sriwa

هل تعرف الحاج علي صوّة(1870-1953)الرائد العصامي للتنمية


 

هل تعرف الحاج علي صوّة الرائد العصامي

للتنمية والتحول الاجتماعي التونسي(1870-1953)؟؟

*قيام المستطيع مايجب عليه نحو أمته ووطنه*

ولد الحاج علي بن محمد بن محمد صوّة بقصرهلال سنة1870،توفي أبوه وهو صبي فربته أمه على الاستقامة والصلابة،فاكتفى من العلم بأن حفظ من القرآن مايسمح له بالصلاة،عمل أجيرا في صناعة النسيج تكبيبا وصباغة وحياكة،الى جانب فلاحة الأرض حراثة وزراعة وريّا وحصادا،ثم أضاف التجارة في القطن،ولما اتسع رزقه اشترى ضيعات فلاحية في شراحيل،ووادي قلّات قرب الجم،وولاية بنزرت،وعقارات بسوسة،وتونس العاصمة.نشأ كما ربته أمه،حازما صبورا متواضعا،فجلب بنفسه مواد البناء لمدرسته(مدرسة الهلال)من مدينة سوسة على العربات المجرورة،وبنى مع البنائين وكأنه أحدهم،واستمع الى أنات المكلومين فرادى وجماعات،وردّ على عبارات الثناء في شيء من التضايق وكأنه يستغرب تعجب الناس،فأجاب الأديب حسين الجزيري،"بأن ذلك بعض مايفرضه الواجب على الانسان".

دعاه محمد الصالح المهيدي ب"نوبل تونس"رغم أن المقارنة غير صحيحة باعتبارأن الحاج علي صوة عصامي مكافح،فلم يتنازل قط عن لبس الكدرون،كانت مدرسة الهلال أبرز انجازاته في سنة1929 فكان لها دور مميز في النهضة التربوية والثقافية بقصرهلال،ودور ريادي في النهضة الاجتماعية عموما،والصحوة الوطنية خصوصا،وقد بلغت تكاليف التصرف لتسيير المدرسة في بداية الثلاثينات خمسين ألف فرنك سنويا،بدون أن تدفع منها الحكومة شيئا،لذلك فكر مؤسسها في ضمان مورد لتمويل المدرسة فبنى بجوارها حمّاما سنة1948 وحبّسه عليها.وقد أتاح لأبناء قصرهلال وماجاورها،من مواصلة تعلمهم بالعاصمة بفضل المبيت الذي فتح أبوابه في وجوههم سنة 1942بلا مقابل،فاحتضنهم وحل مشكلة الاقامة فانتفع المئات منهم بخدمات المبيت الذي كان يقع ب"رحبة الغنم" ويشتمل على 43 غرفة قادرة على استيعاب ما ينوف عن 130 طالبا مع أدواش لهم ومصاطب للطبخ.وأنشىء بمدينة قصرهلال مستشفى محلّي سرعان ما تحوّل الى مستشفى جهوي  على مساحة تقدر بعشرة آلاف متر مربّع،بلغت نفقاته 36 ألف دينار من دنانير بداية الخمسينات،وقد حبّس على المستشفى ضيعته الفلاحية الممتازة"هنشير البزازية".

كان الحاج علي صوّة كفا واسعة رحيمة،امتدت الى الفراغ فعمرته،والى الخراب فأصلحته،امتدت الى التعليم فأوجدت البديل،وصنعت بذلك الانسان البديل،وحمته من دواعي اليأس وذلّ الاحباط،فاذا هو بالمنفى محميّ الظهر،واذا هو مدعوم الصحة،ثم هو قبل هذا وذاك مؤمن بما يفعل،قادر على الصمود والتحدي،كانت المدرسة،وكانت المساجد،وكان المستشفى،وكانت المساعدات في أوقات الشدة والضيق،وكانت قبل كل ذلك طاقة رشيدة لاتنضب لأنها طاقة الحاج على صوّة،وقد تحدث شاعر قصرهلال محمد بوشارب شعرا عن أعمال الحاج علي صوّة،الي يوم افتتاح مدرسة الهلال فقال،

                                                        مساع أصابت  في المعالي مراما                  وألقت عن المجد القديم  لثاما

                                                             وأحيت لنا بالله أملنا التي                      قضت نحبها والله يحي العظاما

تحدث عن ذلك سنة 1929 فماذا كان يقول لو تحدث عما أنجز الحاج علي صوّة بعد ذلك التاريخ؟؟؟؟ وقد شهد الكاتب العام الفرنسي للحكومة في نوفمبر 1939 كتابيا بأن تلاميذ مدرسة الهلال دستوريون،وبأن مؤسسها الحاج علي صوّة دستوري الاتجاه،ومن انجازاته الأخرى توسيعه مسجد الحاج سويد سنة1952 ،واعادة بناء جامع الجبل،وادخال تحسينات على جامع الخميري،وبناء مسجد بمنزل قابس سنة1951،وآخر ببوحجر،وبناء فسقية عمومية للشراب بطريق العبابسة على طريق الجم.

ولعل من أبرز الشهادات عن أعمال الحاج علي صوّة الرائد العصامي للتنمية والتحول الاجتماعي التونسي،شهادة المرحومين الطاهر صفروحسين الجزيري،أما شهادة المرحوم الطاهر صفرفقد وردت في خطاب ألقاه يوم 13 أوت 1930 بالمدرسة القرآنية بالمهدية،صدر في جريدة النهضة بتاريخ 20 أوت1930 قال فيه،

"...لو درى البعض من التونسيين مقدار اعتناء الأمم بمدارسها الحرة،وتجولوا في مدن فرنسا ومصر وسويسرا وغيرها وشاهدوا...لانفجرت أعينهم دمعا،ولتصدعت أفئدتهم أسفا على ما يقاسيه أطفالنا نحن...ولو درس أولئك أولئك الأفراد التاريخ العربي وحضارة الاسلام...من دمشق الى الكوفة،الى مدينة بغداد،الى مدن الأندلس،لأبصروا أن تلك الحضارة أسست وقويت على قاعدة اعتناء القوم بالتعليم...ولكن التونسيين غالبهم لم يتجولوا في البلدان،ولم يطالعوا ما احتوت عليه بطون التاريخ،فلم تحنكهم الأسفار والأخبار،فبقوا منكمشين على جملة من العوائد ورثوها من عصور التدهور والسقوط،ومنها عادة قلة البذل والانفاق،فذبلت مشاريعنا،وتقلص ظل مؤسساتنا ،وبقينا نتخبط في حياة تأخر وانحدار الى أن أتيح لبعض العظماء من رجال تونس وهو الفاضل الغيور السيد الحاج علي صوّة ببلدة قصرهلال،أن يحيي عادة الأجداد القدماء وهي طبيعة الكرم والاستماتة في سبيل المجد والشرف بماله الخاص،فأسس بماله الخاص هيكلا طار ذكره في الآفاق،وصيّره مدرسة ابتدائية،وأنفق عليه الأموال الطائلة..."،أما المرحوم حسين الجزيري فقد وردت شهادته في مقال بجريدة النديم الأسبوعية بتاريخ 15 فيفري1930 قال فيه ما يلي،

"سافرت مرّات وزرت الكثير من بلدان المملكة،ولاأذكر أني رجعت مفعم الصدرسرورا وحبورا كيوم حللت ببلدة قصرهلال،وبارحتها أرقص طربا مما رأيت،رأيت مثلا أعلى لقيام المستطيع مايجب عليه نحو أمته ووطنه،بل رأيت نموذجا جميلا لوضع المال فيما خلق له وبذله مهرا للسعادة ووقاية من النصب والشقاء.وماأدراك ما صنيع الخير الغيور السيد الحاج علي صوّة مشيّد مدرسة قصرهلال،ومقدمها بين يدي نجواه مبرّة خالدة وحسنة كبرى،ولمثل هذا فليعمل العاملون،مدرسة شاسعة الأكناف،مترامية الأطراف،يبهرك بديع نظامها،وتنسيق أقسامها،ولا يلهيك عن الاهتمام بمالها من بهاء ورواء غير حديث صاحبها ذلك الشيخ الوقوروالمحسن الغيور،حدثناه بشأن عمله الصالح فقال بالرغم من أمّيته ما معناه،العلم أفضل ما يسعى الانسان لحصوله،وتخلية الأبناء في ظلمات الجهل أفظع جريمة يقترفها الآباء.وأنا أؤمل أن أكون بعملي هذا قد مهدت لابناء بلدي اسعاد أولادهم،وذلك بعض ما يفرضه الواجب على الانسان،أنفقت مئات الألوف في تشييد مدرستي هذه ولازلت أنفق لاتمام معداتها،وأراني أشعر بأكبر لذة وأشمل غبطة،كلما زدت بذلا،وكيفما أكثرت انفاقا،هذا ما كان يقوله ذلك الرجل البسيط لزواره أيام كان منهمكا في العمل مع البنائين كأحدهم،وهو يعتقد أن له من وراء عمله أعظم شرف وأكبر فخر.على أننا لا ننسى ما رأينا عليه أولئك البنائين الأجراء من كبير النشاط،ووافر الاعتناء،وكيف كانوا متأثرين بتأثر مؤجرهم،يعملون لا على قدرأجورهم،بل بنسبة ما يدور في خلدهم من عظيم التقدير لثمرة ماهم يعملون.وحيث كنت في أثناء تلك الزيارة مصطحبا آلة التصوير،فقد بادرت برسم الصور الثلاث المثبتتة خلال هذه السطور،وهي تمثل السيد الحاج صوّة واقفا أمام باب مدرسته،ثم ناحية من صحن المدرسة،ويرى بها البعض من أخشاب البناء،ثم منظر البنائين،وترى بعضهم في الصورة يحملون آلات شغلهم لتكون لهم لدى الرائي شعارا،وبعد فلعل القارىء يفهم أن الذي يحدو بنا الى التحدث تكرارا عن هذه المدرسة،هو حض أغنيائنا على الانتباه الى الواجب لعلهم يحذون حذو هذا الوطني الأبر فيجعلون في أموالهم نصيبا لخدمة العلم واعلاء شأنه،والله ولي التوفيق.

هل تعرف الحاج علي صوّة(1870-1953)الرائد العصامي للتنمية


 

هل تعرف الحاج علي صوّة الرائد العصامي

للتنمية والتحول الاجتماعي التونسي(1870-1953)؟؟

*قيام المستطيع مايجب عليه نحو أمته ووطنه*

ولد الحاج علي بن محمد بن محمد صوّة بقصرهلال سنة1870،توفي أبوه وهو صبي فربته أمه على الاستقامة والصلابة،فاكتفى من العلم بأن حفظ من القرآن مايسمح له بالصلاة،عمل أجيرا في صناعة النسيج تكبيبا وصباغة وحياكة،الى جانب فلاحة الأرض حراثة وزراعة وريّا وحصادا،ثم أضاف التجارة في القطن،ولما اتسع رزقه اشترى ضيعات فلاحية في شراحيل،ووادي قلّات قرب الجم،وولاية بنزرت،وعقارات بسوسة،وتونس العاصمة.نشأ كما ربته أمه،حازما صبورا متواضعا،فجلب بنفسه مواد البناء لمدرسته(مدرسة الهلال)من مدينة سوسة على العربات المجرورة،وبنى مع البنائين وكأنه أحدهم،واستمع الى أنات المكلومين فرادى وجماعات،وردّ على عبارات الثناء في شيء من التضايق وكأنه يستغرب تعجب الناس،فأجاب الأديب حسين الجزيري،"بأن ذلك بعض مايفرضه الواجب على الانسان".

دعاه محمد الصالح المهيدي ب"نوبل تونس"رغم أن المقارنة غير صحيحة باعتبارأن الحاج علي صوة عصامي مكافح،فلم يتنازل قط عن لبس الكدرون،كانت مدرسة الهلال أبرز انجازاته في سنة1929 فكان لها دور مميز في النهضة التربوية والثقافية بقصرهلال،ودور ريادي في النهضة الاجتماعية عموما،والصحوة الوطنية خصوصا،وقد بلغت تكاليف التصرف لتسيير المدرسة في بداية الثلاثينات خمسين ألف فرنك سنويا،بدون أن تدفع منها الحكومة شيئا،لذلك فكر مؤسسها في ضمان مورد لتمويل المدرسة فبنى بجوارها حمّاما سنة1948 وحبّسه عليها.وقد أتاح لأبناء قصرهلال وماجاورها،من مواصلة تعلمهم بالعاصمة بفضل المبيت الذي فتح أبوابه في وجوههم سنة 1942بلا مقابل،فاحتضنهم وحل مشكلة الاقامة فانتفع المئات منهم بخدمات المبيت الذي كان يقع ب"رحبة الغنم" ويشتمل على 43 غرفة قادرة على استيعاب ما ينوف عن 130 طالبا مع أدواش لهم ومصاطب للطبخ.وأنشىء بمدينة قصرهلال مستشفى محلّي سرعان ما تحوّل الى مستشفى جهوي  على مساحة تقدر بعشرة آلاف متر مربّع،بلغت نفقاته 36 ألف دينار من دنانير بداية الخمسينات،وقد حبّس على المستشفى ضيعته الفلاحية الممتازة"هنشير البزازية".

كان الحاج علي صوّة كفا واسعة رحيمة،امتدت الى الفراغ فعمرته،والى الخراب فأصلحته،امتدت الى التعليم فأوجدت البديل،وصنعت بذلك الانسان البديل،وحمته من دواعي اليأس وذلّ الاحباط،فاذا هو بالمنفى محميّ الظهر،واذا هو مدعوم الصحة،ثم هو قبل هذا وذاك مؤمن بما يفعل،قادر على الصمود والتحدي،كانت المدرسة،وكانت المساجد،وكان المستشفى،وكانت المساعدات في أوقات الشدة والضيق،وكانت قبل كل ذلك طاقة رشيدة لاتنضب لأنها طاقة الحاج على صوّة،وقد تحدث شاعر قصرهلال محمد بوشارب شعرا عن أعمال الحاج علي صوّة،الي يوم افتتاح مدرسة الهلال فقال،

                                                        مساع أصابت  في المعالي مراما                  وألقت عن المجد القديم  لثاما

                                                             وأحيت لنا بالله أملنا التي                      قضت نحبها والله يحي العظاما

تحدث عن ذلك سنة 1929 فماذا كان يقول لو تحدث عما أنجز الحاج علي صوّة بعد ذلك التاريخ؟؟؟؟ وقد شهد الكاتب العام الفرنسي للحكومة في نوفمبر 1939 كتابيا بأن تلاميذ مدرسة الهلال دستوريون،وبأن مؤسسها الحاج علي صوّة دستوري الاتجاه،ومن انجازاته الأخرى توسيعه مسجد الحاج سويد سنة1952 ،واعادة بناء جامع الجبل،وادخال تحسينات على جامع الخميري،وبناء مسجد بمنزل قابس سنة1951،وآخر ببوحجر،وبناء فسقية عمومية للشراب بطريق العبابسة على طريق الجم.

ولعل من أبرز الشهادات عن أعمال الحاج علي صوّة الرائد العصامي للتنمية والتحول الاجتماعي التونسي،شهادة المرحومين الطاهر صفروحسين الجزيري،أما شهادة المرحوم الطاهر صفرفقد وردت في خطاب ألقاه يوم 13 أوت 1930 بالمدرسة القرآنية بالمهدية،صدر في جريدة النهضة بتاريخ 20 أوت1930 قال فيه،

"...لو درى البعض من التونسيين مقدار اعتناء الأمم بمدارسها الحرة،وتجولوا في مدن فرنسا ومصر وسويسرا وغيرها وشاهدوا...لانفجرت أعينهم دمعا،ولتصدعت أفئدتهم أسفا على ما يقاسيه أطفالنا نحن...ولو درس أولئك أولئك الأفراد التاريخ العربي وحضارة الاسلام...من دمشق الى الكوفة،الى مدينة بغداد،الى مدن الأندلس،لأبصروا أن تلك الحضارة أسست وقويت على قاعدة اعتناء القوم بالتعليم...ولكن التونسيين غالبهم لم يتجولوا في البلدان،ولم يطالعوا ما احتوت عليه بطون التاريخ،فلم تحنكهم الأسفار والأخبار،فبقوا منكمشين على جملة من العوائد ورثوها من عصور التدهور والسقوط،ومنها عادة قلة البذل والانفاق،فذبلت مشاريعنا،وتقلص ظل مؤسساتنا ،وبقينا نتخبط في حياة تأخر وانحدار الى أن أتيح لبعض العظماء من رجال تونس وهو الفاضل الغيور السيد الحاج علي صوّة ببلدة قصرهلال،أن يحيي عادة الأجداد القدماء وهي طبيعة الكرم والاستماتة في سبيل المجد والشرف بماله الخاص،فأسس بماله الخاص هيكلا طار ذكره في الآفاق،وصيّره مدرسة ابتدائية،وأنفق عليه الأموال الطائلة..."،أما المرحوم حسين الجزيري فقد وردت شهادته في مقال بجريدة النديم الأسبوعية بتاريخ 15 فيفري1930 قال فيه ما يلي،

"سافرت مرّات وزرت الكثير من بلدان المملكة،ولاأذكر أني رجعت مفعم الصدرسرورا وحبورا كيوم حللت ببلدة قصرهلال،وبارحتها أرقص طربا مما رأيت،رأيت مثلا أعلى لقيام المستطيع مايجب عليه نحو أمته ووطنه،بل رأيت نموذجا جميلا لوضع المال فيما خلق له وبذله مهرا للسعادة ووقاية من النصب والشقاء.وماأدراك ما صنيع الخير الغيور السيد الحاج علي صوّة مشيّد مدرسة قصرهلال،ومقدمها بين يدي نجواه مبرّة خالدة وحسنة كبرى،ولمثل هذا فليعمل العاملون،مدرسة شاسعة الأكناف،مترامية الأطراف،يبهرك بديع نظامها،وتنسيق أقسامها،ولا يلهيك عن الاهتمام بمالها من بهاء ورواء غير حديث صاحبها ذلك الشيخ الوقوروالمحسن الغيور،حدثناه بشأن عمله الصالح فقال بالرغم من أمّيته ما معناه،العلم أفضل ما يسعى الانسان لحصوله،وتخلية الأبناء في ظلمات الجهل أفظع جريمة يقترفها الآباء.وأنا أؤمل أن أكون بعملي هذا قد مهدت لابناء بلدي اسعاد أولادهم،وذلك بعض ما يفرضه الواجب على الانسان،أنفقت مئات الألوف في تشييد مدرستي هذه ولازلت أنفق لاتمام معداتها،وأراني أشعر بأكبر لذة وأشمل غبطة،كلما زدت بذلا،وكيفما أكثرت انفاقا،هذا ما كان يقوله ذلك الرجل البسيط لزواره أيام كان منهمكا في العمل مع البنائين كأحدهم،وهو يعتقد أن له من وراء عمله أعظم شرف وأكبر فخر.على أننا لا ننسى ما رأينا عليه أولئك البنائين الأجراء من كبير النشاط،ووافر الاعتناء،وكيف كانوا متأثرين بتأثر مؤجرهم،يعملون لا على قدرأجورهم،بل بنسبة ما يدور في خلدهم من عظيم التقدير لثمرة ماهم يعملون.وحيث كنت في أثناء تلك الزيارة مصطحبا آلة التصوير،فقد بادرت برسم الصور الثلاث المثبتتة خلال هذه السطور،وهي تمثل السيد الحاج صوّة واقفا أمام باب مدرسته،ثم ناحية من صحن المدرسة،ويرى بها البعض من أخشاب البناء،ثم منظر البنائين،وترى بعضهم في الصورة يحملون آلات شغلهم لتكون لهم لدى الرائي شعارا،وبعد فلعل القارىء يفهم أن الذي يحدو بنا الى التحدث تكرارا عن هذه المدرسة،هو حض أغنيائنا على الانتباه الى الواجب لعلهم يحذون حذو هذا الوطني الأبر فيجعلون في أموالهم نصيبا لخدمة العلم واعلاء شأنه،والله ولي التوفيق.

هل تعرف الحاج علي صوّة(1870-1953)الرائد العصامي للتنمية


 

هل تعرف الحاج علي صوّة الرائد العصامي

للتنمية والتحول الاجتماعي التونسي(1870-1953)؟؟

*قيام المستطيع مايجب عليه نحو أمته ووطنه*

ولد الحاج علي بن محمد بن محمد صوّة بقصرهلال سنة1870،توفي أبوه وهو صبي فربته أمه على الاستقامة والصلابة،فاكتفى من العلم بأن حفظ من القرآن مايسمح له بالصلاة،عمل أجيرا في صناعة النسيج تكبيبا وصباغة وحياكة،الى جانب فلاحة الأرض حراثة وزراعة وريّا وحصادا،ثم أضاف التجارة في القطن،ولما اتسع رزقه اشترى ضيعات فلاحية في شراحيل،ووادي قلّات قرب الجم،وولاية بنزرت،وعقارات بسوسة،وتونس العاصمة.نشأ كما ربته أمه،حازما صبورا متواضعا،فجلب بنفسه مواد البناء لمدرسته(مدرسة الهلال)من مدينة سوسة على العربات المجرورة،وبنى مع البنائين وكأنه أحدهم،واستمع الى أنات المكلومين فرادى وجماعات،وردّ على عبارات الثناء في شيء من التضايق وكأنه يستغرب تعجب الناس،فأجاب الأديب حسين الجزيري،"بأن ذلك بعض مايفرضه الواجب على الانسان".

دعاه محمد الصالح المهيدي ب"نوبل تونس"رغم أن المقارنة غير صحيحة باعتبارأن الحاج علي صوة عصامي مكافح،فلم يتنازل قط عن لبس الكدرون،كانت مدرسة الهلال أبرز انجازاته في سنة1929 فكان لها دور مميز في النهضة التربوية والثقافية بقصرهلال،ودور ريادي في النهضة الاجتماعية عموما،والصحوة الوطنية خصوصا،وقد بلغت تكاليف التصرف لتسيير المدرسة في بداية الثلاثينات خمسين ألف فرنك سنويا،بدون أن تدفع منها الحكومة شيئا،لذلك فكر مؤسسها في ضمان مورد لتمويل المدرسة فبنى بجوارها حمّاما سنة1948 وحبّسه عليها.وقد أتاح لأبناء قصرهلال وماجاورها،من مواصلة تعلمهم بالعاصمة بفضل المبيت الذي فتح أبوابه في وجوههم سنة 1942بلا مقابل،فاحتضنهم وحل مشكلة الاقامة فانتفع المئات منهم بخدمات المبيت الذي كان يقع ب"رحبة الغنم" ويشتمل على 43 غرفة قادرة على استيعاب ما ينوف عن 130 طالبا مع أدواش لهم ومصاطب للطبخ.وأنشىء بمدينة قصرهلال مستشفى محلّي سرعان ما تحوّل الى مستشفى جهوي  على مساحة تقدر بعشرة آلاف متر مربّع،بلغت نفقاته 36 ألف دينار من دنانير بداية الخمسينات،وقد حبّس على المستشفى ضيعته الفلاحية الممتازة"هنشير البزازية".

كان الحاج علي صوّة كفا واسعة رحيمة،امتدت الى الفراغ فعمرته،والى الخراب فأصلحته،امتدت الى التعليم فأوجدت البديل،وصنعت بذلك الانسان البديل،وحمته من دواعي اليأس وذلّ الاحباط،فاذا هو بالمنفى محميّ الظهر،واذا هو مدعوم الصحة،ثم هو قبل هذا وذاك مؤمن بما يفعل،قادر على الصمود والتحدي،كانت المدرسة،وكانت المساجد،وكان المستشفى،وكانت المساعدات في أوقات الشدة والضيق،وكانت قبل كل ذلك طاقة رشيدة لاتنضب لأنها طاقة الحاج على صوّة،وقد تحدث شاعر قصرهلال محمد بوشارب شعرا عن أعمال الحاج علي صوّة،الي يوم افتتاح مدرسة الهلال فقال،

                                                        مساع أصابت  في المعالي مراما                  وألقت عن المجد القديم  لثاما

                                                             وأحيت لنا بالله أملنا التي                      قضت نحبها والله يحي العظاما

تحدث عن ذلك سنة 1929 فماذا كان يقول لو تحدث عما أنجز الحاج علي صوّة بعد ذلك التاريخ؟؟؟؟ وقد شهد الكاتب العام الفرنسي للحكومة في نوفمبر 1939 كتابيا بأن تلاميذ مدرسة الهلال دستوريون،وبأن مؤسسها الحاج علي صوّة دستوري الاتجاه،ومن انجازاته الأخرى توسيعه مسجد الحاج سويد سنة1952 ،واعادة بناء جامع الجبل،وادخال تحسينات على جامع الخميري،وبناء مسجد بمنزل قابس سنة1951،وآخر ببوحجر،وبناء فسقية عمومية للشراب بطريق العبابسة على طريق الجم.

ولعل من أبرز الشهادات عن أعمال الحاج علي صوّة الرائد العصامي للتنمية والتحول الاجتماعي التونسي،شهادة المرحومين الطاهر صفروحسين الجزيري،أما شهادة المرحوم الطاهر صفرفقد وردت في خطاب ألقاه يوم 13 أوت 1930 بالمدرسة القرآنية بالمهدية،صدر في جريدة النهضة بتاريخ 20 أوت1930 قال فيه،

"...لو درى البعض من التونسيين مقدار اعتناء الأمم بمدارسها الحرة،وتجولوا في مدن فرنسا ومصر وسويسرا وغيرها وشاهدوا...لانفجرت أعينهم دمعا،ولتصدعت أفئدتهم أسفا على ما يقاسيه أطفالنا نحن...ولو درس أولئك أولئك الأفراد التاريخ العربي وحضارة الاسلام...من دمشق الى الكوفة،الى مدينة بغداد،الى مدن الأندلس،لأبصروا أن تلك الحضارة أسست وقويت على قاعدة اعتناء القوم بالتعليم...ولكن التونسيين غالبهم لم يتجولوا في البلدان،ولم يطالعوا ما احتوت عليه بطون التاريخ،فلم تحنكهم الأسفار والأخبار،فبقوا منكمشين على جملة من العوائد ورثوها من عصور التدهور والسقوط،ومنها عادة قلة البذل والانفاق،فذبلت مشاريعنا،وتقلص ظل مؤسساتنا ،وبقينا نتخبط في حياة تأخر وانحدار الى أن أتيح لبعض العظماء من رجال تونس وهو الفاضل الغيور السيد الحاج علي صوّة ببلدة قصرهلال،أن يحيي عادة الأجداد القدماء وهي طبيعة الكرم والاستماتة في سبيل المجد والشرف بماله الخاص،فأسس بماله الخاص هيكلا طار ذكره في الآفاق،وصيّره مدرسة ابتدائية،وأنفق عليه الأموال الطائلة..."،أما المرحوم حسين الجزيري فقد وردت شهادته في مقال بجريدة النديم الأسبوعية بتاريخ 15 فيفري1930 قال فيه ما يلي،

"سافرت مرّات وزرت الكثير من بلدان المملكة،ولاأذكر أني رجعت مفعم الصدرسرورا وحبورا كيوم حللت ببلدة قصرهلال،وبارحتها أرقص طربا مما رأيت،رأيت مثلا أعلى لقيام المستطيع مايجب عليه نحو أمته ووطنه،بل رأيت نموذجا جميلا لوضع المال فيما خلق له وبذله مهرا للسعادة ووقاية من النصب والشقاء.وماأدراك ما صنيع الخير الغيور السيد الحاج علي صوّة مشيّد مدرسة قصرهلال،ومقدمها بين يدي نجواه مبرّة خالدة وحسنة كبرى،ولمثل هذا فليعمل العاملون،مدرسة شاسعة الأكناف،مترامية الأطراف،يبهرك بديع نظامها،وتنسيق أقسامها،ولا يلهيك عن الاهتمام بمالها من بهاء ورواء غير حديث صاحبها ذلك الشيخ الوقوروالمحسن الغيور،حدثناه بشأن عمله الصالح فقال بالرغم من أمّيته ما معناه،العلم أفضل ما يسعى الانسان لحصوله،وتخلية الأبناء في ظلمات الجهل أفظع جريمة يقترفها الآباء.وأنا أؤمل أن أكون بعملي هذا قد مهدت لابناء بلدي اسعاد أولادهم،وذلك بعض ما يفرضه الواجب على الانسان،أنفقت مئات الألوف في تشييد مدرستي هذه ولازلت أنفق لاتمام معداتها،وأراني أشعر بأكبر لذة وأشمل غبطة،كلما زدت بذلا،وكيفما أكثرت انفاقا،هذا ما كان يقوله ذلك الرجل البسيط لزواره أيام كان منهمكا في العمل مع البنائين كأحدهم،وهو يعتقد أن له من وراء عمله أعظم شرف وأكبر فخر.على أننا لا ننسى ما رأينا عليه أولئك البنائين الأجراء من كبير النشاط،ووافر الاعتناء،وكيف كانوا متأثرين بتأثر مؤجرهم،يعملون لا على قدرأجورهم،بل بنسبة ما يدور في خلدهم من عظيم التقدير لثمرة ماهم يعملون.وحيث كنت في أثناء تلك الزيارة مصطحبا آلة التصوير،فقد بادرت برسم الصور الثلاث المثبتتة خلال هذه السطور،وهي تمثل السيد الحاج صوّة واقفا أمام باب مدرسته،ثم ناحية من صحن المدرسة،ويرى بها البعض من أخشاب البناء،ثم منظر البنائين،وترى بعضهم في الصورة يحملون آلات شغلهم لتكون لهم لدى الرائي شعارا،وبعد فلعل القارىء يفهم أن الذي يحدو بنا الى التحدث تكرارا عن هذه المدرسة،هو حض أغنيائنا على الانتباه الى الواجب لعلهم يحذون حذو هذا الوطني الأبر فيجعلون في أموالهم نصيبا لخدمة العلم واعلاء شأنه،والله ولي التوفيق.

Congratulations!

If you can read this post, it means that the registration process was successful and that you can start blogging
 
A service provided by Al Bawaba