مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول المطبوع بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 . جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد . عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين. المراسلات : Taeralshmal@gawab.com

إعلاميون وفندقيون وجواسيس

أوسلو في 17 مايو 2008


هل انتهى عصر البحث التقليدي عن الجواسيس الذين يخدمون جهات معادية للعرب؟
هل الجاسوس هو فقط الذي يتبرع بمعلومات عن صفقة أسلحة، أو تغييرات في المناصب، أو زيارات سرية يقوم بها مسؤولون حكوميون؟
في الواقع فقد اختفت تقريبا الأساليب المشار إليها، وأصبح الجاسوس الآن منافسا للوطنيين، ومثقفا يلقي محاضرة عن خطر الاستعمار، وإعلاميا مرموقا يتم تكريمه على مرأى من جمع غفير يصفقون له حتى تدمى أيديهم.
إنه ليس بالضرورة نسخة كربونية من إيللي كوهين، أو هبة عبد الرحمن سليمان أو عزام عزام أو ليفي افرايم أو هشام محجوب أو فارس مصراتي أو سمحان مطير أو سمير عثمان أحمد، لكنه نوع جديد تماما يناسب العصر، ويؤدي مهمته تبرّعا دون أنْ يتلقى في كثير من الأحيان الأوامر أو أدوات التجسس أو الحبر السري أو مظروفا به أجر الخيانة مع نزهة باريسية وسهرة حمراء في المولان روج.
الجاسوس الجديد لا يعمل بالضرورة لحساب إسرائيل، لكنه متطوع بكامل رضاه ووعيه لجهة قد تبدو ظاهريا وطنية، وفي الحقيقة هي سلطة قمعية تمثلها بعثات دبلوماسية لا يدري المرء إنْ كانت إمتدادا للسجون والمعتقلات أو هي فرع أنيق ودبلوماسي لجهاز أمن الدولة.
كوهين الجديد قد يكون موظفا في فندق في الخليج يتبرع لسفارة بلده بمعلومات كاملة عن ضيوف الدولة، وعن تحركاتهم ولقاءاتهم ومضيفيهم وكيفية الحجز وأسماء الموظفين والعاملين لدى المضيف، خاصة إن كان يحتل مركزا رسميا وقياديا.
إنه عين البعثة الدبلوماسية التي لا تحتاج لكتيبات صغيرة تجمع ما فيها من معلومات، إنما هي مهمة بعض موظفي الفنادق، فيكتبون التقارير أو يبلغونها هاتفيا، ولك أن تتخيل هذا الكم الهائل من المعلومات الذي يتدفق على المؤسسات الأجنبية والهيئات والبعثات الدبلوماسية حتى لو أرسلتَ من غرفتك إلى غرفة أخرى مظروفا به رسالة أو كتاب، فكوهين الجديد قادر على ايصال المعلومة لسفارة بلده قبل أن تستيقظ من نومك أو تبدأ أولىَ لقاءاتك.
وقد يكون إعلاميا وطنيا مكرّما من أكبر مضيفيه، وتتفتح له الأبواب، ويُلقى محاضرة في مؤتمر أو ملتقى أو اجتماع فتظن للوهلة الأولى أنك أمام مناضل جهادي يستعد لتفجير نفسه في موكب لمدرعات العدو، فإذا به مكلّف بتقرير يقدمه لأمن الدولة فور عودته لمطار عاصمة بلده.
إنه الإعلامي الجديد الذي يمسك القلم ويفكر في السلطة، ويخط كل حرف وذهنه منشغل بضابط الأمن الذي سيبتسم في وجهه، وربما يقوم بحمايته إنْ غضب عليه رئيسه المباشر.
سألت سائقي في إحدى مرات زياراتي السنوية عن بعض أعداد مجلة ( طائر الشمال ) التي كانت في السيارة، فلم يتلعثم أو يتردد، لكنه قال بوقاحة: لقد أرسلتها إلى سعادة السيد سفير بلدي هنا لكي يطّلع عليها!
سألت صديقا عزيزا ومدير تحرير صحيفة عربية عن هذا الهلع الذي أراه في عيون زملائنا في السلطة الرابعة وهم يجتمعون بعيدا عن الوطن وفي عيد وطني لدولة عربية شقيقة، فقال لي بصراحة أدهشتني: إننا نكتب التقارير ضد بعضنا، ونتوجه فور العودة كل إلى ضابط الأمن المكلف به تلقيّاً وحماية، حتى لو تناول أحدنا طعام العشاء مع معارض في الخارج.
وكوهين الجديد ترتعش أوصاله، وتكاد تنكسر مفاصل ركبتيه إنْ أعطيتَه كتابا يقرأه وفيه مناهضة لسلطات بلده، فهنا تصبح صاحبة الجلالة .. السلطة الرابعة أكثر هشاشة من ورقة شجرة تسقطها نسمة خريف رقيقة.
إنه لا يكتفي بالفزع من الروح الأرنبية المترسخة داخله، لكنه يفكر في موظفي الفندق فكثيرون منهم سيوقظون سعادة السفير من فراشه الدافيء، وربما يفكر الإعلامي بأن تقرير السفارة سيقع بين يدي جهاز الأمن في بلده قبل أن ينبلج صباح جديد.
عندما تتسلم مفتاح غرفتك في الفندق، ويبتسم لك موظف أنيق ومهذب ويكاد يُقَبّل يديك من أدبه الجمّ، فتأكد بأن صورة جواز سفرك قد وصلت لسفارة بلدك قبل أن تشاهدها جهات أمن مضيفك الكريم.
تخيل موجات متدافعة من المعلومات عن مؤتمر عسكري أو أمني أو زيارة مسؤولين أجانب لم تعلنها الصحافة، ويعرف تفاصيلها موظفو الفندق وكوهينوه الجدد!
بعض الدول العربية الثورية تعتمد اعتمادا كبيرا على موظفي الفنادق في دول الخليج وعلى إعلاميين كبار، مقيمين أو زائرين، يتولوّن مهمة غير شاقة، بل يستطيعون أن يُحصوا أنفاس الزائر منذ وصوله إلى مغادرته.
إنهم هجين جديد مكوّن من لقاح أمني مع آخر إعلامي بنكهة دبلوماسية.
( رجلنا في دمشق ) كتاب عن إيللي كوهين قرأت ترجمته النرويجية منذ ربع قرن، والآن يمكنني أن أستعير نفس العنوان فتقول: ( رجلنا في الفندق ) أو ( رجلنا في الملتقى الإعلامي )!
كنت لفترة طويلة أخشى التواجد الآسيوي الكثيف وأعتبره أكبر خطر يحيق بخليجنا العربي، بل لقد خشيت أن يتحول هؤلاء إلى ذراع طويلة لبلادهم الآسيوية التي تضيق بسكانها وفقرها الأرض بما رحبت.
الآن أخاف على خليجنا من الكوهينيين الجدد الذين باضتهم دجاجة الأمن، وفقستهم سفارات بلادهم.أخاف على خليجنا العربي من إعلاميين ووشاة يهمسون في آذان مضيفيهم كما يفعلون مع أجهزة أمن بلادهم، فيقومون بــ ( تطهير ) خليجنا من زائرين وأصدقاء وعشاق له، لكي تتفتح لهم أبواب جديدة، ومجالات أرحب لكل أنواع الوشاية الدنيئة.
إنهم لا يقلّون خطرا عن جواسيس الأعداء الذين أشرنا إليهم، فهم من لحمنا وديننا وعروبتنا ويتحدثون لغتنا، لكنهم يضمرون لنا كراهية حقنتها في صدورهم مشاعر الخوف من السلطة، والرغبة في التعاون معها ضد أبناء وطنهم.




أنت متهم لأنك تحب وطنك

أوسلو في 29 مايو 2008

للاستماع والمشاهدة
http://www.youtube.com/watch?v=5jijvExtTLI

خبران صغيران يفصل بينهما عالمان مختلفان تماما، لكن يمكن اعتبارهما صلب القضية التي نتحدث عنها.
الأول عن اضراب موظفي 12 مطارا نرويجيا، مما اضطر الملك هارالد الخامس والملكة سونيا إلى ركوب قطار الليل بعد العثور على تذاكر سفر بصعوبة، وذلك للوصول قبل الموعد في صباح اليوم التالي.
وللمواطن العربي أن يتخيل موظفا في القصر الملكي النرويجي يرجو مكتب الحجز أن يجد تذاكر سفر للملك والملكة وبعض موظفي الديوان.
أما أن تخرج طائرة خاصة ليستقلها العاهل النرويجي فهو الأمر غير الطبيعي، تماما كما حدث مع والده الملك أولاف عندما قطع العرب بترولهم عن الغرب خلال حرب أكتوبر 73، فجلس الملك في المترو، واشترى تذكرة من المحصل كأي مواطن آخر. وكان يركب دراجته في التنقل من مكان إلى آخر.
المشهد المقابل تظهر فيه صورة رجل استخبارات سوري غاضب إثر ابلاغه بأن إمام أحد المساجد لم يتوجه إلى الله تعالى في نهاية الخطبة بأن يطيل عمر فخامة الرئيس بشار الأسد.
أما الحديث عن أن سكرتير الرئيس لم يجد تذكرة سفر لفخامته من دمشق إلى اللاذقية فقد يصيب مستمع الخبر وناقله بهوس ضحك متواصل أو بكاء مستمر!
شمرت أجهزة صناعة الكلمة عن سواعدها، وتلقى مثقفو السلطة أوامر ذاتية مبرمجة منذ أربعين عاما بأن تمتدح شجاعة الرئيس الذي سيجعل المفاوض الإسرائيلي يتبول في ملابسه رعبا وفزعا وهو يجلس على مائدة المفاوضات مثلما جلس جنرالات صدام حسين في خيمة صفوان، والجنرال شوارتسكوف يهمس في أذن الجنرال خالد بن سلطان بن عبد العزيز!

أجهزة الاستخبارات والتي تهمس في أذن الرئيس بأنها تقوم بحمايته تقرر في عملية بطولية خارقة اعتقال فاطمة مصطفى أحمد وهي في الثانية والعشرين من عمرها وكانت حاملا في الشهر الخامس، واختفت مع زوجها عمر بن أحمد خطاب ، فالشمس لم يخلقها الله لتسطع على قلب العروبة النابض، ولكن لكي يختفي المواطن السوري وراءها دون محاكمة، فوجود السلطة القضائية إهانة للسلطة التنفيذية، أما السلطة التشريعية فينتخب الشعب أعضاءها للتعبير عن رغبات سيد القصر.
أنت سوري، وتحب وطنك حبا جما، وتذوب عشقا في كل نسمة هواء تلفح رجلا أو إمرأة’ أو حجرا أو شجرة أو قطة متشردة أو طفلا يطل برأسه من نافذة حافلة مسرعة ، لكن حبك ينبغي أن لا يقترب من إثارة غضب حماة الرئيس، وإلا فقد ثكلتك أمك قبل أن تعود إلى دارك، فالاختفاء القسري ممهور بتوقيع الرئيس الشاب حتى لو لم يمسك القلم أو يخط حرفا فيه.
النكتة الوحيدة في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة التي تبكي وتضحك في الوقت عينه سامعها تتعلق بحقوق الإنسان.
يصل المهندس راسم السيد سليمان الأتاسي رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا إلى مطار دمشق الدولي، فالمهمومون بقيمة الإنسان العربي في إنتظاره بالعاصمة البحرينية، لكن أجهزة الأمن تكتشف في صدره أحلاما تهز هيبة الدولة، وهي أخطر من الإحتلال الصهيوني لهضبة الجولان، وأغلب الظن أنها عن كرامة المواطن.
يبصق مدير أمن المطار على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ثم يعيد المواطن إلى المعتقل .. أعني الوطن حيث لا تستطيع أن تميز بينهما.
تستطيع محكمة أمن الدولة في سوريا أن
تحجز لك مكانا في زنزانة ستكون من أسعد مخلوقات الله لو أن فتحة التهوية فيها كانت أكبر من قبضة يدك، والتهمة محاولة إضعاف الشعور القومي!
لكن هناك تهمة جديدة هي القيام بأعمال لم تجزها الحكومة!
ترى هل سيأتي الوقت الذي يتم فيه إعتقال مواطن لأنه مر بجوار كلب، ولم يرفع يده بالتحية، باعتبار أن الكلاب تتعاون مع السجانين في نهش لحوم المعارضين، ومن لا يحترمها يقلل من هيبة الدولة؟
الشاب عبد الله البحر بن سمير لم يبلغ الحادية والعشرين من عمره، وقد ارتكب جريمة بشعة في حق الدولة وهي أنه كان يبحث عن والده وشقيقه المفقوديّن منذ فترة، فتم اعتقاله.
التهمة ليست مشكلة فهي تأتي لاحقا، بل يمكن للمتهم أن يختار التهمة التي سيمثل بها أمام القضاء، فالمهم أن الخوف يسري في كيانه، وأن تقتله حيرة التفكير في مصير لا يعرفه، وأن يعرف أن التجديف في حق الله واحدة من الصغائر التي لا تقارن بجريمة حب الوطن والاهتمام بشؤونه ومشاكله وقضاياه.
أما أن تظن بأن الله أعطاك من نفخة الروح فيك كرامة تصحبك من المهد إلى اللحد، فأنت قد حفرت قبرك بيدك، وحجزت زنزانتك قبل أن تغسل دورات مياه سجنها بوقت طويل.
عضو المنظمة السورية لحقوق الإنسان وديع دك الباب هز هيبة الدولة أكثر مما فعلت طائرات إسرائيلية حلقت فوق القصر الجمهوري بدمشق، ونشر مقالا عن ( دمشق عاصمة للثقافة العربية ) وطالب بأن تكون الكرامة قبل الثقافة.
لو أنه اشترك مع المقاتلات الإسرائيلية في ضرب مشروع المفاعل النووي السلمي لكانت جريمته مخففة وبسيطة، أما أن تلعب الشياطين برأسه، ويظن أن حبه لبلده ولشعبه ولأرضه الطيبة يمنحه حق الحديث عن أهمية الكرامة، فالرئيس الشاب لا يتسامح مع الخيانة العظمى للدولة.
هل تحب سوريا حقا، ومع ذلك فأنت تصمت على عشرات من الجوانتانامو المتفرقة في قلب العروبة؟ عليك إذن أن تعيد النظر في حبك، فهو كراهية ولو ظنها البلهاء غزَلا صامتا!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج
Taeralshmal@gmail.com

رسالة مفتوحة إلى فيصل القاسم

أوسلو في 10 يونيو 2008

الاستماع والمشاهدة
http://www.youtube.com/watch?v=xnjgkPQ56UU

مَرَّ تقريباً شهرٌ ونصفُ الشهرِ علىَ الثلاثاءِ الأسّوَد الذي اصطدتني فيه، وحاولتَ احراقي واغتيالي على الهواء، ثم سعيتَ إلى دفني في نهاية الحلقة، في رسالة واضحة وصريحة لكل أجهزة القمع والقهر في العالم العربي بأنك أديّتَ إليهم خدمة ستكون لصالحك في أعناقهم، أفرادا ومجتمعين.
أعترفُ لك بأن الأسبوعين الأوليّن بعد جريمة برنامجك مَرّا كأن جبلا من الحزن والهَمِّ والغضب كان يضغط على قفصي الصدري، ومن عادتي أن أجد لمن يُسيء إلى مِنْ عذرٍ واحدٍ إلى سبعين عذرا، أما في الثلاثاء الأسود فلم أعثر لك إلا على سبعين ذنبا لا يستطيع الزمن أن يُحَرّكها من مكانها قيد شعرة.
أستعيد كل دقائق اليوم المشؤوم، فتزداد علاماتُ الاستفهام أضعافا مضاعفة!
كيف تحوّلتَ من شخص وديع قبل البرنامج إلى مساعد أول طاغية أو جلاد لمستبد أو مفترس لصالح سيد القصر؟
كأنك ذاكرتَ الدرس مئات المرات، وحفظته عن ظهر قلب، وتم اجراء امتحان في جهاز أمن الدولة عن كيفية ارباك ضيفك، وقطع حديثه، واقتطاع كلمات في نهايات الجمل الاستئنافية قبل أن يكملها، والاستهزاء به، والسخرية مما لديه، وحجب أي فرصة على توثيق وإذاعة معلومات وبيانات وأسماء و ....
أتذكر تعبيرات وجهك بعد البرنامج وأنت تريد إيصال رسالة أمامي ليسمعها اللواء .. الضيف الآخر، وكأنها شهادة وفاة لينقلها عنك إليهم، حيث استلقوا جميعا على ظهورهم، في مكاتب الاستخبارات، ضحكا وفرحا وغبطة من مصر إلى ليبيا، ومن تونس إلى الأردن، ومن سورية إلى العراق، ومن السودان إلى الجزائر، فقد ضمنتَ لنفسك قاعات كبار الزوار، ونياشين تستقبلك، ونجوما تتراقص فوق أكتاف مضيفيك.
ولكن كيف كانت ليلتك الأولى بعد عودتك إلى فراشك الدافيء في عاصمة المصالحة اللبنانية؟
ألم يقرعك ضميرُك؟
ألم يؤنّبك ولو للحظات خاطفة عن عملية بيع إعلامي زميل على الهواء؟
المفاجأة التي لم تكن أنت تتوقعها جاءت من هؤلاء الأشراف، وحتى ممن يلمسون الشرف بأطراف ضمائرهم، فقد غضبوا عليك، ونزعوا ثقتهم عنك، ورأى كثيرون منهم أنك كنت كمن أخطأ الرصاصة فلم يقتل ضيفه، لكنه أصاب ( الاتجاه المعاكس)، فأعطوك ظهورهم، وتغيرت ملامحك في أذهانهم وفي مخيلاتهم.
كيف طاوعتك نفسك أن تختار زميلا لك، وتمارس معه أمام الملايين ما يفعله ضابط الأمن ومرشد السلطة وسجّان الرأي، فتقطع لساني ثم تطلب مني الحديث، وتكتم فمي لتصيح مستهزئا بأن ضيفك صَكَّ وجهه، وتلعثم لسانه، وفقد القدرة على الحديث؟
أين كانت أخلاق الإعلامي المتمرس، والمثقف المستنير، خاصة وأنك لا تحتاج لمزيد من المال أو السلطة أو الحماية، ولا يقترب منك سوط، ولا يتوعدك كرباج، ولا تتهددك قائمة بالمترقب وصولهم إلى مطار بلد عربي؟
بقدر ما كان جبل الحزن وجلد الذات والغضب عاليا وثقيلا، بقدر ما فتحتَ لي كوة صغيرة، كبرت مع الوقت لتستخرج تحديات كانت كامنة داخلي، وأفكارا لم تدر بذهني، واصرارا أن الهزيمة بداية الوقوف من جديد.
وانتهيت من عدد جديد من (طائر الشمال)، وخرجتُ إلى فضائية في بلجيكا أتحدث عن السجون والمعتقلات، وفتحتُ لنفسي نافذة على النت في شرائط مصورة لتكملة رسالتي عن عالم الأبرياء المنسيين والمختفين والمعذبين في أقبية تحت الأرض (التي تتكلم عربي)!
وفي ذهني عشرات من الأفكار التي تتزاحم لتفوز كل منها بالخروج إلى النور، وتعافيت تماما من الثلاثاء الأسود، لكن حيرتي عن رد فعل ضميرك لا تزال كما هي.
صحيح أن الوجع كان شديدا ومحرجا لأحبابي وأصدقائي ومعارفي وأهلي.
وصحيح أن البعض عاتبني عتابا شديدا، وبعض البعض تهكّم وسَخَرَ، واعتبر الحلقةَ اختبارا يرسب فيه من لا يصيح، ويقاطع الآخر، ويسابق لسانُه فكرَه، وتلوّح قبضة يده في الهواء، ويهددك بالانسحاب على الهواء.
لكن سعادتي كانت تحملها مفاجأة المفاجآت، فقد تلقيت رسائل دعم ومحبة وتعاطف وتأييد، رغم أدائي الذي قارب الصفر أو أدنى، فلم تكن لتنطلي عملية الذبح البارعة على أكثر مشاهديك، بل ومحبيك أيضا.
اتصل بي مثقف كبير، وسياسي محنك قائلا: أمْا أن الدكتور فيصل القاسم باعك على الهواء، فهذا لا يشك فيه حتى من يملك من الفكر ذرة، ومن الفهم أقل منها!
لكن لمصلحة مَنْ قام بعملية البيع والقتل والحرق، بل والدفن التي أعلنها في نهاية الحلقة، فذلك ما لم يحط به صديقي علما؟
اكتشفت عالما رائعا وجميلا من المحبين الطيبين الذين ناصروني، وساندوني، وشدّوا من أزري، ومنحوني كلمات دافئة لو أنك، المنتصر، تلقيتَ قليلا منها لأسعَدَتْك ما بقيّ لك مِنْ عُمْر.
هل تصدق أنني لم أشاهد (الجزيرة) بعد عودتي إلا كلمح البصر أو أقل، فحتى شعارها اختلط في ذهني بالثلاثاء الكاذب، والغريب أن كثيرين أبلغوني أنها نفس مشاعرهم، وأنهم لم يعودوا قادرين على تصديقك.
لم أتمكن من الاجابة على سؤال متكرر طرحه كثيرون: لماذا ظهر الدكتور فيصل القاسم بعد أقل من خمس دقائق كأنه يحمل لك كراهية دفينة، أو كأنه يتوعدك بمصير لا يختلف عن مصير كل من جئت تدافع عنه؟
ترى هل سيأتي الوقت الذي يجبرك فيه ضميرك، ربما في لحظات نادرة من السمو الروحي، أن تقف في اتجاهك المعاكس، وتعتذر عن تلك الجريمة، ولا تأخذك العزة بالإثم؟
بين الحين والآخر، ولو طال الزمن، وعندما أشعر أن الجريمة في طيّ النسيان، ساقوم بتذكيرك مطاردا ضميرك وأخلاقك لعلها تصادف مِرّة واحدة أسمى قيم الحياة .. الاعتذار عن أم الجرائم، عندها قد أسامحك. أما الثلاثاء الكاذب فغير قابل للنسيان!


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج

فيصل القاسم يعلن وفاتي في الثلاثاء الأسود

أوسلو في الأول من مايو 2008

كل الذين يحبونني قاموا بتحذيري، فالمشهد أكثر وضوحا من أنياب أي سجّان عربي، والايقاع بي على الهواء مباشرة وأمام الملايين أمر في غاية الأهمية للذئاب التي تنهش في لحم المواطن العربي.
لكنني لم أستجب، وظننت أن ثلاثين عاما من عمر مناهضتي العلنية لأنظمة البؤس والفساد والطغيان كانت كافية لجعل لساني ينطلق في الشاشة الصغيرة، وتغضب معه الجماهير.
بكيت عدة مرات وأنا أقرأ، وأكتب، وأعدّ وثائق تدين كلاب البشر التي تفترسنا، لكن المسرحية كانت مُعَدّة بحِرَفيّة شديدة بدت فيها مهارة معظم أجهزة الاستخبارات مشتركة بنسب متفاوتة.
قيل لي في مطار الدوحة بأن الدكتور فيصل القاسم ينتظرك على أحرّ من الجمر، وقيل لي بأنهم لن يبُلغوا الضيف الآخر، مساعد وزير الداخلية المصري بشخصيتي قبل مساء الاثنين، ولكن هذا لم يكن صحيحا.
في غرفة الانتظار وقبل وصول اللواء مجدي البسيوني كنت فعلا قد وقعت في المصيدة قبل الخروج على الهواء.
انتحى بي المذيع الأكثر شهرة في عالم الإعلام وطلب مني أن أهاجم منذ اللحظة الأولى، وأنه يتعاطف معي من أجل الأبرياء الذين أهينت آدميتهم على أيدي الجلاوزة والسفاحين، وسيعطيني الكلمة، وسيمنحني الوقت، وسأقرأ أسماء المعتقلات والسجون وطرق وأساليب التعذيب، وسيسمع مني الملايين حكايات موثّقة عن منهجية التعذيب وأنها توجيهات دولة ورغبة سلطة.
وطلب أيضا التركيز على المعتقلات السورية، وتعجبت كثيرا فهو سوري لا يقترب قليلا أو كثيرا من عش الدبابير في دمشق، لكنني كنت قد انتهيت باعطاء التحليل العقلي عطلة صغيرة رغم أن الدلائل كلها تشير بمؤامرة محبوكة.
لم تكن تلك المرّة التى يطلبني فيها ( الاتجاه المعاكس )، وكنا نختلف فلا يقومون بدعوتي، وفي احدى المرات اختلفنا فقد تم الطلب مني أن أتحدث عن التآمر العربي ، خاصة من الكويت، واستوعبت آنئذ التحذير الذاتي من المصيدة فقد كان المطلوب رأس الكويت، لكن بصمات أكثر وزراء الداخلية العرب كانت هذه المرة تعتمد الحلقة، وتعد آلات الجلد على الهواء مباشرة، وفيصل القاسم يقوم بدوره الذي سيجعل اسمه خالدا ومرسوما على سياط الجلادين في التاريخ العربي المعاصر.
جاء اللواء مجدي البسيوني، وأعطى فيصل القاسم كيسا صغيرا فيه بعض الأدوية التي طلب منه شراءها من القاهرة قبل الوصول.
لم أكن مضطربا بالمرة في غرفة الاستقبال، فلقد ذاكرت كثيرا، وعملت مذيعا لأربع سنوات، وألقيت مرة كلمة في بغداد أمام مئات من قياديي الفكر في العالم العربي عن السلطة والصحافة، وقيل لي آنئذ بأنها أخطر كلمة استمع إليها الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وجعلتني لا أسافر إلى العراق بعدها أبدا.


قبل بدء البرنامج بدا لي الدكتور فيصل القاسم كأنه سيفتح لي الشاشة الصغيرة على مصراعيها، ويمنحني الفرصة، ويزيل أي وقفات غير متوقعة يتردد أمامها لساني لثانية أو أقل.
في مثل هذا الوقت، أي في 26 ابريل 2005 كان فيصل القاسم يعتذر عن استضافتي في برنامجه وكان عن العصيان المدني في مصر بعدما تم الاستعداد الكامل له، وقال لي بعدها بأن أوامر وصلته فجأة من كبير الكبار أن لا يثير حاكم مصر فهو خط أحمر لا يقترب منه أحد..
الرابع من مايو يقترب، وإسراء عبد الفتاح تعلمت الدرس، ومناهضو الطاغية منهم من حكم القضاء العسكري عليه، ومنهم من تم التنكيل به في الشارع، ومنهم من ينتظر ...
أجهزة الأمن في العالم تنتظر هي أيضا بصبر نافد جلدي وتحجيمي وتقزيمي في خمس وخمسين دقيقة على مشهد من الملايين، أما الاتفاق مع الضيف الآخر فلم يكن له أن يظهر إلا بعد بدء البرنامج. كان الرجل هادئا ويبدو كأنه لا يستطيع أن يؤذي عصفورا، وما عليه إلا أن ينفي وجود التعذيب، والمعتقلات، ومركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب، وعلى فيصل القاسم أن يقوم بالمهمة كاملة.
قال لي قبلها بأنه رفض مئات العروض لمكالمات هاتفية مباشرة، لكن شخصا واحدا فقط سيتحدث، وتعجبت، وسألني عقلني إن كان المتحدث سيشير فقط إلى الكويت حتى أخوض أنا أيضا في هذا الموضوع، ولكنني كنت قد سقطت تماما في المصيدة، وأحاطت بي حسن النية كأنني لم أختبر الحياة من قبل، وأنا الذي أعيش في خطر، ولا أستطيع أن أسافر إلى ثلثي العالم العربي، وروحي أحملها أينما حللت.
سيعاتبني أحبابي ويسألون بدهشة: ما الذي ألجمك وقد بدأتَ بداية موفّقة، وكنتَ مستعدا، وأمامك ما لو أشرت إلى بعضه لأهتزت الملايين بكاء؟
تحوّل فيصل القاسم في دقائق قليلة إلى الجانب الآخر، واستبدل دكتور جيكل ومستر هايد مكانيهما، ووجدت نفسي أمام ضابطي شرطة وليس ضابطا واحدا.
كان فيصل القاسم قد استخرج شراسة لم أتبينها من قبل، وأعطاني ظهره، ومنح أذنيه للآخر، ولم أعد قادرا على تكملة جملة واحدة، وتهكم على ما أمامي، فالبرنامج ليس حوارا ولكنه صياح، والذي يديره لا مانع لديه أن يحوله إلى سلخانة شرطة، فالأسياد ينتظرون على الباب، و( الاتجاه المعاكس ) يمكن أن يراه كل السجناء في أقبية السجون العربية ، وربما بطلب مباشر من سجّانيهم.
كيف وقعت في المصيدة؟
كان هذا السؤال مطروحا من الذين يعرفون قدرتي على التعبير، وسهولة استدعاء الكلمات، وعدم رهبتي من الميكرفون، وكَمّ المعلومات المخلوطة بقناعة عقلية ووجدانية بالقضية التي أدافع فيها عن المساكين والمظلومين.
فيصل القاسم يتعجل نهاية البرنامج، ليرفع يَدَ السجّان في نهاية المباراة ويعلن فوز السجن وحبل المشنقة وكلاب الافتراس ورغبات الطغاة.
يأخذ نهاية الكلمة من أي جملة أبدأ بها ثم يجعلها موضع سخرية، فأي شخص وفقا لرأيه يستطيع ان يقول في الشارع أن السجون مليئة بالمعتقلين.
تحوّل الحَمَل الوديع قبل البرنامج إلى ذئب مفترس، وأخلف فيصل القاسم تعهده معي، وجعل يعطي أذنيه لضابط امن يحدثه عن أنواع المجرمين في السجون.
لم يبلغوا اللواء مجدي البسيوني أن الحلقة عن العالم العربي فقد جاء باتفاق مسبق بينهم وبين أجهزة القمع في مصر، وفيصل القاسم يطلب مني أن أتحدث عن السجون السورية، فإذا تم تقزيمي فقد رضوا عنه في دمشق، وفتحت له أجهزة الاستخبارات القاعة الذهبية لكبار الزوار.
حتى الأطفال الصغار الذين شاهدوا البرنامج فهموا على قدر عقولهم أنني أمام مذيع غير مهذّب على الاطلاق، ومحترف شتائم مبطنة، ومهيّجا للجماهير، وسوطا للاستبداد يجلد به على العلن من يناهض الطغاة.
نجح السجّانان نجاحا باهرا، وأعلن القاسم في نهاية البرنامج على غير العادة طوال سنوات بأن مبعوث الطاغية كسب كل الجولات، وكاد يرفع علامة النصر ويبصق في وجوه كل أحبابي والمتعاطفين والمؤمنين باخلاص وعودي تجاه السجناء والمغيبّين في عالم النسيان .. جحيم السلطات العربية.
أحاول أن أجلد ذاتي منذ مساء الثلاثاء الأسود،وأحلل كل كلمة، وأعود بأثر رجعي إلى بداية المؤامرة، ويا لغبائي فقد كانت كل الطرق تشير بوضوح إلى المسرحية، وأن فيصل القاسم لعب أهم أدواره على الشاشة في أقل من ساعة.
ماذا حدث لي؟
أين ذهب لساني وغضبي؟
لماذا لم أغادر الاستديو، أو أطلب منه أن يسمعني ولا يقاطعني؟
كان شرسا، وفظا غليظا بعد البرنامج، وخرجت منه كمية هائلة من الكراهية، واتهمني في تكملة مسرحيته بأنني قمت بتخريب برنامجه، وطلب مني، كأن الطلب ليس بلسانه، أن لا أقبل دعوة أيّ فضائية عربية للحديث.
انكشفت الأنياب، وقام بتهنئة اللواء مجدي البسيوني أمامي في الغرفة التي شهدته قبل ساعة ملاكا طيبا ووديعا، وباكيا على سجناء الضمير، وقال له: لقد كنت رائعا سواء اختلفت معك أمْ اتفقت.
لماذا لم أعلن على ملايين المشاهدين أنني وقعت في المصيدة، وأنْسَحب حفاظا على صورتي في أذهان الذين دافعت عن حرياتهم لأكثر من ثلاثة عقود؟
كان المطلوب أن لا تهتز صورتي أمام الناس فقط ولكن أمام نفسي وقناعاتي ونداءاتي المتكررة للعصيان المدني والانتفاضة ضد الطغاة،
طلب مني قبلها أن لا أكون مثل الدكتور منصف المرزوقي ، قلت له ولكنه رجل رائع وأعرفه شخصيا، وشاهدته بطلا في مؤتمر ( الكراهية )، ولم أعرض الأمر على عقلي الذي كان غائبا آنئذ في رحلة الفرح بأنني سأعرض هموم وأوجاع وعذابات المواطن العربي الذي تعتبره السلطة ممن يمشي على بطنه أو على أربع.
أعيد المشهد في ذهني فلا أرى نفسي فيه، وأعيده على ملايين المشاهدين فيرون صديقهم ممزقا على الهواء، وضابطا الشرطة، ممثل السلطة في مصر، وممثل الطغاة في الجزيرة، يضحكان حتى الثمالة، فقد نجحت المسرحية أكثر مما نجحوا في 18 يوما مع إسراء عبد الفتاح.
لكنني عاهدت نفسي أمام الله أن أقف مرة ثانية وعاشرة ولآخر رمق في عمري فأنا صاحب قضية وهم أصحاب السلطة، وسنرى من الذي يضحك في النهاية، ومن الذي ستعرف الجماهير بحدسها أنه الأقرب إليها.
أعتذر لكل الذين صدمهم ثلاثائي الأسود، وكانوا يتوقعون مني خيرا وصياحا وزعيقا ومقاطعة المتحدث الآخر لأشرح وأعرض عذابات وأوجاع ودموع السجناء وأهلهم في أقل من عشرين دقيقة هي عمر لساني خلال الدقائق المحسوبة متقاسمة معنا نحن الثلاثة.
هل أجلد نفسي أكثر من هذا، أم أستمر في جلدهم؟
هل يحتفلون بخسارتي وانكساري وهزيمتي وموتي، أم أقف من جديد فالجولة النهائية لم تحسم بعد؟
لم يجبرونني على الوقوع في المصيدة، لكنني ذهبت إليها بنفسي، وضربت بعُرض الحائط كل خبراتي السابقة، وأنحيت التحليل العقلاني والمنطقي جانبا، وغضضت الطرف عما كتبه الآخرون عن ( الاتجاه المعاكس)، ولكن الأحرار لم يصفقوا لفيصل القاسم وضيفه ضابط الأمن والسجان، إنما أحزنهم مَنْ لعب الدور الذي لعبته أنا دون أن أسأل عن مخرج المسرحية !
هي الضربة القاضية كما يظنون، وهو الدرس الأغلى سعرا في حياتي كما أراه.
مرة أخرى، أقدم اعتذاري الصادق والعميق لكل أحبابي والمؤمنين بقلمي، فقد خذلتهم، فجلدت نفسي بعدها بما فيه الكفاية.
إنهم يعلنون وفاتي، وأنا أعلن مولدي الجديد.

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير طائر الشمال
أوسلو النرويج
Taeralshmal@gmail.com

بعد اطاحة الطاغية مبارك .. البيان رقم واحد

أشعر برعشة غريبة كأنها خليط من مشاعر الحب، ومتعة الاحساس بالحرية، وبهجة ازالة كابوس من فوق الصدر، وغبطة الإيمان، وسعادة الرضا النفسي.
نساء يسرن مع أطفالهن في شوارع مصر التي كانت إلى وقت قريب تلطم وجهها وتقول عجوز عقيم. وزغاريد فرح في كل حارة وزقاق وعلى كل ناصية. سيارات تجوب الشوارع، ويطل منها شبان يرفعون علَما مصريا كأنه لا يرفرف، ولكن يبتسم، بل لعلي أراه يضحك.
أخيرا احتفلت مصر بعيد الأعياد.
هل تسمحون لي أن أكتب مسودة البيان رقم واحد و القابل للتعديل والتنقيح والاضافة والحذف، ليخرج يوم تحرير مصر من القتلة والمجرمين فتسمعه أذن المصري كأنه كلمات تهنئة يقولها كل منا لأخيه في الوطن؟
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها المواطنون الأحرار،
شهد اليوم نهاية عصر واحد من أعتى الطواغيت الذين حكموا أرض الكنانة، أذاق خلالها شعبَنا الكريمَ مرارة العذاب، وفتح السجون والمعتقلات للابرياء، ومنح الفساد كل الدعم والمؤازرة، وقرّب إليه اللصوص وناهبي خيرات الشعب، واحتقر السلطتين التشريعية والقضائية، وأعطى أجهزة الأمن ضوءا أخضر للمارسة كل صنوف السادية والاهانة والاذلال.
نهاية عصر تراجعت فيه مصرنا على كل المستويات، وتقزّم دورها، وأصبحت تابعة لقوى الشر المتربصة بشعبنا وبأشقائنا.
جرائم الطاغية السابق حسني مبارك تحتاج إلى محكمة عادلة يفتح فيها القضاء النزيه ملفات تجعل مبارك في مقدمة أقسى طغاة العصر، وأشدهم استهانة وازدراء لمصر.
اليوم نقول للعالم كله بأن المصري قادر على أن يحرر وطنه دون الاستعانة بأي قوى خارجية، وأن نفس المصري قادر أيضا، بإذن الله، على اعادة بناء بلده التي دمرها الطاغية، وأننا سنلحق بركب التقدم والديمقراطية.
لأن الخسائر كانت على مدى أكثر من ربع قرن كبيرة، وأن مصر لا تتحمل صراعات حزبية او طائفية أو دينية أو فتنة أو مزايدة من فئة على أخرى بأن لها الفضل في نجاح الثورة المباركة نعلن المباديء العشرين التي نسعى لتحقيقها.
أولا: العفو التام عن كل من وقف مع ثورتنا وكان مضطرا في العهد البائد لطاعة الطاغية مبارك، ويستثنى من العفو كل من اشترك في تعذيب مواطن أدى إلى الموت أو عاهة مستديمة.
ثانيا: نظامنا قائم على الاستعانة بالعقول المستنيرة والعلماء والباحثين والمفكرين والاقتصاديين، وأن أي تجربة ناجحة في أي مكان تصبح بالتالي جزءا من نظامنا، نستعين بها شريطة أن لا تصطدم مع مصالح مصر أو عقيدتها أو تراثنا أو عاداتنا الاجتماعية.
ثالثا: لا تقدم بدون تعديل الدستور والقوانين المقيدة للتطور، وهذا يستدعي ورشة عمل ضخمة يشترك فيها مئات المثقفين والقضاة والمستشارين والعلماء والباحثين والأكاديميين وكذلك أبناء مصر في الخارج الذين أتيحت لهم الفرص للاطلاع على أوجه التقدم وسنستبدل بالقوانين المتخلفة قوانين جديدة سهلة وسلسة وعادلة ومنصفة ومرتبطة بأحدث طرق التقدم في كل مناحي الحياة اليومية .. البريد والمواصلات والتعليم والهواتف والنشر والأحكام والضرائب والاستهلاك وصناعة الدواء والمستشفيات والعلاج والتجنيد وطرق التعليم الحديثة والتربية المنزلية والمشروع القومي للقضاء على الأمية وكيفية وضع حد للأمراض الوبائية والعلاقة بين الموظف والمواطن وحقوق وواجبات المصري في كل مؤسسات الدولة والمساواة الكاملة بين أفراد الشعب وحقوق المصريين في الخارج والرقابة والعنوسة والثقافة وصناعة الموظف الجديد و ... آلاف من الهموم الحياتية اليومية التي تعرقل التقدم.
رابعا: إن مصر لأهلها مهما كانت العقيدة أو الأيديولوجية أو الفلسفة أو المذهب أو الطائفة أو أي انتماء آخر، وكل من يعيش على أرضها يتساوى مع الآخرين في كل الحقوق والواجبات، ونخص هنا العلاقات بين المسلمين والأقباط، وأي جهة خاصة أو رسمية تميّز بينهم في أي صورة من الصور ولو غير مباشرة تُعرّض نفسها لمساءلة قانونية.
خامسا: يظل التجنيد اجباريا ، ويتم البحث في نظام جديد لا يثقل كاهل الميزانية، ويجعل كل مصري مرتبطا بالجيش لثلاثة اسابيع في كل عام، ويتم بحث تجنيد الفتيات، وعرضه في استفتاء شعبي. كما تقام في مصر صناعة اسلحة متقدمة .
سادسا: رئيس الجمهورية يتولى المنصب لسبع سنوات غير قابلة للتجديد تحت أي ظرف.
سابعا: السلطة القضائية لا معقب لحكمها، وليس من حق أي جهة أمنية اقتياد الذي برأته المحكمة إلى مكان آخر، ويتم تعويضه ماديا بما يحدده القاضي.
ثامنا: الصحافة حرة وملتزمة أدبيا وأخلاقيا بالحقائق، وأن يكون لديها الشهود والأسماء والتواريخ، وتراخيص الصحف ينبغي أن تكون سهلة، والإعلاميون خط دفاع عن المجتمع، يبين سلبياته ومواضع الخلل، وتحميهم الدولة، وتضمن لكل إعلامي مسكنه ومأكله ومشربه ومأمنه وكرامته وحريته.
تاسعا: الغاء نظام الانتخابات في الدوائر فهو يأتي بكثير من الوصوليين وفي صفقات مصالح مشتركة ويحجب أصحاب الكفاءات ممن لا يملكون المال اللازم للحملة الانتخابية. والانتخاب سيكون الكترونيا والحملات في الاذاعة والتلفزيون والانترنيت، ومصر كلها دائرة انتخابية واحدة.
عاشرا: تلتزم مصر بكل الاتفاقات الدولية، وأنها ليست في حالة حرب، وأنها صاحبة القرار السيادي في البيع والشراء والأسعار والعملة والبترول وقناة السويس، والسياحة يتم تنقيتها من الاستغلال وتشويه سمعة مصر، وممنوع فتح المجال الجوي أو البحري أو الأرضي لضرب دولة عربية، مالم تقم باحتلال دولة عربية أخرى، وأي قواعد عسكرية أو وجود أجنبي يخالف الدستور.
حادي عشر: مصر دولة عربية وقُطر في أمة عربية واحدة، والدين الرسمي هو الإسلام لكنه لا يمنح المسلم أي حقوق تزيد عن حقوق غير المسلم مهما صغرت ، ولا يمنح أحدا حقا في قمع الفكر والرأي المخالف والاجتهاد، ولا تقبل المحاكم رفع دعاوى ضد الرأي الآخر ما لم يكن طلبا صريحا للاستعانة بدولة أجنبية ضد المصالح المصرية.
ثاني عشر: القضاء على الأمية مشروع قومي تتعهد الحكومة بتنفيذه في مدة أقصاها أربع سنوات يكون فيها كل من لم يبلغ الخامسة والخمسين قد تعلم القراءة والكتابة، ويتحمل المسؤولية الأقربون من الدرجة الأولى الذين يجيدون القراءة والكتابة.
ثالث عشر: البيروقراطية التي يحميها الموظف الخائف تعود إليها معظم أسباب التأخر، لذا فإن تغيير القوانين المتخلفة والبدائية والمعرقلة للتقدم يظل عملا يوميا على كل المستويات، وفي كل مؤسسات الدولة الخاصة والحكومية.
رابع عشر: يتم وضع ضوابط لنظام علاج الطفل مجانا حتى سن العاشرة ، وتتحمل الدولةُ العبءَ وتسديد النفقات للأطباء والمستشفيات.
خامس عشر: كبح جماح الغلاء وجشع التجار والاستغلال الذي يتعرض له المواطنون مسؤولية يتحملها رئيس الدولة، والخبز يتوفر للجميع بسعر لا يمثل حِمْلا زائدا.
سادس عشر: اعادة النظر في مفهوم العلاقة مع الدين، فالدين ليس فقط عبادة الله، ولكنه خلق سعادة للمواطن، وتجفيف منابع الغش والاستغلال والمخدرات والبطالة والاهمال، ورجال الدين هم رجال دنيا أيضا ويجب أن يصالحوا العصر، ويعيشوا مع المواطن في حياته اليومية ومشاكلة وأزماته.
خامس عشر: كبح جماح الغلاء وجشع التجار والاستغلال الذي يتعرض له المواطنون مسؤولية يتحملها رئيس الدولة، والخبز يتوفر للجميع بسعر لا يمثل حملا زائدا.
سادس عشر: المواطن المصري حر في مغادرة البلاد في أي وقت والعودة إليها كما يشاء، ولا تمنعه أي جهة من حضور ملتقى أو اجتماع ما لم يكن مطلوبا للقضاء أو متهربا من حُكم محكمة. وتفتيش البيوت بأمر نيابي، ويعيد من يقوم بالتفتيش كل الأشياء إلى مواضعها، ولا يتم اصطحاب أي متهم أمام الجيران والأهل إلا بصورة كريمة، ولا توضع القيود في غير حالة الخوف من الهروب أو استخدام العنف.
سابع عشر: مفتي الجمهورية هو الجهة الوحيدة المخوّل لها اصدار فتاوى، أما الفتاوى في الصحف والمجلات والدوريات والفضائيات والانترنيت، والفتاوى القادمة من خارج مصر، ومن جمعيات دينية ومذهبية ولو كانت معتمدة من سلطات البلد الآخر فهي مجرد آراء لا يتم الترويج لها في وسائل الاعلام المصرية، ولا تحتج بها أي جهة، ولا يعتمد عليها قضاء أو شهادة أو حُكم محكمة.
ثامن عشر: اللغة العربية هي اللغة المعتمدة رسميا في الدولة، وينبغي الاهتمام بها ورعايتها، وأن يتحدث ضيوف القنوات التلفزيونية المصرية باللغة الفصحى، ما أمكنهم، وكل مقدمي البرامج المصريين يتحدثون الفصحى فقط، وتضاعف الدولة الاهتمام بها، ويتم عقد امتحان في اللغة العربية في كل مراحل الدراسة وحتى التخرج النهائي، وموظفو الدولة مطالبون باجادتها قراءة وكتابة، والكتاب رديف التقدم، ومن لا يقرأ من موظفي الدولة ولا يهتم بالثقافة والكتاب قد يتعرض للنقل أو تأخر الترقية.
تاسع عشر: رئيس الجمهورية مسؤول مسؤولية تامة عن اعتماد كل براءات الاختراع، والأفكار الابداعية في أي مجال يجب الاهتمام بها، وتضاعف الدولة الانفاق على البحث العلمي، ومنظمات حقوق الانسان تعمل في أي مكان في مصر ويتم نشر تقاريرها، ويسمح لأفرادها دون ترخيص بزيارة السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة وأمن الدولة والتحقق من أي اهانة لكرامة المواطن، ويسمح لها بالتصوير والتسجيل والاستعانة بالتلفزيون ووسائل الاعلام الأخرى.
العشرون: كل ما نشرته الصحف والدوريات والفصليات والمجلات من مشاكل وأزمات واستغاثات وفساد وانتهاكات لحقوق الانسان ونهب وسرقة وقوانين ظالمة وتجاوزات وجرائم وغيرها في ربع قرن، يتم اعادة تنظيمها، والتحقق من صحتها، وتوزيعها على الجهات المسؤولة، ويقوم رئيس الدولة بتحمل مسؤوليته بمتابعتها.
رئيس الدولة هو الشخص المسؤول أمام الشعب عن أي تجاوزات أو مشاكل أو ما يثقل كاهل المواطن، فهو الذي يقوم بتعيين رئيس الوزراء، والمحافظين، والمسؤولين الكبار، وينبغي أن يتحقق فورا وفي نفس اليوم من شرف ونزاهة أي مسؤول تنشر عنه الصحف أنه لم يؤد مهامه كما ينبغي.
رئيس الدولة لا يتهرب من مسؤولياته، ويرفض النفاق والتزلف والتأهيل والتلميع، ويتابع الصحافة بنفسه، ومساعدوه ليسوا لمنع المتظلمين من الوصول إليه، وله حديث أسبوعي تلفزيوني وإذاعي يبسط فيه كشف حساب كامل لكل أيام الأسبوع، ولا يحضر الحفلات إلا للضرورة القصوى، ويتابع بنفسه الحركة الثقافية والفنية والأدبية والإعلامية، ومسؤول عن انخفاض قيمة العملة، ومطالب بشرح أسباب اختياره لأي مسؤول كبير، والأمن في مصر مسؤوليته الكاملة، وممنوع تسريح المسجلين خطرين لأي سبب حتى يتأكد الأمن أنهم لا يمثلون خطرا على المواطن أو النساء أو الأطفال، والاغتصاب جريمة لا تحتمل التأخير القضائي، وحماية الطفل مهمة كل فرد في المجتمع، والمرأة نصف المجتمع لها من الحقوق وعليها من الواجبات تماما مثل الرجل، ويجب وضع قواعد صارمة للمرور وتخفيض الحوادث إلى الحد الأدنى، وإعادة رسم قواعد التصدير والاستيراد بما يمنع الاحتكار، ويجب ابعاد كل المشبوهين في موانيء مصر، وتجديد شركة الطيران الوطنية، وحماية آثار مصر بوضع قواعد مشددة تمنع التهريب والسرقة، واعادة الاعتبار للأمانة والعمل الجاد واحتقار وازدراء الرشوة والمحسوبية والواسطة، وتجميل مطار القاهرة الدولي ليصبح واجهة مشرفة للوطن، ومنع استقبال أي شخص استقبالا خاصا ما لم يكن ضيفا على الدولة، وإعادة النظر في كل طلبات العاملين في القنوات الفضائية الذين لهم أقارب، ليتم تعيينهم من جديد وفقا للكفاءة، واطلاق مشروعات قومية للنظافة وحماية الشعب من التلوث، وتجريم دفن أي مواد ضارة، وأن يحصل على ترخيص كتابي كل من يستخدم مواد لتحسين الزراعة، وأن يتم تحليل مياه الشرب مرة كل ثلاثة أيام في كل منابعها وتعلن وسائل الاعلام خلوها من التلوث وصلاحيتها للشرب، وتجارة المخدرات تتساوى مع الخيانة العظمى للوطن.
أيها الاخوة المواطنون،
تلك على عجل بعض المباديء التي تلتزم بها ثورتنا المباركة، وبناء مصر الجديدة الجميلة القوية والحرة والمستقلة مهمتنا جميعا، وثقافة التسامح هدفنا، ومجتمع آمن أقصى أمانينا، وتسليم مهام القيادة في كل مؤسسات الدولة، الخاصة والحكومية، لأصحاب الكفاءات العبقرية والمبدعة والشرفاء مسؤولية لو أخل بها رئيس الدولة تصبح طاعته غير واجبة على المصريين.
إن مصر تنتعش من جديد، وتعيد بناء ما دمرته الأيدي الحاقدة والفاسدة وخادمو الطاغية ومتزلفوه، وتصنع من الآن زمنا جميلا، ونتعهد أمام الله وأمام أجيال لاحقة بأننا سنجعل من هذا البلد الطيب الكريم نموذجا لدولة عصرية آمنة ومتسامحة ومتقدمة.
والله أكبر والعزة للمصريين.

دعوة لتحريض الإخوان المسلمين ضد المرشد العام

أوسلو في 23 ابريل 2008

يخطيء من يظن بأن الإسلام دينُ الطاعة العمياء لكل من يتولى القيادةَ أو الزعامة، فصناعةُ العبودية المختارة هي مهمة الطغاة، أما الأحرار فيصنعهم دين جعل التكليف في الدنيا مرتبطا ارتباطا وثيقا بأسمى مشاعر العبودية للخالق، والتحرر من المخلوق.
الأمر ليس لغزا يحتفظ بسره فضيلة المرشد العام، وليس خطة تم وضعها لعلها تخرج إلى الجهر والتحقيق بعد عقود أو قرون طويلة.
إن الخطأ الذي ترتكبه قيادة الإخوان المسلمين هي أنها تخلط لعبة السياسة مع مطالب الجماهير، وتناست أن أعضاء الجماعة أيضا هُم من الشعب، وأكثرهم تضرر من حكم مبارك، وعشرات الآلاف منهم ينتظرون على دموع لا تتوقف عودة العائل أو الأخ أو الأب أو الشقيق من سجون البغيّ والظلم والفساد.
القائد المُحَنّك والذكي هو الذي ينصت لنبضات أعضاء جماعته ولو كان يفصله عنهم سبعون ميلا، وكل القرائن والشواهد تشير إلى أن أعضاء الجماعة لم يعودوا مقتنعين بتلك المبررات التي تقول بأن الوقت غير مناسب، وأن فوضى قد تعم البلادَ بعد القضاء على الطاغية مبارك، وأن السلطة لن تهادن إنْف شعرت بأن أجلها لم تعد فيه غير ساعات معدودات.
المرشد العام للإخوان المسلمين أمام اختيار واحد وهو الانضمام للشعب المصري، فإذا كان الدكتور أيمن نور في زنزانة بعدما ظن إثر زيارته للمرشد العام أنه سيحميه ...
وإذا أمعنت السلطة الباغية في التعذيب والتحدي، وأصدرت أحكاما عسكرية على أعضاء من الجماعة في مقابل براءة لتجار الدم الفاسد..
وإذا استجدى المناضل مجدي أحمد حسين زميلَ النضال السيد محمد مهدي عاكف، ومع ذلك فالمرشد العام يرى أن مناهضة مبارك وازاحته من على صدورنا ليست مهمته، فيتم محاصرة المسجد، ويصرخ مئات من المعتصمين، ولكن المرشد العام للإخوان المسلمين يملك الكلمة العليا، ومفتاح السر، كما كان آية الله روح الله الخوميني يفعل، فيعلن على أعضاء جماعته بأن الوقت لم يَِحِنْ بعد، ويمكن أن نترك مبارك حتى تمتد طوابير الخبز من أسوان إلى الاسكندرية، ويتسول نصف أفراد الشعب، ويتحول النصف الآخر إلى مقيمين دائمين في أقبية سجون مبارك.
فإن الأمر يبدو أنه سيخرج عن طوع اللعبة السياسية إلى غضب المحرومين والمضطهَدين والمظلومين.
إذا أقنع فضيلةُ المرشد العام أبناء وبنات وزوجات وأمهات المعتقلين بأن هذا أمر الله، وأنه يرى المستقبل والفوضى في الانضمام للعصيان المدني، فإن المرشد هنا يكون قد أحرق أهم أوراق الاخوان المسلمين وهي الانضمام إلى الشعب.. أي الانحياز إلى الله.
إن مصر تغلي، ومصير كل بنات البلد لن يختلف عن مصير إسراء عبد الفتاح، أي اختطاف، ولنضرب رؤوسنا في الحائط.
أتي حين من الدهر كانت( وامعتصماه ) تحرك جبالا، وأما الآن فعشرون أو ثلاثون ألف معتقل تسمع صراخ تعذيبهم السماوات السبع ومن فيهن، ومع ذلك فالمرشد العام يرى أن الوقت غير مناسب، واذهبوا أنتم وربكم فقاتلوا إنا هاهنا قاعدون.
هل نفهم أن فضيلة المرشد العام يخشى أن يتم اعتقاله وضربه وتعذيبه إنْ هو وافق على العصيان المدني في 4 مايو؟
الإخوان المسلمون أمام التحدي الأكبر والنهائي قبيل سقوط تمثال حسني مبارك، إما أن تطمئن كل القوى الناصرية والقبطية والنسائية واليسارية والحرة والمستقلة والمفكرين وغيرهم أن الإخوان المسلمين هم مصريون قبل أي شيء آخر، وأن من أنحاز إلى الوطن كمن عبَدَ اللهَ في أجمل صور العبادة، أو أنْ يخسر الإخوان المسلمون ملايين المتعاطفين معهم أو المنخرطين بينهم، فالمرشد العام يقرأ المستقبل، ويرى أن زيادة جرعة عذابات السجناء والمعتقلين فيها ابتلاء وصبر وإيمان، أما هو فلن يقترب منه مبارك أو ابنه طالما عثر في الدين أو خارجه على تبريرات ( الوقت غير ملائم )، فهي الكلمة التي يرقص لها الطاغية، ويحتفل بها زبانية النظام.
خيار واحد أمام المرشد العام فلعبة السياسة قد تنقلب على الساحر، وإذا تمكن الإخوان المسلمون من الدخول في العصيان المدني بلغة التسامح، والمواطنة، وأن لا فرق بين مصري وآخر إلا بالكفاءة والشفافية والصدق، وأن الأقباط لا يختلفون في حقوق وواجبات المواطنة عن المسلمين ( بدون أي استثناءات مهما صغرت )، وأن الإخوان المسلمين سيحترمون العهود والمواثيق مع دول العالم ، وأنهم مع المصريين في صناعة زمن جميل، وديمقراطية وحرية واستقلال وكرامة مواطن، وأنهم ملتزمون بالبيان العالمي لحقوق الانسان، فإن الجماعة ستربح رضا الله، ومحبة الشعب، وتأييد الجماهير، وتعاطف حتى المختلفين عنهم دينيا.
أمام المرشد العام وقت قصير لينحاز إلى السماء، وينهي عصر الطاغية الشرس، ويعجّل في الافراج عن أعضاء وضعوا ثقتهم فيه ولم يخذلوه.
المرشد العام للإخوان المسلمين لا يمكن أن يكون مع الجانبين في نفس الوقت، إما الملائكة أو الشياطين.
المرشد العام يعرف أن كلمة واحدة منه قادرة على أن تنقذ أبناءه وأحبابه ومواطنيه وأناسا وضعوا كل الثقة فيه.
أما لو تعلل، ووضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صراخ المظلومين فلن يمر وقت طويل حتى يتدافع مئات الآلاف من الإخوان المسلمين منسحبين نهائيا من الجماعة للانضام إلى حزب لم يتأسس بعد .. إنه حزب يذوب عشقا في مصر.. إنهم أحباب إسراء عبد الفتاح.

بيانات العصيان المدني في 4 مايو والتعقيبات والأفكار على الموقع التالي
http://againstmoubarak.jeeran.com/ar.../4/202015.html


4 مايو .. نهاية طاغية في عامه الثمانين

الرابع من مايو 2008 يحتفل الرئيس مبارك مع أسرته وأولاده وأحفاده ورجاله بالعيد الثمانين!
ترى لو تحوّلتْ السلطةُ المطلقة إلى شيءٍ يمكن أن نتذوقه، فكيف يعبّر اللسان عنه؟

اليوم الأول في اكتمال العام الثمانين، وتبدأ الخطوات الأخيرة في رحلة العودة لما أطلق عليه الشاعر: وكل الذي فوق التراب تراب!

شريط طويل يمر أمام الرئيس فيشاهد تفاصيل لا يعرفها غيره، ويعيد القراءة من جديد، وقد يستعين بالضمير محاولا إيقاظه في سباق الصيحة الأخيرة قبل التوبة أو قبل رَكلِ كل قيّم الخير والحب والتسامح والأخلاق.

شريط طويل كان الرئيس مبارك فيه هو الآمر والناهي والحَكَم والخصم والجلاد والشيطان والملاك والقاتل والمحقق والسجّان ...

شريط طويل فيه ما تقشر له الأبدان، ويشيب من هوله شعر الجنين، وتتجمد من فزعه الأوصال، وتلتف من فواجعه الساق بالساق.

كان يملك مصر بين إصبعين من أصابعه، وتأتيه كلها خاضعة، خانعة، مطيعة، أو تأتيه مفعمة بأمل وإيمان وتفاؤل وصبر أم الحضارات، لكنه كان يملك كمية من الغرور والطاووسية والكراهية لشعبه وعشق الإذلال وغراماً بتعذيبه يحسده عليه إبليس ونسله.

في ستة وعشرين عاما مَرّ على سجونه ومعتقلاته ربع مليون مصري، وكان دائما يحتفظ بثلاثين أو أربعين ألفا منهم إمعانا في إذلال أهلهم، وحرمان أولادهم منهم. متعة في أسفل درجات الحقد والبغضاء، فتمر الأعوام، والسجين الذي لم يتم عرضه على القضاء يكبر أولاده في غيابه، وتبلل دموع أهله تلك الوجوه البريئة التي تنتظر غداً لا يأتي، وأملا لا يبرق، ودعاء لا يكتمل إلا بغضبة شعبية تأخرت سنوات طويلة.

مئات .. آلاف من حالات الانتهاك الجنسي، والتعذيب الجسدي، وحرق الأطراف، وادخال أسلاك كهربية في مواضع العفة من الرجال، فتتكدس التقارير على مكتبه، وتزداد بهجة تصوراته المريضة بمَشاهد أبناء بلده وهُم معلقون في سقف مكتب مأمور القسم، أو في ضحكات الشياطين من مخبرين وعساكر ومرشدين ومسجلين خطيرين، ينزعون ملابس من كرّمهم الله في الأرض، فرفض الرئيسُ تكريمَ الله للإنسان، وتحدّى العليَّ القديرَ أنْ يفعل بهم إبليس أكثر مما يفعل مبارك نفسه.

كان بارعا في اكتشاف اللصوص والنهابين والفاسدين والمجرمين وذوي الضمائر الميتة ليضعهم حوله في الوزارات والمؤسسات، ووضع ثروة وخيرات مصر بين أيديهم وايدي أبنائه، ونكث وعده بعدما عاهد الشعب أنْ لا تكون هناك ولاية ثالثة، فاستخف قومه في الولاية الخامسة.

كان كاذبا حتى النخاع، ويُعِدّ ابنه لأكثر من عشرين عاما ليرث عرش مصر، ويقف أمام شعبه مستخفا إياه، ومستحمرا ذكاءه، ليدعي أنه لم يفكر في أن يحكم جمال مبارك مصر من بعده.

جعل كل من حوله أصفارا متراصة، والشرطة التي كانت في خدمة الشعب أضحت في خدمته وأسرته، والجيش البطل .. جيش العبور يشاهد ضياع استقلال الوطن في أصغر قراراته، لكنه لا يتحرك.

كان عبقريا في اختيار الفاشلين، وجعل الإعلامَ المصري حزمة من المتخلفين والغوغاء والمعاقين ذهنيا، وشجّع تسميم الأرض الزراعية سواء في عهد يوسف والي أو في دفن نفايات الحديد تحت الأرض الزراعية.

في عهده جعل الصفرَ مرادفا لكرامة المصريين في الداخل والخارج، وتأخر التعليم، وتضاعفت تجارة وتعاطي المخدرات، والرشوة أصبحت ضرورية كالتنفس تماما، والتلوث المائي والهوائي سمة غالبة على سماء وبحر ونيل مصر كلها.

في عهده اختفت قيم عزيزة، وأفسح المجال للتطرف والفتنة الطائفية، واحتقر الثقافة والكتاب، وجعل الكلمة العليا لسوط ضابط الأمن أو حذائه، وأصبح هو السلطات الثلاث دون أن ينبس أحد ببنت شفة، وأصيب ثلث الشعب المصري بأمراض وبائية، وزاد العاطلون عن العمل إلى ثمانية أو عشرة ملايين، وانحدرت اللغة، واختفى المشروع القومي، وأعطى إشارة خضراء لكل من يريد أن ينهب شريطة التقاسم مع أحد رجاله.

طاغية يشفق علينا إبليس من أعوامه الستة والعشرين فوق ظهورنا، ولا يزال هناك عبيد وأذلاء ورعاع وعشاق مهانة وجبناء وأعداء الشعب المصري يجدون له مبررات وأعذارا كأننا يتامى من بعده، ويضعون بدائل مفزعة لارغامنا على الاستمرار في الوحل تحت أحذية زبانيته القساة.

جرائم الطاغية مبارك تحتاج لمجلدات ضخمة في كل عام من أعوامه المشؤومة، ولكن يبقى الخطر ماثلا في أشقاء الشياطين الذين يبررون تاريخه الأسود بحجج دينية واهية وكاذبة، أو بالخوف على مصير مصر عراقياً، أو ببديل ديني متطرف جامح، أو بفوضى تضرب الوطن المسكين في مقتل.

في عامه الثمانين قد تتحررمصر بالعصيان المدني، وقد يكتشف الإخوان المسلمون والأقباط أن الإنحياز للشعب أشرف من الالتصاق بالجماعة.

4 مايو يشهد يوم تحرير مصر أو استعبادها ربع قرن آخر، نتحول فيه من طوابير الخبز والكرامة إلى متسولين وجائعين وهياكل عظمية تبحث في القمامة عن طعام لأهلها وفلذات أكبادها.

عصيان مدني أو انتفاضة شعبية أو غضب أو اعتصام .. المهم أن ننحاز مرة واحدة إلى قيم الحق والخير والروح و .. إلى الله.

إن استمرار اعتقال آلاف من جماعة الإخوان المسلمين وحرمانهم من أهلهم ذنب في رقاب قياداتهم والمرشد العام إن أحجموا عن الانحياز إلى الشعب بحجة الخوف من الفوضى أو حسابات خاصة أو أجندة غير معلنة، فالأجيال القادمة ستفهمها على أنها انحياز للسلطة الباغية والتي لن تفرج عن الأبرياء إلا بالقوة وانتزاع الحق.

الأقباط الذين سيختارون الطاغية خشية البديل لن يمنحهم مبارك إلا مزيدا من الفتنة وهضم الحقوق وتهميشهم واتهام مناضليهم في وطنيتهم.

4 مايو يبلغ الطاغية عامه الثمانين، ويبلغ الشعب درجة الغليان.

4 مايو من ينحاز إلى مصر فكأنه توجه إلى الله في المسجد أو الكنيسة طالبا عفوه ومغفرته على صمت ستة وعشرين عاما جعلت صمتنا مشاركة للطاغية في جرائمه.

4 مايو إما أن تعيش مصر بعده، أو يصنع مبارك لها ولنا جحيما تصب أجيال قادمة لعناتها علينا أنْ فرطنا في مصرنا وحبنا ووطننا.

إنه يوم شجاعة واحد فقط يعترف بعده الرئيس وهو مكبل اليدين بجرائم سقطت من ذاكرتنا، لكنها لن تسقط من حساب الآخرة، فهو عليه وعلينا.

موقع العصيان المدني في 4 مايو يستقبل اقتراحاتك وتعليقاتك وأفكارك لعلها تساهم في تصحيح مسيرة الغضب.
http://againstmoubarak.jeeran.com

وسلام الله على مصر


خطوات ضرورية قبل القبض على مبارك ومحاكمته

أوسلو في 11 ابريل 2008

لم يعد العدُّ التنازلي لسقوط نظام مبارك صعباً على من يفهم ألفَ باء السياسة، ولحظات ما قبل سقوط الطغاة.
نهايات قبل تبدو مختلفة ظاهريا، شاه إيران، وعيدي أمين دادا وفرانكو وسالازار وسوموزا وصدام حسين وبول بوت وهيلاسلاسي ومنجستو هيلامريم وجان بيدل بوكاسا وغيرهم ..، لكنها في الحقيقة متشابهة ومتشابكة ولو كان يفصل احداها عن الأخرى زمنٌ سحيق ومكان بعيد.
الآن يمكننا أن نبدأ في ملء الفراغات التي قد تسبب لنا ارتباكات حين يتم القبض على حسني مبارك وهو يستعد للقفز داخل أحشاء طائرة تقلع به مع أسرته إلى مكان اللجوء الأخير وقد سبقته مليارات من أموال شعبنا العظيم.
أولا: إعداد قائمة سوداء بالإعلاميين والمثقفيين والصحفيين الذين كانوا طوال عهده المشؤوم طابورا خامساً، ورجال أمن داخل المؤسسات الصحفية، ومرشدين بينهم وبين أجهزة القمع خطوط ساخنة، ليلا أو نهارا، يتم فيها وضع ملفات زملائهم رهن إشارة السلطة.
لم يكن هناك في مصر كلها أكثر كراهية لشعبنا، وإضرارا بمصلحته، ومدّاً في عمر الإرهابي مبارك أكثر من الإعلاميين والصحفيين والمثقفين والكُتّاب الذين باعونا بثمن بخس جنيهات معدودات، وأمان ظاهري لهم ولعائلاتهم.
القائمة السوداء لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نخطيء فيها، فأسماؤهم معروفة، وكتاباتهم تشهد عليهم يوم تحرير مصر، ويوم القيامة.
ثانيا: قائمة سوداء بكل الذين تحوّلوا إلى حيتان تأكل خيرات مصر، وتضع بدلا منها فسادا وسموما وسرطانات ، وتنهب، وتقوم بتهريب ماربحته استغلالا وحراما وأكلا سُحْتّاً من لقيمات كانت أقصى أماني أفواه فقرائنا.
ثالثا: محاولة تركيز الكتابة على نداءات ودعوات إلى دول العالم كله، وأخص بالذكر الدول العربية الشقيقة، التي تدعم نظام الارهابي مبارك، وتمُدّ في روحه، وتزيد من عذابات شعبنا، وهي تحسب أنها تحسن صنعا.

رابعا: قائمة سوداء ثالثة بكل الأجهزة الإعلامية والفضائيات التي رفضت الانحياز لشعبنا وهو ينتفض غضبا، أو على الأقل خانت شرف المهنة فلم تُشر من قريب أو من بعيد إلى ثورة شعب عانى لأكثر من ربع قرن من أعتى الأنظمة الطاغوتية الفاسدة.

إن الفضائيات، وفي مقدمتها غير الحكومية، والتي رفضت حتى الحياد في أخبار الانتفاضة المصرية، فحاولت أن تقف مع عدو مصر بالصمت، ينبغي لها أن تعرف أنَّ يوم الحساب بات قريبا، ولن يهرب منه كبير أو صغير أو دولة عظمى أو شقيقة.

خامسا: لقد آن الوقت لمعرفة نهج الإخوان المسلمين وهل هم ( عيال ) يتراجعون عندما يقترب الشعب من النصر ، أم هم بهلوانيون يلعبون على كل الحبال، أم هم حركة إسلامية تنتظر فقط الفرصة المناسبة ولها أجندتها الخاصة وحساباتها مع الشعب ومع السلطة.

إما أن ينحاز الإخوان المسلمون إلى الحق والشعب والمظلومين والمساكين، أو يُتَرّبوا وجوهَهم بلعبة الانتهازية، وحينما يأتي النصر من عند الله لن يكون لهم موقع في قلوب أبناء مصر، فمعدن الإخوان المسلمين عند الشدّة، وقد نكثوا وعودَهم عِدّة مرات رغم أننا قاب قوسين أو أدنى من القبض على مبارك وزوجته وابنيهما.

سادسا: البدء في عمل سري تحت الأرض لتعيين حكومة مصرية مؤقتة تمسك بزمام الأمور فور سقوط مبارك، وأن تكون تلك الحكومة مرتبطة ارتباطا وثيقا بجيش مصر العظيم، وأيضا لاستتباب الأمن قبل أن يستعين مبارك بالولايات المتحدة وإسرائيل كما استعان محمد رضا بهلوي في ثورة مصدق، فأعادوه إلى الحكم.

سابعا: المصريون ليسوا فقط مسلمين، وأحبابنا .. شركاء الوطن لهم مالنا وعليهم ما علينا، والقضاء على مبارك هو إنتصار لأقباطنا الذين عانوا من ظُلْمِه كما عانى مسلمو أرض الكنانة.

الموقف القبطي الوطني ينبغي أن لا يتأخر أو يضع شروطا أو تسبقه هواجس وخوف من وصول الجماعات الدينية إلى الحكم، فثورة الغضب ستأتي بإذن الله لمصر بالخير، ولا فارق بين مسلم وغير مسلم، وبين يساري ويميني وشيوعي ووفدي وإخواني وناصري ومستقل، والحديث عن أفضلية مصري على آخر انطلاقا من عقيدته أو مذهبه أو حزبه هو حديث يعرقل النصر، ويدعم الطاغية.

الكرة في ملعب الإخوان المسلمين والأقباط، وأي تأخر في الانحياز إلى الشعب تحت أي مبرر، هو في الواقع انحياز للقصر وسيّده وقاتلنا ومعذبنا وناهب خيراتنا.

ثامنا: لقد أثبتت غضبة شعبنا أن الإنترنيت هو السلاح القادر على الاطاحة بمبارك في المرة القادمة بإذن الله، فليكن الرابع من مايو أو أي يوم تحدده الحركة الوطنية.

تاسعا: إن الدعوة لأنْ يبقى المصريون في بيوتهم تحمل لنا الخسائر، وتجعل النظام قادرا على التحرك بسهولة، وتحجب عن العصيان المدني والانتفاضة والغضب الشعبي عددا هائلا لو نزلوا إلى الشوارع لقام ضباط الأمن بتسليم أنفسهم لقيادات الحركة الوطنية، وربما انحازت كل قوى الأمن المركزي، وأكثرهم أيضا باحثون في طوابير الخبز عن لقمة العيش، للشعب المصري، وهنا تبقى شعرة واحدة قبل أن ينضم جيشنا إلى الشعب، فهو منه وليس من قاتليه وناهبيه ومخرّبي الأرض الطيبة.

عاشرا: الأموال .. الأموال .. الأموال

إذا كان حقا ما يتم تداوله من أن مبارك وزبانيته وعصابات حكمه وأصدقاء علاء وجمال مبارك ولصوص الزراعة والدواء وتجار المخدرات وعصابات القروض المصرفية قد تمكنوا أو سيتمكنوا من تهريب عشرات المليارات من أموال شعبنا، فإن إعادة هذه الأموال لمصر لن تكون عملية هيّنة.

لذا فإن هروبهم هو في الوقت نفسه السماح لثروات شعبنا بالهروب معهم.

لابد من وضع خطة مُحْكَمة تمنع تهريب الأموال، وتضع مدراء المصارف في القائمة السوداء إذا سمحوا بالتهريب.

وأخيرا نبعث بالتهنئة لشعبنا العظيم، فبعد وقت قصير تتنفس مصر، ويبكي أمامنا المنافقون والمتزلفون وأعداء الشعب من ضباط الأمن ومحرري صحف النفاق وإعلاميي الطابور الخامس وكل الجبناء الذين ناصروه طوال فترة استعباد مصر وشعبها.

أيها المصريون: هل تشاهدون من قريب يوم تحرير مصر من أوغاد الاستبداد؟

إنني أراه رؤي العين، بل أكاد أسمع ضحكات أطفالنا ونسائنا، وزغاريد الفرح، والعالم كله يقف مشدوها أمام احتفال المصريين بيوم تحريرهم.

أخيرا سيرضى الله عنّا فقد نسيناه طويلا عندما صمتنا، وتراجعنا، وأنكمشنا، وتركنا مصر تستصرخنا، ونحن نضحك.

ما أسعد الحُرّ عندما يكتشف أن الحرية والإيمان توأمان لا ينفصلان.

ما أروع الإحساس بأن الله سيرضى عنا، عندما نفُكّ قيودَنا بأيدينا قبل الدعاء، وننبذ من أيّ تراثٍ يأتينا فكرةَ الطاعة للعصاة والمجرمين والمستبدين.

أيها المصريون،

ألا تسمعون ضحكات الملائكة التي غابت عنّا طويلا؟

ألا تتناهي أيضا إلى أسماعكم دعوات الشكر من أجيال قادمة وهم يفتخرون بكم، ويقولون بأنهم ورثوا عنا أرضا حرة كريمة؟

البيان رقم(1) كما أتخيله: نهنيء الشعب المصري بأهم أعياده في ربع قرن، ونعلن أنه تم القبض على مبارك وأسرته وهم يهرولون ناحية طائرة كانت تهم بالاقلاع بهم من شرم الشيخ، لكن يقظة جيشنا ومخابراتنا ورجال الأمن أحبطت محاولة الهروب.


بيان الثلاثين نصيحة للعصيان المدني في 4 مايو

لئلا يفشل، لا قدر الله، العصيان المدني في4 مايو، ويضرب بعدها الطاغيةُ مبارك شعبنا بيدٍ من حديد، ويضاعف استبداده، ويجن جنونه، ويدفع ثمنَ الفشل أهلنُا في معتقلاته، والمناضلون الذين يناهضون حُكمه الطاغوتي في كل يوم، نقدم ثلاثين نصيحة لعلها تساهم في نجاح يوم الرابع من مايو .. يوم تحرير مصر من عصابة مبارك وأسرته.
أولا: قطع الحيرة في وصف ما يحدث، فهو في الواقع ليس إضرابا يمكن أن ينتهي بعد ساعات، إنما هو عصيان مدني سلمي يهدف إلى استعادة مصر من مبارك وأسرته ولصوص عهده.
ثانيا: أي حديث عن تغيير حكومي أو تحميل آخر المسؤولية عن جرائم 26 عاما هو تبرئة للمجرم الحقيقي، وليكن هدفنا جميعا القبض على مبارك وأسرته ومعنا القائمة السوداء بأهم الذين آذوا مصر أمنيا واقتصاديا وإنسانيا، وكانوا امتدادا للطاغية.
ثالثا: التأكيد على أن الاستعانة بأي قوى خارجية، خاصة الولايات المتحدة وإسرائيل، يصبح خيانة عظمى علنية، فالثأر بين الشعب المصري بكل فئاته وبين الطاغية مع كل زبانيته.
رابعا: لا نيأس من دعوة قيادات الإخوان المسلمين في كل يوم .. وفي كل ساعة أن ينتفضوا مع شعبنا، على الأقل من أجل الإفراج عن المعتقلين والمظلومين في سجون ومعتقلات مبارك. لقد إنتهى وقت المناورات السياسية ولم يبق أمامنا غير التوجه ناحية الهدف.
خامسا: الثورة الشعبية المصرية لا تحمل هوية غير حب مصر، ولا ترفع شعارا دينيا أو طائفيا أو حزبيا، ولا تُعلي من شأن جماعة او تجمع أو منظمة أو توجّه فكري أو أيديولوجي، فكلنا منصهرون في حب مصر.
سادسا: هناك فئة لم نتوجه إليها بعد وهي عشرة ملايين من العاطلين عن العمل، والطلب منهم أن يمكثوا في بيوتهم أو يمارسوا الإضراب هو طلب ساذج، فمكانهم الوحيد في شوارع وميادين وساحات مصر من أقصاها إلى أقصاها.
سابعا: ربات البيوت والنساء والأطفال وتلاميذ المدارس يمكن مع وجودهم بمئات الآلاف في شوارع مصر صباح الرابع من مايو أن يحركوا الأمن والجيش والمخابرات لينضموا إلى الشعب، فهؤلاء أهلهم وأولادهم وأقاربهم.
ثامنا: ينبغي أن لا ننسى ملايين من المصريين الذين سيتنازعهم الخوفُ الطبيعي، لذا فإن مَنْ رأى في نفسه الخوفَ أن يمارس العصيان المدني في أدنى صوره، أي الوقوف أمام باب البيت مع الأطفال والنساء والجيران، بعيدا عن قبضة الأمن، وبعيدا عن أي حجة لاعتقال البعض.
تاسعا: يجب البدء فورا في كتابة القائمة السوداء بأسماء ضباط الأمن المتهمين بالتعذيب والصحفيين والمثقفين الذين يقومون بحماية الطاغية، ونشرها على النت، وارسال رسائل بها إلى كل من نعرف.
عاشرا: الأقباط جزء لا يتجزأ من الحركة الوطنية المصرية، وعناق الهلال والصليب شرط لنجاح العصيان المدني، واقناع أقباطنا بأن مبارك كان عدوهم لأكثر من ربع قرن قد يساعد في انضمامهم إلى العصيان المدني.
حادي عشر: عدم الإعلان عن أماكن التجمعات وذلك لارباك قوى الأمن لحبيب العادلي التي تحمي الطاغية، ولكن رسائل الموبايل والنت والبريد الإلكتروني والمواقع نستعد لاعلانها صباح الأول من مايو، خشية أن يضرب الطاغية ضربته الأخيرة في الموبايل والنت في تعطيل كامل قبيل 4 مايو.
ثاني عشر: العصيان المدني اختبار لرغبة كل مصري في انعتاق وطنه وتحرره، لذا فأي معارك جانبية لن تصب في صالح التخلص من الطاغية، ونخص بالذكر المشاعر المتبادلة بين الإخوان المسلين والأقباط.
ثالث عشر: إن الإخوان المسلمين قوة لا يستهان بها، ولكن أعضاء الجماعة يطيعون القيادات والمرشد العام طاعة لا تحتمل أي رفض، لذا فإن المسؤولية الملقاة على القيادات والمرشد العام ستحدد لاحقا موقع الحركة في مستقبل مصر، فإما الانحياز إلى مصر أو مساندة الطاغية، إما الإنحياز إلى الله والحق أو اعطاء ضوء أخضر للفاسدين والطغاة بأن الحركة ليست ضدهم. إنه خيار لا يحتمل الحل الثالث.
رابع عشر: التجمعات في المساجد والكنائس طوال يوم 4 مايو، وهذا سيربك الأمن المركزي، وربما سيضعف من قسوة العساكر المساكين الذين سيترددون في مهاجمة الخارجين من دور العبادة.
خامس عشر: في كل مظاهرة يدفع حبيب العادلي إلى الشوارع بمئات من المسجلين الخطرين والمجرمين والبلطجية ولاعبي المصارعات الحرة، وهؤلاء قساة، غلاظ القلب، ويتحولون في الشوارع إلى حيوانات متوحشة، لذا فإن مراقبتهم، وتصويرهم بكاميرات المحمول مهمة جدا، وأن لا يتركهم المواطنون يقتادون أي مواطن إلى مكان مجهول، والحديث إليهم لا يجدي نفعا، وليس أمامنا غير مطاردتهم وإلا أفشلوا العصيان المدني.
سادس عشر: أهم الأماكن التي يجب الاستيلاء عليها: مبنى الإذاعة والتلفزيون ماسبيرو، قصر العروبة، قصر عابدين، مجلس الشعب، مقر الحزب الوطني الحاكم، أما مطار القاهرة الدولي فيحتاج إلى اندفاع 500 سيارة، في كل واحدة ثلاثة أو أربعة لا يتوقفون عند حواجز الأمن ، وهنا يمكن حماية أموال الدولة من الهروب، والتربص باللصوص والمسؤولين الذين سيتوجهون إلى الخارج.
سابع عشر: تبقى المشكلة الأكبر وهي شرم الشيخ التي تحولت إلى ثكنة عسكرية للطاغية، وتستعد طائرات للمغادرة بالأسرة واللصوص وأموال الدولة ومجوهرات وعملات صعبة وأرشيف كامل من أسرار الفساد، والوصول إليها صعب، والعصيان المدني فيها أكثر صعوبة، وإسرائيل تراقبها من قريب، ونترك النقاش حولها إلى من لديه أفكار عملية، فالأغلب أن الطاغية مبارك سيختبيء فيها لعدة ساعات ويطلب الدعم العسكري من إسرائيل والولايات المتحدة.
ثامن عشر: هناك احتمال أن يقوم مبارك بإطلاق عملية ارهابية كبيرة ضد أطفال ونساء وأبرياء ومصالح سياسية ومنشآت حيوية حتى يضمن خوف المصريين والتفافهم حوله خشية المستقبل المظلم، وهنا نحتاج إلى صوت العقل، وعدم الانفعال السريع الذي سيجعلنا لبعض الوقت نظن أنه الأمان لمصر، رغم أن مصائب وكوارث بلدنا جاءت على ايدي أسرة مبارك.
تاسع عشر: أنا أقترح أن يكتب المناضل مجدي أحمد حسين البيان رقم (1) الذي ستتم إذاعته فور هروب مبارك أو القاء القبض عليه، وقبل أن يستعين بقوى خارجية، وأن لا يشير البيان لأي هوية أخرى غير حب مصر، وأن لا يعلي من شأن فئة أو جماعة، وأن يراه كل مصري كأنه صادر عنه شخصيا.
عشرون: هناك أيضا ملايين من البسطاء والأميين وغير المتابعين لما يحدث، والاستعانة بهؤلاء للمشاركة هي مهمة أولادهم وبناتهم وأقربائهم من المنخرطين في العصيان المدني والمشاركين في الثورة الشعبية.
واحد وعشرون: لقد دفع الحزب الوطني والأمن بآلاف من المرشدين على الإنترنيت لتخريب الموضوعات، والايحاء بأن كل مصري تحت المراقبة، والدفاع عن مبارك وطغمته أو الادعاء بالخوف على مستقبل مصر، أو اتهام المعارضين للطاغية، أو ابعاد المشاركين والقراء عن فحوى الموضوعات، وهؤلاء يعملون على كل المحاور وفي معظم المنتديات والمواقع، وكثيرون منهم يتلقون التوجيهات من أقسام الشرطة، ويجب أن نكون أكثر صراحة في التعامل معهم وكشفهم
الثاني والعشرون: لابد من الاتفاق على أعضاء اللجنة للحكومة الانتقالية المكونة من عشرة من الشخصيات الوطنية التي لم تتعاون مع الطاغية مبارك، وربما احتلت منصبا ولم تتفق مع توجهات النظام ، وربما يكون من بينهم المستشار طارق البشري، والمستشارة نهى الزيني والدكتور محمد سليم العوا والدكتورة نادية مكرم عبيد والدكتور أحمد الجويلي والأستاذ محمد حسنين هيكل والأستاذ حمدي قنديل.
الثالث والعشرون: إصدار بيان موجّه لكل القوى الدولية بأن هذا شأن مصري خالص، وأن جميع الاتفاقات التي عقدها النظام البائد للطاغية مبارك تلتزم بها الحكومة الجديدة حتى يبدأ مجلس الشعب الجديد أولى جلساته بعد ستين يوما من قيام الحكم الوطني.
الرابع والعشرون: إن ثورتنا بيضاء، وأي اغتيالات أو قتل أو عنف أو دماء لن تكون في صالح النظام الجديد، ومن يقوم بها بأي دافع ولو كان ثأرا قديما فهو يعمل ضد الثورة.
الخامس والعشرون: حلّ مجلس الشعب ومجلس الشورى، ومنع الانتخابات بالطريقة الهزلية السابقة، وتعيين المجلس الجديد لمدة أربع سنوات قبل إجراء الانتخابات، وأن يكون التعيين قائما على الكفاءات ونسب معينة من العلماء والمثقفين وأساتذة الجامعات والخبراء كل في شأنه، وإلغاء نسبة العمال والفلاحين
السادس والعشرون: إفساح المجال للجيش لكي يضبط الأمن، فإذا أحاط المواطنون بمبنى الإذاعة والتلفزيون، فيمكن تسليمه للجيش شريطة أن لا يكون مبارك طليقا.
السابع والعشرون: المبالغة في القسوة ضد أفراد الشعب، سواء من جانب الشرطة أو أمن الدولة، أعني التبرع بالمبالغة لارضاء النظام يُدخل صاحبه في وقت لاحق في قائمة سوداء لمن سيتم القبض عليهم وتقديمهم لمحاكمة عادلة.
الثامن والعشرون: محاصرة جميع أقسام الشرطة، ووضع ضباطها بين خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط مع الثورة الشعبية، وإما الانحياز إلى الطاغية مبارك.

التاسع والعشرون: من الآن وحتى الرابع من مايو فإن جميع الاقتراحات ستكون موضع نقاش، قبول أو رفض، والأهم معرفة أسهل الطرق للوصول إلى محاصرة قصر الطاغية في شرم الشيخ، وهي أصعب مهمة في الثورة الشعبية لأن مبارك جعلها مكانا بعيدا ومحصنا وثكنة عسكرية والموقع الأخير قبل أن يهرب طالبا اللجوء السياسي في بلد آخر.

الثلاثون: لأول مرة منذ أكثر من ربع قرن تَعُمّ مصرَ حالةٌ من الفرح والتفاؤل، وتسري في قلوب المصريين شحنةٌ من الشجاعة، وتبتهج نفوسهم بقرب عيد الأعياد .. القضاء على النظام العفن والنتن والفاسد والارهابي والفاشي والاجرامي دون أن نحتاج لأي قوة غير مصرية.

مبارك لا يصَدّق أن ايامه أصبحت معدودة، وحبيب العادلي سيضرب بقسوة لعدة ساعات، وربما يقوم النظام بدعم من استخبارات أجنبية بعدة تفجيرات أو افتعال حريق القاهرة الجديد، ولكن هذا النمر الورقي لن يتحمل ثورة شعبية أكثر من 48 ساعة ليقف صف طويل من اللصوص والمجرمين، مسؤولين ووزراء ورؤساء تحرير صحف قومية ورجال أعمال ومساعدي ومستشاري الطاغية خلف كبيرهم وزوجته وابنيهما لتسليم أنفسهم إلى قيادة العصيان المدني.

على كل المصريين الشرفاء الانتباه إلى الأخبار والتسريبات والشائعات و التُهم الملفقة بالقبض على خلايا إرهابية وربما احراق كنائس أو مساجد واتهام الطرف الآخر بأنه يقف خلفها.

علينا الحذر من ألاعيب نظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويهدم المعبد عليه وعلى أعدائه، وربما يستعين بقوات إسرائيلية وأمريكية.

فلتكن ثورة بيضاء، والاستثناء الوحيد هو التعامل مع المسجلين خطرين والبلطجية وأعداء الانسانية الذين سيطلقهم النظام من السجون، ويقوم بتسليحهم بعصي كهربية ومطاوى وربما أسلحة بيضاء أخرى، وهؤلاء هم القادرون على إدخال الفزع في التجمعات الجماهيرية.

إن سبعة ملايين مصري في الخارج هم إمتداد لمواطني الداخل.

الجيش يغلي، وأغلب الظن أن إنقلابا عسكريا قد ينقذ مصر قبل إذاعة البيان رقم (1)، وذلك عندما يأمر مبارك الجيش بالنزول إلى الشوارع، فيتحول أبطال العبور إلى مساندين للثورة، وحماة لأهلهم.

مرة أخرى،

4 مايو ليس إضرابا عن العمل واختباء داخل البيوت، فنصف المصريين بدون عمل، وثلث العاملنن لا يستطيعون تحدي رؤساهم، خاصة في أماكن العمل الصغيرة، لكنه عصيان مدني في طول مصر وعرضها.

إذا عرف ضباط الأمن والمخبرون والمرشدون والمثقفون والإعلاميون ورجال الأعمال وقيادات الحزب الوطني ولجنة السياسات ومنافقو مجلس الشعب أن هناك قوائم سوداء يتناقلها المصريون ليوم الحساب الشعبي معهم، فربما يعجّل هذا في انضمامهم للشعب.
كل الدلائل تشير إلى أن نجاح العصيان المدني لعدة ساعات سيجعل مئات الآلاف من الإخوان المسلمين يختارون الشعب وليس القيادات التي تطلب منهم عدم الانضمام إلى الثورة الشعبية.
نفس الأمر سينسحب على القوى القبطية المناضلة التي ستدفع إلى الشوارع بشركاء الوطن، فمصر ليست لمسلميها فقط، وماء النيل لا يعرف عقيدة من يرتوي به.
وأخيرا سيحتفل كل أحرار الدنيا مع المصريين، وستسقط من ذاكرة الوهم فكرة سلبية هذا الشعب، وسيعرف الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

عاشت مصر حرة، عزيزة، قوية، مستقلة، وعاش المصريون كراما، شجعانا، يتمتعون بخيرات وطنهم، ويطورون بلدهم، ويلحقون بركب الأمم المتقدمة.

الله أكبر والعزة لكل من يحب مصر ويحميها.

الموقع الخاص ببيان الثلاثين للعصيان المدني وبخطوات التحرك للقبض على مبارك ومحاكمته، وبمزيد من المعلومات عن 4 مايو
http://againstmoubarak.jeeran.com/archive/2007/4/202015.html

 


النرويج .. الآن يمكنني الحديث عنها!

أوسلو في 12 يناير 2008


كل فترة زمنية تعطي مكان انطباعها الذي يتغير وفقا لفترة المعايشة، ورؤية الشخص الزائر أو السائح أو المغترب أو المهاجر مؤقتا أو الذي قطع نهائيا خط العودة للوطن الأم.

والناجح غير الفاشل، والمندمج في قضايا وطنه الثاني يختلف عن المقيم فيه كأنه لم يغادر وطنه الأم.

والرؤية قد تنقلب إلى العكس تماما إنْ تعرض المغترب لظروف قاهرة أو تمييز أو عنصرية صريحة، وقد يحدث العكس فيكتشف في وطنه الجديد ما أفتقده في مسقط رأسه.

ثلاثون عاما أو يزيد هي عمر اقامتي في النرويج، أي أن نصف عمري قضيته في هذا البلد النائي، وبالتالي فإن الذكريات تصبح ملتحمة بالحياة العادية اليومية، حُلوها ومُرّها، ولو قمت بتقسيم تلك الفترة إلى مشاهد متقطعة فأغلب الظن أن الرؤية لن تكون موحدة.

خلال السنوات الأولى من وصولي كان الحديث عن إسرائيل يجري همسا، ولم يكن باستطاعة أحد أن يرفع صوته منتقدا الدولة العبرية.

كان أكثر من نصف أعضاء البرلمان النرويجي هم في الوقت عينه أعضاء في منظمة ( أصدقاء إسرائيل )، بل كان من المستهجن أن لا يكون المرء صديقا لدولة حصل مستعمروها على عقد تمليك من الرب في كتاب مقدس بأن يعودوا، ويطردوا شعبها ولو مضى عليه في الأرض المقدسة مئات الأعوام .

جئت في وقت كانت عقدة الذنب الهولوكستية تلتصق بدموع النرويجي حتى لو كان والده من المتعاونين مع الاحتلال النازي للنرويج.

وكان الوجه البريء لاسرائيل يخفي قسوة العنصرية الصهيونية التي لم يشاهدها أحد قبل عام 1982 عندما بدأ جنود قوات حفظ السلام من الشباب النرويجي يعودون إلى أهلهم، ويقصّون عليهم ما لم يدر بذهن أي منهم.

اكتشف ذوو العيون الزرقاء والشعر الذهبي أن العرب ليسوا شياطين يعتدون على اليهود الملائكة في جنوب لبنان.

وشاهدوا صواريخ اسرائيل تهبط على الآمنين بدون تمييز، وتقتل الأطفالَ والنساء، وأن العرب من فلسطينيين ولبنانيين يبحثون عن السلام.

وحدث أول تغيير بطيء كالسلحفاة لدى الرأي العام النرويجي، فاسرائيل حالة من القداسة المرتبطة بالعهد القديم، واليهود المساكين تكاد تلمسهم أنيابُ العرب كما صوّرهم الاعلام الغربي والأمريكي، لذا باعت النرويج لاسرائيل الماء الثقيل للمفاعل النووي، ثم ساعدت في تهريب صواريخ من فرنسا.

أما قضية أحمد