

ستة وعشرون عاما مرّت منذ أن تلقت سفارة مصر في أوسلو فتوى دار الافتاء التي أصدرها الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، رحمه الله، ومعه عشرة من العلماء بجواز صوم مسلمي النرويج في المواعيد المتقاربة من العالم الاسلامي.
وبعد الفتوى بثلاث سنوات كان لي حديث مطول مع فضيلته عندما أصبح شيخاً للأزهر الشريف، وكان ذلك على هامش المؤتمر العالمي للمساجد بمكة المكرمة، وأكد لي خلال اللقاء تمسكه، رحمه الله، بالفتوى.
هل رأيت مسلما ينتظر على أحرّ من الجمر موعد غروب الشمس ليلقي بنفسه على مائدة طعام زيّنها له خياله طوال ساعات الصوم الطويلة؟
وفي الشمال النرويجي يطول النهار هذا العام فلا يتمكن إلا القلة النادرة من صوم شهر رمضان المبارك.
العام القادم يطول النهار، وبعد ثلاثة أعوام يأتي شهر البركة في منتصف الصيف، أي على المسلم أن يؤجل العمل إن كان يعمل في المساء، وأن يترنح من التعب والارهاق فتيان وفتيات المسلمين الذين تعلّموا لتوّهِم أهمية الصوم في سن الثانية عشرة، فإذا هو عذاب شهر كامل، لا يستطيع طفل مازال جسده في طور النمو أن ينتظر حتى يتم الصيام إلى الليل فهو لم ير خيطا أبيضَ يتبين من خيط أسود من الفجر. وماذا عن العمل، والمدرسة، وساعات النوم، ونشاطات التلاميذ بعد الفترة الدراسية التي لا يمكن الاستمرار فيها قبل أن يغادرنا رمضان الكريم في زيارته السنوية؟ العقل والنقل يتصارعان، والمسلم يظن أن الأوامر الالهية تتعلق بالكسوف والخسوف والشمس والقمر والضوء حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يريد أن يفهم أنها مواقيت في عصرها حتى يكتشف المسلمون مواقيت جديدة تحددها عقارب الساعات والدقائق والثواني!
لأول مرة منذ ربع قرن تبدأ الشكوى بصوت مرتفع، فهناك جيل ثالث من المسلمين يعرفون أنهم نرويجيون، وأن عليهم تفسير الصوم لأقرانهم، وأنهم على مسافة زمنية ومكانية طويلة من علماء الاسلام.
هل قُدّرَ لك وشاهدت أسرة مسلمة ينظر أفرادها إلى ساعة الحائط في كل دقيقة، ويتضور أطفالها الصغار جوعا وهم الذين بدأوا الصوم صغارا ، وربة البيت تترنح من الارهاق وهي تُعدّ طعام الافطار قبل منتصف الليل بساعتين؟
يتندر أهل البلد هنا علينا، ويتعجبون من شهر تتراجع فيه انتاجية المسلم إلى الربع، وتتوقف الحياة تماما قبيل الافطار بساعتين أو ثلاث!
وعندما يهل علينا شهر رمضان المبارك في منتصف الشتاء، ويصبح الصوم كأنه سويعات قليلة بين وجبتين، وفي الشمال تختفي الشمس، ولست بحاجة إلى أن تتم الصيام حتى الليل، فنهارك ليل أيضا!
في العام القادم سيحمل هَمّ شهر الصيام كثيرون قبل موعده بوقت طويل، والعقل يتراجع أمام النقل، والاسلام الحنيف يطلب منا أن نفكر، ونتدبر، ونقيس أمورنا وفقا لزمننا، وأن نفهم المعاني السامية للعبادة.
لكن المسلم الذي يتناول افطاره في مواعيد متقاربة من العالم الاسلامي يقرع ضميره ويؤنبه وهو يفطر والشـمس ساطعة إن جــاء شهر رمضان  في منتصف الصيف، ويفطر والظلام يخيم إن حضر شهر البركة في منتصف الشتاء.
حيرة، وتردد، ومشاحنات مع النفس، ومصالحة مع العقل ما تكاد تستكين إلى السلم حتى يباغتها النقل مرة أخرى فلا تعرف أيّ إسلام يريدون؟
تزمت مخيف يلوح بالدين كأنه أمر بالاعتقال أو التعذيب حتى أن أحد الشيوخ هنا قال في فتوى بأن المسلم الذي يضبط منبه الساعة على موعد الذهاب إلى العمل، وليس على موعد صلاة الفجر سيلقي به الله في جهنم إن مات وهو نائم في فترة ما بين صلاة الفجر والذهاب إلى العمل!
كيف إذن ستقنع هؤلاء بأن الخيط الأبيض والخيط الأسود والليل كان لزمن لم يعرف دقات الساعات السويسرية، وأن الله العلي القدير العزيز الرحيم لا ينتظر من العبد سجودا وركوعا ودعاء وفقا للنظام الشمسي أو القمري.
المسلمون في النرويج في حيرة شديدة وأنا أزعم أنه لن تمر عشر سنوات أو أكثر بقليل حتى ينفصل الجيل القادم تماما عن الاسلام إن لم يسارع عقلاء الأمة بفتح باب الاجتهاد، وبالتوقف عن اهانة العقل والرأي والفكر والنقاش والجدال بالتي هي أحسن.
قضيتنا ليست في اقناع المسلم المغترب بالايمان، ولكن في جعله يحب شعائر هذا الدين الذي ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين، في دينه، إلا اختار أيسرهما، ولا يزال البحث جاريا عن عقلاء الأمة!


الحقيقة .. أن الكبار صغار

أحياناً أمنع نفسي من مشاهدةِ برنامج تلفزيوني حواري خشية أن يصدمني الكبار وهم يتقزمون أمام السلطة، ويحاولون توطيد العلاقة بمزيد من الأغلال في أعناقهم أو في ألسنتهم!
في السنوات العشر المنصرمة تملّكني حزنٌ شديدٌ علىَ كبارٍ ما تمنيت أنْ أراهم بمثل هذه الصورة، ووددت أن يعود الزمن بي قبل اللقاء لعلي احتفظ بهم في مكان لا يقترب منه أحد ولا يرتفع فوقه إلا القليل.

شاهدت فيلم (هي فوضى) في سينما أوديون اللندنية بمنطقة ماربل آرش. وكانت القاعة مكتظة بوجوه عربية وإعلاميين ومثقفين وعاشقي الفن السابع.
بعد انتهاء العرض تقدم الفنان خالد صالح الذي لعب دور الصول حاتم، وشكر الحاضرين ثم انصرف.
على بوابة الخروج تجمع حوله عدد من المعجبين، وأخرجت من حقيبتي كتابي الثامن ( وقائع محاكمة سيد القصر ) لأهديه إياه، ففيه مقالات كثيرة عن الشرطة والأمن والسجون والمعتقلات والفساد.
انتظرت دوري، فسألني منْ كان واقفا بجواري: هل تريد أن تهديه هذا الكتاب الذي بين يديك؟
أجبت بالايجاب، فسألني عن عنوانه: قلت ستراه بعد قليل في يد الفنان خالد صالح. قال لي: هل هو كتاب في السياسة؟ قلت: نعم، فرَدَّ ناصحاً: مادام في السياسة، فأرجو أن لا تقدمه هدية له. سألته : من أنت؟ قال: مدير أمن الفنان!
قلت له: وماذا لو كانت رواية؟: قال: في هذه الحالة يمكنك أن تقدمها له.
غضبت غضبا شديدا، وعاتبته قائلا بأن هذه النصائح تصلح لو كنا خارجين من دار عرض سينمائية في بلد عربي، أما في لندن فأزعم أن الأمر مخجل جدا.
تقدمت من الفنان الذي لعب بمهارة شديدة دورا يجسد تجاوز رجال الأمن، وأهديته الكتاب قائلا: ستجد فيه ما جسدته في الفيلم رغم أن مدير أمنك رفض أن تقرأ في السياسة!
شكرني مع ابتسامة باهتة، وقبل أن أتركه قام بتسليم الكتاب لمدير أمنه أمامي، وكأنه أراد أن يقول لي بأن ما رأيته على الشاشة يتناقض مع الواقع!

منذ سنوات استعنت بواحدة من أكبر رموز الإعلام المصري لحل مشكلة، حتى أنها قالت لي بأنها تستطيع أن تقلب البلد رأسا على عقب لقناعتها بعدالة القضية.
في المكالمة الثانية مع طرف يمثلني هناك، في مصر، سألته الإعلامية عن أوضاعي المادية في النرويج وعن امكانية دفع مبلغ كبير لكي تثير القضية في وسائل الإعلام.
ولما علمتْ أنني لن أدفع شيئا، بدأتْ في التهرب، ورفضتْ أن تتسلم مني رسائل بالفاكس، وطلبت مني أن لا أرسل إليها ( طائر الشمال ) فهي لا تقرأ إلا قليلا!
قلت لها هاتفياً: لكنني فهت أنكِ تناقشين ضيوفك أحيانا في كتب صدرت لهم!
وهنا كانت الصدمة لي فقد نفت نفيا قاطعا وقالت لي بأنها تتفق مسبقا مع الضيف وتقول بأنها قرأت الكتاب، لكن الحقيقة أن الضيف الكاتب هو الذي يلخص لها قبل البرنامج فحوى كتابه!

تقدمتُ بأدب جم إلى نقيب الصحفيين المصريين في بهو فندق عاصمة خليجية، وسألته إنْ كان قد تسلم الكتابين اللذين أرسلتهما إلى غرفته؟
قال لي: لقد أرسلتَ إلي قنبلتين!
سألته مازحا: إنها كتابان أحسب أنك الإعلامي القدير ستسعد بهما!
قال لي: أنا لا أقرأ هذه الأشياء الخطيرة، ولا أحملها معي في أي مكان، ولن أعود بالكتابين لمطار القاهرة!
قلت له: ولكنك إعلامي ومثقف وقاريء ونقيب الصحفيين المصريين، فكيف تخشى قراءة كتابين لصحفي مثلك؟
قال لي بحسم وكأنه يريد أن يهرب خشية أن يراه الاعلاميون الآخرون معي: قلت لك بأنني لا أقرأ هذه القنابل التي أرسلتها إلى!

في عاصمة خليجية أخرى قالت الزميلة مها طه، الاعلامية اللبنانية موجهةً حديثها إلى بعض رؤساء ومحرري الصحف المصرية: لماذا تديرون ظهوركم لزميلكم محمد عبد المجيد كلما رأيتموه قادما؟
رَدَّ أحدهم وقد أحمر وجهه خجلا: لأنه ينتقد بشدة السيد الرئيس!
على الغداء كنت أجلس مع مدير تحرير صحيفة نصف معارضة، فحكيت له ما حدث، فكان صريحا جدا معي، وقال بأن كثيرا مِنّا، نحن الصحفيين، يكتبون تقارير أمنية ضد كل من يناهض السلطة، فالصحفي رجلُ أمن قبل أن يكون حاملَ قلم!

اقتربت منها فهي رمز للإعلام الملتزم العتيق، وسلمت عليها، وامتدحت لغتها العربية الرصينة التي أسعدتنا سنوات طويلة.
كان وجهها يوشي بطيبة رغم تجاعيد رَسَمَها العمرُ الطويل على وجهها المشرق!
بعد أقل من ساعتين كانت قد التقت مجموعة من الاعلاميين، ورفضت بعد ذلك طوال يومين أن تتحدث معي، فقد همسوا في أذنيها، وظهر إثرها شبح السلطة أمامها!

تعجبني الفنانة يسرا في أدوار كثيرة قامت بها، لذا ترددت قبل أن استمع لحوار تلفزيوني معها، ومع ذلك فقد جلست أمام الشاشة الصغيرة.
فجأة سمعتها تقول بأن السيد الرئيس هو الوالد العطوف الرحيم المنشغل بنا جميعا، وامتدحتْ فيه حتى ظننتها ستؤمن برسالته كأنه نبي العصر.تخيلت نفسي بُعَيّد حديثها في المعتقل وقد مرت خمس عشرة سنة وأنا خلف القضبان دون محاكمة، وقد كبر أولادي من وراء ظهري دون أن أحتضن أيا منهم ولو لبرهة!

مثقفون وإعلاميون ووطنيون وقضاة ومستشارون ووجوه وطنية شرّفت مصر بأدوارها الرائعة يرفضون جمال مبارك وريثا لعرش مصر، لكن الفنان القدير عادل إمام والزعيم على الشاشة والذي أسعدنا لثلاثة عقود، وأدخل البهجة في نفوسنا، يقف منتصبا ويتحدى مصر كلها مؤيدا ابن الرئيس ليكون الرئيس الابن!

في ذهني عشرات الحكايات عن كبار الكبار وقد تسببوا في صدمات متلاحقة لي، وكلها تقريبا كانت بسبب التقرب من السلطة، والتزلف لسيد القصر، والوقوف مع خصوم الشعب.

تذكرت رئيس تحرير أهم صحيفة مصرية وهو يستفسر من صدام حسين عن حب المصريين له واعتباره محاميهم، وتناسى الاعلامي الكبير جثث 4800 مصري قام رجال طاغية بغداد بتصفيتهم، دون أن يحتج الكبار الصغار خشية الأكبر.. ولعلنا نكتشف أنه الأصغر، وحينئذٍ لن تكون الصدمة كبيرة!


المَلَكان والرئيسُ الأمريكي يُدَوّنون أعمالَك!

العم سام سينافس المَلَكيّن دونما حاجة لأنْ يكون عن اليمين وعن الشمال قعيد!
بعد سبع سنواتٍ من حرب الرئيس الأمريكي ضد ما سمّاه الارهاب ، توصّل الأمريكيون إلى اتفاقٍ مع الاتحاد الأوروبي يسمح بالحصول على المعلومات الشخصية لكل فرد في أي مكان يشير إليه جهاز الاستخبارات الأمريكية.
وحيث أن النرويجَ عضوٌ في المنظومة الاقتصادية الأوروبية فهي ملتزمة وِفقاً للاتفاق مع الاتحاد الأوروبي بالانصياع لاتفاقات أمنية ومالية وعسكرية يجريها الاتحادُ مع القوى الأخرى.
الآن يمكنك أن تقوم بتحويل مبلغ من المال من حسابك في دبي أو الرياض أو جنيف أو الدوحة إلى بنك وستمنستر أو البنك الهولندي العربي أو شركة استضافة لموقعك على الانترنيت أو لشراء أدوية من السويد أو لدفع نفقات علاج والدتك في باريس.
ولكن لا تنس أنَّ كلَّ حركةٍ انتقل بها المبلغُ من مكانٍ إلى آخر سقطت المعلوماتُ عنها في كمبيوتر سَيّد العالم حتى لو اشترى مسؤولٌ فلسطيني كبيرٌ ملابسَ داخلية باهظة التكاليفِ لزوجته أو عشيقته من أحد بيوتات الأزياء في تل أبيب.
700 جهة تراقبك في النرويج وتستطيع أن تُحصي أنفاسك وتعرف ما في جيبك، وتتنبأ بمشترواتك صباح يوم السبت، أو بالمواقع التي تقوم بزيارتها على النت، أو بمكالماتك الهاتفية.
هل تتذكر عندما قامت السلطات العراقية في عهد صدام حسين باعتقال مواطن استخدم كلمة ( لاسلكي ) في حديث هاتفي بريء؟
هذا المواطن محظوظ لأنه لم يعش عهد ما بعد سقوط البرجين التوأمين وبامكان جهاز الرقابة الأمريكي أن ْيدخل على ( السويفت ) الموجود في بلجيكا والذي يحصي انتقال الأموال لأكثر من ثمانية آلاف مؤسسة مالية تغطي تقريبا 200 دولة وكل مصارفها وحسابات عملائها!
هنا في النرويج وبلمسة إصبعٍ رقيقةٍ يصحبك عالَمُ الديجيتال إلى سجنك الأكبر، فالمعلومات تتدفق من كل صوب وحدب، من طبيب الأسنان، ومن عملك حيث تم تحويل مرتبك، ومن سائق التاكسي الذي دفعت له كرديت، ومن شركة السفريات التي تحتفظ بالمعلومات عنك خمسة أشهر، ومن الخطوط الجوية التي تبعث قبل وصولك إلى الجهة المتوجه إليها بكل المعلومات عنك، ومن روشتة الدواء التي تستخدمه، ومن أكثر مواقع النت زيارة، ومن كاميرات المراقبة لسيارتك في أي مكان.
جاء حين من الوقت رفضت سفارةُ واشنطون في العاصمة النرويجية منح تأشيرات دخول لكل المشتركين في صحيفة ( كلاس كامبن ) الشيوعية ، فقد تم تسريب أسمائهم إلى السفارة الأمريكية.
أما الآن وبعد عقد الاتفاقية ستكون عارياً كما ولدتك أمُّك، فالسلطات النرويجية مضطرة ٌلأنْ تستجيب لطلبِ السفارةِ الأمريكيةِ بمدّها بكل المعلومات عنك حتى لو حجزتَ تذكرةً لزيارة ديزني لاند مع زوجتك وأولادك في مكتب سفريات هندي وعلى الخطوط الجوية المجرية!
إذا سقطتَ مرةً واحدةً فإنَّ صحيفةَ سوابقِك ستجعلك تتمنى أنْ تحتضنك حفرةٌ ضيقةٌ لا يتعرف عليها الحانوتي لو عاد إليها مرة أخرى.
كل ما فعلته في حياتك ولو كنت متخفياً وأنت في ملهى ليلي في لندن، أو حجزت تذكرة ًفي قطار متهالك من كراتشي إلى بيشاور، أو دخلت على مواقع إنترنت إباحية في غرفتك حيث تظن أن الشيطان الأكبر، كما يسميهم جيراننا على الضفة الأخرى من شط العرب، غافلون عنك.
كل ما تفعله حتى لو عبثت أصابعك بالكي بورد في لوبي الفندق الذي تقيم فيه، أو تغيير الكود، أو الرأي الذي كتبتَه في منتدى إسلامي على النت وقلت َفيه بأنك لم تحزن على ضحايا الحادي عشر من سبتمبر، وحتى اللقاء المصادفة الذي جمعَك على مقهى في روتردام مع مصري ويمني كانا يحاربان في كابول، سيخرجه له سيّدُ البيت الأبيض يوم قيامتك الأرضية، ويوم تُعرض أعمالك على السي آي إي!
سيدهشك أنَّ أرشيفاً كاملا لقراصنة ِالبحرِ على الساحل الصومالي يقرأه الآن عسكريون لا يعرفون الفارق بين الصومال وإثيوبيا، أو بين مقديشيو ونواكشوط. إنها ليست فيس بوك حيث تكتشف زميلا لك كان يجاورك في الصف الثالث الإبتدائي بمدرسة قاسم أمين، وليس تقريراً صادراً عن المخابرات الأردنية أو السورية أو التونسية باشتراكك في تظاهرة في بروكسل ضد أنظمة الحكم فيها، وليست معلومات خطفها هاكرز من جهازك ووقعت في أيدي أمن الدولة ببلدك، لكنها حسابٌ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها.
حسابٌ لا يسجّل فقط ما تنطق، لكنه يدخل إلى قفصك الصدري، وهو يتعرف على بصمتك في جواز سفرِك ولدى مرورك في المطار، واسمك المستعار في كل المنتديات فضلا عن IP لحاسوبك.
الحادي عشر من سبتمبر كان يومَ جحيمٍ لم يعرف صانعوه أنهم عجّلوا في غضبٍ لم يحسبوا حسابَه، ولم يفكروا في قياس درجتيه الدنيا والقصوى.
يحدثونك عن النصر الاسلامي، وأنَّ الأمريكيين بدأوا يتعرفون على خاتمة الديانات السماوية، وأنَّ هناك عشرات الآلاف من المواقع الدينية تحارب بضراوة الصليبية الحاقدة، وأنَّ رايةَ النصرِ سترتفع فوق كلِّ شبرٍ من الكرة ِالأرضيةِ وربما الكواكب التي لم يكتشفها العلمُ بعد.
إنهم كاذبون فهي معركة فرضَتها علينا أجندةٌ متخلفةٌ ووجدتها أجندةٌ منحازةٌ فرصةً تاريخيةً للقضاءِ على الخطرِ الأخضر.
وحتى لو انتصرت طالبان المتخلفة المدعومةُ من القاعدةِ الارهابيةِ على قوات الاحتلال القاسية فإننا مهزومون كارازياً، ومهزومون ظواهرياًً!
هذا غيضٌ من فيضٍ ستشهد الأيامُ أن َّالقوةَ والدينَ في أيدي المتشددين والمتعصبين، كالمالِ والسلاحِ في أيدي القوى الاستعمارية الطامعة في نفطنا وخيراتنا و .. حفظ أمْنِ إسرائيل.يمكنك أن ْتكتب الآن، باللغة العربيةِ أو الصينيةِ أو المنغوليةِ أو الكتالانية ِأو السواحيليةِ أو الفارسيةِ، ولن يمر وقتٌ طويلٌ حتى تقع كلماتُك بلغةٍ إنجليزيةٍ في جهازٍ ضخمٍ كاخطبوط يَمُدُّ أذرعَه في يونيون دي بنك سويس، ووكالة ناسا الفضائية، وموقع إيرث جوجل، ومضخة البنزين التي شحنت بها تنك سيارتك ودفعت كريديت لشاب بنغالي داخل المحطة. إنها الحرب العالمية الثالثة التي لن يصّدقك أحدٌ لو قلتَ بأنها اشتعلتْ فعلا بعد سقوط البرجين ولم يتم الاعلانُ عنها بعد!


التبكيت والتنكيت والتسكيت و .. التفتيت!

أوسلو في 8 أكتوبر 2008

الدكتورة كوندي محظوظة لأنها لا تعمل ممرضةً في مستشفى بلغاري أو حارسةً شخصية، لذلك قامت بزيارة العقيد بعد خمسٍ وخمسين سنة من زيارة جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية الذي استقبله الملك إدريس السنوسي في قصر وليس في خيمة.

كان يومَ عيدٍ لكل السمراوات الأفريقيات اللائي يعملن في الجماهيرية العظمى، ولعل العقيدَ كان ساهماً وغيرَ مصدقٍ أنَّ ضيفتَه لا تبحث عن عملٍ، ولا تقدم شكوى من المعاملة الجافة لرجال أمْنِه!

في عالمنا العربي يبدع زعماؤنا في استقبال مِنْ هُمّْ علىَ وشك ترك مناصبهم الرسمية، من ريتشارد نيكسون إلى توني بلير، وتلك الرشيقة السمراء التي أهداها العقيدُ عوداً، فالأيام في البيت الأبيض باتت معدودة، وأغلب الظن أنَّ رسولَ الصحراء سيستقبل في العام القادم الرئيسَ ( السابق ) جورج بوش الابن، ربما لعقد اتفاقيةٍ نفطيةٍ لشركةٍ قد تجمعهما مع النائب ( السابق ) ديك تشيني!

ليس هناك أصدقاءٌ أو أعداء دائمون، هكذا قالت وزيرة الخارجية قبيل زيارتها للقذافي!

تعريف السياسة:كيف تعمل ساحراً، وتقوم بتحويل سكين في يد عدوك إلى زهرة، ثم اعادة الزهرة لوضعها الطبيعي إنْ لم تتفق مع خصمك؟

تعريف السياسة مرة أخرى: كيف تضحك في جنازة وتجعل المعزّين كلَّهم يستلقون على أقفيتهم من الضحك المتواصل، ثم يرقصون حول نعش الراحل، وبعدها تذهب إلى عُرْسٍ وتقنع الحاضرين بأنَّ العريسَ مات، ثم تتلقى التعازي؟

لا تتعجب فعصرُ المعجزات لا يزال قائماً، والمستحيلُ كلمةٌ لا توجد إلا في قاموس الأحمق أو الذي لا يعمل بالسياسة!

عندما يطير خبرُ استقبال الرئيس الفرنسي أو الأمريكي للدكتور أيمن الظواهري فلا ترفع حاجبيك دهشةً، فقد يأتي الوقتُ الذي تقوم فيه القوات الأمريكية والعراقية مشتركة بالزحف على المملكة العربية السعودية بِحُجّةٍ يمكن العثور عليها لاحقاً، أو قد يأتي يوم تطلب فيه حكومةٌ عربيةٌ من الأصدقاء في تل أبيب أن تقوم إدارةُ الجوازات والجنسية بالدولة العبرية بطبع جوازات السفر للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية!

بالقرب من مقر لقاء العقيد ورايس كانت هناك سحابة سوداء قاتمة، وإذا أمعنت النظرَ فيها ستجد أنها أشباحٌ لمئات من الليبيين الذين قام العقيد بتصفيتهم وسحلهم واغتيالهم ككلاب ضالة، ومنهم 1200 ليبي في سجن أبي سليم، ومنهم من لم نقصص عليك.

معذرة فالضيفة الكريمة لا تنظر إلى الأعلى إلا عندما تقابل مسؤولا عربياً لم يخدم سيّدَ البيت الأبيض بما فيه الكفاية، لذا فلم تسمع لعنات أرواح كل المظلومين والأبرياء الذين أرسلهم العقيد إلى العالم الآخر.

كان الرئيس الراحل ياسر عرفات ارهابيا كما وصفته حكومات العالم الحر، ثم تحوّل إلى رجل مسالم وحصل على ثلث جائزة نوبل للسلام بعدما تلقى أسيادُنا البيض اتصالا من تل أبيب بأن أبا عمار يحمل مسدسا في وسطه ولكنه لا يحمل أسلحة في لسانه أو صدره.

بعدها بعدة سنوات عاد أبو عمار إلى الواجهة الارهابية كما تصفها وسائل الاعلام الأمريكية والغربية، ولم يستطع كل الزعماء العرب أن يقنعوا اسرائيل بادخال زجاجات مياه معدنية لرئيس عربي في غرفته بمقره المحاصر في رام الله.

وألقى رئيس السلطة الفلسطينية كلمته في مؤتمر القمة العربية ببيروت عبر الساتلايت، وهي مَكْرَمة صهيونية قدّم من أجلها زعماؤنا الشكرَ لحكومة العدو التي سمحت لطائرات المشتركين في مؤتمر القمة بعبور أجواء الكيان العبري.

لا تتعجب مرة أخرى فقد يلتقي رئيس أمريكي بنظيره الايراني في صحن أحد مساجد قُم أو أصفهان، وربما تُصادِف رئيسَ كوريا الشمالية يتسوق في شوارع مانهاتن ويستبدل ببدلة العمال الماركسية بدلةً من أحدث ما عرضته بيوت الأزياء الرأسمالية.

تعريف السياسة مرة ثالثة: أن يكون حساب رئيس الحزب الاشتراكي اليساري في بنك سويسري عاملا أساسيا في عدم انهيار البنك، ومعذرة لجان زيجلر!

في العام القادم يحتفل العقيد بمرور أربعين عاما على عدم تولّيه أي سلطة، فهي للشعب، وسيقوم بتوزيع أموال النفط مباشرة على أفراد الشعب، وسيلغي كل الوزارات غير السيادية.

وفي هذه الحالة لن يحتار المواطن الليبي فسيحصل على حقه كاملا، ويمكن أن يقوم بسفلتة الرصيف أمام بيته، وأن يشتري سيارة اسعاف، وسيارة مطافيء، ويبني مطاراً فوق سطح منزله، ويكون لديه قطار صغير يمر فوق قضبان خاصة من أمام الدار إلى مدرسة الأولاد ومكتب الزوج.

وبعد الغاء الوزارات وتحمل المواطنين المسؤولية كاملة لن تكون هناك حجة، فيبني المواطنُ صيدليةً في جراج منزله، وفي غرفة نومه هناك شركة سفريات، أما المجاري فيتولى هو وأسرته عمل المواسير وتمريرها تحت الطريق الذي يملكه، وتصب في مياه البحر المتوسط.

يقوم المواطن بزراعة كل ما يحتاجه، فيبيع الأب لابنه الخضروات، وتشتري الأم من ابنتها الفواكه، ولا مانع من ماشية ورعي خلف الدار.

تبقى مشكلة توزيع البريد، وهنا يمكن أن يقوم المواطن بنفسه بتوصيل الرسالة، فإذا أراد ارسال طرد من طرابلس إلى غدامس، وهي مسافة تزيد على الألف كيلومترا، فيجري في الصحراء، ويعود بعد عدة أسابيع، فالبريد ملكية خاصة.

ماذا لو كان المبلغ الذي يتسلمه كل مواطن من أموال النفط لا يكفي طعاما وشرابا لشهر واحد؟

العقيد معمر القذافي يقوم بتفتيت دولة، وازالة كل آثارها، وفتح المجال لحرب أهلية يقوم بها جوعى ومتسولون وغاضبون.

ليس هناك وقت للضحك والتنكيت والصمت حيال زوال دولة عربية من الوجود، فالكارثة الكبرى لم تأت بعد، رعم أن ليبيا في كوارث متلاحقة منذ عام 1969، ومن يظن أن العراق أو السودان أو لبنان أو الصومال أقرب إلى التفتيت فقد جانبه الصواب، فليبيا تقترب من نقطة الصفر، وعندما يرفع العقيدُ يَدَه عن الدولة ويوزع عليهم أرباح النفط ليصنع كل منهم دولته أو جماهيريته، فلنا أنْ نستعد لننتحدث عن ليبيا في الماضي بعدما تصبح بقايا دولة حكمها مجنون لأربعة عقود!


رسالة مفتوحة إلى قرصان بحري

دعني أعترف لك أولا أن المصائب لا تسعدني، وأنني لا أبتسم في الجنازات، ولا أضحك في الكوارث، ولا أمزح لدى متابعتي أخبار الحروب.
المرة الأولى التي ينتزع فيها الارهاب الابتسامةَ من بين شفتيّ بدأتْ في الخامس عشر من نوفمبر حيث قمتَ ورهطٌ من زملائِك على مرأى ومسمع من كل القوى الكونية التي تتابع فقدان حقيبة يَدٍ من مكوك فضائي، لكنها لا ترى أكبر ناقلة نفط وقد وضعتها أنت وزملاؤك خلف زورق صغير لا يصمد أمام عاصفة مائية تدفعها رياح مُحَمّلة برائحة القات اليمني ليختلط بالقات الصومالي.
رحم الله أبا لمعة والخواجة بيجو عندما يقص الأول على الثاني حكايات وهمية وخيالية فنضحك حتى الثمالة، أما الآن فالخيال حقيقة، والحقيقة من مرارتها تفقع المرارة وتجعل الضحك والبكاء متساويين.
أتخيلكم في المستقبل القريب وقد قمتم بخطف عدة قنابل نووية من مفاعل ديمونة أو من ثكنة عسكرية في أوكرانيا أو برشوة بعض جنرالات الجيش الروسي، وفي هذه الحالة لن يكون هناك وقت للضحك أو البكاء!
ناقلة النفط العملاقة لم تكن راسيةً في ميناء أو مهجورة بالقرب من جزيرة حنيش اليمنية، ومساحتها ثلاثة أضعاف مساحة ملعب لكرة القدم، ويعرف مالكوها قبل أن يبلغهم كمبيوتر شركة التأمين أن هناك خمسة وتسعين عملية قرصنة بحرية منذ أوائل هذا العام، ومع ذلك فكل رادارات وأجهزة التحذير والانذار البحري والجوي والستالايتي تحولت إلى شاهد ما شفش حاجة!
أتخيلك الآن تحمل بندقية قديمة متهالكة تركتها القوات الإثيوبية، وترتدي صندلا واسعاً وقد انتفخت وجنتاك من جراء حكايات الأمس التي قصها عليك صديق لك، ووصف لك هروب القوات الأمريكية أمام الصوماليين بعدما تناقلت وكالات الأنباء صوراً وحشية لجنود أمريكيين وقعوا بين ايديكم.
أتخيلك وقد عرض عليك زملاؤك سرقة سيارة قديمة، فرفضت. ثم جددوا العرض لسرقة محل سوبر ماركت يتكدس ببضائع لا يزيد ثمنها عن ألفي دولار، فترفض أيضاً!
ثم فجأة يعرض عليك ملوك البحر وقراصنة العواصف الانضمام إليهم، ليس لسرقة فلوكة أو مركب صغير بدون موتور أو اعتراض مركب شراعي طوله ثلاثة أمتار ونصف المتر!
سنسرق اليوم في عرض البحر أكبر ناقلة نفط في العالم دون أن نعرف شيئا عن تسليحها وطاقمها وسرعة استدعائها لأقرب أسطول بحري أو قاذفات جوية تصل إلينا قبل أن يقفز أحدنا داخل الناقلة!
سيدي القرصان،
كل أفلام القراصنة التي شاهدتها بدءاً بالقرصان الأحمر لم تعد مثيرة لاهتمامي، فأنا الآن أمام حالة من الضعف والهوان والاذلال تضرب بعمق وعنف كل القوى البحرية والجوية والرادارية في العالم.
قد أتفهم أن أسامة بن لادن يختبيء في مكان ما على الحدود الأفغانية/الباكستانية أو هو مريض في غرفة تحت بيت قديم ، ولا تستطيع القوات الأمريكية واستخبارات كرازي العثور عليه.
وقد أفهم أن الدكتور أيمن الظواهري يتابع على النت في كهف لا يعرف مكانه إنس أو جان.
أما ميناء صومالي ظاهر للجميع ويستقبل خمساً وتسعين سفينة تم اختطافها في أقل من عام ولا تستطيع كل الأجهزة التي أمدتنا بجوجل إرث أن تلتقط صورها، أو تقترب منها أو تبلغ قيادات جيوش الأرض من روسيا والصين وأمريكا والهند وفرنسا والامبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عنها، فتلك لعمري كارثة ينبغي أن تصبح في الصفحة الأولى لموسوعات الجينيس المشهورة.
سيدي القرصان،
هل أستأذنك بعرض دفع مبلغ يرضيك لتحرر لنا فلسطين، ثم مبلغا أكبر لخطف الزعماء الطغاة في العالم العربي ولا مانع أيضا من خطف زوجاتهم وأولادهم الذين سيرثونهم، وأغلب الظن أنها ستكون قرصنة أسهل بكثير من اختطاف أكبر ناقلة نفط في العالم؟
أكتب لك مازحاً من هول المفاجأة، لكن نفسي تتفاعل بغضب شديد على ما يجري خلف الكواليس، ورغم ابتعادي عن نظرية المؤامرة التي يلجأ إليها الاعلاميون إن خانتهم معلوماتهم ، فإنني أخشى على قناة السويس من مؤامرة لتحجيمها كممر مائي، وإذا لم يتمكن المجتمع الدولي من اعادتك إلى شوارع مقديشيو، فأغلب الظن أن الجانب الخفي من القرصنة أكثر قذارة وعفنا ونتناً من كل المؤامرات التي عهدناها، وأنكم لستم إلا لعبة في أحجار شطرنج كل اللاعبين فيها مجهولون!


الفتاوى في السعودية .. تجارة الحرام!

 

أوسلو في 2 أكتوبر 2008

صناعةُ المتفجراتِ ليست فقط في مصانع الأسلحةِ أو معامل خبراءِ الجيشِ، لكنَّ هناك متفجراتٍ أشدّ فتكًا، وأعظم خطرا.
إنها مصانعُ الفتاوىَ التي تمكنتْ من صُنع خمسة عشر سعودياً مِنْ تسعة عشر قاموا بتفجير البرجين التوأمين ففتحوا للماردِ المتعطش ِللحرب كلَّ الطرقِ للوصول إلى العالم الاسلامي ولو عن طريق جبل تورا بورا أو من بعقوبة أو من أسطول يُعَكّر صَفْوَّ مياهنا الدافئة.
هل سمعت عن العبودية المختارة؟
إنها تلك التي تُسَهّل للطاغية أو الحاكم أو المستبد أو الاقطاعي الوصولَ بسوطه أو حذائه إلى ظهر أو رقبة رقيق سعوّا إليه قبل أن يستعبدهم، ووضعوا جباهَم تحت قدميه دون أن يُلَوّح لهم بقبضته أو عصاه أو كلابه.
لكن هناك عبوديةً مختارةً لم يعرف لها تاريخُ الاسترقاقِ مثيلا!
عبودية قائمة على البحث عن كل شاردة وواردة واشارة ولمسة ولمحة وسلوك فيستفتي المسلمُ فيها لتأتيه فتوى جاهزة قبل أن يرتد إليه طرفه.
علاقة عجيبة ومسحورة تجمع المُفْتّين والذين يستفتون، فإذا هي في واقعها وحقيقتها لذتان سادية ومازوخية ، يستعذب فيها الثاني قسوة الأول، ويستمتع الأول بمسكنة الثاني ومهانته ومذلته!
تلك هي عبودية الفتوى!
لا أتحدث عن مئات أو آلاف منها، لكنها بعشرات الآلاف إنْ التزمتَ بها فيمكنك أن تخرج من بيتك وتترك رأسك في الدار، ثم تعود دون أن يتغير شيء، فالفتوى تفكر لك، وتسير أنت بها، وتعمل، وتأكل، وتنام، وتخاطب الناس، وتسمع، وتشم، بل تدخل الحمّام أو تجامع زوجتك، أو تسهر ليلا، أو تصلي والشمس ساطعة، أو تقف ذبابة على طبق طعامك، أو تتسلل نغمة خفية إلى أذنيك ( سأل مسلمٌ مفتيًا عن الإثم الذي سيصيبه إنْ تناول الطعامَ في مطعم، ثم فجأة تسللت موسيقى من حيث لا يدري!).
لو اجتمع كل المستبدين والطغاة الذين أنجبتهم الأرض منذ بدء الخليقة وقاموا بتقييد المسلم، فلن يفعلوا مثلما تفعل الفتاوى الحديثة التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ولا حلما ولا كابوسا ولا خيالا إلا طاردته، وقبضت عليه متلبسًا بجريمة الهروب منها.
ستقول بأنه ليست هناك فتوى لإختيار الكلية بعد الثانوية العامة، ولا لشراء جهاز فيديو كافر، ولا لإستخدام مفتاح السكن ووالدتك في الداخل، وليست هناك فتوى للبعثة التعليمية، وشراء تذكرة السفر، وارسال حوالة بريدية، والاستماع رغما عنك لنغمة محمولك!
معذرة، فهذا ليس صحيحا بالمرة، فقد استفتى المسلمُ فيها كلَّها وفي أكثر منها فالمسلم يسأل عن الخَلّ، وعن شرب حليب الناقة ليلة الدُخلة، وعن وضع جهاز تسجيل في القبر ليسجل فحيح الثعبان الأقرع!
كأن فتوى قتل مالكي الفضائيات جديدة، أو أنها مفاجأة للساذجين فالحقيقة أنها خرجت للعلن حديثا مثلما خرجت فتاوى رضاعة الكبير وتحسس أجساد الصغار والزواج من طفلة فضلا عن كل أنواع الزيجات المزاجية والتي تبدأ بزواج عجوز من طفلة في فندق يمني، ولا تنتهي بنصف مليون زيجة عرفية لطلاب الجامعات المصرية في مقابل نصف مليون مدمن مخدرات غيّبتهم أو أيقظتهم الصحوة الدينية الملحَق بها فتاوى أكثر من حبات شواطيء متوسطنا الذي يترأسه نيكولاي ساركوزي!
كتبنا .. وكتبنا .. وكتبنا لسنوات أنَّ عالمَََ الفتاوى الفجّة هو الأخطر على المملكة العربية السعودية، بل إنه يحمل في طياته الانفجارَ الكبير، ويُعَبّد الطريقَ لانتفاضة، ويمثل أكبر تهديد لآل سعود منذ تولّيهم حُكم البلاد.
الجيل الثالث في طريقه إلى تسلم مقاليد الحكم، وهؤلاء الذين تعلّّموا في الغرب لن يهادنوا المؤسسة الدينية، ولن يحنوا رؤوسهم للمطاوعة، لكنهم ينتظرون ساعة الصفر التي تُنهي عصرَ الكبار .. أبناء المؤسس الأكبر، ويبدأ عهد سعودي جديد، إما أنْ يستمر أباطرة الفتوى بخنق الشعب السعودي فتنفجر الدولة، أو يُلغي الحكامُ الجدد من الجيل الشباب اتفاق الجنتلمان المعقود بين آل سعود وآل الشيخ.
اختارت السعوديةُ المنافقين والأفّّاقين والمتزلفين والمؤلفة قلوبهم ليتحدثوا باسمها، ويتولّوا تلميعَ صورتها، ويحللوا بغباءٍ وسطحية ساذجة انتقادات قوى المعارضة فيؤذون موكليهم ويرفعون من شأن كل معارض!
أمّا أنْ تصدر فتوى بقتل صالح كامل ووليد بن طلال والابراهيم وقطعًا كل من أسهم في الفضائيات من الأمراء والشيوخ فهي بداية النهاية، ومن المتوقع أن تصدر فتوى بتحريم ركوب الطائرة لأنها تُحَلّق فوق مُدُن كافرة يشرب أهلُها الخمرَ، وتحريم ركوب القطارات لأنها تسير فوق قضبان ثابتة، والثابت هو الله، وفتوى بتغيير اسم مطار الملك خالد بن عبد العزيز، لأن الخالد هو الله، وفتوى بتحريم زيارة المدينة المنوّرة قبل أن يعود إليها اسمها الحقيقي ( يثرب)، وفتوى بتفجير كل محل وبيت وقصر في السعودية يكون به جهاز ستالايت أو فيديو أو مزامير الشيطان( أي آلات موسيقية) أو تلفزيون، وفتوى بتحريم فتح صنبور المياه في البيت قبل صلاة الاستسقاء في كل مرة، وفتوى لا تجيز للمرأة خلع ملابسها لدى الاستحمام لأن الذكور من الجن سيشاهدونها، وفتوى بالتأكد من نسب كل طفل في المملكة خشية أن يكون الوالد جِنّيّاً أو عِفريتاً انزلق في فراش الزوجية ( هذا ليس هراءً فقد سألت احداهُن هذا السؤالَ وتظن أنَّ مَنْ جامعها عفريتٌ من الجِنّ وكان زوجها يغط في نوم عميق).
من أراد أن يهز رأسه صعودا وهبوطا فليفعل، أو يمينا ويسارا ( كما يفعل الهنود والبنغال)، ومن أراد أن يبكي دموعا أو دَمَاً فقد تُطَهِره، لكنها لن تُحرك ساكنا، فكل أعاصير وفيضانات وتسوناميات وجوستافيات الدنيا كلها ستصغر بجانب الانفجار الكبير والذي لن يحتاج إلى تخصيب، فقد قام أباطرة الفتوى بتخصيبه أمام أعيننا وبلاهتنا وحماقتنا لأكثر من ثلاثة عقود. من كانت في قلبه ذرة إيمان باقية لهذا الدين الحنيف فليقف أمام أشد أعدائه صلابة وبأسًا.. أمام عالم الفتاوىَ الفجّة والساقطة والمتخلفة.
لو أرسلتْ إسرائيلُ مئةَ ألفِ نسخة من إيللي كوهين إلى العالمين العربي والإسلامي لما نجحت مثلما نجح أباطرة الفتوى في هزيمة الإسلام والمسلمين،فهل لا يزال بيننا عاقلٌ واحد؟

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج
Taeralshmal@gmail.com

حوار بين جواز سفر عربي و ... جواز سفر أوروبي

أوسلو في 06 أكتوبر 2008

تجاور جوازا سفر عربي وأوروبي على المكتب الملاصق للمدخل الرئيس في المطار الدولي.
تخيلتُ الجوازين وقد تناطحا، وتصارعا كما تتصارع الديكة، ثم تحاورا أخيرًا، فكان أنْ سَجّل خيالي الحوارَ التالي:

جواز السفر العربي: ما الذي جاء بك إلى هذا المكان، ثم وضعك بجانبي كأننا نِدّان يتساويان في الورق والقيمة وحامِلَيّنا؟
جواز السفر الأوروبي: أما المكان فحاملي يحمل وجهُه عينين زرقاوتين تفتحان له مغاليقَ مطارات عربية يعرف قسوتَها حاملُك حتى لو كان يعلق على جدران داره شهادة تعادل ما لدى الدكتور أحمد زويل!
وأما مجاورتي إياك فهي محض مصادفة لا تقلل من شأني ولا تجعلك نِدّا لي أو نظيرا ولو خرجتَ أنت من مطبعة ألمانية تحتضنها إدارة الجوازات والجنسية في بلدك كأنها ستطبع صور الزعيم لتعليقها فوق رؤوس موظفي الدولة في مكاتبهم.

الجواز العربي: إنني أحمل في أحشائي لغة جميلة، وأنا رغم مهانتي يعرفني أهل قومك على أن حاملي عربي وليس فقط مصريا أو فلسطينيا أو سوريا أو مغربيا أو لبنانيا.
إذا قام أحدهم بسرقتي فإن أجهزة أمن بلدي يتم استنفارها، ويصعب على السارق أن يقوم بتزويري، ويتعرض صاحبي لسبعين سؤالا من ضابط أمن المطار بُعَيّد وصوله بوثيقة سفر مؤقتة كبدل جواز ضائع!
الجواز الأوروبي: لكن صاحبك ترتعش يداه ، ويكاد يسقط مغشياً عليه لو تفحصّك ضابطُ الجوازات أكثر من دقيقتين.
أما أنا فأمرق كلمحِ البصر أو أقل في مطارات برلين وجلاسجو وهيراكليون ولارناكا وأنقرة ومدريد ومارسليا، بل يكتفي أحيانا ضابط الجوازات بالنظر إلى وجه حاملي كأنه يحمل مفتاحَ الجَنّة.
أحيانا أنام هانئاً في درج مكتب حاملي دون أنْ يرهقني بالسفر، فيصحب معه بطاقةَ الهويةِ لينتقل بين هولندا وبلجيكا، أو بين السويد والدانمرك، أو يذهب للتبضع من جنيف إلى الحدود الفرنسية وقد لا يحتاج حاملي إلى البطاقة الشخصية إنْ غادر أوسلو إلى الحدود السويدية، أو استقل سيارته من الفارو البرتغالية ليقضي المساء في إسبانيا.
أما أنت فما إن تقع عينا ضابطِ أمن المطار العربي على حامِلِك حتى تصيبه نوبةُ غضبٍ، وتبهت ابتسامتُه، ويتفحص وجهَه محاولاً العثور على تُهمةٍ لا أحسب أضعفَهم إلا قادراً على تلفيقِها.
قبل أن يتسلمك صاحبُك من إدارة الجوازات والجنسية يقوم بتخليص اجراءاتٍ كأنه سيهرب بك، أو سيلجأ إلى أول بلد أوروبي يستنشق فيه نسمةَ حرية ، ولا يقوم بزيارته زائرُ الفجر ولو قضى بقيةَ حياتِهِ في خيمةِ أمام قصرِ رأسِ الدولة محتجاً ومنتقداً السياسة العليا!
الجهات الأمنية في عالمك العربي تتعامل معك على أنك نجسٌ تختبيء في صفحاتِك جرائمُ حامِلك المجهولة منها والمعلومة، أما أنا فكتابٌ مقدسٌ يكاد يرفعه رجلُ الأمن في المطارات الأوروبية ويقوم بتقبيله إنْ كان حاملُه ذهبيَّ الشَعْرِ وأزرقَ العينين أو أخضرَهما!

الجواز العربي: إنَّ قيمتَك ليست فيك أو في صاحبك لكنها نتيجةٌ حتميةٌ لمصالح دولٍ مزقتها حربان عالميتان دفعتا لباطنِ الأرض بسبعين مليونا من البشر.
كان من الممكن أنْ أكون مثلَك لو لم تدعم حكوماتُكم طغاتنا فيقللون من شأن مواطنيهم، ويجعلون الوطنَ سجناً، فتنخفض قيمتي كما تنخفض العملةُ الخضراءُ في وول ستريت لو عبث في أيِّ بورصةٍ أحدُ الحيتانِ أو حجبنا عنكم براميلَ ذهبنا الأسّوَد.
في منتصف الستينيات عَلِمَ الرئيسُ جمال عبد الناصر بأنَّ مواطنيه يتعاملون من السلطات الألمانية ( الغربية ) آنئذٍ معاملةً غيرَ كريمة.
وجاءت توجيهاتٌ من الرئيس نفسه بمعاملةِ الألمان في منافذ مصر كلها معاملة سيئة حتى تصل الرسالةُ إلى السلطات في برلين الغربية.
وفجأة ارتفعت قيمتي، ولم تنفعك الدماءُ الزرقاءُ التي تجري في عروقِ صاحبك، أو حمايةُ الغربِ كله لوثيقةِ السفر الراقية!
الجواز الأوروبي: هذا هُراءٌ، فأمريكا اللاتينية كانت أحذيةُ العسكرِ تصنع جوازات السفر، والديكتاتور يهين شعبَه في الداخل ويدافع عن مواطنيه في الخارج، أما في عالمِك العربي فحاملُك تطارده سلطاتُ بلدِه ولو كان في مرتع الحرية مشاركاً في مظاهرة بالهايد بارك المحيطة بقصر صاحبة الجلالة.
حتى تركيا التي لا يزال الساركوزيون يتعاملون معها على أنها الرجلُ المريضُ قدّمتْ منذ سنوات احتجاجاً شديدَ اللهجةِ إلى السلطات الألمانية التي هددت بطردِ فتىً تركيٍ يبلغ الرابعةَ عشرة من عمره.
فهل هناك زعيمٌ عربيٌّ، إلا قليلاً، يدافع عن حامِلِك وكأن كرامتَهما واحدة؟
يحملني جندي أمريكي وهو متوجّه إلى العراقِ في حماية الاحتلال، ولا يستطيع وزيرُ الداخليةِ العراقيِّ أن يلمسني، ولو شاهدني المالكي نفسُه فستتسع ابتسامتُه حتى لو كان حاملي قد قتل لتَوّهِ من العراقيين نصفَ سكانِ قريةٍ آمنةٍ مطمئنة.
يسلّمُك صاحبُك إلى كفيلٍ خشيةَ أنْ تهرب، أو تعود إلى بلدِك أو تبحث عن كفيلٍ آخر أقل جشعاً وطمعاً، ورغم أنه عربيٌ مثل حاملك إلا أنه يعاملك كوثيقةِ سفرٍ دنَّسَها الفقرُ، وتحمل بين طياتِها كرامةً تماثل قيمةَ حامليها العرب!

الجواز العربي: تُحَدّثني عن أمريكا اللاتينية ولعلك نسيت جوازَ السفر الأمريكي الدبلوماسي الذي يحمله سفيرُ البيتِ الأبيضِ في فنزويلا ولم تنفعه كل الأعراف الدبلوماسية فغادر البلادَ مطروداً، حتى سفير القطب الواحد في بوليفيا عجز جوازُ سفره أنْ يعطيه قيمةً أكثر من تلك التي ترفع مقامَ شابٍ ثائرٍ يعلق صورةَ جيفارا على الحائط فوق فراشه، فبكى السفيرُ مُلْكاً رأسمالياً ثرياً لم يحافظ عليه حفاظَ فقيرٍ ماركسيٍّ لا يجد قيمةَ بطاقةِ سفرً بين تشيلي وكولومبيا.
وهل نسيت جوازات السفر الخليجية الشقيقة وهي تتفتح لها قاعاتُ كبار الزوار في مطارات دمشق وتونس والقاهرة وبيروت والرباط و ..؟
إنك تعيش أوهامَ الحلم الأوروبي فتظن مساحةَ جيبِ حامِلِك الكبيرة والتي يدفع منها إكراميات للعاملين في منتجع شرم الشيخ وفنادق سوسة والحمّامات ومطاعم الدار البيضاء وسماسرة العقارات في بيروت واللاذقية تمنحك بياضاً ناصعاً، وترفع مقامَك لتَسْخَر بعدها من جوازِ السفر العربي.
الجواز الأوروبي: ومع ذلك فسأظل أنا الممثلَ الشرّعيَّ والوحيدَ لأحلامِ حامليكم، ولو تم استخراجُ جواز سفر سويسري أو ايطالي أو نمساوي أو برتغالي أو حتى مالطي لملياردير عربي لما تأخر في قبوله وتقبيله، وربما تعليقه مع خرز خشية الحسد والحاسدين!
إنَّ القيمةَ الكبرى في جواز السفر هي في كيفية تعامل أبناءِ بلدِ حامله معه، وفي المقدمةِ منهم رجال الأمن.
يستطيع حاملي إذا سرقني لصٌّ أن يتصل بقنصل بلده، فيفتح له بابَ السفارةِ من جديد إنْ كان في وقتٍ متأخر، ولا يطرح عليه سؤالاً أمنياً أو يعاتبه أو ينتقده، لكنه يستخرج له وثيقةَ سفرٍ في اللحظة نفسِها، ويكمل فترةَ اقامتِه، ثم يعود إلى بلده دون أن تفتح الجهةُ الأمنيةُ تحقيقاً مخيفاً معه.
في مطار أوسلو الدولي تكتشف عائلاتٌ كثيرة مسافرة أنها نسيت جوازات السفر بعد وصولها، والوقت لا يسمح بالعودة إلى البيت، وزحام السفر شديد في فترة العطلات المدرسية، ومع ذلك فسلطات المطار لا تعيد تلك العائلات والأفراد من حيث جاءوا، وتستكمل اجراءات السفر ببدل فاقد أو بالهوية الشخصية.
في معظم جوازات السفر الأوروبية والأمريكية والكندية تم الغاءُ خانة الوظيفة، فهي لا تعطيني قيمةَ أكثر من جنسيةِ حاملي، ولا يكترث ضابطُ الأمن في المطار إن كان حاملي وزيرا أو عاطلا عن العمل، أما أنت، جواز السفر العربي، فيبحث ضابطُ الأمن في صفحاتِك عن وظيفةِ صاحبِك ليعرف درجتَه في حرارة الاستقبال أو برودته، وفي اتساع ابتسامته أو تكشيرة وجهه!
أنت مترَقَب للوصول أو ممنوع من المغادرة بسبب أيّ هفوة يرتكبها حاملُك ولو كانت حُكْماً غيابياً في جنحةٍ لا تستحق ضياعَ وقتِ القاضي والمحكمة، أما أنا فجزءٌ من منظومة قررت مع العالمِ الغني أن يحمل كرامةَ الغرب كله بمجرد أن تقع عليّ عينا ضابط أمن الحدود.
صحيح أنَّ خانة الوظيفة تم حذفُها والاستغناءُ عنها، ويشرّفني أنَّ صفحاتي ليست بها أختامٌ إلا إذا سافرت إلى عالمِكم العربي أو الأفريقي أو دول جمهوريات الموز.

الجواز العربي: وهل تظن أن فخري لأن عالمي العربي يقع بين أغادير وطنب الكبرى، وبين مقديشيو والمحمرة لا يجعلني انخرط في البكاء بين ألفينة والأخرى متمنّياً أنْ أمرق مثلك كالريح في مطارات صنعاء والرياض وعَمّان وبغداد ودمشق وتونس والجزائر والقاهرة والدوحة ودبي وجدة ونواكشوط والمنامة؟
لقد أتى علينا حين من الوقت تَمَنّىَ فيه حاملونا أن يكون الوطنُ العربي واحداً، وأنْ لا يحتاج المواطنُ لأكثر من هويةٍ شخصيةٍ وهو يجلس في قطارٍ سريعٍ يستقله في أغادير ويمر عبر مراكش فالرباط ثم يتوجه إلى الجزائر، ومنها تمتد قضبانُه إلى وهران ليشمّ الركابُ رياحاً قادمةً من تونس الخضراء، ولا يمر وقت طويلٌ حتى يعلن الوصولَ إلى طرابلس الغرب.
وينزل ركابٌ، ويصعد آخرون فالقطار متوجّه إلى طبرق فالسلوم فمرسى مطروح فالاسكندرية ، ولا يزال الطريق طويلا وممتعا ووحدوياُ، وسيمر عبر فلسطين ومنها إلى العاصمة الأردنية ليُسْرع بعدها إلى بغداد فيتجه إلى سورية أو الكويت أو تركيا!
لكنَّ حامليك هم الذين تسببوا في جعل قيمتي لا تساوي صفحاتي، فوقفوا مع الطغاة، وساندوا الزعماءَ الارهابيين، وغضّوا الطرفَ عن لصوصِ الشعوب، وتعاونت مخابراتُهم مع أسيادِ القصر، وصنعوا منذ ستين عاما كياناً استيطانياً في فلسطين ليمزق عالَماً عربياً كان يحلم بخروج المستعمِر المؤقت فاستبدلتم به استعماراً دائما.
الجواز الأوروبي: أشفق عليك من هول ما رأيت، فحاملُك إنْ ثقلت عليه الدنيا بما خَفّتْ ورحبت لعَنَك كأنك سببُ تعاستِه، وإنْ استبدل بك جوازَ سفرٍ من بلادنا كان يومَ عيدٍ له ولكل الحالمين معه.
أراك وقد اعتصرَك العَرَقُ، وهَلكتْ صفحاتُك من كثرةِ التقليبِ فيها والختم عليها بغضبٍ وقسوةٍ، واسوَدَّتْ حوافُك مِنْ طول الامساك بها والعبث فيها بأصابع في كفٍ اعتاد أن يصفع المواطنَ على وجهِه أو قفاه!
ليس لك أملٌ أنْ تصبح مثلي قبل أنْ يَعْصي حاملوك مُهينيك، فكرامتُك من كرامةِ من تنتسب إليه.

الجواز العربي: لو عشتَ يوماً واحداً مثلي في يدِ كفيلٍ أو ضابطِ أمنٍ عسكريٍّ على الحدودِ لتخيلتَ المشهدَ بِرُمَته، فهو كارثةٌ لا يعرف أحدٌّ إلىَ أيّن تذهب بالوطن العربي!


كان يجب الحكم باعدام ابراهيم عيسى!

أوسلو في الأول من أكتوبر 2008


شهران بالسجن فقط يقضيهما رئيس تحرير ( الدستور ) الذي تجرّأ وكتب عن صحة الرئيس ؟
أي معلومات تلك التي أمدّه بها مغرضون لا يعرفون أنَّ صحة الرئيس زي الفل، وأن عزرائيل لا يقترب منه في ميونيخ أو في القاهرة ولا يستطيع أن يمر عبر أجهزة الأمن المصرية والأمريكية والاسرائيلية التي تحمي سيد المصريين في شرم الشيخ.
زميلنا العزيز ، للأسف الشديد، لا يعرف أن الرئيس لا يمرض، ولا يموت، ولا يتبول، ولا يذهب إلى الحمام، ولا تستطيع أي قوة أن تنزع منه فحولته وذكورته وقواه الجنسية.
رئيسنا أكبر من المرض، ولو اجتمعت ميكروبات وفيروسات وسرطانات الدنيا كلها فإنها تمر على الفقراء ، ثم فقراء الأغنياء، فإذا علمتْ أن طريقها يؤدي إلى الرئيس مبارك، تراجعت فورا ودخلت جسد قروي مسكين لا يستطيع جيبه المثقوب أن يتحمل عدة جنيهات لمراجعة طبيب لمدة دقيقتين.
القاضي يعرف أكثر من الزميل إبراهيم عيسى، فالمرض قرار سياسي لا علاقة للقضاء والقدر به، والرئيس مبارك ليس كهؤلاء الذين صنعت بطونَهم ورممت أجسادَهم مزروعاتُ يوسف والي.
صحة الرئيس خط أحمر، فهو ليس بشرا مثلنا، وبوله ليس أصفر اللون، ورائحة غائطه مثل بارفان كريستيان ديور، ويستخرجه الأطباء بالحقن المعقمة بدلا من أن يجلس في المرحاض مثلنا .. نحن الغوغاء المتخلفين.
ومرارة الرئيس تتحمل الظلط، ودماؤه زرقاء نقية، وعمره سيزيد عن عمر نوح، عليه السلام، دونما حاجة لصناعة الفُلك، ولن يحتاج جمال مبارك أن يأوي إلى جبل يعصمه من الماء.
رئيسنا ليس مخلوقا مثلنا من طين أو زفت أو نفط ولو ارتفعت أسعاره لتصبح أكثر من سعر الذهب، إنما هو حالة خاصة فريدة من نوعها، أينما أتيتها وجدت فيها مخلوقا عجيبا، ومعجزة لا مثيل لها.
رئيسنا، الذي كتب عنه الزميل إبراهيم عيسى، لن يموت قبل أن يدفن بنفسه كل المصريين، وربما يترحم على أولادنا وأحفادنا.
رئيسنا فوق الطب والمرض والارهاق والتعب والنَصَب، ودقات قلبه كساعة سويسرية، ويدخل رئتيه هواء ملوث، فيخرج منها روائح أزكى من كل زهور هولندا.
وأمعاء الرئيس جدارها من حرير، وأنفه يتحول المخاط فيه إلى بابا غنوج لبناني لا تجد مثله في كل مطاعم شارع الحمرا، أو عسل أبيض بدون ملكة نحل أو ملكة جمال.
وإذا عطس الرئيس أمامك فكأنك استنشقت رحيقا لم تقترب منه نسمة هواء من قبل.
ابراهيم عيسى يستحق الاعدام في ساحة مواجهة لمكتب أمين لجنة السياسة الخارجية، أو على شاطيء مجاور لقصر الرئيس في شرم الشيخ ويشاهده كل السائحين، وكان على الزميل الصحفي الكبير أن يجدف في حق الله، وأن ينكر كل الكتب المقدسة والأنبياء، فهذا أخف كثيرا من الحديث عن صحة الرئيس والتشكيك في الفل!
والرئيس لم يمس جسدَه دواءٌ طوال أكثر من ربع قرن، وليس في أي من قصوره واستراحاته دورة مياه أو مرحاض أو سافون.
إنها أم الجرائم التي يستحق كل من يظن بأن الموت أو المرض أو الارهاق يقترب من الرئيس عقوبة الاعدام ، ويمنعوا عنه البيجاما الحمراء حتى يكون حبل المشنقة مفاجأة.
إما إذا أعلن القصر بعد شهر أو عام أو عقد أو قرن أن الرئيس مات فلا تصدقوا هذه الأكاذيب والهراء والخرافات، فالرئيس حسني مبارك حي لا يموت!


 


عدالة محاكمة البشير

تُرَى أيّ زعيم طاغية نام ليلةً هانئة بعد قرار اتهام الرئيس السوداني عمر حسن البشير بارتكاب جرائم حرب؟
عندما بثت وكالات الأنباء صورة للرئيس العراقي صدام حسين في سجنه الأمريكي العراقي وهو ينشر ملابسه، كانت الرسالةُ واضحةً وضوح شمس بغداد، وموجهة لكل مَنْ يهمه الأمر.
أمّا هذه المرة فليست قوات جورج بوش هي التي تُعدّ عريضةَ الاتهام، إنما محكمة جنايات دولية تملك مئات الوثائق والمستندات والأدلة، فهذا رئيس بلد يتمتع بالحصانة، ولديه آلة إعلامية ستجعل منه بطلا ولو نافس دراكيولا في مصّ الدماء.
لسنا بصدد بحث الازدواجية والعين العوراء في التعامل مع قضايا العالم، فأولمرت ومَنْ قبله ومن سيأتي بعده منخرطون حتى الحلق في انتهاكات حقوق الانسان.
قضيتنا هي هيبة الطاغية، فإذا تم الانتقاصُ منها، ثم أصبح مطلوبا للعدالة الدولية فأغلب الظن أن أيامه أضحت معدودة.
كان هناك رجل اسمه موسى هلال، وهو أحد قادة الجنجويد الذين سلّطهم عمر حسن البشير على السكان في دارفور، وارتكب المجرمون جرائم حرب تنافس النازية، واغتصبوا عشرات الآلاف من الفتيات.
وكعادة الطغاة فقد تلقى مكافأة من البشير، وأصبح مستشاراً له ليبصق على أرواح عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء، فالبشير هو أمير بيوت الأشباح التي ورثها عن جعفر النميري .. عرّاب الفلاشا، فتفوّق عليه في جعل السودان جحيما لا يفيد معه صبر السودانيين المرتوين من نهر النيل العظيم.
إذا أردنا أن نتضامن مع شعبنا السوداني، فعلينا الموافقة على تسليم البشير فهذا ليس تقليلا من شأن العرب أو امتهاناً لكرامتهم، إنما هو إعلاءٌ لشأننا، ودرس لكل ديكتاتور بأنه عندما يقف خلف قفص الاتهام سيكون شعبه كله مع عدالة المحكمة.
مئات من الأطفال انْتُزِعوا من أحضان أمهاتهم ليخوضوا الحرب في دارفور دفاعا عن حكم عمر البشير.
في أقل من خمس سنوات قُتل 200 ألف سوداني في دارفور، ونزح عن الأرض مليونان ونصف المليون من سكان المنطقة المنكوبة بفعل عصابات قاسية ومتوحشة تتلقى الدعم من الحاكم العسكري في الخرطوم.
بعد قتل الرجال كانت عصابات الجنجويد تتجول كذئاب مفترسة حول الأنهار في انتظار ضحايا من الفتيات الصغيرات اللائي اضطررن للخروج والبحث عن المياه.
في منتصف عام 2007 حذرت الأمم المتحدة بعد عودة لجنة تقصي الحقائق من كارثة الوضع الذي تسبب فيه البشير، واللجنة كانت مكونة من 18 خبيرا محايدا، لكن الرجل الذي كان تاريخه كله ملوثا بالدماء لم يُعِر التقريرَ أدنى اهتمام.
وبحث أكثر من 100 ألف شخص عن المأوى على الحدود مع تشاد، لكن قوات الحكومة السودانية الارهابية كانت تطاردهم بالطائرات.
هذا الرجل مجرم بكل المقاييس، وفي العام القادم، الذي يحتفل فيه العقيد معمر القذافي بمرور أربعين عاما على حكم ليبيا، ويجدد فيه الرئيس التونسي لنفسه لولاية خامسة، وربما يلقي جمال مبارك خطبته الأولى كوريث لعرش مصر، يكون الرئيس السوداني قد أمضى في الحكم عشرين عاما بعد انقلاب عسكري على حكومة منتخبة من الشعب في يونيو عام 1989.
قام باحراق أراض سودانية في الجنوب على طريقة صدام حسين في الأهوار، وخطط لاغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا، وكذلك وضع الخطوط العريضة لاغتيال الرئيس الارتيري أسياس أفورقي، وربما نكتشف أن تحطم طائرة نائبه جون جارانج كانت من وحي تصفيات صديقه
صدام حسين الذي كان اسقاط الهليكوبتر هو آخر الحلول، ثم السير في جنازة القتيل.
استخدم الدين مع تنظير من حسن الترابي ليخيف به الفقراء، ويدغدغ مشاعر الجماعات الدينية، فالحاكم هو خليفة الله، وطاعته واجبه، وسوطه الذي يلهب به الظهر مدعوم من السماء.
ساند صدام حسين في غزوه الكويت، وتلقى من طاغية بغداد مكافأة سخية من البنك المركزي الكويتي الذي نهبه عدي وحثالة حزب البعث العربي الاشتراكي، فرع بغداد.
وبعد الاتفاق الذي عقده مع الجنوبيين اقتربت ساعة الاستفتاء الحُرّ في الجنوب، أي عام 2011، والذي سيؤدي غالبا إلى انفصال جنوب الوطن بثرواته وخيراته ونفطه ومياهه، ومن يدري ماذا تخطط إسرائيل لتوجع العربَ مائياً!
بعدما أساء للاسلام في فترة حكمه الارهابي، وقتله الأبرياء بغير حق، وفتح بيوت الأشباح منافساً سجون الوطن العربي كله، وقطع، بحجة السرقة، أيدي بعض الفقراء في بلدٍ لا يجد ثلثُ سكانه طعامَ العشاءِ ضمن كراهية جنوبية شديدة لدين ظنوا أنه منعهم حقوقهم. رفض رفضاً قاطعاً رفع الظلمِ عن آلاف المعتقلين الأبرياء، وشهد سجن كوبر السوداني نماذج من التعذيب كادت ترقى إلى معتقلات أبو سليم الليبية، والاستئناف المصري، وجفرا الأردني، وتدمر السوري، وأبو غريب العراقي، وتزمامارت المغربي، ووهران الجزائري، والأمن العام في تونس .. الخضراء!
قضى على عدد كبير من محاولات الانقلاب، ونجا بمعجزة في انقلاب مايو عام 1990 الذي قاده اللواء عبد الله الكدرو، واللواء طيار محمد عثمان حامد، وانتهت رقاب 28 ضابطا إلى حبل المشنقة، وتولّت كتيبة التبرير الدينية من مثقفي السلطة وضع اللمسات الأخيرة على تزييف إرادة السماء بأنها إنقاذ الله لبشيره.
وفي عام 1992 فشل أحمد خالد البعثي في محاولة انقلاب، ويعرف السودانيون أن رئيسهم لا يمزح، فالمشنقة وبيوت الأشباح والاغتصاب والابادة الجماعية والضرب بالطائرات والاغتيال والتصفية أمور يقوم بها كما يلوح بعصاه في الهواء.
المفترض أن محاكمة البشير تكون يوم عيد لكل عربي حر وشريف، فتحرير السودان مرهون بقفص الاتهام لطاغيته
.

معركتنا ليست مع رجال الرئيس مبارك

أوسلو في 3 سبتمبر 2008

أخطر ما يتعرض له شعبٌ هي الحيرة في معرفة عدوه الأصلي، فإذا غضّ الطرفَ عن هذه الحقيقة، وحارب أعداءً وهميين صنعهم كبيرُهم فقد مَدَّ في عمره من حيث لا يدري!
ما أسهل أن تُشحذ أسلحتَك، وتقتحم ساحةَ الوغى، وتصيح صيحة القعـقاع رافعاً علم مصر وعلامة النصر، ثم تحارب جناح بعوضة!
في مصر كل رجال الرئيس أصفار متراصة لا تساوي لو اجتمعت دُمْيةَ طفلٍ يفعـصها الزعيمُ تحت حذائه، ثم يُلقي بها بعيدا حيث تختفي أو تعود إلى باطن الأرض.
أتعجب ممن يظن أنه مناهض للظلم والاستبداد والسجون والمعتقلات والاغتصاب والفساد وتزوير إرادة الشعب، ثم يتوجه بكل ما يملك من أسلحة إعلامية منتقدا رقيقَ السيد الرئيس الذين يطعمهم، ويأويهم، ويحميهم!
عندما ظن مناضلو صحيفة ( الشعب ) أن مئات الوثائق غير المشكوك في صحتها عن المزروعات المسرطنة والفساد وتسميم الشعب ستحرك ساكنا، انتهت المعركة بانتصار صفر الرئيس، أي الدكتور يوسف والي، ولم يكلفه الأمر إلا مشوارا قصيرا في سيارة مرسيدس سوداء يترجل منها ليتحدث مع القاضي مع باب آخر في المحكمة لا يدخله إلا من رضي عنهم سيد القصر.
لهذا فقد اكتشف الزميل مجدي أحمد حسين أن معركة شعبنا ليست مع خدم تتقوص ظهورهم وهم يسيرون في مسكنة ومذلة وخوف خلف الرئيس، إنْ قطب جبينه، ارتفع ضغط دم كل منهم، وإنْ صاح غاضباً تبول أشجعهم على نفسه، وإذا ابتسم في وجه لص فَهَمَ الأخير أنَّ ضوءً أخضراً من القصر يفتح له خزائن أُمّ الدنيا، لكنه يغلق خزائن رحمة الله.
أي معركة في حب مصر لتطهير الوطن من رأس الفساد والارهاب والطغيان هي معركة خاسرة في ساحة خطأ وضد مومياءات لا يعرف سر تحنيطها غير الرئيس .. فقط!
يمكنك أن تدّعي شجاعةَ الإعلامي، وتمتطي صهوة فرس نبيل، وتوجَه رُمْحَك ناحية كل الدُمىَ المتراصة هنا .. وهناك، لكنك لن تصيب الطاغيةَ، بل ستمُدّ في روحه، فمعركتُك ، إنْ كنت عاشقاً حقيقياً لمصرك وأرض أجدادك وأحفادك، هي ضد من يأمر باغتصابك، ويضحك ملء وجهه مع كل جريمة وكارثة ومصيبة ووباء وتقهقر وتخلف يصيب أرضَنا الطاهرة.
انتقد، وهاجم، وانشر وثائق، وتظاهر، وحطم كل ما حولك، واجعل صراخك يهتز له وادي النيل من فيكتوريا إلى رشيد، لكن نملة واحدة لن تقول لزميلاتها ادخلوا مساكنكم، فرئيس الوزراء والوزراء والمحافظون وكل أجهزة الدولة ودفاعاتها وجنرالاتها وفضائياتها وسجونها وسجّانيها لا تتحرك إلا بعضلات وجه الرئيس وبسبّابته وخِنصره.
كلهم أصفار، وأي محاولة لاستجداء الرئيس المسؤول الأول عن جرائم وكوارث سبعة وعشرين عاما جحيمية في تاريخ مصر بأن يعيد النظر في قوانين، أو يرحم شعبه، أو يفرج عن المعتقلين الأبرياء، أو يأمر بعدم اغتصاب المواطن المصري، أو يوجه أحاديث عن كرامة أبناء شعبه، أو يبعد ابنه الوريث عن رقاب أولادنا في مستقبل ظالم حالك السواد، هو اعتراف ضمني أو صريح ببراءة الشيطان، وفتح باب التوبة وهو يهوي بسوطه فوق ظهورنا.
كل الذين يعرفون المشهد المصري، ويشاهدون أمَّ الحضارات تحتضر، سيكون حسابهم مع التاريخ والضمير وأولادهم وأحفادهم عسيراً إنْ صمتوا حتى يرث الولَدُ أباه، وتبدأ حقبة جديدة لمسح مصر من على الخريطة، وبيعها روبابيكيا يدفع ثمنَها أحدُّ لصوص شبيبة الشاب ابن الرئيس.
من يدخل المعركةَ مع رئيس الوزراء أو وزير الداخلية أو الإعلام أو أي كبير في الدولة، غير الرئيس، فقد ساهم في مد حريق مجلس الشورى إلى كل شبر في مصرنا الحبيبة، فالرئيس هو الحاكم الوحيد، وكل حركة وإيماءة وهمسة وكلمة في ( البيت بيتك)، ورأي في ( صباح الخير يا مصر)، وبيان عن ( العبارة المنكوبة)، وتحقيق وهمي عن قطار الصعيد، وافتتاحية رئيس تحرير صحيفة كبرى، ومئات، وآلاف، وملايين غيرها ممهورة بتوقيع الرئيس حسني مبارك حتى لو كان نائما يأكل أرزا مع الملائكة .. أعني مع الشياطين!
إن المواطن المصري الذي يجهل أن ثأره مع الرئيس مبارك فقط يقف في الجانب المناهض والمضاد والمعادي لشعبنا، سواء كان يعرف أو لا يعرف!
أشدّ على أيدي المناضلين الأبطال الشرفاء من أمثال الدكتور عبد الحليم قنديل والزميل مجدي أحمد حسين والزميل إبراهيم عيسى والدكتور أسامة رشدي والدكتور يحيي القزّاز والعقيد عمر عفيفي والزميل بلال فضل والدكتور أيمن نور وعشرات غيرهم ممن يحملون مشاعل تنير لمصر طريقها قبل أن يحاصر غضبُ المصريين قصرَ الطاغية، وأتمنى أن يراجع كل معارض ومناهض للطاغية نفسَه إنْ ظن أنَّ أيَّ كبير في مصر أثقل من جناح بعوض.
معركتنا وثأرنا وكراهيتنا وقوتنا وسلاحنا وألستنا وأقلامنا ينبغي أن تهيل التراب على كل رجال الرئيس مبارك لأنهم طواحين هواء، ولن تتحرر مصر بكشف سوءات رجاله، فهو يعرفهم كما يعرف اللصوصَ والنهّابين والهبّارين والسجّانين والمرتشين والفاسدين ومزوِري الانتخابات، لكنها تتحرر، وتتنفس من جديد، وتعود إلى أحضان أبنائها وعاشقيها، ويشفى العالم العربي بشفاء مصر، عندما نؤمن أنَّ عَدوَّ مصر هو الرئيس محمد حسني مبارك، وأي إيمان آخر لا يختلف كثيرا عن الكفر!


متى يقطع خليجنا الدعم عن الطغاة

كل طاغية يؤمن أنَّ يوم الحساب الشعبي لن يأتيه قبل أن يلج الجَمل في سمّ الخِيْاط، وكل الذين يراقبون من بعد أو عن كثب هراوة الطاغية وقبضته وطريقة حكمه وعلاقته بشعبه يؤكدون عن يقين أن أيامه أصبحت معدودة، وأن ساعات قليلة تفصل الشعب عن الاحتفال بيوم رحيل الديكتاتور.

والطغاة في عالمنا العربي كالسرطان في جسد الأمة المسجى منذ سنوات طويلة، يعيث فيه فسادا الكثيرون، ولاتوقظه قومية أو دين أو ثقافة أو انقلاب أو مال.

ليس الطغاة كلهم في سلة واحدة، فمنهم من يستطيع أن يدفن شعبه كله في حفرة واحدة، ومنهم من يختار المشاغبين فقط، ومنهم من يجعل كل ثلاثة مواطنين جواسيس على رابعهم، أو كل خمسة طابورا خامسا على سادسهم!

المشهد الطاغوتي لا يخطئه من يعرف ألف باء السياسة، ويستدر الدموع ممن في قلبه ذرة من إنسانية وشرف وكرامة، وصناعة السجن هي الحماية الأكبر للديكتاتور، ولكن ماذا عن الدعم المعنوي والمالي الذي يمنح الشرعية للسوط والزنزانة والتزوير والتزييف والفساد والنهب؟

هذا هو السؤال الذي لم يُجب عنه زعماءُ خليجنا العربي الواقع على مرمى حجر من صواريخ إيران، واضطرابات العراق، وجنرالات الجيش الأمريكي!

بيني وبين خليجنا العربي الدافيء علاقة أكثر دفئا تمتد لثلاثة عقود، وقد أبتعد عن مكان فيه فأعود إليه، وقد أقترب كثيرا من مكان آخر فيزيحني الوشاة وهم كُثْر.

وأرى أن أموال نفط دُوَله ينبغي أن تذهب أولا لشعوبه، ثم يأتي آخرون فيغرفوا منها ما فاض عن حاجة شعوب عاشت مئات السنوات في أرض غير ذي زرع، قبل أن يطل الذهب الأسود برأسه من تحت أقدامهم، ويتحول إلى ذهب أصفر يُسِرّ الناظرين.

دعم مالي لا يذهب إلى الفقراء والمحتاجين في مصر وسورية وتونس والأردن والعراق والجزائر والصومال وغيرها، ولكن يطيل أرواحَ الطغاة، وتزداد السجون، وتكثر المعتقلات، ويتم اغتصابُ أبناء الوطن المسكين في أقبية تحت الأرض.

دعم مالي غير مشروط باحترام حقوق الانسان، وباغلاق سلخانات يقوم عليها سفاحون وجزارون، والحجة القائمة غير المقنعة بأن هناك علاقات طيبة وأخوية تربط زعماء دول الخليج بقتلة شعوبهم في دول ثورية تأكل شعارات الوطنية ويهوي على ظهورها سوط الجلاد من قصره المعمور بالكلاب والذئاب والارهابيين.

إنها أموال أعطاها الله لمن صبروا قرونا طويلة في صحراء قاحلة، لذا فهي حق لشعوب دول مجلس التعاون الخليجي أولا، وواجب عليهم أن يمدوا يد العون للآخرين شريطة أن لا تساهم تلك الأموال في مزيد من العذاب والمهانة والاذلال لشعوب ترزح تحت أقدام مصاصي دماء من قتلة الشعوب.

معادلة صعبة وقاسية وغير عادلة لو تم الحجبُ نهائياً عن شعوب محتاجة، ولكن الحقيقة المُرّة أن المستقبل لن يحمل خيرا من مشاعر الود لمن أطالوا في أعمار الطغاة، وتلك مهمة أخلاقية سامية أحسب أن زعماءنا أو أكثرهم في دول مجلس التعاون الخليجي قادرون على التمسك بها والضغط على الطغاة لتخفيف قبضاتهم من على رقاب شعوبهم.

ألم تكن المصالحة اللبنانية في الدوحة مالية بالدرجة الأولى، أم أن اللبنانيين كان لديهم خيار للاجتماع في موريتانيا أو الصومال أو كازخستان أو أوغندا لتصفية قلوبهم بالقرب من طوابير الفقراء؟

لماذا لا تشترط دول الخليج، همسا وعلى استحياء، أن ينهي من يمُدّ يدَه إليها حالةَ القمع والقهر والتعذيب والاغتصاب التي يمارسها ضد شعبه، وهي شروط انسانية وراقية ومتحضرة، ولا أحسب أن زعيما عربيا سيرفض مليارات من الدعم الخليجي لمجرد التلميح أو التصريح بأن هذه الأموال يجب أن لا تذهب لبناء سجون ومعتقلات واستيراد أدوات تعذيب وتزوير انتخابات.

إن من يساهم في نهب أموال مصارف بلده لن يتوانى عن الاحتيال على دول خليجنا العربي ، فرؤوس الفساد في الأنظمة المستبدة أكثر ثراء من الخليجيين الأثرياء.

هؤلاء الطغاة أيامهم معدودة، لكنها تطول بفضل الدعم المعنوي والمالي، وإنقاذ اقتصاد هش يقوم عليه لصوص.

ومع ذلك وبالرغم من حقن بعض الأنظمة المستبدة بمليارات من أموال خليجنا العربي فإن طوابير الخبز تشهد على وقاحة اللصوص، وبناء السجون والمعتقلات ودفع الآلاف لجوفها من أبرياء ظنوا كأس الوطن ليس علقما فإذا به مشروب سام قدمه الطغاة، وابتسم في وجوههم من يدعمونهم بالمال والمواقف والسياحة وحجب أصوات العرب في بلادهم عن الاحتجاج.

لابد أن تكون هناك طريقة للدعم المالي لا تؤذي شعوبا عربية في أشدّ الحاجة إليه، لكن لا يدخل منها ريال واحد أو دينار أو درهم في جيب المنتفعين بالطاغية.

أنا أرى أن الإعلام لو تلقى توجيهات حاسمة من دول مجلس التعاون الخليجي بأن يفتح أبوابه وشاشاته وفضائياته وصحفه لكشف جوانب الفساد والتعذيب والنهب في دول تتلقى دعما ماليا خليجيا فإن هذه الخطوة ستنزل الرعب في قلوب من أطال النفط في أعمارهم وهم بعيدون عنه.

لماذا لا تحدثنا فضائيات الخليج عن السجون والمعتقلات والتصفيات الجسدية والاغتصاب والمقابر الجماعية في دول عربية أخرى؟

لقد آن الوقت الذي يتحول فيه الدعم الخليجي إلى عمل إنساني شامل، وأن يحمل الدينار والريال والدرهم قيمة أخلاقية فيدخل في جيب الشقيق العربي المحتاج، ولا يتسلل إلى حساب سيد القصر وذئابه.

قبل أن توجه شعوب ترزح تحت الطغاة اللوم والعتاب لزعماء دول مجلس التعاون الخليجي، يجب أن تكون قيمة برميل النفط الأخلاقية أكبر من القيمة المالية.


الرئيس التونسي يجدد للشعب ولاية خامسة

أخيرا سيتشرف التونسيون ويضعوا رؤوسهم تحت قدميّ السيد الرئيس لفترة رئاسية خامسة، ولكن هذه المرة ربما يعزّ على زين العابدين بن علي أن يجعل نسبة النجاح أقل من 100% وهي النسبة التي وضعها صدام حسين لتصل المهانة للشعب إلى ذروتها.
موعدنا العام القادم، 2009، فهي السنة التي سيحتفل فيها العقيد بمرور أربعة عقود على الفاتح من سبتمبر، وتكون قد مرت ثلاثون سنة على قبضة الرئيس اليمني حول عنق المواطن اليمني.
مبروك مقدما للهدايا التي ستنهال على المحررين وأصحاب القلم وعلى الصحافة الفرنسية والبلجيكية وغيرها في اعلانات دفع قيمتها شعبُنا التونسي.
الشيء الذي يدهشني في الطاغية أنه يستطيع أن يحملق في عينيك، ثم يبتسم كالذئب في رواية ذات الرداء الأحمر، ويقول لك بأنه لا يوجد لدينا سجين سياسي واحد، فهل لك أن تذكر لي اسماً واحداً؟
الطغاة مُدَرَّبون تدريبا جيدا على الانتقال السريع من الأنياب إلى الأسنان، ومن اغتصاب المواطن إلى مصافحة عامل فقير في حفل جماعي أمام وكالات الأنباء،ومن بناء سجون جديدة إلى افتتاح مشروع لدعم الطبقة الكادحة، ومن أوامر حاسمة بالقاء المعارضين في مقبرة جماعية إلى حضور حفل خيري لصالح المعاقين.
نظام بوليسي مخيف يرفض كلمة نقد صغيرة في كتاب ضخم بالفرنسية لن يقرأه من التونسيين إلا حفنة تُعَدّ على أصابع اليد الواحدة.
عندما نشر جان دانييل رئيس تحرير لو نوفيل أوبسرفاتير سطرين عن الثقافة البوليسية في تونس، تحولت الدولة كلها التي كانت تقف معه طوال سنوات مديحه لزين العابدين بن علي إلى الناحية المضادة، وألغيت المواعيد مع الأصدقاء، واتصل به وزير الثقافة مبلغا إياه استياءه الشديد، وقررت الحكومة التونسية أن تبيع مكتبة واحدة فقط كتاب ( جان دانييل) فهو لن يصبح في متناول أيدي التونسيين، لكن الرئيس يستطيع أن يضع أصابعه في عيون من يدَّعي أنَّ الكتابَ تَمَّتّْ مصادرتُه.
وتلقىَ جان دانييل دعوة مجددة لزيارة تونس لحضور معرض صور فوتوغرافية لزوجته بمناسبة ( ايام ميشيل فوكو) التي يُنظمها المركز الثقافي بقرطاج.
لكن أجهزة أمن بن علي لا تضاهيها أو تتحداها أجهزة أمنية أخرى في العالم العربي، فلم يرُق لها أن ينحشر كتاب جان دانييل في فعاليات ثقافية، فقام رجال الرئيس بالغاء المهرجان برمته، واعتذرت السفارة الفرنسية عن دعوة جان دانييل، أما السيدة جليلة حفصية مديرة المهرجان الثقافي فقد احيلت إلى التقاعد!
ديكتاتور لا تنفع معه كل المساومات، ويقضي المرءُ في خدمته سنوات طويلة يكاد يلعق فيها حذاءه، فإذا أخطأ مرة واحدة عن غير قصد فعليه أن يجلس بعدها في بيته يبكي زمنا كان فتاتُ السُلطةِ في فمه، وقبضتُها يبطش بها من يشاء.
الدبلوماسيون التونسيون في الخارج يخشوّنه أكثر من خشيتهم رب السماء والأرض، وإذا علمتْ استخباراتُه أنَّ أحدهم رفض معاقرة الخمرَ في حفل بهيج، فربما يتم استدعاؤه إ