هذه المدونة ستكون منبراً للفكر الديمقراطي المستنير ، التقدمي .وتقبل الرأي والرأي الآخر بغض النظر عن الاختلاف .

لأن الاختلاف سنة الكون.

 

"مقهى في وسط المدينة"
23 نيسان, 2008

"مقهى في وسط المدينة"

   كان أيلول قد بلغ من الكبر عتياً . واعدت آخر الأوراق حقائبها للرحيل .أتعب الصيف أزهار المدينة وآلمها ... ثم جاء الخريف ليزيد من أنينها . قالها بصوت مغادر: بالأمس ودعنا الصيف وها نحن نهيئ أنفسنا في وداع الخريف يبدو أننا جئنا على هذه الدنيا من أجل أن نجرب شتى أنواع الوداع...ولكن عندما نرحل في يومٍ ما هل سنجد من يودعنا ؟!أجاب نفسه بلهجة عاتبة على أحد ما في حياتهأشك في ذلك ..لا بل أشك أن أحدا ًما سيلتفت لغيابناكعادته جالساً في أحد مقاهي وسط المدينة يلتفت إلى حركة المارة ... من بعيد لمحها تمشي مع أحد شباب الليل ..كانت ملامحه أقرب ما تكون إلى زجاجة نبيذ من النوع الفاخر اقتربا اكثر فأكثر_وكأنهما ابتلعا الطريق _ حتى وصلا إلى المقهى المجاور ... ودخلا المقهى تاركين قهقهاتهم خارجاً ترن في أذنه ... وتمزق ما تبقى لديه من أحاسيس ... تحولها أشلاء بحـركة سـريعة قـام عن الطاولة وألقى عليها مبلغاً من النقود دون أن يعرف كم هو ... ؟!وقفز مسرعاً بعد أن نسي علبة السجائر على الطاولة . وقف أمام المقهى الذي دخلت إلية وبدأ يذهب يميناً وشمالاً كأنما هو رقاص الساعة . كأنما هو أرجوحة تهزها بعنف أيادٍ خفية . أشتاق إلى سيجارة وتذكر أنه نسي علبة السجائر في المقهى المجاور . استشار عقله هل يذهب إلى المقهى يحضر السجائر ويعود ؟؟ تدخل قلبه وقال له : ربما مع ذهابك لإحضار السجائر تخرج فتاتك من المقهى ولا يتسنى لك أن توقفها لتحدثها بما يدور في نفسك ...فألغى الفكرة وتمنى مرور أحد باعة السجائر ثم لعنهم جميعاً ... ولعن كل اللحظات التي يصبح المرء فيها دمية ً تحركها أصابع الغير...ثم تلقيها على ناصية الطريق بعد أن تسأم منهاولربما بحثت تلك الأيادي عن دمية أخرى غيرها روح عن نفسه بقضم أضافره وجعلها وجبةً شهية ... وبين لحظة وأخرى كانت تخرج قهقهةٌ من داخل المقهى لتكون معولاً يهدم ما تبقى من كيانه ...قهقهة ممزوجة بنشوة الانتصار والاستعداد من أجل تحقيق نصر آخر بعد قليل .. أو كأنها قهقهة تسخر من كل ما في هذا الوجود من أمور تستحق التوقف عندها .كثيرون من رفاقه مرّوا وهو يذهب يميناً وشمالاً وقد أخفى وجهه عنهم خوفاً من أن يأتي أحدهم إلية ويقف معه فتخرج هي من المقهى دون أن يحقق مطلبه . بقي على هذه الحالة يميناً وشمالاً ... ولم يعر انتباهاً لرذاذ المطر الذي بدأ زيارته للمدينه .. فقط كان يفكر في الكلام الذي سيقوله لها .. يرتبه ويعدله ويحذف منه ما يخشى أن يغير معنى كلامه....لا لن أقول لها هذه الكلمة أخاف أن تفهمها على أنها اعتراف بالخطأولا هذه الكلمة قد تظن أنني أعتذر لها بطريقة باردة وهذه الجملة قد تظن بعدها أنني لا أعيرها اهتماما كافيا ًانتظرها طويلاً ...طويلاً.حتى تحول الرذاذ إلى زخات .. وكادت الزخات أن تتحول إلى ثلوجأراد أن يخرج من جيبه منديلاً ليمسح جبينه من الرذاذ إلا انه خشي أن تخرج أثناء تغطيته وجهه بالمنديل .. ازدحمت المظلة أمام المقهى بالمارة الذين احتموا بها من زخات المطر ... هذا المطر الذي لا يميز بين عاشقا ً ينتظر نصفه الآخر ولابين رجلٍ يسعى ليعود لأطفاله الجياع برغيف خبز ولا حتى يميز المتسكعين في الطرقاتأخذ موقعاً مميزاً بينهم بحيث يوقفها أول خروجها من المقهى . في تلك الأثناء وقف إلى جانبه رجلٌ عجوزوكثيرون من كبار السن يظنون أنهم مازالوا يعيشون قبل عقود من السنين ولا يعلمون بأننا في زمن تستيقض على اختلاف  وتغير لتنام على تغير وأخذ يوجه حديثه أليه قائلاً : لابد أنها سنة خير يا بني ؟أجابه بتحريك رأسه فقط في إشارة تدل على الموافقة حتى لو لم يكن مقتنعا ً بأن الخير قادمسأله العجوز : كم الساعة ؟ أجابه : إنها الرابعة . لم يسمعه العجوز وقال له : لم أسمعك يا أخي . أمسكا الساعة وحدقا بها فإذا بفتاته وشابها يخرجان من باب المقهى وتحركه بهدوء قائله لو سمحت إبتعد عن الممر .. بقي صامتاً يحدق بهما يرحلان . أعطى الساعة للرجل العجوز .. أوقف سيارة أجرة وغادر المكان .    سليمان البزور
بواسطة slimanbzoor 09:32 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba