عظ نفسك فان اتعظت فعظ الناس

 وإلا فاستحي من الله 

سؤال من أكتله الأسماك !

 

سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه مما أجمع عليه أهل الحق من علماء الأمة الاسلامية , فإن كان الميت ممن يثبتهم الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة لأعمالهم الصالحة وعقيدتهم الطيبة , أجاب سريعا بدون تلكؤ ولا تردد , وعندئذ يصدق قوله بمناد من قبل الله تعالي , ويفتح له باب الجنة , ويفرش له فراش من الجنة , ويؤنسه عمله . 

وإن كان ممن طمست بصائرهم , وساءت سيرتهم تلكأ وتردد أو عجز بتاتا عن الجواب لتخلي المعونة الالهية عنه , وعندئذ يكون الأمر بالعكس , ويكون قبره جحيما وحفرة من حفر جهنم والعياذ بالله , ويطول عذابه أو يقصر , ويستمر أو ينقطع حسبما أراد الله له من الجزاء علي سيئات أعماله .

وبهذا قد صح الخبر عن سيد البشر الصادق المصدوق المخبر عن الله تعالي : أخرج الشيخان من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال في قوله تعالي : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) نزلت في عذاب القبر . وزاد مسلم ( يقال له  من ربك فيقول ربي الله ونبي محمد ( فذلك قوله : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) وعند أبي داود ( يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك ؟ فيقول ربي الله . فيقولان له ما دينك ؟ فيقول ديني الاسلام . فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول هو رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فيقولان له : وما يدريك ؟ فيقول قرأت كتاب الله تعالي فآمنت به وصدقت . فينادي مناد من السماء إن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابا إلي الجنة وألبسوه من الجنة , ويفسح له فيه مد بصره ) وقال في الكافر ( فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك ؟ فيقول هاه هاه لا أدري . إلي أن قال : فينادي مناد من السماء إن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلي النار , قال فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتي تختلف فيه أضلاعه )
وأخرج مسلم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم ( إن هذه الأمة تبتلي في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ) ثم أقبل علينا بوجهه فقال : ( تعوذوا بالله من عذاب القبر ) وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال : ( إن أهل القبور يعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم ) .

 وعلي هذا أجمعت الأمة ولم يخالف إلا من لا يعتد به من أهل الالحاد . قال المروزي قال أبو عبد الله الأمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه : عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل , وقال حنبل : قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر فقال هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها كلما جاء عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم إسناد جيد أقررنا به . وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه رددنا علي الله أمره . فقال الله تعالي ( وما آتاكم الرسول به فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) قلت : وعذاب القبر حق ؟ قال حق يعذبون في القبور .

وتلك العاقبة لابد منها لكل ميت سواء دفن في القبر وطوته الأرض , أم لم يدفن علي الطريقة المعروفة بأن أكله السمك أو افترسته السباع أو أحرق وذري رماده في الهواء , لا يستثني من ذلك إلا ورد الشرع باستثنائهم من الفتنة , وآمنهم من الشدة التي تكون في القبر , وذلك كالشهداء ومن لقي العدو وصبر حتي يقتل أو يغلب , والمرابطين في سبيل الله , ومن حافظ علي تلاوة سورة تبارك كل ليلة , ومن مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة , ومن قرأ سورة الأخلاص في مرض موته , والأنبياء والملائكة , ومن عدا ما ذكر ففتنة القبر لابد له منها ومن سؤال وضغطة ونعيم أوعذاب .

وقد تبدوا فتنة القبر مستبعدة نوعا ما لمن لم يقبر مثل ما ذكرت من الغريق والحريق ونحوهم , ولكن ينبغي للمؤمن أن يذكر نفسه بأن محيط قدرة الله واسع , وأن عالم البرزخ فوق مألوفنا , وهو عالم الغيب الذي تكفينا فيه صحة الخبر , وسلامة النقل , وأن الأحاديث النبوية لم تستثن ميتا من ميت , بل الخبر عام يشمل الكل وليس لدينا ما يدعو إلي الاستثناء لحالة التفرق في الميت وتعدد الأمكنة التي حلت فيها أجزاؤه , لأن القدرة الإلهية كما قلت لا تقف عند هذا , والله أعلم بالحالة التي يسأل فيها عبده , وبالكيفية التي يعذبه بها أو ينعمه .

 وتتميما للفائدة أنقل هنا النصوص في الموضوع وهي صريحة واضحة :

قال الشعراني في اليواقيت :

فأما سؤال منكر ونكير فقال أهل السنة أنه يكون لكل ميت سواء كان في قبر أو في بطون الوحوش أو الطيور أو مهاب الريح بعد أن أحرق وذري في الريح .

قال الجلال المحلي رحمه الله :

ويكون عذاب الله تعالي للكافرين , ولمن شاء تعذيبه من الفاسقين فقط , فترد روح المعذب إلي جسده كله أو ما بقي منه فإنه لا يمتنع إحياء بعض الجسد , وإن كان ذلك خلاف العادة لأن خرق العادة غير ممتنع في مقدور الله عز وجل .

قال الكمال في حاشيته :

وقول أهل الأصول إن سؤال منكر ونكير وعذاب القبر ونعيمه حق , جري علي الغالب وإلا فالحق أن ذلك لا يختص بالقبر المعروف فيحس بالعذاب من أكله السمك والسباع وغير ذلك . ثم قال : ويجوز إعادة الحياة لجزء واحد لا يشاهد لأن أحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا , كما أن روح النائم تشاهد أشياء لا يشاهدها اليقظان الذي هو في جانبه .

( إنتهي كلام صاحب اليواقيت ) .

وقال ابن القيم في كتاب الروح :

ما ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ . فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قبر أم لم يقبر . فلو أكلته السباع أو حرق حتي صار رمادا أو نسف في الهواء أو غرق في البحر وصل إلي روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلي المقبور . انتهي 

ومما يناسب المقام , ويقربه إلي الأذهان ما أشرت إلي استبعاد بعض الناس له . ما رواه الشيخان عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال : ( كان رجل يسرف علي نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح . فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا , فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال إجمعي ما فيك ففعلت فإذا هو قائم , فقال ما حملك علي ما صنعت ؟ قال خشيتك يارب أو قال مخافتك - فغفر له ) 

نسأل الله تعالي أن يختم لنا بخاتمة السعادة , وأن يمنحنا عفوه ورضاه  آمين 

 

الدستور الاسلامي

 

الدين الاسلامي أرقي الأديان وأعظمها شأنا , وهو دستور محكم القوانين , صالح لكل أمة ولكل زمان , وكلما تقدم العلم وانكشف عن العقل غياهب الجهل كلما زاد ذلك من وضوح آياته وكشف بيناته وصدق نظرياته .

هاهي دساتير جميع الأمم ( من متمدينة إلي متوحشة ) كل يوم في تغيير وتبديل : فلطالما سمعنا عن تغيرات في القانون الفرنسي , وعن تبديل في القانون الانجليزي , أما الدستور الاسلامي فهو دستور عربي مبين غير ذي عوج لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد , ملائم لكل الشعوب صالح لكل الأزمنة .

ومما يدل علي عظم الدين الاسلامي أنه جاء في وقت كان الناس فيه حيري ( يتخبطون في ظلمات الشرك ويتيهون في بيداء الضلالات الفاسدة والمعتقدات الخاظئة , يتحكم غنيهم قي فقيرهم , وضعيفهم عبد لقويهم , فسد حاجة كان العرب أحوج ما يكونون إليها لتنظيم حالهم ورقي شعبهم , وتحطمت مبادئ الشرك والضلال علي صخرة الاسلام .

ولقد عني الدين الاسلامي باسعاد الروح والعقل والبدن وما وراء ذلك من سعادة الأمم , فقد أمر بتنمية الروح بما حث به علي النظر في الكائنات والأرض والسماوات وجميع المخلوقات والتخلق بمكارم الأخلاق , كما أمر بإعطاء الجسم حقه من الصحة والنمو بما حث عليه من التمتع بالطيبات والتداوي والابتعاد عن المضرات ومزاولة الرياضة البدنية , وحث كذلك علي تنمية المدارك العقلية بما أمر به من التعليم وكثرة التفكير .

 ولم يقتصر علي ذلك , بل وأمر بالأخاء والمساواة وحث علي التعاون والاتحاد , بل وحفظ لكل إمرء حقه بما وضعه من نظام المواريث والمعاملات وقوانين الرهن والبيع والشراء , وإن نظام الزكاة الذي جاء به الدين الاسلامي لأعظم ممهد لاستتباب الأمن ورفاهية البلاد , حتي لقد حث علي سعادة الأسر وهنائها بما وضعه من نظام الأحوال الشخصية , وما حث عليه من الأخلاق التي تبعث في الأسرو روح المودة , وحث علي الجهاد والدفاع عن الوطن , ووضع القوانين التي تمهد للعدل طريقه وتمنع الظلم عن الضعفاء .

فانتقل العرب من الحياة الهمجية , حياة الظلم والوثنية إلي حياة منظمة هنيئة , حياة العدل والسلام , جعل تقدمهم عظيما في العلوم والمعارف والصناعات وغيرها حتي فتحوا الممالك وانتشرت دولة الاسلام انتشارا عظيما بين الشرق والغرب . ولقد شهدت الأنلس عهدا هو أزهي عصورها أيام كانت تستظل بظل الاسلام .

هذه هي عظمة الدين الاسلامي , وتلك هي مدنية الاسلام , وهذا قليل من كثير الأسرار الجلية للتشريع الاسلامي ..

أساري الوهم إذا جهلتم :

 

إن عظمة محمد صلي الله عليه وآله وسلم لم تكن من عظمة الملوك الجبارين الذين لا حظ لهم سوي استعباد الناس وإذلالهم , ولا من عظمة القواد الثائرين الذين يرون سعادتهم في الفتك بالضعفاء والتخريب والتدمير , ولا من عظمة الأغنياء الذين يسخرون عباد الله في شهواتهم وأهوائهم بشئ من حطام الدنيا , وإنما هي عظمة رحمة وعطف , عظمة هداية وإرشاد , عظمة تثقيف وتهذيب , عظمة تعمير وسلم , عظمة تهيئ للحياة الفاضلة عدتها , وتعيد لها سبلها , عظمة تتمثل في تلك التعاليم السامية التي نزل بها الوحي الأمين علي قلب محمد صلي الله عليه وآله وسلم , تتمثل في تلك التعاليم التي وحدت بين القلوب المتنافرة , وجمعت بين القبائل المبعثرة وأزالت من خشونتها وهدأت من غلوائها , وكونت منها أمة مهيبة الجانب , عزيزة المنال , تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر , وتؤمن بالله .

 تتمثل في تلك التعاليم التي جاءت علي قوم تمكنت فيهم عوامل الفساد , وحرفت الشرائع فيما بينهم , وعبدوا غير الله , ونسوا يوم البعث والجزاء , وتحكم قويهم في ضعيفهم , وانحلت أخلاقهم , واستباحوا أموالهم , وهانت دماؤهم , حتي ماد العالم واضطربت أركانه , وتزعزعت عناصر الحياة فيه , وما هي إلا عشية أو ضحاها حتي ملأ الايمان قلوبهم وتبادلوا العطف والمحبة , وسادت الرحمة فيما بينهم , وتبدل الشر خيرا , والفساد صلاحا , وأصبحوا بنعمة الله إخوانا 

تتمثل في تلك التعليم التي تقرر من أصول الحكم بين الناس مبدأ العدل ومبدأ المساواة , وتقول في الأول ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلي أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) , وتقول في الثاني : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) 

تتمثل في تلك التعاليم التي تقرر مبدأ حرية العقيدة وأنه لا سلطان لمخلوق عليها ( أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين ) , ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها والله سميع عليم ) 

تتمثل في تلك التعاليم التي أطلقت للعقل البشري حريته وأنحت بالائمة علي الجمود والتقليد وأهابت بالانسان أن يقلب فكره في ظواهر الكون وينتفع بما أودع فيه من أسرار وسنن .

تتمثل في هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , الذي ما ترك فضيلة إلا حث عليها ولا رزيلة إلا حذر منها ولا أصلا من أصول التشريع الحر الناهض إلا قرره وطلبه من الناس شرعا يسعدون به في الدنيا ودينا ينعمون به في الآخرة .

وإذا كانت هذه بعض نواحي العظمة التي أسبغها الله علي محمد صلي الله عليه وآله وسلم وهي عظمة عامة وخالدة وفي الوقت نفسه دين يتقرب به الناس إلي ربهم , فما قيمة ما يرسمه راسم هزيل الفكر مضطرب الوجدان .

 

ألا تستنصر لنا ؟

 

سيدي رسول الله كنهر يجري في تاريخ البشر يفيض بما يحيي الموات وينضج الثمرات فيظل علي  مر العصور حياة طيبة لمن اغترف , وظلا ظليلا لمن انتصف , مرت هذه الحقب الطويلة ودينك الحنيف يطلع الناس علي مزاياه فتخر له الجباه , ولا يبالي بمن يقف في سبيله , أو يغض من جميله , بل يسير سيرته فيجري علي قدر ويشع إشعاع الشمس والقمر , فقد أبنت الحق والاخاء والمرحمة , وقضيت علي كل باطل وعدلت كل مائل وعلمت أبناء هذه الدنيا كيف يأنفون من الظلم ويمقتون كل ضيم , ويسمون عن كل نقيصة , نشأت في واد غير ذي زرع لا تملك من زينة هذه الدنيا ما يفتتن به المبطلون , فما رأت عيناك في المهد تلك الولائم تعد للمدعوين ولا تلك البشائر تزف إلي آذان الأقربين فكنت كذلك الكوكب الدري الذي لا تنعم به الدنيا إلا مرة , أو ككلمة الحق تقرع الباطل فتدمغه ولا تحتاج في وضوح محجتها , أو قوة بسطتها إلي مؤيد لسلطانها أو مزخرف لكيانها .

يالجلال ما تبعثه في النفوس السليمة من جمال , كافحت في سبيل الحق وصبرت علي ما ينال , وأجبت داعي الله فلم تبالي بعائق يصدك عن السبيل , ولا بقالة سوء تتهمك بالأباطيل حتي توفي غايتك , وقد جدع أنف الباطل , وقصف سيف الظلم , وبدد شمل جنود الشيطان .

يا نبي التوحيد : ماذا يذكر الذاكرون من سيرتك , ويعرف العارفون من شريعتك ؟ لقد دعوت إلي وحدانية الله فأنقذت النفوس مما يتنازعها من أوهام الشرك , ويتقاسمها من ظلمات الأوثان والأصنام , وهديتها إلي الطريق المستقيم , حيت وضحت الطريق , واعتصم الفكر الإنساني الحر مما ينزل به عن مستوي الانسانية .

 وحدت جميع الأديان , فعلمت الناس أن الله واحد وأن الدين واحد , وأن الحق لا يغيره اختلاف الزمان , وتعدد المكان , ودعوت إلي الدين الواحد العام الذي جمع كل الأديان ( شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسي وعيسي , أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه , كبر علي المشركين ما تدعوهم إليه ) , ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسي وعيسي وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون .

آخيت بين المسلمين وأزلت الفوارق الجنسية التي تجعل من هذا سيدا وذاك مسودا , وبينت للناس أن الانسان أخو الانسان لا يظلمه ولا يكذبه وأن التفاضل بالأعمال لا بالأنساب ولأحساب , ولقد كان لبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي من التقدمة في الإسلام والشرف بين الأقوام , ما يتخذ مثالا قائما ما بقيت الدنيا علي أن سيدنا محمدا هو نبي الانسانية , وعدو العصبية , ومنقذ الشعوب من الحدود الجنسية , تلك التي تثير العداء , وتورث الشحناء , وتطيح بالمدنية في مهواة الدمار والبوار .

 ما أحوج البشرية في هذا العصر المضطرب أن يثوبوا إلي تعاليمك , ويقتفوا منهاجك , لترفرف علي هاماتهم رايات السلام والوئام , فقد أقاموا حربا شعواء بين الشعوب والأمم , كل حزب بما لديهم فرحون , وفي سواهم ينتقصون , لا غرو أنهم إذا غضوا من خيلائهم , وهونوا من عصبيتهم , خرجوا من ضيق الأثرة الثائرة , إلي باحة الانسانية العامرة , واتبعوا سنة سيد المرسلين , الذي أرسله الله للناس كافة ورحمة للعالمين .

 من مبلغ هؤلاء الذين حرروا الأفراد كما يدعون , واستعمروا الأمم , وأذاقوها البؤس والنقم , أن صاحب الدين الاسلامي هو أول من دعا إلي حرية الأرقاء ودعا إلي الرفق بهم وتسويتهم بساداتهم , ونهي أن يقول الرجل : عبدي أو أمتي , ودعا إلي التحرير وجعله من أعظم القربات , وأول ما يقتحم من العقبات : ( فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة ) , وتوسل إليه بشتي الوسائل فجعله كفارة كثير من الجنايات , بل جعل قسما من الصدقات لفك الرقاب وعتق العبيد ؟ .

 من مبلغ الذين ينعون علي الاسلام موقفه حيال تعدد الزوجات , أن الاسلام هو الذي رفع من قدر المرأة وجعلها شريكة الرجل في الميراث , وسواها بأخيها في البر , وأوصي بالاحسان إليها وإجلال شأنها مادامت محصنة مؤمنة تطيع الله والرسول ؟

 
يا رسول الله : 

هذه بعض ذكريات تطيف بالأذهان فيها عبرة وعظة لأبناء ملتك , سار علي نهجك القويم السابقون الأولون فزلزلوا عروش الظالمين , وهتكوا حجب المترفين , وكشفوا عن الأمم سلطان الجبارين , وأزالوا عنها ألوهية الحاكمين , وكان لهم من هدايتك مرشدا , ومن أعمالك موئلا , ومن إخلاصهم مستقرا ومقاما , وتنكب هديك الآخرون فانبهمت عليهم الغايات , وتكالبت عليهم الرزايات , وذهبت نفوسهم شعاعا , وألبس الله عليهم ما يلبسون , ذلك لأنهم تذبذبوا بين الماضي والحاضر , فما اتبعوا قديما ولا استفادوا من حديث , وركنوا إلي الدعة , وقنعوا من الحياة بزبرج كاذب , لا يغني غناء ولا ينفع في بقاء وصاروا :

فلول بأقطار البلاد ذليلة      تخطفهم في كل شعب ثعالبه  

بإخلاص السابقين من المسلمين لمعت سيوفهم بالمشرق , وانقضت شهبها علي الحياري في هبوات الحروب , بعد أن بذلوا من مهجهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله لا يخشون فقرا ولا يخافون عيلة , حتي بلغ الأمر أنهم كانوا ينصرون بالرعب يقذف به في قلوب أعدائهم فينهزمون قبل أن يشيموا برءق سيوفهم , ولمعان أسنتهم , بل قبل أن تصل إلي تخومهم أطراف جحافلهم , وبتفريط اللاحقين أصبحوا من الضعف من حال تذوب لها القلوب أسفا , وتحترق الأكباد حزنا , أصبحوا فريسة الأمم الأجنبية , لا يملكون من وسائل الحرية إلا الاستجداء , ولا من وسائل الدفاع غير التضرع والدعاء , وطوي علم الاسلام الخفاق علي وجه البسيطة , وسكت صوته الداوي في آذان الخليقة , وانتقصت أطرافه فلم يبق له رواق مشهود , ولا ظل ممدود 

وصار ما كان من ملك ومن ملك    كما حكي عن خيال الطيف وسنان 

ليس علي المسلمين نجاة إلا أن يتخذوا من الكتاب سراجا منيرا ومن عمل الرسول وصحابته والتابعين قائدا خبيرا , وليكونوا كأولئك الرجال الذين حدثنا عنهم الرسول صلي الله عليه وآله وسلم :

 فعن خباب بن الارث رضي الله عنه قال : شكونا إلي الرسول صلي الله عليه وآله وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة , قلنا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ قال : كان الرجل قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع علي رأسه فيشق باثنين وما يصده ذلك عن دينه , ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه .. 

 

العظمة

 

درج الناس علي أن يعتبروا العظمة أمرا ماديا يستند في وجوده إلي أمور مادية بحته , حيث طغت المادة علي الكمال النفسي والسمو الروحي لدرجة تبعث في النفس الأسف والأسي , وتنذر بقرب انهيار صرح الأخلاق من أساسه علي أنقاض البشرية .

فلان عظيم معناه اليوم أنه ثري تعج خزائنه بالمال عجيجا , أو يشغل منصبا كبيرا في المجتمع , أو حسيب نسيب ذو جاه عظيم , أو ما شاكل ذلك مما هو معروف محسوس .

وقد أصبح من من مظاهر العظمة في وقتنا هذا الكبر والعجب والخيلاء , والصلف والغرور والادعاء , فالعظيم من هؤلاء يمشي عابس الوجه مقطب الجبين , يلتفت في زهو ذات الشمال وذات اليمين , منتفخ الأوداج , مصعرا خده للناس , ويضرب في الأرض بقدميه ضربا , كأنه يريد أن يدك الأرض دكا , إنه لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولا .

هل كانت عظمة محمد صلي الله عليه وآله وسلم من نوع هذه العظمة الممقوته ؟

لا والله ما كانت عظمته عليه الصلاة والسلام وهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه وشهد له في محكم آي القرآن الكريم بأنه لعلي خلق عظيم -- من هذا الطراز , لأن عظمتنا هذه ليست في الحقيقة ونفس الأمر عظمة , إنما هي تعاظم منشأه الجهل الفاضح والوهم الكاذب المسيطر علي العقول , وعدم دراية الإنسان بحقيقة نفسه , وتغلب العاطفة علي العقل , فلو فكر الانسان في نفسه , وذكر مبدأه ومصيره لصغرت عنده نفسه , وعظم بصغرها عقله .

وكيف تستطيع أن تسمي مثل هذا الغرور والجهل والكبر عظمة , وهي لا تستدل في وجودها إلا علي أعراض دنيوية تجئ وتذهب , وتغيب وتحضر -- بل هي ملك مشاع بين أفراد الأمة -- إن قدرت لك يوما فسوف تقدر لغيرك يوما آخر علي حد قول القائل :

فيوم علينا ويوم لنا     ويوم نساء ويوم نسر 

ولكن عظمة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لم تكن من نوع هذه العظمة المادية الكاذبة , بل كانت عظمة روحية , وسموا نفسانيا , وكمالا في الخلق , كانت عظمته عليه السلام مستمدة من قرارة نفسه , معتمدة في وجودها علي المكارم في أخص معانيها والفضيلة من أوسع أبوابها , مما جعل خصومه يشهدون له , ويعترفون رغم أنوفهم بعظمته وكماله , حتي كانوا يلقبونه في الجاهلية بالصادق الأمين .

 كان صلي الله عليه وآله وسلم عظيما برجاحة عقله وبعد نظره وحسن سياسته , وشدة كياسته ولباقته .

كان صلي الله عليه وآله وسلم عظيما بشجاعته وكرمه ومروءته , وأدبه وحيائه ورجولته , فلقد كان من في باب الكرم والجود أسرع من الريح في قضاء مصالح الناس والعمل علي راحتهم وما قال -- لا -- قط وما عاش لنفسه , كما كان أشد حياء من البنت في خدرها , ولعل مصداق ذلك قبوله أن يكون زوجا للسيدة خديجة رضي الله عنها , وهو ابن خمس وعشرين سنة وهي يومئذ في سن الأربعين , قبلها عليه السلام زوجة له , مع ما بينهما من هذا التفاوت في السن , فضلا عن أنها ثيب وهو بكر, لما جبل عليه من الأدب الجم , والحياء الوفير , والمروءة الكاملة , والانسانية الشاملة .

كان عليه السلام كبير القلب عالي الهمة , فلم يهب أن يدعو إلي التوحيد قوما مشركين , معاندين مكابرين , يعلم أنهم غلاظ جفاة , شرسون متحمسون , يغارون علي أصنامهم مما يغارون منه علي أعراضهم , ويحبون آلهتهم كما يحبون أبناءهم , فلقي منهم أشد أنواع الأذي , وأقسي صنوف الانتقام مالا تحتمله الجبال الشم الرواسي , ولكنه عليه السلام صبر علي الأذي , ورضي بالقضاء , وما استكان ولا وهن ولا ذل ولا ضعف , بل بقي عزيز الجانب شديد البأس , مهيب الطلعة , مضطلعا بالمهمة الشاقة الملقاة علي عاتقه , حتي في ساعات الخطر

 من هذ القلب الكبير , ومن تكلم البطولة النادرة , والبسالة الخارقة , كان محمد صلي الله عليه وآله وسلم يستمد عظمته ويسطر في صفحات التاريخ مجدا , يبلي الزمان ولا تبلي جدته , وتنقلب الليالي , والأيام وهو ثابت باق لا يزول ولا يتغير

كان عليه الصلاة والسلام كريما سمح الأخلاق , رحب الصدر , واسع الجانب , فلم يزعجه ولم يزعزع إيمانه أن كان قومه وأقرب الناس إليه يناصبونه العداء والبغضاء , وما فل من صبره وجلده وقوة احتماله للمكاره ما نزل به من ضروب الإيذاء , بل كان كالذهب , تصهره الشدائد , ولا تزيده إلا صفاء وبريقا ولمعانا , فكان كلما زادوا أذي وسعهم حلما ومغفرة , وكلما تجهموا له نفرة إزداد منهم تقربا وقال ( رب إهد قومي فإنهم لا يعلمون )

 كان صلي الله عليه وآله وسلم في الصبر والثبات آية من آيات الله , وكان في حلمه كالبحر الزاخر الكريم , لا يحفل بما يلقي في جوفه , بل سرعان ما يقذف بالزبد فيذهب جفاء , ويعود إله صفاؤه ورقة أديمه , ويبقي البحر هو البحر كأن لم يكن به من شئ

كان متواضعا ولكن في عزة , شديدا ولكن في غير عنف , لينا ولكن في غير ضعف , تنم أفعاله علي نفس طيبة بين جنبيه , ليس عنده مكر ولا دهاء ولا صلف ولا كبرياء , ولا عجب ولا خيلاء ولا نفاق ولا رياء , بل كان قطعة من الحياة الكاملة العالية , تفتحت عنها الطبيعة فبدت للناس في أبهج حلة وأكمل زينة , تأخذ بمجامع القلوب , وتسر الأفئدة والنفوس , بجمالها وجلالها , وصفائها ونقائها , ترنو إليها العيون , فإذا هي نزهة الطرف , وإذا هي روضة النفس , وإذا هي رغبة المتمني , وإذا هي مهبط الآمال , وإذا هي معقد الرجاء ورمز السعادة والسلام

لم يكن لنفسه سلطان عليه , بل لم يكن له نفس بالمعني الذي نعرفه عن النفس الأمارة بالسوء , إنما كان له نفس مطمئنة راضية مرضية , ولم يكن للأنانية أو حب الذات أثر عنده .

بهذه الروح العالية تبوأ النبي صلي الله عليه وآله وسلم هذا المركز الممتاز ,

 والله لا حاجة لنا بتاريخ حياة فلاسفة اليونان , ولا حكماء الرومان , ولا علماء الغرب , فإن لنا في تاريخه حياة شريفة , مملوءة بالمثل العالية , والإنسانية الكاملة , والصبر علي المكاره والثبات علي المبدأ والشجاعة والمروءة والانسانية , وبكل مقومات البشرية
تلكم هي حياة نبينا محمد صلي الله عليه وآله وسلم , وحسبنا بها وكفي . 

الصبر .. الصبر ..

 

إن تاريخ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم حافل بذلك , والواعظ وارثهم في وظيفتهم , فليكن وارثهم فيما كانوا به متصفين من الثبات وعدم استعجال الأمور والصبر علي الأذي .

فهذا نوح عليه السلام لبث في قومه يدعوهم إلي الله ألف سنة إلا خمسين عاما , لا يصده عن دعواته ما يلقاه منهم من إعراض وتكذيب وأذي , وما دعا عليهم دعوته المشهورة إلا بعد أن أوحي إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن .

وهذا رسولنا محمد صلي الله عليه وآله وسلم مكث في مكة ثلاثة عشر عاما يدعو قومه إلي الله ويذكرهم به لا يقعده عن ذلك ما يلقاه من إعراض وتكذيب وأذي , فكان يعرض نفسه علي القبائل وخلفه عمه أبو لهب يرميه بالحجارة ويكذبه , وينفر القبائل من تصديقه والإصاخة له , وما كان ليفت في عضده أو يثني من عزمه , بل كان يزيده ثباتا علي الدعوة وجدا في تبليغها , وصبر علي أذاهم حتي أعياهم صبره , وأعجزهم ثباته , وكثيرا ما حاولوا فتنته عما هو فيه فما نجحوا , وعرضوا عليه المال والملك والرياسة ليخدعوه فما قدروا , واستعطفوا عمه أبا طالب غير مرة وسألوه أن يطلب منه الكف عن المضي في سبيله , فما كان جوابه لعمه إلا أن قال : ( والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري علي أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتي يظهره الله أو أهلك فيه ) فكان جوابا مفحما , وكان ردا هو المثل الأعلي في الصبر وقوة اليقين والثبات علي المبدأ , وكانت نتيجة هذا الصبر ما كان يأمله وينشده من نجاح وفوز وفلاح 

فلتتأسوا بالرسل عليهم الصلاة والسلام في الصبر علي الأذي وما كانوا يلقون من عنت المعاندين وسفه الجاهلين .

قال الله تعالي حكاية عنهم :  ( ولنصبرن علي ما آذيتمونا وعلي الله فليتوكل المتوكلون ) ولقد وفوا عليهم الصلاة والسلام بما وعدوا به خير الوفاء , فصبروا صبرا جميلا , وثبتوا أمام التكذيب الجارح والقول اللاذع والأذي البالغ  

فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ( كأني أنظر إلي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يحكي نبيا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول : أللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون ) متفق عليه 

فلتستعينوا في مواجه الحملات الشرسة بمراجعة قصص الأنبياء والوقوف علي صبرهم في التبليغ , وتأدية الرسالة قال الله تعالي لرسوله ( فاصبر إن وعد الله حق ) وقوله تعالي ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) وقوله تعالي ( فاصبر علي ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ) وقوله تعالي للمؤمنين ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة , إن الله مع الصابرين ) 

وقال بعض الصحابة رضوان الله عليهم : ما كنا نعد إيمان الرجل إيمانا إذا لم يصبر علي الأذي .

 فالصبر ... الصبر علي بعض النفوس الجامحة جموحا وأذي أعلي مراتب الصبر كما يقول الغزالي رحمه الله : 

( يتعاون فيه باعث الدين وباعث الشهوة والغضب جميعا -- ولمن صبر وغفر , إن ذلك لمن عزم الأمور -- 

 

لكونه رسول الوحدة .....

 

هاهو اسمك المقدس لا يزال مرفوعا فوق الأسماء , وها هي محبتك التي لا يزاحمك فيها ولد ولا نفس ولا مال , لا تزال تخفق بها قلوب أمتك في أنحاء المعمورة , واللسن تردد هذا الحب العميق في جميع الأرجاء ( صلاة وسلاما عليك ) في كل صباح ومساء وبين كل عشية وضحاها وحين يظهرون , في صلواتهم ومعابدهم وأحاديثهم , فزادك الله كمالا فوق كمالك , وجزاك عن أمتك وعن الانسانية خير الجزاء ...

جئت لتتمم مكارم الأخلاق , فان كل رسول سبقك من ولد آدم إنما جاء ببعض هذه المكارم في قومه خاصة , وعلي مقدار ما تستسيغه نفسية هؤلاء الأقوام وبيئتهم , كما هي سنة الله في خلقه .

إن كل شئ في هذا الوجود يبدو صغيرا ثم يكبر , ويتدرج في مدارج الرقي والكمال حتي يصل إلي غايته ومنتهي استعداده . 

فالانسان الأول من ولد آدم كان ساذجا بفطرته , وقد بعث آدم إلي نفسه وإلي الجيل الأول من بنيه , مجليا فيهم دين الاسلام وعقيدة التوحيد التي خلقوا من أجلها , مبينا لهم أن الانسانية في مظهرها تعتمد الخلافة في الأرض , والاسلام الذي هو دين الله ينمي في هذه الانسانية روح الخلق والكمال ليكونوا أحقاء بهذا التكريم الذي كرمهم به الخالق جلت قدرته , فمن أنصت لدعوته كان حيا عن بينة , ومن أعرض عنها كان هالكا عن بينة , ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) . 

( لينذر من كان حيا ويحق القول علي الكافرين ) ومن ثمة انقسمت الانسانية شطرين , صالحين وطالحين , وكان من الصالحين صديقون وأنبياء ومرسلون , ومن الطالحين جاحدون , وضالون , وكافرون ومشركون , وكان لزاما في حكمة الخالق وعدله أن يخص كل أمة برسول منها , ليدعوها إلي أمرين أولهما الاسلام أو بعبارة أوضح التوحيد ( اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ) وثانيهما شرعة تتفق في مناهجها وأحكامها مع عقلية هؤلاء القوم , وما يمت إلي إخراجهم من ظلمات الوحشية والبهيمية إلي نور الانسانية في مظهرها اللائق بها , وثمرتها المرجوة منها وهو الخلق الكريم , وهكذا دواليك تعاقبت الرسل علي أصل واحد , وهو الاسلام , وعلي شرائع ومناهج إن اختلفت في أحكامها فلن تختلف في غايتها , وهو تقويم الانسان بالخلق ومعرفته قدر نفسه قال تعالي ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) , وقال ( شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسي وعيسي , أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه )

كل ذلك والنور المحمدي ينتقل في الصلاب الطاهرة من هؤلاء الصفوة وكل رسول يبشر أمته بمحمد ويؤمن به قبل مجييئه قال تعالي ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم به من كتاب وحكمة , ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه , قال أقررتم وأخذتم علي ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين )

المراد بالرسول الذي أخذ العهد علي الرسل والأنبياء قبله بالايمان به ونصرته قبل مجيئه هو سيدنا ومولانا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .

كل ذلك والبشرية تأخذ سبيلها إلي النضوج بما يأخذه السلف الخلف عن السلف في كل جيل من علوم ومعارف , حتي نضجت الانسانية وبلغت المبلغ الذي تستحق معه أن تسطع عليها شمس سيد الوجود صلي الله عليه وآله وسلم فكان ذلك وبين ميلاده وميلاد آخر رسول قبله من سلسلة الرسل المتعاقبة وهو المسيح عيسي بن مريم عليه السلام 571 سنة .

ولما بلغ سن الرسالة وهو أربعون سنة , بعثه الله رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا , بدين عام خالد , وبكتاب جامع مهيمن , ورسالة خاتمة ناسخة لكل ما سبقها , جامعة لما يحتاجه البشر من المثل العليا في كل زمان ومكان إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها فكان بذلك رسول الوحدة .

وحد الله سبحانه به بين جميع الرسل فجاء صلوات الله وسلامه عليه يبين في وضوح وجلاء أن من أسس الاسلام  :  الايمان بجميع الرسل الذين سبقوه بالرسالة من غير تفريق بين رسول ورسول في العصمة وما يجب للرسل وأنهم جميعا جاءوا لغرض واحد -- هو الاسلام -- 

ووحد به الله جميع الكتب التي أنزلها علي رسله السابقين , حيث أوجب الايمان بها وأنها من عند الله كما أوجب الايمان بالقرآن حيث كان خاتم الكتب , وقد حفظه الله من التحريف والتغيير والتبديل لأنه لا كتاب بعده -- جامعا لأصول العلم والدين ما كان منها وما يكون إلي يوم القيامة    ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) ومصدقا لما بين يديه من التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسي -- ومهيمنا عليها -- حيث جمع ما فيها وزاد عليها من الأصول والمقاصد وما يحدث للناس في مختلف الأزمان وعلي مر الدهور والعصور ..

وحسبك في استجلاء هذه الوحدة قوله تعالي      ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله , لا نفرق بين أحد من رسله ) 

ووحد الله بالمصطفي صلي الله عليه وآله وسلم كذلك بين الدنيا والدين حيث بين وظيفة الانسان في خلافته في الأرض وأنه في المجموعة الانسانية يجب أن يكون عضوا عاملا لعمارة الدنيا والآخرة جميعا , يحيث يعمل لدنياه  ودينه , فلم يفرق الرسول بين قائد الجيش وإمام الصلاة في أن كلا منهما عامل بدينه موفق في عمله    --  مثاب عليه  -- ( إنما الأعمال بالنيات )

فكان الرسول صلي الله عليه وآله وسلم بهذا الدين الجامع الخاتم , متمما لمكارم الأخلاق آخذا بيد الإنسانية إلي مثلها الأعلي وبهذا كان مظهر التكريم والكمال في الأولين والآخرين , غير منازع في عالم الأرض والسماء , وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ..

  كانت الرسل قبله حيث كانت بعثتهم لأقوامهم خاصة , أما هو فقد بعث للناس عامة بمنزلة النجوم تمهد لبزوغ القمر , أو بمنزلة المصابيح تضئ أماكنها في الليل حتي إذا أشرقت الشمس فقد غطت بضوئها الشامل علي جميع الأنوار وكست بحرارتها وحيويتها الأرض ومن عليها بهجة وحياة ونموا ..

وستظل هذه الرحمة الشاملة ينهل منها البر والفاجر ما بقيت الدنيا ثم هي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة , وستظل تلك الرسالة الخاتمة الجامعة حجة الله علي الأجيال القادمة حتي ينتهي العالم , وسيظل القرآن الكريم منبعا فياضا بكل ما يحتاجه البشر في تشريعهم واجتماعهم وعمرانهم وجميع مرافقهم إلي أن ينزع من الصدور , أو إلي يوم القيامة توضحه السنة النبوية المحررة ..

وستظل ثلاثة وستون عاما حفلت فيها الأرض بسيد الوجود تحمل في طياتها تاريخ الوجود كله ومثله العليا إلي أسمي ما تتصوره الانسانية الكاملة من مثل عليا ..

وسنري المنصف في الغرب العتيد يطأطئ رأسه إجلالا لعظمة الاسلام واعترافا لتلك السماحة الماثلة في حقيقة الاسلام وجوهره , وإذعانا لذلكم النبي الكريم الخاتم والمنقذ الأعظم محمد صلي الله عليه وآله وسلم .     

عند الغضب !

 

من السهل أن تكون قليل الحياء , حاملا لكم هائل من الشتائم والسباب والبلطجة .

ومن الصعب أن تلتزم بالأدب والحلم وكبح الغضب والعفو عند المقدرة .

 حيث أن طبيعة الإنسان البدائية تدفعه للعنف , والطبيعة المتحضرة تملي عليه الحلم وحسن الخلق .

وللحق أنه لا تقدم ولا رخاء في ظل الإنسان البلطجي والعنيف .........

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت     فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا 

وصدق الرسول الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم حين قال  :

( ليس الشديد بالصرعة ... إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب ) .......

 

أحلام الحمقي !

 

 الحمق شعبة من شعب الجنون , والجنون فنون كما يقولون ! والأحمق هو المصاب بهذا الداء , وقد أعيت الحماقة الأطباء كما يقول الشاعر :

لكل داء دواء يستطب به      إلا الحماقة أعيت من يداويها

ويعرف الأحمق بصفات وسمات تدل عليه .

وسلوكه يؤكد تلك السمات والقسمات , كما أنها تؤكده وتدل عليه

والأحمق مندفع في أقواله وأفعاله .

سريع الغضب .. شديد الانفعال .. يثيره أي شئ يتوهم فيه ما يتوهم من عدوان أو سخرية أو إزدراء

وهو فيما يصدر عنه من قول أو فعل ممن ينطبق عليه المثل السائر : ( جاء ليكحلها فأعماها ) ومن أبرز صفاته النفسية الاندفاع الذي يهوي به إلي القاع , وعدم وزنه لعواقب ما يندفع إليه ..

ومنها عبوسه الدائم وتجهمه المستمر ...

وتنم عن ذلك قسماته وزفراته وتخبيطه بين الأقدام , والإحجام , وسرعة ما ينزلق إليه من أحكام تضحك الباكي وتبكي الضاحك

ويحكي أن صديقين حميمين كانا يسيران معا , حتي إذا بلغا واديا شاسعا واسعا يصلح لأن يكون مرعي ومرتعا . سأل أحدهما صديقه :

-- ماالذي تتمني أن يكون لك في هذا الوادي البهيج ؟ !

فأجاب صديقه علي الفور قائلا : 

-- أتمني أن يكون عندي الألوف من ذوات الصوف !!

فغر صاحبه فاه وهو يسأله :

--  ماذا تعني بذوات الصوف ؟

أجابه : إنها النعجة والخروف ... يعني الأغنام !

وسأله : ولماذا الأغنام دون سائر الأنعام ؟ !

قال : لأن الغنم غنيمة .. أبيع صوفها وألبانها ولحومها وجلودها .. وأربح من ذلك المال الكثير

ثم استدار وسأل صاحبه : وما الذي تتمناه أنت ؟ أجابه علي الفور :

-- أتمني أن يكون عندي ذئاب عددها أكثر من عدد أغنامك !

صرخ صاحبه منزعجا :

-- ولماذا تتمني هذه الذئاب ؟!

أجابه علي الفور :

-- لكي تأكل أغنامك كلها !!

فأطبق بيديه علي عنقه وهو يلعنه قائلا بصوت عال : 

-- يا أحمق , يا نذل يا خائن الصداقة والأخوة , يا عديم المروءة , يا ملعون , لا شك أنك مجنون

واشتد الشد والجذب بينهما !!!وبينما هما كذلك مر عليهما رجل يمطي حمارا وأمامه قربة كبيرة ملآنة بالعسل ..

نزل الرجل تاركا حماره بما يحمل , وبعد أن فض الاشتباك بينهما سألهما لماذا هذه المعركة الحامية ؟! فقص كل منهما علي ذلك الرجل الذي اندفع فورا , وجاء بالقربة وأخذ يسكب ما فيها من عسل علي الأرض وهو يقول :

--  لا شك أنكما أحمقان !!

ولم يدرك الرجل أنه أشد حماقة منهما

 

 

منع الحمل بين الترهيب والترغيب

 

 إختلف العلماء في وجوب استخدام وسائل منع الحمل وصل لحد الكراهة المطلقة لطائفة منهم لأنه يترتب عليه قطع النسل ويستندون لقول لرسول الله (ص ) حين سؤل عن العزل قال ( ذلك الوأد الخفي ) فلو كان ذلك الفعل جائز -- في نظرهم -- لما أسماه الرسول -- وأدا -- وكذلك روي عن النبي ( ص ) أنه قال في العزل ( أنت تخلقه أنت ترزقه أقره قرارة فإنما ذلك القدر ) وسأل رجل النبي ( ص ) عن العزل فقال له ( لو أن الماء الذي أرهقته علي صخرة لأخرج الله منها ولدا ) يشير بذلك إلي أن الحرص بالعزل في منع الولد لا يفيد مع ما قدره الله من وجود الولد ودللوا بأن الله تعالي خلق آدم من غير ذكر ولا أنثي وخلق حواء من ضلع منه وخلق عيسي من غير ذكر ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) 

وذهب فريق أن أحد الزوجين لا يفعل ذلك إلا بإذن الآخر لأن الولد يتخلق من ماءيهما قال تعالي (فلينظر الانسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ) وبذلك لكل واحد منهما حق فيه فلا يملك أحدهما مباشرة سبب منع الحمل إلا بإذن الآخر ويشهد بذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه   قال ( نهي رسول الله ( ص ) أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها ) 

ورأي بعض العلماء جواز هذا الفعل مطلقا ولو كان بغير إذن من الآخر مستدلا بالأحاديث المطلقة التي منها ما روي عن جابر رضي الله عنه قال  : ( كنا نعزل علي عهد رسول الله ( ص ) والقرآن ينزل )  أي بتفاصيل الأحكام , ولو كان حراما لنزل فيه حكم التحريم , وفي رواية لمسلم : ( كنا نعزل علي عهد رسول الله ( ص ) فبلغه ذلك فلم ينهنا )   

جرأة السفهاء وجبن الفضلاء !

 

 ومما يدل علي أن أكثر نقد الناقدين صادر عن هوي لا عن رأي * أن الصفات التي يمتدحون بها إنسانا في غناه يذمونه بها في فقره فقد قال عبد الله ابن المقفع في الأدب الصغير 

( إذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمنا * وأساء به الظن من كان يظن به حسنا * فإذا أذنب غيره ظنوه * وكان للتهمة وسوء الظن موضعا * وليس من خلة هي للغني مدح إلا هي للفقير عيب * فإذا كان شجاعا سمي أهوج وإن كان جوادا سمي مفسدا * وإن كان حليما سمي ضعيفا * وإن كان وقورا سمي بليدا * وإن كان لسنا سمي مهذارا * وإن كان صموتا سمي عييا )

لله در ابن المقفع * ان الناس في عصرنا هذا أصبحوا ينتقدون كل فرد ولو بما هو من أسمي الفضائل فيه * فإن كان متواضعا سمي مهينا * وإن كان وقورا سمي متكبرا * وإن كان محتشما سمي متأخرا * وإن كان محافظا علي دينه سمي جامدا * وإن كان مرهف الاحساس سمي موسوسا * فيا لله من سخف الآراء * ويا لله من عجائب الأهواء 

إن جبن الفضلاء عن الحق خوفا من ألسنة الناس خطأ كجرأة  السفهاء علي الباطل * لأن خذلان الحق نصرا للباطل 

 فيا أيها الفضلاء سيروا إلي الكمال *وارضوا الله وضمائركم * ولا ترهبوا بعد ذلك أحدا من الناس وحسبكم أن من يغتابكم باسم النقد سيبوء بإثمه وإثمكم وستفوزون بحسناته وحسناتكم 

ويا أيها الناقدون غيركم هونوا علي أنفسكم فليست لنا آذان تسمع أقوالكم * ولا نفوس مستعدة لإرضائكم بل (موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ) 

كلمات موجزة أدليت بها علي عجل بعد ما شاهدته من عجائب أحوال الناس لأبين للذين يهابون انتقاد الأغبياء * ويحسبون لهم حسابا وترتجف قلوبهم وجلا من نقد سخيف أنهم علي خطأ في ذلك * وأنهم ماداموا لا يأتون منكرا يغضب الله تعالي فلا يجدر بهم أن يعيروا الناقدين اهتماما * ويتخاذلوا عن مصالحهم وأعمالهم النافعة 

أفاضل الناس أغراض لذا الزمن      يخلو من الهم أخلاهم من الفطن 

                  

 

 

عادية السفهاء وانتقاد الأغبياء !

 

ليعلم كل إنسان أن ليس في استطاعته إرضاء الناس كلهم * أو التخلص من ألسنتهم * فإذا كان الله تعالي وهو خالق الناس ورازقهم لم تسكت عنه ألسنتهم حتي نسبوا إليه ما لا يليق بكماله * فقال فيه اليهود ( إن الله فقير ونحن أغنياء ) وإذا كان رسل الله كلهم لم يسلموا من اتهام الناس لهم بالسحر والجنون كما قال الله تعالي ( كذلك ما أتي الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ) وإذا كان كل عظيم لم ينج من إيذاء السفهاء فكيف يطمع أحدنا في التخلص من قدح المبطلين * اللهم إن هذه غاية تنقطع دونها الأعناق ومثال لا يدرك ولو بزهوق الأرواح *

فهبنا من لدنك قوة وجلدا نرد بها عادية السفهاء * ويقظة وبصيرة نسمو بهما فوق انتقاد الأغبياء 

حسب الانسان أن يرضي ربه باتباع ما أمر به واجتناب ما نهي عنه * والتخلق بما مدحه والتباعد عما حذر منه * وحسبه أن يرضي ضميره بعمل الخير والتباعد عن الشر * ولا عليه بعد ذلك أن يرضي الناس أو يسخطوا فإن رضاهم أو سخطهم تابعان في أكثر الأحيان لأهوائهم ومن العبث أن نتبع هوي الناس * ونترك الطريق الواضح الذي هدانا إليه أحكم الحاكمين 

 

هل تسلم عقلك لناقد ؟!

 

ليس كل انتقاد حقا * فقد يكون النقد ناشئا من اختلاف وجهات النظر في الحياة * ومن اختلاف الطبائع وتباين الاستعداد * وقد يكون مبعثه  الحسد الكامن في كل نفس * وقد يكون مثاره قصور الناقد عن بلوغ شأو المنتقد * وقد يكون غير ذلك من الآفات النفسية التي لا حصر لها 

من العبث أن نعير كل نقد نصيبا من اهتمامنا * ومن الأفن في الرأي والخطأ في التفكير أن نسلم عقولنا إلي غيرنا لنسير حسب أهوائه في الحياة تخلصا من نقده

يكون النقد جديرا بالاحترام إذا انحرفنا عن طريق الاستقامة وسلكنا طرقا ملتوية معوجة تباعد بيننا وبين المثل الأعلي للكمال * هذا ما يجب أن يجعله الانسان نصب عينه حتي يسير قدما لا يلوي ذراعه ناقد ولا يصرفه عن غايته انتقاد منتقد أو سخافة مأفون الرأي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النقد للنقد ليس إلا !

 

دلتني التجارب المتكررة أن الناقدين لا يعنون بنقدهم الناس في عمل الشر بمقدار ما يعنون بانتقاد الفضلاء في أمور عادية محضة بينما تجد سوق الرذائل لا تجد من يعنيها , والاستهتار قد غمر نفوس الناس ولا يرتفع صوت بإنكاره .. تجد الألسنة قد اندلعت من الأفواه بالتشنيع علي بعض أفاضل الناس في أمور عادية محضة رأوا فيها وجهة تخالف وجهة غيرهم , كأنما حق علي أفاضل الناس قول الشاعر الحكيم

أفاضل الناس أغراض لذا الزمن    يخلو من الهم أخلاهم من الفطن 

وقد جعل الله لنفوس العظماء مناعة من التأثر بهذيان الناقدين , فساروا في طريق عظمتهم وأملوا علي الزمن حكمهم , وأرغموا أنف التاريخ علي أن يسجل لهم في صفحات المجد أروع الذكريات , ولولا تلك المناعة ما وجدنا عظيما أثمرت جهوده , ولتخاذلت همم الجميع عن الأعمال الماجدة , ولكن ضعاف النفوس وصغار العقول ولو كانوا علي حق في أعمالهم يتهيبون مقاومة انتقاد الباطل الموجه إليهم فينكمشون ويتخاذلون عما هم بصدده من العمل النافع المجدي حتي ينطفئ سراج حياتهم ويخرجون من الدنيا كما دخلوها صفر الأيدي من الأعمال النافعة , خلو الصدور إلا من الحسرة التي تأكل قلوبهم علي عدم بلوغهم آمالهم 

كيف نحتفل بعيد الحب

 

في هذا اليوم ( عيد الحب ) يجب أن نصالح من خاصمناهم , ونتصل بمن قاطعناهم , ونسأل عمن هجرناهم .

ننسي الإساءات ونجدد الصداقات ونملأ الدنيا بسمات وضحكات !

يكفي في هذا اليوم أن يقدم الحبيب إلي حبيبته زهرة !! لا أريد أن أرهق ميزانية أحد , وردة جميلة يخفق لها قلب المحب أكثر من هدية غالية الثمن , وردة تقول للحبيبة ( إني أحبك )

ويقدم التلميذ إلي أستاذه وردة !! أو تكتب التلميذة إلي مدرستها خطاب شكر تقول فيه : أنها تعتز بأنها تلميذتها , وسوف تذكرها مدي حياتها , فكل منا مدين لأساتذته بكل ما وصل إليه .

لو كل مسئول جلس في مكتبه اليوم وتذكر المدرسين الذين علموه في المدرسة الابتدائية مثلا وكتب لبعضهم خطاب شكر .. هذه الخطابات البسيطة سوف تطيل أعمارهم وتجدد شبابهم ...

أحلي كلمة في أذن الإنسان هي كلمة العرفان بالجميل ...

وأقسي طعنة خنجر هي طعنة الجحود وعدم العرفان !

أن يتذكر الإنسان أصدقاءه الذين باعدت الأيام بينهم ويحاول أن يعرف أين هم ويبحث عنهم , يدق لأي واحد منهم التليفون , كأنه يطل عليهم من وراء الزمن ... إننا عندما نعود إلي أصدقاء الطفولة كأننا نركب بساط الريح ونطوي الزمن والعمر ونعود إلي أيام أحلام الطفولة , هذه الذكريات الحلوة ممكن أن تعيد لنا ما ضاع من أيامنا كأننا بهذا الحب نغسل من علي وجوهنا عناء الأيام !!

يجب أن نعيد في هذا اليوم العلاقات الإنسانية الحلوة , فإن إعادتها لا يحتاج إلا لدقائق  

فلنجرب !! 

 
A service provided by Al Bawaba