باب 1 \ فصل 5 : في مباني الإسلام .
باب 1 \ فصل 5
في الحج والعمرة : -
قال الله تعالى : (( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا )) . وقال رسول الله { صلى الله عليه وسلم } : ( ومن خرج من بيته حاجاً أومعتمراً فمات أجرى الله له أجر الحاج و المعتمر إلى يوم القيامة ) ، وقال { صلى الله عليه وسلم } : ( من استطاع الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً ، وإن شاء نصرانياً ) ، وفي الحديث : إن من الذنوب ذنوباً لايكفرها إلا الوقوف بعرفة . وفيه : أعظم الناس ذنباً من وقف بعرفة فظن أن الله لم يغفر له وهو أفضل يوم في الدنيا . وفي الخبر ، أن الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة ، وأنه يبعثه الله يوم القيامة وله عينان ولسان ينطق به يشهد لمن إلتمسه بحق وصدق . وجاء في الحديث الصحيح : أن آدم عليه الصلاة والسلام لمّّا قضى مناسكه لقيته الملائكة فقالوا : يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام . وقال مجاهد : إن الحجاج إذا قدموا مكة لحفتهم الملائكة فسلموا على ركبان الإبل ، وصافحوا ركبان الحمر ، واعتنقوا المشاة إعتناقاً ، وكان من سبّّة السلف رضي الله عنهم أن يشيعوا الغزاة ، ويستقبلوا الحجاج ، ويقبلوهم بين أعينهم ، ويسألوهم الدعاء لهم ويبادروا ذلك قبل أن يتدنسوا بالآثام . وعن النبي { صلى الله عليه وسلم } : ( إن الله قد وعد هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ألف فإن نقصوا كمّّلهم الله تعالى من الملائكة ، وإن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة ، فكل من حجها يتعلق بأستارها ويسعى حولها ، حتى تدخل الجنة فيدخل معها ) . { وحكي } أن جميلة الموصلية بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان ، حجت سنة ست وثماني وثلاثمائة فصارت تاريخاً مذكوراً قيل : أنها سقت أهل الموسم كله السويق بالطبرزد والثلج ، واستصحبت البقول المزروعة في المراكن على الجِمال ، وأعدت خمسمائة راحلة للمنقطعين ، ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار ، ولم تستصبح فيها وعندها إلا بشموع العنبر ، وأعتقت ثلاثمائة عبد ، ومائتي جارية ، وأغنت الفقراء والمجاورين . ولما بنى آدم عليه الصلاة والسلام البيت وقال : يا رب إن لكل عامل أجراً فما أجر عملي ، قال : إذا طفت به غفرت لك ذنوبك , قال : زدني ، قال : جعلته قبلة لك لأولادك ، قال : يارب زدني ، قال : أغفر لكل من استغفرني من الطائفين به من أهل التوحيد من أولادك ، قال : يا رب حسبي . وفي الحديث : الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة . وقيل للحسن : ما الحج المبرور ؟ قال : أن ترجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة . وأول من كسا الكعبة الديباج عبدا لله بن الزبير ، وكانت كسوتها المسوح و الأنطاع ، وكان يطيبها حتى يوجد ريحها من خارج الحرم . وكان حكيم بن حزام يقيم عشية عرفة مائة بدنة ، ومائة رقبة ، فيعتق الرقاب عشية عرفة , وينحر البدن يوم النحر وكان يطوف بالبيت فيقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له نعم الرب ونعم الإله أحبه وأخشاه . ورؤي الحسن بن علي رضي الله عنهما يطوف بالبيت ثم صار إلى المقام فصلى ركعتين ثم وضع خده على المقام فجعل يبكي ويقول : عبيدك ببابك ، خويدمك ببابك ، سائلك ببابك ، مسيكينك ببابك ، يردد ذلك مراراً ثم انصرف رضي الله عنه فمرّّ بمساكين معهم فلق خبز يأكلون فسلم عليهم فدعوه إلى الطعام فجلس معهم وقال : لولا إنه صدقة لأكلت معكم ، ثم قال : قوموا بنا إلى منزلي ، فتوجهوا معه فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدراهم . و{ حج } عبدا لله بن جعفر رضي الله عنه ومعه ثلاثون راحلة وهو يمشي على رجليه حتى وقف بعرفات فأعتق ثلاثين مملوكاً وحملهم على ثلاثين راحلة وأمر لهم بثلاثين ألفاً وقال : أعتقهم لله تعالى لعله يعتقني من النار . وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما : إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته ، فمشى من المدينة إلى مكة عشرين مرة . ومن لطيف ما أبشد عمرو بن حيان الضرير ، حين لم يُهد إليه الحجاج شيئاً : -
كأن الحجيج الآن لم يقربوا مني ولم يحملوا منها سواكاً ولا نعلا
أتـونا فـما جــادوا بعــود أراكــة ولا وضعوا في كف طفل لنا نقلا
وقال غيره : -
يحجون بالمال الذي يجمعونه حراماً إلى البيت العتيق المحرم
ويـزعم كـل منـهمـو أن وزره يحط و لكـن فــوقـه في جـهنـم
وقال آخر : -
حج في الدهر حجة حج فيهـا و أحـرما
وأتـانـا مـن الحـجـا ز كما راح محرما
فهو ذو الحجة الذي مـا تـوقّـّى مُحْـرّّما
وتخاصم بدوي مع حاج عند عند منصرف الناس فقيل له : أتخاصم رجلاً من الحجاج فقال : -
يحج لكيما يغفر الله ذنبه ويرجع قد حطت عليه ذنوب
وقال أبو الشمقمق : -
إذا حججت بمال أصله دنس فما حججت ولكن حجت العير
مـا يقبــل الله إلا كــل طيبــة ما كل من حج بيت الله مبرور
والله سبحانه وتعالى أعلم .
