بورسعيد تاريخها و تطورها 1859م : 1882م " حياة الوطنيين "
19 ايلول, 2009

  

   ان المنطقة التى نشأت فيها فيها بورسعيد فى شمال شرق الدلتا و المطلة على البحر المتوسط قد عُرفت قبل عِدة قرون بمدينة الفرما و تقع على الطرف الشرقى لبُحيرة المنزلة بين البُحيرة و الكُثبان وسط سهل قاحل عِارِ من أى خُضرة و كانت الفرما تمثل ثغرا و حصنا و مدخلا لمصر ، و كانت الفرما من أكثر موانئ الشرق الأدنى نشاطا فى العصور الوشطى و قد هُدمت على أيدى الصليبيين فى 1118م .

 

كما وجدت أيضا مدينة تَنيس و التى اشتهر أهلها بالغنى و الثروة و وُجدت بها صناعة الملابس و المفروشات ، و أيضا وُجدت مدينة الطينة و هى نقطة عسكرية بين الفرما و تنيس و كان بها قلعة لحراسة الحدود و سميت بالطينة لوقوعها فى أرض تغمرها مياه البحر فى بعض الأحيان .

 

كما وُجدت مدينة صان الحجر و مدينة منديس على الفرع المنديسى و الذى كان يصُب فى البحر المتوسط فى الفتحة المعروفة حاليًا باسم فًم الديبة و بردم هذه الفتحة اتسعت المنطقة و عُرفت فيما بعد باسم بوغاز الجميل .

 

و على ذلك فان هذه المنطقة كانت من المناطق الهامة ، و لكن جفاف مصبات النيل و الغزوات و التخريب الذى تعرضت له أدى الى أن أصبحت عديمة الاستقرار و أن تكون مجدبة و مقفرة ، خالية من البشر الا من الصيادين الذين كانوا يعيشون على الصيد من بُحيرة المنزلة .

 

و فى عام 1840م قام الفرنسى لينان بك بوضع مشروع قناة مستقيمة بين البحرين الأبيض و الأحمر ليكون أقصر و أقل تكلفة و أكثر ملائمة لأوروبا و احتياجات تجارتها لأن القناة المُستقيمة تسمح بالمرور السريع للسفن .

 

و على هذا فقد اتخذ السان يسمونين من مشروع لينان و مشروع لوبير ( المهندس الفرنسى الذى عهد اليه نابليون فى 14 نوفمبر 1799 بالتوجه لدراسة مشروع شق القناة أثناء الحملة الفرنسية على مصر ) أساسا للأبحاث التى انتهت على يد ميشيل شيفاليه و الذى أكد امكانية حفر قناة مستقيمة تصل بين البحرين دون الحاجة الى النيل .

 

و أكد المهندس بولان تالابو فى 1846م أن الظروف فعلا ملائمة لحفر القناة الا أنه قضى بأن قناة السويس خرافة ظلت مسيطرة على الأذهان لفترة طويلة ، كما أشار المهندس لويجى نجريللى الى التخلى عن فكرة المشروع .

الا أن دى ليسبس أثبت أن رواسب النيل ضئيلة فى منطقة القناة و بالتالى ليس هناك عواقب فنية لحفر القناة ، و شُكلت لجنة بُناءاً على امره فى 23 ابريل 1855م و أكدت امكانية انشاء ميناء على الياحل البيلوزى ( بورسعيد ) لأن طمى النيل منعدم فى هذه المنطقة .

 

و أعقب ذلك اصدار الخديوى سعيد فرمان الامتياز الثانى لحفر القناة فة 5 يناير 1856م و الذى حُدد فيه أن حفر القناة يكون من ميناء السويس الى البحر المتوسط عند نقطة من خليج الفرما يُحددها المهندسون ، و كان الامتياز الأول قد صدر فى 30 نوفمبر 1854م بشكل ودى لم يتضمن سوى انشاء مدخلين أحدهما فى الشمال و الأخر جنوبا ، و فى 25 ابريل 1859م  اتخذت اللجنة الدولية عدة قرارات من بينها :-

اقامة فنار لارشاد السفن ، انشاء ورش وآلات و منشأت ضرورية للعمل ، انشاء كوبرى أمام بورسعيد يمتد من الشاطئ ليكون رصيفا لرسو السفن .

 

 

ý    نشأة بورسعيد :-

 

استهل دى ليسيبس احتفاله بافتتاح أعمال الحفر فى  25 ابريل 1859م برفع العلم المصرى و أقى كلمة جاء فيها :-

 

" باسم شركة قناة السويس العالمية البحرية و تنفيذ لقرار مجلس ادارتها نضرب أول معول فى هذه الأرض ليفتح أبواب الشرق لتجارة الغرب و حضارته عن طريق مدخل الشرق ، اننا مجتمعون هنا تحدونا فكرة واحدة هى الاخلاص لأغراض الشركة و مصالح راعيها العظيم الأمير محمد سعيد باشا ........"

و بعد ذلك أمسك بمعول و ضرب به الرض و تبعه أعضاء اللجنة فالمهندسون ، ثم توجه دى ليسبيس الى العمال المصريين و قال لهم :-

" سوف يبدأ كل منكم بمعوله فى عملية الحفر كما فعلنا نحن الآن و اذكروا أنكم بهذا لن تحفروا الأرض و لكن ستجلبون الرخاء لأاسركم و لبلادكم " ثم صاح " المجد و الفخار لأفندينا محمد سعيد باشا فليعش عمرا طويلا  " .

 

و فى يونيو1859م أثارت أعمال الحفر الحكومة الانجليزية و التىتحركت لايقاف العمل بالمشروع و تحالفت معها النميا على اثر دخولها الحرب ضد فرنسا ، فأصدر السلطان العثمانى أمرا الى سعيد باشا بايقاف العمل فى هذا المشروع ، الذى أصدر بدوره فرمان سرى الى محافظ دمياط بمنع توريد العمال و الطعام و المياه الى العاملين بالمشروع ، و قد واجهت الشركة ذلك بالسعى لجلب عمالة أجنبية و جلب مواد غذائية من الخارج و بيعها فى المدينة بأرخص الأسعار .

 

و قد تجددت الأزمة مرة أخرى فى أكتوبر1859م حيث أرسلت القسطنطينية مختار بك القبور كتخدا حاملا تحذير الى سعيد باشا من تشجيعه الى المشروع ، و على هذا اجتمع شريف باشا بقناصل الدول الأجنبية و الذين استجابوا لقرار الباب العالى و استجاب العمال الأجانب عدا الفرنسيين و استمروا بالعمل الا أن دى ليسيبس سارع بالاتصال بالامبراطورة أوجينى و ثار الرأى العام الفرنسى و طالبت الصحف الفرنسية بالاسراع بالتدخل لرعاية مصالح فرنسا بمصر ، و كان من نتيجة ذلك استمرار الحفر و اتخذت الحكومة المصرية موقفا سلبيا باكراهها للعمال المصريين على العمل بالحفر ، و هكذا استمرت أعمال الحفر و كتشجيع من الشركة للعمال المصريين أقامت لهم العشش للاقامة بها بقرية (حى ) العرب ، و قامت بتعيين امام لمسجد القرية ، و أقامت العديد من الورش للحدادة و الميكانيكا و غيرها ، كما أقامت مصنعا للطوب و غيرها من المنشأت الداعمة للمشروع و المشجعة للحياة بالمدينة الجديدة .     

 

ý    الميناء و الأرصفة و الحواجز و الأحواض و أعمال الردم :-

 

تطلبت أعمال الحفر أعمال ردم كثيرة حتى يكون الساحل فى مستوى البحر لأن الساحل الذى يفصل البحيرة عن البحر ليس مرتفعا ، أما الأرض التى بنيت عليها المنازل و الورش فقد كان مستواها يصل الى مترين و نصف ارتفاعا ، و فى يوليو عام 1859م وصلت منازل مثل الأكشاك الخشبية من فرنسا و تم وضعها على الساحل و أقيم أمامها رصيف سُمى برصيف أوجينى ( الممشى الحالى القديم ) لحماية المدينة من أمواج البحر ، و قامت الكراكات بنشاط كبير حول حوض المدينة فأزاحت من أعماق المياه كميات كبيرة من الرمال أضافتها الى أراضى بورسعيد ، و على هذا فقد تركزت منشأت المدينة الى جوار الميناء و كانت ذا شكل مستطيل أما قرية العرب فكانت فى أقصى الغرب و كانت صغيرة جدا لا تتعدى مساحتها 1/10 من مساحة بورسعيد ، و قد فصل بين قرية الأجانب 0 حى الافرنج الشرق الحالى ) و قرية العرب ( حى العرب ) مساحة حوالى 500 متر ، و قد انخفضت الى 200 متر عا 1869م .

 

و فى عام 1868م أوشكت أعمال الردم على الانتهاء و بلغ الحجم الكلى لكميات الردم   300¸628 متر مكعب أى أن أعمال الحفر أكسبت المدينة أراضى جديدة أُقيمت عليها مبانى ادارية ، مخازن ، الجمرك، الكنائس، المدارس،و المساجد و غيرها من مرافق المدينة .

 

و مع هذا فقد ظلت قرية العرب مثالا بائسا للحياة فى الشرق ، و التى أقام بها الفلاحون ليعملوا فى حمل الفحم و اليضائع و الأعمال البحرية ، و كانت مساكنهم عشش من البوص ثم استخدمت الألواح الخشبية فى بناءها .

 

و قد ظهرت أهمية ميناء بورسعيد منذ بداية الحفر حيث استُخدم فى استقبال جميع معدات الحفر و مواد و أدوات التموين  من البحر الى بورسعيد مباشرة ، و مع تقم أعمال الحفر تم عمل حاجزين للأمواج ، عُرف الحاجز الغربى باسم دى ليسيبس و بدأ من مكان يقابل شارع أوجينى الحالى و انتهى عند نقطة تقابل شارع السلطان حسين ، أما الحاجز الشرقى فقد أقيم بالمقابل و تتقابل نهايتى الرصيفين عند مدخل الميناء ( المقابل للحديقة التاريخية ) .

 

و كان قد تقرر انشاء جزيرة صغيرة على امتداد الساحل بعرض 5م و طول 10م و عمق نصف م لحماية الثغر و تفريغ السفن عام 1863م و تم بناؤه بأحجار من منطقة المكس بالاسكندرية لعدم وجود أحجار ببورسعيد و كان نقلها صعب فقام الأخوان داسو بتصنيع هذه الحجارة فى بورسعيد فصنعوا 250 ألف متر مكعب من الصخور ، ثم عملها على هيئة بلوكات زنة الواحدة 20 طن كانت تصنع من خرسانة الدقشوم و الجير المائىو الرمال  ، و بدأ غمر هذه الأحجار فى الماء عام 1865م .

 

و فى عام 1870م كان بالميناء 3 أحواض خُصص الحوض الشمالى لأعمال التجارة و المراكب المحلية و الرسو الصغير ، الحوض الجنوبة ( حوض الترسانة ) خُصص لأجهزة الشركة و وُجدت حوله ورش الشركة ، أما الثالث فخُصص لرسو السفن الكبرى التابعة لشركات العزيزية و اللويد النمساوية ، المساجرى أمبريال الفرنسية ، الشركة الروسية للملاحة و التجارة و شركة فارسين و أولاده من مارسيليا و غيرها .

و فى 1859م تم انشاء فنار مؤقت من الخشب كان يضئ لمسافة 10 أميال ، أما الفنار الجديد فتم انشاؤه فى مارس 1870م و كان من الخرسانة ذا لون رمادى ، و كان يُضاء بغاز الاستصباح و كان يصل لمسافة 20 ميل .

 

ý   تنظيم بورسعيد :-

 

اهتمت شركة القناة منذ بداية نشأة المدينة بأن تكون جميع المبانى على أساس من التنظيم ، بل و كانت تتدخل لدى المحافظة لهدم المبانى التى تُقام اذا كانت خاجة عن حدود التنظيم ، و لذلك كان يجب عند بناء أى مبنى جديد الحصول على تصريح من الشركة دون الرجوع للمحافظة ، كما كانت الشركة مسئولة أيضا عن شوارع المدينة و نظافتها حيث كانت تقوم بتحصيل 6 قروش عن كل منزل تحته مطعم ، 5 قروش عن كل دكان ، و قرشين و نصف عن كل عشة بحى العرب نظير هذه الخدمة .

و قد استسلمت الادارة المصرية لما تقوم به الشركة دون مراجعة بل أمرت رعاياها بعدم مخالفة الشركة ، كما راعت الشركة عدم تسكين الأجانب بقرية العرب و العكس ، كما أخلت شوارع المدينة من الباعة الجائلون .

 

و قد تم اعادة تنظيم حى العرب مرة أخرى عام 1869م بعد حريق هائل و قع به ، فتم نقل المحلات خارج المنطقة السكنية و تغريم المخالفين لذلك كما قامت الشركة بتبليط الشوارع بالحجارة لأن الشوارع كانت عبارة عن رمال ناعمة ، أقامت شوارع جديدة ، تحصيل عوايد على العربات التى تمر بالشوارع و كانت قيمتها 5 فرنكات شهريا على العربة ذات الحصان و 8 فرنكات على ذات الحصانين .

 

و قد اتصفت شوارع بورسعيد بأنها متوازية متقاطعة مع بعضها ن و كان عرض الشارع يصل الى 30م و عرض 10 : 15م ، و عرض الحارة 9 : 10أمتار .

 

و كانت الشوراع الرئيسية تخرج من رصيف أوجينى ( الجزء القديم من الممشى الحالى أمام فندق سونستا ) و كانت الشوارع صحية معرضة للشمس و قد أُطلق على الشوارع الثلاثة التى تخرج من الرصيف أسماء أجنبية هى :-

 

-         كانبير cannebiere  و أسماه الأهالى ميدان الميناء .

-    منشر الخشب scierie  و يرجع تسميته الى وجود مصنع خشب قديم بالشارع و كان هو النقطة المركزية للمدينة .

-         الترسانة arsenal  و هو موازى للشارعين السابقين .

 

-     هذا و قد كانت جميع شوارع المدينة تمتد من الشمال الى الجنوب حتى عام 1875م حيث تم انشاء شارع دى ليسيبس الذى امتد من الميناء حتى حى العرب ، و بذلك اكتسبت المدينة الطابع ا؟لأوروبى و قد كان النصف الشمالى للمدينة ( حى الافرنج ) أكثر ازدحاما من القسم الجنوبى ( حى العرب ) ، هذا و قد انفردت الشركة بُناءا على أمى من الخديوى سعيد بتسمية شوارع المدينة بأسماء أجنبية .

 

ý    أقسم بورسعيد :-

 

و من الملاحظ أن بورسعيد قد تشكلت من قسمين رئيسيين :-

 

-    القسم الاول : هو المدينة و يقيم به جميع ا؟لأجانب و قليل من المصريين و يقع هذا القسم غرب القناة و تقع به المحلات التجارية و الفنادق و البنوك و غيرها .

 

و كان بها أيضا أماكن الادارة المصرية للميناء ، أما ضواحى المدينة فكانت بر الانجليز ، بر الرسوة ، البر الشرقى و الذى عُرف فيما بعد ببورفؤاد و كان مخصصا للورش و مخازن اصلاح المراكب ، الكراكات ، البواخر و مبانى اقامة المستخدمين و العمال الفنيين هذا و قد امتازت بورفؤاد بجمال التنسيق .

 

-    القسم الثانى : هو قريه العرب و يقيم به العرب و محلاتهم و مساكنهم و قُسم الى حارات لكل حارة شيخ خاص و كان للقرية كلها شيخيُعرف باسم شيخ القرية .

 

و قد فصل مدينة الافرنج عن العرب مساحة من الأرض الفضاء ، و تكمن أسباب هذا التقسيم الى رغبة الوطنيين بالاقامة فى مكان يبعد عن مكان اقامة الأجانب حفاظا على الحياة الاجتماعية و الدينية و العادات و التقاليد ، كذلك رغبتهم بالاقامة قرب بحيرة المنزلة لسهولة الاتصال ببلادهم و حتىيسهل الحصول على المواد الغذائية و سرعة السفر لبلادهم .

 

و كما علمنا أنه فى أثناء أعمال الحفر تم رفع ميتوى الأرض مترين و نصف و أن أول مساكن بالمدينة كانت أعشاش ثم استُبدلت بمساكن خشبية فى حى الافرنج أما حى العرب فق ظل على مساكن الأعشاش ثم استُبدلت بمساكن من الطوب من دمياط و الأخشاب من القنطرة .

 

و مع تقدم المدينة أنُشأت بعض الفنادق و المنازل من الطوب و قد بلغ عدد المناول عام 1861م 209 منزل ، 132 كشك ، ارتفع العدد فى 1865م الى 1600 منزل ثم الى 2005 منزل بحى الافرنج و 990 منزل بحى العرب عام 1872م ، بالرغم من أن عدد الأهالى كان يفوق عدد الأجانب .

 

ý    مياه الشرب :-

 

عندما بدأت أعمال الحفر كان يتم الحصول على مياه الشرب من دمياط على ظهور الجمال و الحمير ، كما كان هناك مركب مجهز لنقل المياه من الاسكندرية الى بورسعيد ، الا أن الشركة أقامت مكثفين لتقطير المياه الأول فى يونيو و الثانى فى يوليو من عام 1859م و كان يُنتج حوالى 5 ألاف لتر من المياه يوميا ، و كان لتر الماء يحتاج فى تقطيره الى كيلو جرام من الفحم ، و مع ذلك فان هذه الكمية لم تكن تكفى حاجة المدينة لذلك تم الاتفاق مع أحد كبار العاملين بالصيد و يُدعى مصطفى بك عنانى لارسال كميات من المياه تقُدر ب 6 أمتار مكعبة يوميا مقابل 6 فرنكات للمتر المكعب و كان يتم توزيع المياه عبر الشقائين ، و لم يستمر الاتفاق طويلا فتم عقد اتفاق أخر فى 1861 م مع أحد كبار مالكى السفن فى بُحيرة المنزلة و هو محمد الجيار ، و قد أقامت الشركة خزان كبير يقع شرق قرية العرب و يتسع الى 700 متر مكعب .

 

و كانت توجد حنفيات عامة و فى 1875م كان بحى العرب 4 حنفيات و 2 بحى العرب و حنفية ببر الانجليز ، و كانت هُناك محاولات لسرقة هذه الحنفيات كما كانت المياه سببا فى حدوث الكثير من المشاجرات و لذلك قام العرب بجمع 158 فرنك لاقامة طلمبة لاستخراج المياه .

 

و تم انشاء شركة لتقسيم المياه عام 1869م و فى عام 1895م تم حفر ترعة حلوة لتغذية بورسعيد  و الاسماعيلية بالمياه .

 

و فى حين سُمح للأجانب باستهلاك المياه ليلا و نهارا كان العرب يستهلكون المياه نهارا فقط .

 

ý    الوطنيون :-

 

وفد المصريون للعمل بمشروع القناة منذ اليوم الأول للحفر فقد بلغ عدد سُكان بورسعيد من المصريين حوالى 150 شخص ثم ارتفعوا الى أكثر من 3000 شخص عام 1861م ، و مع تقدُم أعمال القناة ووصول المياه العذبة و تحسُن ظروف المعيشة ، ازداد عدد الوافدين من محافظات دمياط ، القليبوبية ، الدقهلية ، الشرقية ، الغربية ، جرجا ، أسيوط ، سوهاج ، قنا و أسوان .

 

الا أنغ أغلب السكان كانوا من محافظة دمياط و لعل ظروف العمل فى بورسعيد كانت أسهل من محافظات الريف حيث ساعات العمل الأقل و توافر وسائل المدنية .

 

و يتضح أن بورسعيد كانت مركزاً لجذب السكُكان لما بها من ميزات جُغرافية ، اقتصادية ، اجتماعية و ادارية ، كذلك يتضح مدى تقُدم بورسعيد على باقى مدن القناة برغم توافر مياه الشُرب و العمران ، أما السويس فهى أقدم مدن القناة و كان من الممكن أن تنمو و تزدهر بدرجة تفوق بورسعيد .

 

و هكذا جمعت بورسعيد بين صفات و عادات و طبائع مميزة و لُغات و لهجات و مختلف الألوان و الأزياء .

 

 

ý    الحرف و الطوائف :-

 

على الرغم من نشأة بورسعيد فى مطلع ستينات القرن التاسع عشر الا أنها شهدت ظهور العديد من الطوائف و الحرف من أمثلتها :-

 

طائفة حمالى الفحم ، طائفة القلافطة ( القلاف ) ، طائفة التراجمة ، طائفة العياشة ( بائعوا الخبز ) ، طائفة السماكين ، طائفة الصباغين و غيرها .

و الى جانب هذه الطوائف ظهرت طوائف تربط فيما بينها الروابط العصبية ، الدينية ، مثل طوائف الصعايدة ، الشوام و الأروام ، الايرانيين ، اليهود ، الموارنة ، الأرمن و العبيد .

و كانت أكبر طائفة هى طائفة حمالى الفحم و نظراًلكثرة عددهم تم تقسيمهم الى فرق صغيرة لهم شيخ طائفة .

كما انتُخب شيخ لطائفة حمالى البضائع أواخر 1864م و كانا يحصل على 5 فضات يومياً من أجر كل عضو بالطائفة .

كذلك وُجدت ببورسعيد طوائف ارتبطت أعمالها بالميناء و حركة الملاحة و منها الفلايكيية ، القواربية و قد انتخبوا شيخاً لطائفتهم عام 1873م ، و كان على أفرداها عدم الاختلاط بالأوروبيين .

كما وُجدت أيضاً بعض الطوائف المرتبطة بحركة السياحة منها طائفة التراجمة و انتُخب شيخها عام 1873م ، طائفة البمبوطية ، و طائفة الأنشجية .

 

 

ý    الحياة الاجتماعية :-

 

كان العرب ( المصريون ) يُقيمون الأفراح فى مناسبات مُعينة مثل الزواج و الختان ، و كانت أفراح الزواج طويلة تمتد الى عشر ليال متتالية أحياناً ، و يُلاحظ ان مراسم و عادات الزواج كانت تتم على نفس النمط الجارى فى الأقاليم .

و كان الراغب بالزواج يتقدم الى المحافظة بطلب يذكُر فيه اسم من يرغب الزواج بها مع دفع رسوم هذا الطلب و يتم احالته الى القاضى حيث يقوم بعقد القران بعد دفع رسوم الزواج و بعد قيام البوليس بالتحرى عن الزوجين .

أما العسكريين فكان عليهم الحصول على موافقة القيادة العسكرية ، و اثبات عدم وجود أى موانع شرعية ، موافقة المحافظة .

 

و فى حالات الطلاق كان القاضى يُقدر مستحقات الزوجة و النفقة اللازمة لها و مُطالبة المُطلق برسوم المحكمة ، و يبدو أن حالات الطلاق كانت كثيرة فى عام 1871م حيث وصلت الى 110 حالة ، بينما حالات الزواج فى نفس العام 6 حالات ، و ذلك يرجع الى عدم الاستقرار النفسى و المادى للسُكان خلال السنوات الأولى من تاريخ المدينة .

 

و فيما عدا المقاهى يبدو أن الأهالى لم يكونوا من رواد المحلات العامة و الخمارات التابعة للأجانب فيما عدا القليل ، كذلك لم يُقيم الأهالى الحفلات العامة و المسابقات مثل الأجانب .

 

أما الاحتفالات الدينية فكانت تُقام فى المناسبات الدينية فتُتلى فيها الآيات القُرانية ، الأذكار ، دلائل الخير ( الأدعية ) ، و قد أولى الأهالى الموالد الدينية للأنبياء و الأولياء اهتمماً كبيراً و أهمها المولد النبوى الشريف ن أحمد البدوى ، أحمد الرفاعى ، على البيومى ، سعد الدين ، و كان يتم الاحتفال بُمختلف المناسبات الدينية باقامة الزينات ، اطلاق الصواريخ النارية ، اضاءة الفوانيس ، اطلاق المدافع ، و كان يُذبح للعسكر خروفين فى العيدين .

 

و عن أداء المناسك الدينية فى الأراضى المقدسة فقد كان يلزم موافقة شيخ الطائفة التى يتبع لها للتأُكد من خلوة من الدعاوى ، و اخراج اوراق السفر من الجوازات .

 

أما عن جنازات المتوفين من الأهالى فكان خروج النساء مُتشحين بالسواد كاشفات الوجوه مولولات مُخالفات للدين مثار اعجاب للاجانب .

 

و مع هذا فقد انتشر بين المصريين بعض اللصوص ن المتعطلين عن العمل ، كذلك انتشار بعض العادات السيئة مثل السب ، ذهاب بعض السيدات الى الدجالين و العرافين ، و احتراف التسول .

 

ý    المساجد :-

 

كانت شركة القناة قد أقامت مسجداً للعرب العاملين بمشروع القناة ، كما تم تعيين امام لهذا المسجد و كان بناؤه يُشبه الشونة تعلوها مئذنة و لم يتم الاعتناء بهذا المسجد الا فى عام 1868م من قبل الحكومة المصرية فتم اعادة بناءه بالخشب و توسيعه الا أنه لم يصمد طويلاًٍ  أما سوء الأحوال الاقتصادية .

 

و قد توقف هذا المسجد عن اقامة الشعائر الدينية على اثر وفاة امام المسجد عام 1878م و ام ينتظر السُكان تعيين امام من قبل الحكومة بل قاموا بتعيين الشيخ عبد الرحمن أبى الحسن لما يتمتع به من سعة العلم ، و عندما زار الخديوى توفيق بورسعيد فى 1881م لمس مدى معاناة المُصلين فأمر بانشاء مسجد جديد تم افتتاحه فى 27 ديسمبر 1882م .

    المستشفى :-

ý

 

أنشأت شركة القناة مستشفى لعلاج العاملين بالقناة فى يناير 1860م حيث أنشأت ادارة صحية ببورسعيد عُرفت باسم " مصلحة ادارة مستشفيات برزخ السويس " ، و كان يُعالج بها الوطنيين و الأجانب ، و قد تسلمت الحكومة المصرية ادارة مستشفيات القناة فى 23 ابريل 1869م و كام يتم معالجة الفقراء بالمجان ، و كان يُسمح بزيارة المرضى فقط يومى الأحد و الجمعة .

 

و قد انتشر بالمدينة مرض التيفود عام 1863م بسبب انتشار الطاعون البقرى بين الماشية فى مصر، كما انتشر و باء الكوليرا فى ساحات الحفر عام 1865م و غيرها من الأمراض.

 

أما المُصابون بأمراض عقلية فكان يتم علاجهم خارج المدينة .

 

و عرفت بورسعيد العلاج بالأجر خارج المستشفيات حيثُوُجد بعض الأطباء الأجانب ذوى العيادات الخاصة ، كذلك بعض الصيدليات التى يمتلكها اليونانيين و الفرنسيين و غيرهم ، أما عمليات الولادة فكانت تقوم بها الدايات و الحلاقين حيثُ وُجدت بعض الدايات الفرنسيات و النمساويات و الايطاليات و من مصر و الشام ، و كان يأخُذن تصريح من المحافظة بممارسة المهنة بعد اجتياز الاختبارات .

 

ý    المقابر:-

 

أقامت شركة القناة عدداًمن المقابر بجوار بُحيرة المنزلة كانت مُقسمة الى 3 أجزاء :-

 

الأول للمسلمين و اليهود

الثانى لليونان و الكاثوليك

الثالث للبروتستانت .

 

و لم يكُن الدفن بالمعنى الصحيح لصعوبة الحفر فالمياه تتسرب على عُمق 50 سم و لهذا كان الدفن يتم فى حُجرات تُنشأ فوق بعضها تصل الى 3 أدوار فى المقبرة الواحدة .

و لما لم تمنع شركة القناة  أى عملية دفن فقد تلكأت المحافظة فى اقامة مقابر تابعة لها ، و كانت الشركة تسمح بالدفن بعد سداد مصروفات المقبرة و هى 50 فرنك للرجل ( الرجل و المرأة ) ، 25 للطفل و يتسع القبر لشخص واحد ، و الفُقراء يُدفنون مجاناً .

و تسلمت المُحافظة ادارة المقابر فى 1871م و كان اليهود فى بادئ الأمر يُدفنون مع المسلمين الا أنه تم الفصل بينهم لمخالفة ذلك للشريعة .

 

       

************************************************

 

و كان لوجود الجانب بأعداد كبيرة بالمدينة أن انتشرت ظاهرة البغاء من مُختلف الجنسيات ، و قد عانى أهالى قرية العرب منهن فتم نقلهن الى مكان خاص بهم سُمى " محطة النساء الفواحش " و كان بعض الأهالى و الأجانب يُهاجمونهم و يسرقون أموالهم و مجوهراتهم ، و كانت الراغبة منهن بترك العمل تُقدم ضمانة الى المحافظة بأنهن صرن من النساء ذوات العرض مع مُراقبة سلوكهن .

 

ý    الحدائق :-

 

تغلب سُكان المدينة على الملل و الرتابة بانشاء عدة حدائق ، و كانت فى بداية الأمر عبارة عن صناديق من الخشب يوضع بها الرما و السماد و توضع بها أشجار الصنوبر و بعض المُنتجات الزراعية من الزهور و الفواكه .

 

و كان بمستشفى القناة حديقة تزيد مساحتها عن نصف فدان أنشأها طبيب المستشفى مسيو زرب مع طبيب صيدلى يُدعى شُمير و عندما تسلمت المحافظة المستشفى رفض زرب التنازُل عن الحديقة الا بُقابل مادى / و بعد فترة من المماطلة تنازل زرب عن الحديقة لعدم قُدرته تحُمل مصاريفها .

كذلك كانت توجد حديقة سراى المحافظة و كانت أحد المنازل التابعة لشركة القناة .

 

أما أكبر حديقة فكانت حديقة المنشية ، و كانت تتوسط المدينة و حظيت باهتمام كبير فتم شراء عدد من الأشجار من الفواكه و الأزهار ، و تم توسيع الحديقة عام 1873م و اصلاحها و اقامة كشُك للموسيقى بها ، ووُضع أحد الخُفراء لحراستها ، كما تم وضع دكك خشبية لراحة روادها .

 

 

ý    التعليم :-

 

اقتصر التعليم الوطنى على الكتاتيب فقط ، و يصعُب تحديد متى عرفت بورسعيد الكتاتيب ، و يُمكن القول بأنها ظهرت فى أواخر ستينات القرن التاسع عشر و ذلك لأن وجود الكتاتيب يرتبط بوجود العُلماء ، فقد كان ببورسعيد 18 عالماً عام 1872م ، و كان أيضاً 8 مكاتب لتحفيظ القرءان عام 1877م و كان يُدرس بها العلوم الدينية و اللغة ثُم أُضيف اليها العدية ( الحساب ) و كان الطالب يدخُل الكُتاب و منه الى المدارس الأميرية حسب الرغبة .

 

و قد يبدو غريباً أنه رغم حداثة المدينة الا أن انتشار الكتاتيب و زيادة الطلبة الدراسين بها فكانت نسبة التعليم ببورسعيد 80 فى اللف من سُكان القُطر المصرى ، فى حين كانت النسبة تصل الى 52 فى اللف فى السويس ، 42 فى الألف فى دمياط ، و 26 فى الألف فى القاهرة .

 

ý    أهل العلم :-

 

كان هُناك نوع أخر من التعليم ألا و هو التعليم العسكرى ، ففى عام 1872م صدر الأمر بضرورة أن يتعلم كُل العساك القراءة و الكتابة ، ثُم تعلم اللغُة الايطالية و كان يتم توزيع كتاب " النُخبة التُرجمانية فى اللغُة الطُليانية " على العسكر ز

 

و يبدو أن بورسعيد كانت ميدان لبعض أنواع التعليم العسكرى فقد أقامت الفُرقاطة المصرية " الصاعقة " بزيارة الى المدينة لتدريب الطُلاب على مُختلف العلوم العسكرية و الرياضية و اللُغات .

 

و بالرغم من ذلك فان بورسعيد لم تعرف المدارس الأميرية قبل عام 1889م

 

و على هذا فان أبناء الوطنيين كان حظُهم من الثقافة يكاد يكون معدوماً فلم تشهد المدينة اقامة مدرسة واحدة لأباناء العرب أو ظهور صحيفة واحدة باللغة العربية .

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba