كلُّ فكرٍ كلُّ شعرٍ كلُّ بَوْحٍ كان عندي كلُّ هذا يا إلهي ساجدٌ مُذْ قلتَ عبدي اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري اللهم اغفر جِدّي وهزلي وخطئي وعمدي وكُلّ ذلك عندي أعوذ بك اللهمّ أنْ أَظلِمَ أو أظلَمَ أو أعتديَ أو يُعتدى عليّ أو أكتسبَ خطيئةً مُحبِطة أو ذنباً لا يُغفَرُ
21 حزيران, 2009
عبد القادر الجزائري
كان الإذن له بالخروج لفريضة الحج عام 1241هـ 1825م فخرج الوالد واصطحب ابنه عبد القادر معه فكانت رحلة عبد القادر إلى تونس ثم مصر ثم الحجاز ثم البلاد الشامية ثم بغداد ثم العودة إلى الحجاز ثم العودة إلى الجزائر مارًا بمصر وبرقة وطرابلس ثم تونس وأخيرًا إلى الجزائر من جديد عام 1828م فكانت رحلة تعلم ومشاهدة ومعايشة للوطن العربي في هذه الفترة من تاريخه وما لبث الوالد وابنه أن استقرا في قريتهم قيطنة ولم يمض وقت طويل حتى تعرضت الجزائر لحملة عسكرية فرنسية شرسة وتمكنت فرنسا من احتلال العاصمة فعلاً في 5 يوليو 1830م واستسلم الحاكم العثماني سريعًا ولكن الشعب الجزائري كان له رأي آخر فرّق الشقاق بين الزعماء كلمة الشعب وبحث أهالي وعلماء وهران عن زعيم يأخذ اللواء ويبايعون على الجهاد تحت قيادته واستقر الرأي على محيي الدين الحسيني وعرضوا عليه الأمر ولكن الرجل اعتذر عن الإمارة وقبل قيادة الجهاد فأرسلوا إلى صاحب المغرب الأقصى ليكونوا تحت إمارته فقبل السلطان عبد الرحمن بن هشام سلطان المغرب وأرسل ابن عمه علي بن سليمان ليكون أميرًا على وهران وقبل أن تستقر الأمور تدخلت فرنسا مهددة السلطان بالحرب فانسحب السلطان واستدعى ابن عمه ليعود الوضع إلى نقطة الصفر من جديد ولما كان محيي الدين قد رضي بمسئولية القيادة العسكرية فقد التفت حوله الجموع من جديد وخاصة أنه حقق عدة انتصارات على العدو وقد كان عبد القادر على رأس الجيش في كثير من هذه الانتصارات فاقترح الوالد أن يتقدم عبد القادر لهذا المنصب فقبل الحاضرون وقبل الشاب تحمل هذه المسؤولية وتمت البيعة ولقبه والده بناصر الدين واقترحوا عليه أن يكون سلطان ولكنه اختار لقب الأمير وبذلك خرج إلى الوجود الأمير عبد القادر ناصر الدين بن محيي الدين الحسيني وكان ذلك في 13 رجب 1248هـ نوفمبر1832م وحتى تكتمل صورة الأمير عبد القادر فقد تلقى الشاب مجموعة من العلوم فقد درس الفلسفة رسائل إخوان الصفا أرسطوطاليس فيثاغورس ودرس الفقه والحديث فدرس صحيح البخاري ومسلم وقام بتدريسهما كما تلقى الألفية في النحو والسنوسية والعقائد النسفية في التوحيد وايساغوجي في المنطق والإتقان في علوم القرآن وبهذا اكتمل للأمير العلم الشرعي والعلم العقلي والرحلة والمشاهدة والخبرة العسكرية في ميدان القتال وعلى ذلك فإن الأمير الشاب تكاملت لديه مؤهلات تجعله كفؤًا لهذه المكانة وقد وجه خطابه الأول إلى كافة العروش قائلاً وقد قبلت بيعتهم أي أهالي وهران وما حولها وطاعتهم كما أني قبلت هذا المنصب مع عدم ميلي إليه مؤملاً أن يكون واسطة لجمع كلمة المسلمين ورفع النزاع والخصام بينهم وتأمين السبل ومنع الأعمال المنافية للشريعة المطهرة وحماية البلاد من العدو وإجراء الحق والعدل نحو القوي والضعيف واعلموا أن غايتي القصوى اتحاد الملة المحمدية والقيام بالشعائر الأحمدية وعلى الله الاتكال في ذلك كله وقد بادر الأمير عبد القادر بإعداد جيشه ونزول الميدان ليحقق انتصارات متلاحقة على الفرنسيين وسعى في ذات الوقت إلى التأليف بين القبائل وفض النزاعات بينها وقد كانت بطولته في المعارك مثار الإعجاب من العدو والصديق فقد رآه الجميع في موقعة خنق النطاح التي أصيبت ملابسه كلها بالرصاص وقُتِل فرسه ومع ذلك استمر في القتال حتى حاز النصر على عدوه وأمام هذه البطولة اضطرت فرنسا إلى عقد اتفاقية هدنة معه وهي اتفاقية دي ميشيل في عام 1834م وبهذه الاتفاقية اعترفت فرنسا بدولة الأمير عبد القادر وبذلك بدأ الأمير يتجه إلى أحوال البلاد ينظم شؤونها ويعمرها ويطورها وقد نجح الأمير في تأمين بلاده إلى الدرجة التي عبر عنها مؤرخ فرنسي بقوله يستطيع الطفل أن يطوف ملكه منفردًا على رأسه تاج من ذهب دون أن يصيبه أذى وقبل أن يمر عام على الاتفاقية نقض القائد الفرنسي الهدنة وناصره في هذه المرة بعض القبائل في مواجهة الأمير عبد القادر ونادى الأمير في قومه بالجهاد ونظم الجميع صفوف القتال وكانت المعارك الأولى رسالة قوية لفرنسا وخاصة موقعة المقطع حيث نزلت بالقوات الفرنسية هزائم قضت على قوتها الضاربة تحت قيادة تريزيل الحاكم الفرنسي ولكن فرنسا أرادت الانتقام فأرسلت قوات جديدة وقيادة جديدة واستطاعت القوات الفرنسية دخول عاصمة الأمير وهي مدينة معسكر وأحرقتها ولولا مطر غزير أرسله الله في هذا اليوم ما بقى فيها حجر على حجر ولكن الأمير استطاع تحقيق مجموعة من الانتصارات دفعت فرنسا لتغيير القيادة من جديد ليأتي القائد الفرنسي الماكر الجنرال بيجو ولكن الأمير نجح في إحراز نصر على القائد الجديد في منطقة وادي تافنة أجبرت القائد الفرنسي على عقد معاهدة هدنة جديدة عُرفت باسم معاهدة تافنة في عام 1837م وعاد الأمير لإصلاح حال بلاده وترميم ما أحدثته المعارك بالحصون والقلاع وتنظيم شؤون البلاد وفي نفس الوقت كان القائد الفرنسي بيجو يستعد بجيوش جديدة ويكرر الفرنسيون نقض المعاهدة في عام 1839م وبدأ القائد الفرنسي يلجأ إلى الوحشية في هجومه على المدنيين العزل فقتل النساء والأطفال والشيوخ وحرق القرى والمدن التي تساند الأمير واستطاع القائد الفرنسي أن يحقق عدة انتصارات على الأمير عبد القادر ويضطر الأمير إلى اللجوء إلى بلاد المغرب الأقصى ويهدد الفرنسيون السلطان المغربي ولم يستجب السلطان لتهديدهم في أول الأمر وساند الأمير في حركته من أجل استرداد وطنه ولكن الفرنسيين يضربون طنجة وموغادور بالقنابل من البحر وتحت وطأة الهجوم الفرنسي يضطر السلطان إلى طرد الأمير عبد القادر بل ويتعهد للفرنسيين بالقبض عليه يبدأ الأمير سياسة جديدة في حركته إذ يسارع لتجميع مؤيديه من القبائل ويصير ديدنه الحركة السريعة بين القبائل فإنه يصبح في مكان ويمسي في مكان آخر حتى لقب باسم أبا ليلة وأبا نهار واستطاع أن يحقق بعض الانتصارات ولكن فرنسا دعمت قواتها بسرعة فلجأ مرة ثانية إلى بلاد المغرب وكانت المفاجأة أن سلطان المغرب وجه قواته لمحاربة الأمير والحق أن هذا الأمر لم يكن مفاجأة كاملة فقد تعهد السلطان لفرنسا بذلك ومن ناحية أخرى ورد في بعض الكتابات أن بعض القبائل المغربية راودت الأمير عبد القادر أن تسانده لإزالة السلطان القائم ومبايعته سلطانًا بالمغرب وعلى الرغم من انتصار الأمير عبد القادر على الجيش المغربي إلا أن المشكلة الرئيسية أمام الأمير هي الحصول على سلاح لجيشه ومن ثم أرسل لكل من بريطانيا وأمريكا يطلب المساندة والمدد بالسلاح في مقابل إعطائهم مساحة من سواحل الجزائر كقواعد عسكرية أو لاستثمارها وبمثل ذلك تقدم للعرش الإسباني ولكنه لم يتلقَ أي إجابة وأمام هذا الوضع اضطر في النهاية إلى التفاوض مع القائد الفرنسي الجنرال لاموريسيار على الاستسلام على أن يسمح له بالهجرة إلى الإسكندرية أو عكا ومن أراد من اتباعه وتلقى وعدًا زائفًا بذلك فاستسلم في 23 ديسمبر 1847م ورحل على ظهر إحدى البوارج الفرنسية وإذا بالأمير يجد نفسه بعد ثلاثة أيام في ميناء طولون ثم إلى إحدى السجون الحربية الفرنسية وهكذا انتهت دولة الأمير عبد القادر وقد خاض الأمير خلال هذه الفترة من حياته حوالي 40 معركة مع الفرنسيين والقبائل المتمردة والسلطان المغربي ظل الأمير عبد القادر في سجون فرنسا يعاني من الإهانة والتضييق حتى عام 1852م ثم استدعاه نابليون الثالث بعد توليه الحكم وأكرم نزله وأقام له المآدب الفاخرة ليقابل وزراء ووجهاء فرنسا ويتناول الأمير كافة الشؤون السياسية والعسكرية والعلمية مما أثار إعجاب الجميع بذكائه وخبرته ودُعي الأمير لكي يتخذ من فرنسا وطنًا ثانيًا له ولكنه رفض ورحل إلى الشرق براتب من الحكومة الفرنسية توقف في استانبول حيث السلطان عبد المجيد والتقى فيها بسفراء الدول الأجنبية ثم استقر به المقام في دمشق منذ عام 1856م وفيها أخذ مكانة بين الوجهاء والعلماء وقام بالتدريس في المسجد الأموي كما قام بالتدريس قبل ذلك في المدرسة الأشرفية وفي المدرسة الحقيقية وفي عام 1276هـ/1860 م تتحرك شرارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في منطقة الشام ويكون للأمير دور فعال في حماية أكثر من 15 ألف من المسيحيين إذ استضافهم في منازله لجأ إليه فردينان ديليسبس لإقناع العثمانيين بمشروع قناة السويس وافاه الأجل بدمشق في منتصف ليلة 19 رجب 1300هـ/ 24 مايو 1883 عن عمر يناهز 76 عامًا وقد دفن بجوار الشيخ ابن عربي بالصالحية بدمشق بعد استقلال الجزائر نقل رفاته إلى الجزائر عام 1975م