إلي كل من يطرقون الأبواب ويجوبون البلاد بل وقد يصل بهم الأمر إلي حانات الدجل والشعوذة
والعياذ بالله بحثاً عن الحب . إليكم أكتب هذه الرسالة ."الحب" كلمة أشتق منها معانيكثيرة وفرد لها الشعراء القوافي وتنافس عليها الأمراء بالجاه والمال وتوقف عندها العالم العابد الزاهد ليجمل لنا معناها " الحب هو الجاذبية فلولاها لتناثر كل شيء وتبعثر." الكون كله مبني على التجاذب ..شمس تسطع في أرضنا تجذبنا نحوهاتدور فيمجرة تجذبها تسبح بحمد الله في أفلاك لا متانهيه ..إلييَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ " نواه في بويضة تجذب الامشاج فيتآزر البنيان فتكون أنت أيها الإنسان فسبحان من أبدعشاء الله بناءها، وشد أزرها بالتآلف والجاذبية حتى الأضدادالتي تتباين خصائصها... تؤلف ذات بينها جاذبية خفية، تجعلها تعمل معا، وكأنها شيءواحد، لا أضداد مختلفة..! وهذا المعنى الذي ساقه ابن تيميه، وغيره من العلماء في عبارة تأصيلية: "والأصل فيالوجود الحب والبغض طارئ" لننظر إلي الآية الكريمة وقال تعالى (... يحبهم ويحبونه…) فذكر حبه تعالى لعباده أولاً ثم عطف عليه حبهم فالحب هو أصل الوجود والغرض من الخلق ولولا أن سبق الحب من الخالق سبحانه وتعالى لما ظهر الخلق للوجود .
الحب منحة من الله تعالى للمتقين من عباده وتصل إلي المخلوق عن طريق الإلقاء" قال تعالى "وَأَلْقَيْتُعَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي " وكذلك البغضاء و وقوله تعالى: [وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} وكذلك قوله تعالى"سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ .. وهنا نقول لمن يسعون إلي غير الله تعالى ليصنع لهم الحب أو الكراهية سواء بالسحر أو بالمال أو النفاق . توقفوا فأنكم لا تملكون سر الحب والكراهية فسرها سر مفاتيح القلوب ولا يلقى الشيْ إلا لو كان ظاهرا فكيف ترون الحب لتلقوه في القلوب . يا بني آدم أنت في حاجه لحب مولاك حتى يمن عليك بنعمة الحب فيمدك بقوله تعالى"وَأَلْقَيْتُعَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي . تعالى معي لندرك بعقولنا وقلوبنا
الله الذي ليس كمثله شيء والذي لا يمكن تصور كنهه، الذي لا يحده زمان ولا مكان، الأول والآخر, الظاهر والباطن هل لنا أن ندعي حبه؟خلق الله الإنسان من روح لطيفة وألبسها جسداً من تراب وعَلِم حاجته للتعرف على الأشياء عن طريق الحواس - – كما قال بعض الصوفية: "ليس من ذاق كمن لم يذق" -فوضع في قلبه الحب: الحب للزوجة والأبناء والأخوة وسائر المخلوقات، وجعل التعبير عنه مادياً ومعنوياً. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لكل حق حقيقة). وكما قال أيضاً كما في سنن أبي داود والترمذي،عن المقدام بن معد يكرب رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: (إِذَا أحَبَّ الرَّجُلُ أخاهُ فَلْيُخْبِرُهُ أنَّهُ يُحِبُّهُ) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فالحب يزيد وينقص وينمو ويترعرع ولا يكون ذلك إلا بالتعبير المتبادل بين المتحابينبالكلمة الطيبة فتبسمك في وجه أخيك صدقة ومهادته " تهادوا تحابوا " والرعاية كما نعرف وكما يتضح من التوجيه النبوي حيث قال صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم, أفشوا السلام بينكم).فكيف بحب الله تعالي قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). فإذا كان الغرض من الخلق هو العبادة. وإذا كانت العبادة الحق هي الطاعة بالحب(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وقال صلى الله عليه وسلم)من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) أحمد في مسنده عن معاذ بن أنس.فمن الإيمان أن يعطي المرء ويمنع لوجه الله وهو عمل الجوارح ومن تمام الإيمان أن يحب ويبغض في الله وهو عمل القلب وقد ذكر النبي عمل القلب قبل عمل الجوارح لأن المحب لمن أحب مطيع فإن كان حبك صادقا لأطعته، فما وضع الله الحب في قلب عبده تجاه سائر مخلوقاته إلا كتدريب ليعرف مذاق الحب ولكي يتخذه سبباً يصل به إلى حب الله الذي هو الغرض من الخلق.لذلك أنزل الله المتحابين فيه منزلة يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء. قال صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي) أحمد في مسنده وصحيح مسلم عن أبي هريرة، وقال السيوطي: صحيح.
كما وعد على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن (المرء مع من أحب) أحمد في مسنده ومتفق عليه [البخاري ومسلم] والثلاثة [أبو داود، الترمذي، النسائي] عن أنس، ومتفق عليه [البخاري ومسلم] عن ابن مسعود، تصحيح السيوطي: صحيح .حب النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته:
من أحب أحد أحب كل من يحب لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في الصحيحين: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار).و كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين) أحمد في مسنده ومتفق عليه [البخاري ومسلم] والنسائي وابن ماجة عن أنس وقال السيوطي: صحيح. فحب النبي صلى الله عليه وسلم من حب الله وهو شرط الإيمان ولا يكون الحب إلا بالمعرفة؛ إذ كيف تحب من لا تعرف؟. فمن عرف النبي وفضله على الأمة وخُلُقه؛ فهو الرؤوف الرحيم الدال على الله والسراج المنير، أحبه وأطاعه فاستحق بذلك حب الله وشفاعة نبيه يوم القيامة الذي لن يرضى- (ولسوف يعطيك ربك فترضى) – إلا بصحبة أحبابه. وإليك أسرار الحب في الله:(قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في، المتحابون في على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء) أحمد في مسنده والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك عن عبادة بن الصامت وقال السيوطي: صحيح.واليك يا مؤمن كيف تحافظ على حب الناس الذي ألقاه المولى تعالى في قلوب محبيك عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا؛ وكونوا عباد اللَّه إخواناً كما أمركم. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا، التقوى هاهنا) ويشير إلى صدره (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم؛ كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله؛ إن اللَّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).ويقول تعالى (وَالَّذِينَ تبوءوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) بهذا السلوك من المسلم تجاه أخيه المسلم يكون الحب وينمو ويزداد التجاذب بينهم حتى يصبحوا كياناً واحداً كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ (تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) أحمد في مسنده وصحيح مسلم عن النعمان بن بشيروقال السيوطي: صحيح.
فماذا بعد أن أحببت الله وهو السابق بالمحبة وأحببت رسوله وآل بيته وسائر الصالحين ورزقت عملاً يحبب الله فيك؟
(إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتىأحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعادني لأعينه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن: يكره الموت، وأنا أكره مساءته) أخرجه البخاري عن أبي هريرة وقال السيوطي: صحيح. فهو المحب ابتداءً وهو المحب انتهاءً وأنت بين هذا وذاك محبوب مراد مختار ويكون سمعك وبصرك ويدك ورجلك وتكتب لك المحبة بين أهل الأرض والسماء بفضله ومنته كما ورد في صحيح البخاري عن النبي صلى اللهم عليه وسلم قال (إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض). متفق عليه من حديث أبي هريرة