سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه مما أجمع عليه أهل الحق من علماء الأمة الاسلامية , فإن كان الميت ممن يثبتهم الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة لأعمالهم الصالحة وعقيدتهم الطيبة , أجاب سريعا بدون تلكؤ ولا تردد , وعندئذ يصدق قوله بمناد من قبل الله تعالي , ويفتح له باب الجنة , ويفرش له فراش من الجنة , ويؤنسه عمله .
وإن كان ممن طمست بصائرهم , وساءت سيرتهم تلكأ وتردد أو عجز بتاتا عن الجواب لتخلي المعونة الالهية عنه , وعندئذ يكون الأمر بالعكس , ويكون قبره جحيما وحفرة من حفر جهنم والعياذ بالله , ويطول عذابه أو يقصر , ويستمر أو ينقطع حسبما أراد الله له من الجزاء علي سيئات أعماله .
وبهذا قد صح الخبر عن سيد البشر الصادق المصدوق المخبر عن الله تعالي : أخرج الشيخان من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال في قوله تعالي : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) نزلت في عذاب القبر . وزاد مسلم ( يقال له من ربك فيقول ربي الله ونبي محمد ( فذلك قوله : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) وعند أبي داود ( يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك ؟ فيقول ربي الله . فيقولان له ما دينك ؟ فيقول ديني الاسلام . فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول هو رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فيقولان له : وما يدريك ؟ فيقول قرأت كتاب الله تعالي فآمنت به وصدقت . فينادي مناد من السماء إن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابا إلي الجنة وألبسوه من الجنة , ويفسح له فيه مد بصره ) وقال في الكافر ( فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك ؟ فيقول هاه هاه لا أدري . إلي أن قال : فينادي مناد من السماء إن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلي النار , قال فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتي تختلف فيه أضلاعه )
وأخرج مسلم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم ( إن هذه الأمة تبتلي في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ) ثم أقبل علينا بوجهه فقال : ( تعوذوا بالله من عذاب القبر ) وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال : ( إن أهل القبور يعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم ) .وعلي هذا أجمعت الأمة ولم يخالف إلا من لا يعتد به من أهل الالحاد . قال المروزي قال أبو عبد الله الأمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه : عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل , وقال حنبل : قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر فقال هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها كلما جاء عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم إسناد جيد أقررنا به . وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه رددنا علي الله أمره . فقال الله تعالي ( وما آتاكم الرسول به فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) قلت : وعذاب القبر حق ؟ قال حق يعذبون في القبور .
وتلك العاقبة لابد منها لكل ميت سواء دفن في القبر وطوته الأرض , أم لم يدفن علي الطريقة المعروفة بأن أكله السمك أو افترسته السباع أو أحرق وذري رماده في الهواء , لا يستثني من ذلك إلا ورد الشرع باستثنائهم من الفتنة , وآمنهم من الشدة التي تكون في القبر , وذلك كالشهداء ومن لقي العدو وصبر حتي يقتل أو يغلب , والمرابطين في سبيل الله , ومن حافظ علي تلاوة سورة تبارك كل ليلة , ومن مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة , ومن قرأ سورة الأخلاص في مرض موته , والأنبياء والملائكة , ومن عدا ما ذكر ففتنة القبر لابد له منها ومن سؤال وضغطة ونعيم أوعذاب .
وقد تبدوا فتنة القبر مستبعدة نوعا ما لمن لم يقبر مثل ما ذكرت من الغريق والحريق ونحوهم , ولكن ينبغي للمؤمن أن يذكر نفسه بأن محيط قدرة الله واسع , وأن عالم البرزخ فوق مألوفنا , وهو عالم الغيب الذي تكفينا فيه صحة الخبر , وسلامة النقل , وأن الأحاديث النبوية لم تستثن ميتا من ميت , بل الخبر عام يشمل الكل وليس لدينا ما يدعو إلي الاستثناء لحالة التفرق في الميت وتعدد الأمكنة التي حلت فيها أجزاؤه , لأن القدرة الإلهية كما قلت لا تقف عند هذا , والله أعلم بالحالة التي يسأل فيها عبده , وبالكيفية التي يعذبه بها أو ينعمه .
وتتميما للفائدة أنقل هنا النصوص في الموضوع وهي صريحة واضحة :
قال الشعراني في اليواقيت :
فأما سؤال منكر ونكير فقال أهل السنة أنه يكون لكل ميت سواء كان في قبر أو في بطون الوحوش أو الطيور أو مهاب الريح بعد أن أحرق وذري في الريح .
قال الجلال المحلي رحمه الله :
ويكون عذاب الله تعالي للكافرين , ولمن شاء تعذيبه من الفاسقين فقط , فترد روح المعذب إلي جسده كله أو ما بقي منه فإنه لا يمتنع إحياء بعض الجسد , وإن كان ذلك خلاف العادة لأن خرق العادة غير ممتنع في مقدور الله عز وجل .
قال الكمال في حاشيته :
وقول أهل الأصول إن سؤال منكر ونكير وعذاب القبر ونعيمه حق , جري علي الغالب وإلا فالحق أن ذلك لا يختص بالقبر المعروف فيحس بالعذاب من أكله السمك والسباع وغير ذلك . ثم قال : ويجوز إعادة الحياة لجزء واحد لا يشاهد لأن أحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا , كما أن روح النائم تشاهد أشياء لا يشاهدها اليقظان الذي هو في جانبه .
( إنتهي كلام صاحب اليواقيت ) .
وقال ابن القيم في كتاب الروح :
ما ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ . فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قبر أم لم يقبر . فلو أكلته السباع أو حرق حتي صار رمادا أو نسف في الهواء أو غرق في البحر وصل إلي روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلي المقبور . انتهي
ومما يناسب المقام , ويقربه إلي الأذهان ما أشرت إلي استبعاد بعض الناس له . ما رواه الشيخان عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال : ( كان رجل يسرف علي نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح . فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا , فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال إجمعي ما فيك ففعلت فإذا هو قائم , فقال ما حملك علي ما صنعت ؟ قال خشيتك يارب أو قال مخافتك - فغفر له )
نسأل الله تعالي أن يختم لنا بخاتمة السعادة , وأن يمنحنا عفوه ورضاه آمين

