كلُّ فكرٍ كلُّ شعرٍ كلُّ بَوْحٍ كان عندي كلُّ هذا يا إلهي ساجدٌ مُذْ قلتَ عبدي اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري اللهم اغفر جِدّي وهزلي وخطئي وعمدي وكُلّ ذلك عندي أعوذ بك اللهمّ أنْ أَظلِمَ أو أظلَمَ أو أعتديَ أو يُعتدى عليّ أو أكتسبَ خطيئةً مُحبِطة أو ذنباً لا يُغفَرُ
22 تموز, 2009
هل من دخّان بلا نار
لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي استشط فيه غضباً عندما شاهدت صورة فوتوغرافية قد ظهر فيها طفل بغدادي مسدداَ فوهة مسدس إلى رأس طفل آخر وهو يبتسم فرحاً بفعلته وقد أحاطه أطفال لا يقلون ابتهاجاً عنه و كانت قد عُرِضَّت هذه الصورة ضمن معرض عن العراق أقيم في لبنان منذ زمن أداره فنان ألماني وهنا تكمن المشكلة فقد كان المعرض قد زار دولاً أوروبية و كاشفاً للعالم هول أن أطفال العراق يلعبون بالسلاح الحي بالمتعة التي يشعرها أقرانهم وهم يلعبون البزل أو الليغو في مكان آخر ومن دون عيون الغربي الناقدة والمشرّحة لم تكن هذه الصورة المروعة لتصبح عاراً يندّي الجبين والسؤال الذي يتكرر باستمرار هو لماذا يقدمون العرب في مشاهد هكذا وغالباً ما لا يطرح سؤال آخر معاكس هو لماذا لا تزال هكذا مشاهد موجودة عندنا وتعوّد اللبنانيون أن ينهروا سائحاً يختار تصوير عجوز فقير يجلس القرفصاء في زاوية زاروب وقد تكوّم على وجهه الذباب تاركاً جماليات البلاد وراء ظهره متهمين الأجنبي بالحقد والكراهية ولولا المسّلة التي تنعر صاحبها كما يقول المثل لما شعر واحدنا بالخجل من عدسة إفرنجية المكاشفة جارحة دوماً حتى بين أهل الدار أنفسهم و أذكر أنه قد اعترض البعض على استضافة قناة لبنانية تلفزيونية للمواطنين الخارجين من المعتقلات السورية والإسرائيلية في حلقة واحدة على اعتبار أن المقارنة لا تجوز بين الحالتين لكن بفعل الاعترافات الفظيعة التي سمعناها من المعتقلين الذين ذاقوا الموت وعادوا منه بإعجوبة كدنا والقلوب تنزف لا نفرّق بين العدو والشقيق مع الأسف وإذا كان من مذنب هنا فليس الإعلام الذي يقول انه يلقي بالضوء على إنسانية البشري وحقه في العدالة بصرف النظر عن الجهة التي تقهره وهذا واجبه كي لا يتهم بالتخلّف وإنما هو ذنب البعض من حماة العروبة التي أكلوها لحماً و تمززوا بأطايبها ورموها عظماً ولعل كل أنواع التعذيب التي تحدث عنها المعتقلون اللبنانيون السابقون في السجون السورية يمكن وضعها في كفة وحديثهم عما ذاقوه في مركز فلسطين ويبدو انه ممر لا بد منه لإهانة المعتقلين السياسيين هو أمر آخر ومن حقنا كمواطنين عرب نغار على قضيتنا الأولى أن نسأل لماذا يزجّ باسم فلسطين في كل تهلكة وما ذنب هذا البلد المغتصب أن يلوث اسمه في كل بلد عربي لقد طالب اللبنانيون بالحقيقة منذ قتل رئيس وزرائهم السابق رفيق الحريري شر قتلة ومن حينها والفضائح تتكشفّ وكأنما الأرشيف السري اللبناني فتح فجأة وقبل مرور المهلة الدستورية والقانونية فإذا بالمفاجآت هي من البشاعة بحيث أنها أكبر من قدرة البشري على الاحتمال فمن شهادات مزورة حتى في مجال الطب لأقرباء مسؤولين أمنيين إلى تهم مباشرة بالاغتيال والقتل والسفك لشخصيات كانت لغاية أمس تمسك بزمام أمن المواطنين إلى كشف الغطاء عن اختلاسات بمليارات الدولارات من قبل زعامات الديار وعلى أبواب الانتخابات يسأل الناخب الضائع بين معارضة كانت موالاة و موالاة كانت معارضة كم من وزير سابق يجب أن يوضع وراء القضبان وكم من نائب يجب أن يؤدّب في مركز فلسطين كي يعرف أن فلسطين هذه ولبنان ليسا ملك أهله كي يبيعهما بخطابين ثمة هجوم على الصحافيين والإعلاميين لأنهم لا يتحققون من المعلومات ويرمون تهمهم جزافاً أو أنهم يقدمون ما في حوزتهم بخبث محكم تماماً كما يرمي الأجنبي بالكيد وسوء الطوية حين يلتقط لنا الصورة التي نخجل منها وكأنما استقامت الأمور وخلصت من شوائبها ولم يبق للصحافي سوى التبخير والتصفيق فهل من دخّان بلا نار و قد كان من ذلك أهمية بيان وقعه عدة مثقفين لبنانيين سمي لبنان الآن وغداً برغم أنهم كانوا على قلة عددهم قد شكلوا بوثيقتهم المتوازنة تلك التي بدت إنسانية حكيمة ومتطلعة إلى وطن يحكمه القانون والمنطق نواة أمكن أن تبنى عليها فالبيان لا يعاضد الحكام في سوريا ولبنان وإنما الشعوب ولا يداهن السلطات على حساب الحقوق ولم يترك شاردة أو واردة إلا ورسم رؤيته الواضحة والرصينة حولها من العلاقات الدولية للبنان و الهيمنة الأميركية التي سطع نجمها إلى أصغر التفاصيل الطائفية التي قضت مضاجع الطوائف كلها وربما أن المقطع المسمى لنتجادل في رفيق الحريري و الذي دعى لمناقشة مشروع الشهيد الراحل بعقلانية وموضوعية أكد على نضج هذا النص المدني الذي خشي الانجراف العاطفي والجيشان الشعوري حتى وراء شخص هو الآن موضع ما يشبه الإجماع الشعبي في لبنان كل المواضيع باتت محلّ نقاش في لبنان في ذلك الزمن وربما العالم العربي بأسره في ذلك الحين والأدوات المذمومة التي حوربت مديداً لأنها تكشف ولا تستر تفضح ولا تمزح أصبحت في متناول اليد وفي كل بيت من الصورة الفوتوغرافية التي نخشاها حد التحريم لا أزال أذكر أنها التي أخرجت مأساة سجن ابوغريب إلى النور إلى تلفزيون الواقع أو النقل المباشر الذي نعتبره هتكاً للخصوصيات وتشويهاً للقيم وهو الذي صنع الاستقلال الجديد للبنان ومن دون صحافة وشاشة وشريط وصورة وإنترنت وكلها أدوات مريبة نتعامل معها وكأنما تلبستها العفاريت لا تنجلي الحقيقة التي توازي الفضيحة ولن نفرح بمجتمع مدني يسعى اليوم لأن يسمع صدى صوته خالصاً وخارجاً من حشرجات الأعماق انه زمن الاعترافات و المرآيا المتقابلة والفضائح بطبيعة الحال