( مغامرة رأس المملوك جابر ) : حين ضاعت بغداد بين خليفة ووزير ومملوكه ؟!
23 نيسان, 2008
المسرحية التي كتبها سعدالله ونوس متأثرا بنكسة حزيران( مغامرة رأس المملوك جابر ) : حين ضاعت بغداد بين خليفة ووزير ومملوكه ؟!كتب : سليمان البزورحقا لا تملك الا ان تعترف بالنشوة الخفية التي تعتريك والحبل السري الذي يشدكوانت تقرأ ايا من اعمال الاديب المسرحي الراحلسعدالله ونوّس حيث يضعك الكاتب في اجواء تستحضر الماضي والحاضر في آن معا لتترك المستقبل مساحة كبيرة للتأمل وعنوانا عريضا يحتمل كل التناقضات الاجتماعية والطقوس الحياتية المختلفة التي اختزلتها شخصيات ونوس المسرحية التي اجلسها على خشبة المسرح نيابة عنةتلك الشخصيات المفتوحة على كل الاحتمالات والقابلة للتطور حينا والتغلغل في اعماق المتلقي احيانا اخرى .ومن بين تلك الاعمال التي خطها سعد الله ونوّس مسرحية ( مغامرة رأس الملوك جابر ) والتي تنقل لنا فصولها الصراع المستعر ما بين خليفة بغداد ( شعبان المنتصر بالله ) ووزيرة ( محمد العبدلي )اذ يتصارعا في لهاث محموم على الضفر بالسلطة والسيطرة على البلاد والعباد هناك في بغداد المدينة الاشبة بالقنبلة الانشطارية التي تنفجر وتتشضى في كل زمان ولنجد ان الخاسر الاول والاخير من وراء ذلك الصراع الدامي والاقتتال على صولجان السلطة هو _ كعادة التاريخ ومتلازمتة الازلية _ هم العامة الذين لاحول لهم ولا قوة سوى الصبر على كل ما افرزة ذلك الصراع من اوضاع اشبة بالمجاعة حيث الناس رجالا ونساء في طوابير متكدسة امام المخابز وفي الازقة الضيقة اذ تحول غالبيتهم الى متسولين بقدرة قادر ونتيجة حتمية للصراع على السلطة لايملكون الا انتظار الفرج الذي لن يتحقق الا بانتصار احد خصمين احلاهما مربعد اراقة الكثير الكثير من الدماء البريئة لتعود بعدها الحياة في بغداد الى سابق عهدها وليبقى لسان حال هذة العامة يلهج بالعبارة الشعبية غير المأثورة (( اللي بتزوج امنا بنقـلوا عمنا )) .جابر و الشخصية الانتهازية وفي وسط هذة ( المعمعة ) يبرز احد خدم الوزير محمد العبدلي وهو المملوك جابر بشخصيتة الانتهازية و الذي يحاول اقتناص الفرصحين يعرض على سيدة العبدلي فكرة الخروج برسالة الى خارج اسوار بغداد التي اغلقها الخليفة على خصمة الوزير ورجالة ليقطع عليه الطريق خوفا من الاستعانة باحد امراء وملوك الولايات والمدن المعادية للخليفة .وهنا يبرز ونوّس دور جابر الانتهازي الذي اراد ونوّس من خلالة ان يقدم لنا نموذج لشخصية انتشرت وازدهرت على مر التاريخ في مراحل الازمات لتجد في تلك الادوار الدنيئة مهربا وفرصة للوصول الى غايات ومآرب فردية ضاربة عرض الحائط بكل ماهو مصلحة لسواها حتى ولو كان لشعب بأكملة .وتتمثل فكرة المملوك جابر الجهنمية التي عرضها على الوزير في ان يحلق جابر رأسة حتى تكون ملساء خالية من الشعر ليكتب بعدها الوزير رسالتة التي يريد لها الطيران خارج اسوار بغداد على تلك الرأس الصلعاء في انتظار ان ينمو الشعر وتختفي ملاح الحبر عن الناظرين ويذهب بعدها الى بلاد العجم وهي الوجهة المقصودة وحتى يكتسي الرأس بالسواد يبقى المملوك جابر حبيسا في غرفة تغرق بالظلام وبريق عيون المارد الذي يحرس تلك الحجرة التي اصبح فيها الآن اغلى كنوز الوزير ... الرسالة التي لايعرف كنهها حتى صاحب الرأس الذي كتبت علية .الخانع والمتمردوتتواصل فصول مسرحية سعد الله ونوس وعرضة للاحداث التي تدور هناك في بغداد مابين الخليفة ووزيرة وتداعياتها على الاوضاع المعيشية هناك وتعرض المسرحية مشهدا لمجموعة من عامة الشعب في بغداد ينتظرون امام المخبز املا في الحصول على الخبز الذي تأخر وفي تلك الاثناء تدور احاديث جانبية بين ( جمهور الخبز ) يتضح لنا من خلالها ان السواد الاعظم من هؤلاء يجهلون سبب الخلاف الناشب مابين الخليفة ووزيرة وقد جعلهم الخوف في غنى عن محاولة معرفة السبب فكل مايعرفوه ان الحرس خرجوا من ثكناتهم وملئوا الشوارع والطرقات مكتفين بالصراخ بين حين وآخر على ابو عمر صاحب المخبز أملا في التعجيل بتلبية مطالبهم قبل وقوع الواقعة ليذهب كل الى بيتة فيسلم وعيالة بجلودهم.ويواصل ونوّس اسقاط تبعات نكسة حزيران على هذة المسرحية عندما زج لنابأحد الرجال للوقوف آخر طابور ( جمهور الخبز ) ليبدأ ذلك الرجل ذا الشخصية المتمردة الناقدة لكل ماهو مسكوت عنة من قبل العامة بكسر حاجز الصمتحين يباغتهم بالسؤال المصيريمالذي يحدث هنا ؟؟ عندها استقبل الطابور ذلك السؤالبنوبة استغراب ليسألوه بدورهم هل انت غريب عن بغداد ؟لتكون الاجابة الصاعقة " والله اني وابي واجدادي ولدنا في بغداد " ومن ثم يبدأ هذا الرجل بالتأفأف من الحال التي وصلت اليها الامور في بغداد مبديا امتعاضة من معمعة الصراع مابين الخليفة ووزيرة التي لايذهب ضحيتها سوى العامة تاركا ً اياهم مشدوهين لشدة جرأتة في الكلام بما هو محرم بالنسبة لهم وتتواصل بعدها أسئلة الطابور لذلك الرجل محاولين استمالتة بالترهيب ليصعقهم مرة اخرى حين يقول لهم انة كان في السجن وخبرة جيدا وليستمر الطرفان ( جمهور الخبز ) وذلك الرجل المتمرد في سجال طويل وكل منهم لازال متمسكا برأية دون الوصول الى نتيجة .السفر الطويلكل هذا يحدث في اسواق بغداد والمملوك جابر في الغرفة المظلمة بانتظار نمو الشعر الذي سيخبئ الرسالة ليتقرر على اثر ذلك مصير الدولة كاملة وكلما مضى يوم زادت فرحة جابر باقتراب موعد خروجة لايصال الرسالة وحصوله على حبيبة القلب ( زمرد )خادمة الجارية المحضية , وجاء اليوم الموعود ليمتطي المملوك جابر فرسه التي وهبه اياها الوزير مودعا بكل الحفاوة والاحترام وبوصايا لها اول وليس آخر للحفاظ على الرسالة السر والرأس الذي يحملها فيقطع الفيافي والجبال يسير ليلا نهارا للوصول بأقصى سرعة دون ان ينسى ان في بغداد حبيبة تنتظرة واكياس من الذهب واعلى المناصب والمراتب , كل هذا وما خفي في بغداد كان اعظم حيثالجوع جفف اثداء الامهات وقطع الحليب عن صدورهن ولتلغي تلك المجاعة مفخرة العرب القائلة ( تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ) وذلك عندما يعرض ونوس في مسرحيتة مشهد المرأة التي تحاول اسكات رضيعها المستمر بالبكاء جوعا فتخرج له ثديها الجاف من الحليب .. كيف لاوهي لم تأكل منذ يومين ليدخل عليها الزوج الذي فقد عملة نتيجة لحالة الكساد التي تعيشها اسواق بغداد وتجارتها ليقفا حائرين وهما يشاهدان طفلهما يموت بطيئا ليقفا امام الخيار الاخير والاشد مرارة وهو اللجوء للجار العجوز الجشع- الذي سبق لة وان راود هذة المرأة عن نفسها - والذي يمتلك مؤونة تكفيه لاعوام وليكون الثمن باهضا وهو في رضوخها لمطالبة وهب تلك المرأة جسدها للعجوزالجشع رغم ذرف الدموع والحسرات التي تعتمل في قلب الرجل الذي وافق مرغما كي لا يموت الطفل.كل هذا يحدث في بغداد وجابر لازال يسير الى بلاد العجم فيصل الى حيث قصر الملك ( منكتم بن داوود ) فيحلقوا شعرة ويقف بين يدي الملك فيقرأ ماخط على رأسة وبعدها ينادي الملك ابن داوود على ( لهب )سيافة ذو الجثة الضخمة برأسة الاقرع وشارباه الكثان ليقود المملوك جابر الى غرفة داخل اروقة ودهاليز القصر تمتلئ بالسياط والسلاسل والبلطات وفي منتصفها قاعدة خشبية ملطخة بالوان حمراء وعلى احد الجدران ثمة رأس معلق وليعطي جابر مكافئة نظير خدمتة تلك بان فصل رأسه عن جسدة كما تقول الرسالة السر ( من الوزير محمد العبدلي الى بين ايادي الملك منكتم بن داوود , نعلمكم ان الوقت حان وفتح بغداد صار بالامكان , فجهزوا جيوشكم حال وصول الرسالة اليكم وليكن هجومكم سرا وتحت ستر من الكتمان حتى تتم المفاجأة بفتح بغداد وان وجدتم في الطريق عساكر تمشي الينا فاقضوا عليها لانها امدادات للخليفة ونحن هنا نتكفل بالعون وفتح الابواب – ثم يضيف الوزير حاشية صغيرة – وكي يظل الأمر سرا بيننا اقتل حامل الرسالة من غير اطالة ) لتدخل الجيوش بعدها الى بغداد وتتدحرج مئات الرؤوس وتهدم المنازل فوق ساكنيها .وتنتهي فصول مسرحية ونوس التي كتبها في العام 1969 أي في ذروة الوقت الذي كان الشرق لا زال يرزخ تحت وطأة نكسة حزيران 67 وما كشفتة من اقنعة زائفة اختبئ خلفها ابطال الورق وعمالقة القش , ليتركنا سعد الله ونوس بعدها امام طوفان من الاسئلة المفتوحة التي لا تجد جوابا محددا اسئلة تبدو مثل لعبة الصناديق الروسية كلما فتحت صنوقا وجدت بداخلة صندوقا آخر . ونوس الغائب الحاضرولد سعد الله ونوس في قرية حصين البحر في مدينة طرطوس السورية عام 1941 , اكمل دراستة الابتدائية والاعداديةهناك ثم بعدها غادر الى القاهرة حيث درس الصحافةثم بدأت تظهر اهتماماته بالمسرح فاصدر آنذاك كتاب ( حكايا جوقة التماثيل ) الذي احتوى على عدد من المسرحيات القصيرة و في العام 1966يسافر ونوس الى باريس ليتعرف على المسرح الغربي وبعدها بعام كان وقع الصدمة عليه شديدا – كما كان حال الكثيرين – بالواقع الذي فرضتة نكسة حزيران 67 وتوج تلك الصدمة في اسئلة جوهرية طرحها عام 1968 في مسرحيتة ( حفلة سمر من اجل 5 حزيران ) ليتواصل بعدها نتاجة الادبي والمسرحي الكبير مثل ( الملك هو الملك ) 1978 ( الفيل ياملك الزمان ) ( سهرة مع ابي خليل القباني ) مؤسس المسرح في سوريا بعد ذلك اسس وترأس تحرير مجلة ( الحياة المسرحية ) المتخصصة في شؤون المسرح . نال ونوس العديد من الجوائز في مختلف المهرجانات والمحافل ( مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في دورتة الاولى ) , جائزة سلطان العويس الثقافية عن حقل المسرح في دورتها الاولى رحل سعد الله ونوس بعد معاناة طويلة مع المرض في الخامس عشر من ايار 1997 الا ان المرض لم يمنعة عن الكتابة فواصل عشقة للورق الابيض وخشبة المسرح وخرج بالكثير من اعمالة الرائعة في تلك الفترة ( طقوس الاشارات والتحولات ) ,( الايام المخمورة ) , تاركا وراءة ارثا لايخفى على احد دورة في صناعة مسرح عربي يستحق التوقف عندة طويلا ورغم قرب مرور عشر اعوام على رحيله الا ان سعد الله ونوس ترك لنا مسرحا لايمكن معة ان تنساة .